النص المفهرس
صفحات 261-280
الحقق ٢٦١. باب منه [٥] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواقي، في كل عام أوقية فأعينيني؛ فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك، فأبوا عليها؛ فجاءت من عند أهلها ورسول الله عَّ جالس، فقالت لعائشة: إني قد عرضت عليهم ذلك، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم؛ فسمع ذلك رسول الله عَّه فسألها فأخبرته عائشة فقال رسول الله عَّه خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق؛ ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله عَّة في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق(١). قال أبو عمر: الكلام في حديث بريرة قد سبق كثير من الناس إليه وأكثروا فيه من الاستنباط، فمنهم من جود، ومنهم من خلط وأتى بما ليس له معنى كقول بعضهم: فيه إباحة البكاء في المحبة لبكاء زوج بريرة، وفيه قبول الهدية بعد الغضب، وفيه إباحة أكل المرأة ما تحب دون بعلها، وفيه إباحة سؤال الرجل عما يراه في بيته من طعام؛ (١) حم: (٢٠٦/٦-٢١٣-٢٧١ -٢٧٢)، خ: (٢٥٦٣/٢٣٧/٥). م: (١٥٠٤/١١٤٢/٢[٨-٩])، د: (٣٩٣٠/٢٤٨/٤)، ن: (٦ / ٤٧٦ /٣٤٥١)، جه: (٢/ ٢٥٢١/٨٤٢) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وأخرجه: خ: (٢٥٦١/٢٣٤/٥)، م: (٢/ ١٥٠٤/١١٤١[٦-٧])، د: (٣٩٢٩/٢٤٥/٤) من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة. فتح البر ٢٦٢ إلى كثير من مثل هذا القول الذي لا معنى له في الفقه والعلم عند أحد من العلماء؛ ونحن بحمد الله وعونه نذكر ههنا ما في حديثها من الأحكام التي توجبه ألفاظه، ونبين ما روي مما يعارضه ويوافقه، ونوضح القول فيه بمبلغ علمنا على مذاهب أهل العلم مختصرا كافيا، إلى ما قدمنا من القول في كثير من أحكام حديث بريرة في باب ربيعة وبالله عوننا لا شريك له. وفي هذا الحديث من الفقه استعمال عموم الخطاب في قوله: ((فكاتبوهم))، لأنه دخل في ذلك الأمة ذات الزوج وغيرها، لأن بريرة كانت ذات زوج خيرت تحته إذ أعتقت. وفيه جواز كتابة الأمة دون زوجها، وفي ذلك دليل على أن زوجها ليس له منعها من البيع في كتابتها؛ ولو استدل مستدل من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها، کان حسنا. وفيه دليل على أن العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها وفراقها له، كما أن لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إيطال نكاحه؛ وكذلك له أن يبيع أمته من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان نكاحه. وفيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة، لأنها إذا خيرت فاختارته بقيت معه وهي حرة وهو عبد. وفيه أن المكاتب جائز له السؤال والسعي في كتابته والتكسب بذلك، وجائز لسيده أن يكاتبه وهو لا شيء معه؛ ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا، كذلك ذكر ابن شهاب عن عروة في هذا الحديث. العتق ٢٦٣ روى ابن وهب عن يونس، والليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت بريرة الي فقالت: يا عائشة، إني كاتبت أهلي على تسع أواقي، في كل عام أوقية فأعينيني؛ ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت؛ فذهبت بريرة إلى أهلها، فعرضت ذلك عليهم؛ فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا؛ فذكرت ذلك لرسول الله عَّه فقال: لا يمنعك ذلك منها، ابتاعي وأعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت؛ وقام رسول الله عَّه في الناس فحمد الله ثم قال: أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط؛ قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق(١). ففي حديث ابن شهاب هذا عن عروة: أن بريرة لم تكن قضت من كتابتها شيئا حتى جاءت تستعين عائشة، وفي هذا دليل على إجازة كتابة الأمة وهي غير ذات صنعة، ولا حرفة، ولا مال؛ إذ ظاهر هذا الخبر أنها ابتدأت بالسؤال من حين كوتبت، ولم يقل النبي عَّهُ حين سمع أنها كوتبت هل لها كسب يعلم؟ أو عمل واجب أو مال؟ ولو كان هذا واجبا، لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بعث مبينا ومعلما عَّ. وهذا يبين ما رواه ابن وهب عن مسلم بن خالد، عن العلاء بن (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. فتح البر ٢٦٤ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي وَّ نهى عن كسب الأمة إلا أن يكون لها عمل واجب أو كسب يعرف وجهه(١). وقد روى شعبة عن محمد بن جحادة عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال نهى رسول الله عَّه عن كسب الإماء (٢). وهذا وما كان مثله یکون خوفا علیھن أن یکتسبن بفروجهن. وروى أحمد بن حنبل، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمة بن عمار، عن طارق بن عبد الرحمن القرشي، قال جاء رفاعة بن رافع إلى مجلس الأنصار فقال: نهانا رسول الله عَّ عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها. وقال: هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش(٣)، وهذا نحو ما جاء عن عثمان رضي الله عنه من النهي عن ذلك، لئلا يكتسبن بفروجهن على ما كن يصنعن بإذن مواليهن وبغير إذنهم في الجاهلية من البغاء. (١) هق: (٨/٨) وفيه مسلم بن خالد الزنجي، قال الحافظ في التقريب (١٧٨/١): صدوق كثير الأوهام. وقال الهيثمي في المجمع (٩٥/٤- ٩٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثق. والجملة الأولى منه في الصحيح كما سيأتي في الحديث بعده وله شاهد من حديث رفاعة بن رافع سيأتي تخريجه. (٢) خ: (٥٣٤٨/٦١٧/٩) و(٤/ ٢٢٨٣/٥٨٠)، د: (٣٤٢٥/٧٠٩/٣). (٣) حم: (٣٤١/٤)، د: (٣/ ٣٤٢٦/٧١٠) من حديث رافع بن رفاعة، ك: (٤٢/٢)، هق: (١٢٦/٦)، من حديث رفاعة بن رافع كلهم من طريق هاشم بن القاسم عن عكرمة عن طارق بن عبد الرحمن القرشي قال: فذكره وقال الحاكم صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: طارق فيه لين، ولم يذكر أنه سمعه من رفاعة. قال المزي في تهذيب الكمال (٢٦/٩): رافع هذا غير معروف والمحفوظ في هذا من حديث هرمز بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج. قلت: حديث رافع بن خديج رواه: د: (٣/ ٣٤٢٧/٧١٠)، ك: (٤٢/٢). هق: (١٢٧/٦). وسكت عنه الحاكم وقال الذهبي أخرجاه شاهدا. العتق ٢٦٥ وأما المكاتبة، فليست من ذلك في شيء، لأنها قد أبيح لها السؤال، لانفرادها بكسبها دون مواليها وندب الناس إلى عون المكاتبين، لما في ذلك من فك الرقاب من الرق، وسنبين هذا ونوضحه إن شاء الله. وفي هذا رد على من قال: لا تجوز كتابة المكاتب حتى يكون له مال، واحتج بقول الله تعالى: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: (٣٣)]. روي عن جماعة، منهم: ابن عباس، وعطاء في قول الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: المال. وعن عمرو بن دينار: المال والصلاح. وقال مجاهد: الغنى والأداء، وكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة. وقال إبراهيم النخعي في قوله: ((إن علمتم فيهم خيرا)) قال: صدقا ووفاء . وقال عكرمة: قوة. وقال الثوري: دينا وأمانة. وقال الشافعي: إذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة، قال الشافعي: وليس الخير ههنا المال في الظاهر لمعنيين، أحدهما: أن المال يكون عنده لا فيه. والثاني أن المال الذي في يده لسيده، فكيف يكاتبه بماله، ولكن يكون فيه الاكتساب الذي يفيده المال؛ قال: وسواء ذو الصنعة وغيرها من عبد أو أمة، ذكر ذلك كله المزني عن الشافعي في المختصر الكبير . وذكر الربيع عن الشافعي قال: قد يكون المكاتب قويا على الأداء بما فرض الله له في الصدقات، فإن الله فرض فيها للرقاب وهم عندنا المكاتبون؛ قال: ولهذا لم أكره كتابة الأمة غير ذات الصنعة مع رغبة الناس في الصدقة على المكاتبين تطوعا، قال: ولا تشبه الكتابة أن تكلف الأمة الكسب، لأنها لا حق لها حينئذ في الصدقات، ولا رغبة للناس في الصدقة عليها كرغبتهم في الصدقة على المكاتبة. فتح البر ٢٦٦ وذكر سعيد بن منصور عن هشيم، عن يونس بن عبيد، قال: كنا جلوسا عند الحسن وعنده أخوه سعيد بن أبي الحسن، فتذاكرنا هذه الآية: ﴿فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: (٣٣)]. فقال سعيد: إن كان عنده مال فكاتبه، وإن لم يكن عنده مال، فلا تعلقه صحيفة يغدو بها على الناس ويروح فيسألهم فيحرجهم فيؤثمهم؛ فقال الحسن: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: (٣٣)]. صدقاً وأمانة: من أعطاه كان مأجوراً، ومن سئل فرد خيراً كان مأجوراً. قال أبو عمر: قد رخص مالك وأبو حنيفة والشافعي في مكاتبة من لا حرفة له وإن كان قد اختلف قول مالك في ذلك، وكره الأوزاعي، وأحمد وإسحاق مكاتبة من لا حرفة له، وروي نحو ذلك عن عمر، وابن عمر، ومسروق، والحجة في السنة لا فيما خالفها. وفي حديث بريرة هذا دلالة على أن قول الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: أنه الكسب، لأن النبي ◌َّ لم يسأل بريرة أمعك مال أم لا، ولم ينهها عن السؤال، وقد يكون الكسب بالمسألة؛ وقد قيل: المسألة: آخر كسب المؤمن، وقد كوتبت بريرة ولم يعلم لها كسب واجب والله صَلاللّه أعلم، ولم ينكره النبي ◌َّه . وفي هذا الحديث: دليل على إجازة أخذ السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس، لترك النبي ◌َّةٍ وجوها عن مسألة عائشة، إذ كانت تستعينها في آداء نجمها؛ وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس وقال: تطعمني أوساخ الناس، وليس كما قال ولا كما ظن؛ لأن ما طاب لبريرة أخذه، كان لسيدها قبضه عنها في الكتابة؛ لأنه داخل عليه من غيرالجهة التي دخل عليها؛ وقد بينا هذا المعنى في الحتق ٢٦٧ باب ربيعة عند ذكر اللحم الذي تصدق به على بريرة؛ فقال رسول الله عَّ: هو عليها صدقة ولنا هدية، وكيف لا يبدر الناس إلى إعطاء المكاتب، ويطيب له ما أعطي فيصير ماله يؤديه عن نفسه والنبي صَّىاللّه ريتـ قد حض علی إعطائه وندب إلی ذلك. روى سهل بن حنيف وغيره عن النبي عَّهُ أنه قال: من أعان غازيا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله(١). وقد روى عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله عَّه فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصرت في الخطبة، لقد أعرضت في المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة؛ قال: أو ليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة أن تفرد عتقها، وفك الرقبة: أن تعتق في ثمنها وذكر تمام الحديث(٢). (١) حم: (٤٨٧/٣)، ك: (٨٩/٢)، هق: (٣٢٠/١٠)، ابن أبي شيبة (٢٢١٧٦/٤٦٦/٤)، و (٤/ ٢٣٠١٨/٥٤٧)، طب: فى الكبير: (٥٥٩٠/٨٦/٦)، من حديث يحيى بن أبي بكير عن زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سهل بن حنيف أن سهلا حدثه أن رسول الله وسلم قال فذكره. وقال الهيثمي في المجمع: (٢٨٦/٤)، رواه أحمد والطبراني وفيه عبد الله بن سهل بن حنيف ولم أعرفه وعبد الله بن محمد بن عقيل حديثه حسن. وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة (ص: ١٥١): ((عبد الله بن سهل بن حنيف الأنصاري عن أبيه، وعنه عبد الله بن محمد بن عقيل، ليس بمشهور، قلت: صحح حديثه الحاكم ولم أره في ثقات ابن حبان وهو على شرطه)). (٢) حم: (٢٩٩/٤)، حب: ( الإحسان (٣٧٤/٩٨/٢)، قط: (١٣٥/٢)، البغوي في شرح السنة (٢٤١٩/٣٥٤/٩)، هق: (٢٧٣/١٠). وقال الهيثمي في المجمع: (٢٤٣/٤): روا أحمد ورجاله ثقات. فتح البر ٢٦٨٫ ولو كان غير جائز للسيد أن يأخذ من مكاتبه ما تصدق به عليه، لكان محظورا أيضا على كل غني أن يأخذ من الفقير ما تصدق به عليه، ولو كان ذلك كذلك، ما انتفع الفقير بشيء يأخذه من المال؛ ولضاق عليه التصرف فيه والانتفاع به؛ وهذا مالا يخفى فساده على أحد، وحسبك برسول الله عَّه كان قد حرم الله عليه الصدقة، ولم يمتنع لذلك من قبول هدية بريرة مما تصدق به عليها. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن عبد السلام بن ثعلبة، قال حدثنا محمد بن بشار بندار، قال حدثنا محمد بن جعفر غندر، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي عَّة أنه أتي بلحم قالوا: إنه تصدق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية(١). واختلف العلماء في الكتابة هل تجب فرضا على السيد إذا ابتغاها العبد وعلم فيه خيرا، فقال عطاء، وعمرو بن دينار: ما نرى ذلك إلا واجبا، وهو قول الضحاك بن مزاحم؛ قال: هي عزمة، وإلى هذا ذهب داود، واحتج بظاهر القرآن في الأمر بالكتابة؛ واحتج أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك -وهو مولاه- الكتابة، فأبي أنس؛ فرفع عليه عمر الدرة وتلا: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فكاتبه أنس. وقال داود: ما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله؛ وحجة قائلي هذه المقالة، ظاهر قول الله عز وجل: ﴿فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: (٣٣)]. وهذا أمر حقيقته الوجوب إذا لم يتفق على أنه أريد به الندب. (١) خ: (١٤٩٥/٤٥٤/٣)، م: (١٠٧٤/٧٥٥/٢). العتق ٢٦٩ وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، وأصحابهم: ليست الكتابة بواجبة، ومن شاء كاتب، ومن شاء لم يكاتب؛ وهو قول الشعبي، والحسن البصري، وجماعة؛ ومن حجتهم: أنه لما لم يكن عليه واجب أن يبيعه ولا يهبه بإجماع، وفي الكتابة إخراج ملكه عن يده بغير تراض ولا طيب نفس منه؛ كانت الكتابة أحرى ألا تجب عليه، وكان ذلك دليلا على أن الآية على الندب لا على الإيجاب؛ ويحتمل أن يكون فعل عمر لأنس على الاختيار والاستحسان، لا على الوجوب. وقال اسحاق بن راهويه: لا يسع السيد إلا أن يكاتبه إذا اجتمع فيه الامانة والخير من غير أن يجبره الحاكم عليه، وأخشى أن يأثم إن لم يفعل. وأما قولها: إني كاتبت أهلي على تسع أواقي في كل عام أوقية، ففيه دليل على أن الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنجم؛ وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء، كلهم يقول فيما علمت إن الكتابة حكمها أن تكون على أنجم معلومة، قال الشافعي: أقلها ثلاثة. واختلفوا في الكتابة إذا وقعت على نجم واحد، أو وقعت حالة، فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد؛ وقال الشافعي: لا تجوز على نجم واحد، ولا تجوز حالة ألبتة. قال أبو عمر: ليست كتابة إذا كانت حالة، وإنما هو عتق على صفة؛ كأنه قال: إذا أدیت إلي كذا وكذا فأنت حر. وقد احتج بهذا الحديث أعني بقوله فيه: في كل عام أوقية من أجاز النجوم في الديون كلها على مثل هذا في كل شهر كذا، وفي كل عام فتح البر ٢٧٠ كذا؛ ولا يقول في أول الشهر أو وسطه أو آخره؛ وأبى من ذلك آخرون حتى يسمي الوقت من الشهر والعام، ويكون محدودا معروفا؛ والحجة في هذا الحديث لمن نزع به صحيحة، لأن رسول الله عٍَّ لم يقل لها إنها كتابة فاسدة، إذ لم يعرف متى يأخذ النجم أو الأوقية من العام؛ وحسبهم في ذلك: أن العام إذا انقضى أو انسلخ الشهر، وجب النجم؛ ومن أداه قبل ذلك، قبل منه؛ وليست الكتابة كالبيوع في كل شيء عند العلماء، لأن العبد مع سيده أكثرهم لا يرى بينهما ربا، ألا ترى أن المكاتب لو عجز حل لسيده ما أخذ منه، وليس ذلك كبيع العربان، وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا. وأما قوله: تسع أوا قي ، فالاوقية مؤنثة في اللفظ، مقدارها أربعون درهما كيلا لا اختلاف في ذلك؛ والدرهم الكيل: درهم وخمسان بدراهمنا على ما قد مضى ذكره في باب عمرو بن یحیی؛ ويجمع الأوقية أواقي بالتشديد، كذلك قال أبو زيد الأنصاري وغيره من أهل اللغة، قال أبو زيد: وقد يتجاوز في الجمع فيقال أواق. وقال أبو حاتم: يقال أوقية وأواقي، وبختية وبخاتي، وأمنية وأماني، وسرية وسراري؛ قال: وبعضهم يقول: بخات وأمان وسرار وأواق . وأما قول عائشة إن أحب أهلك أن أعدها لهم عددتها لهم ففيه دليل على أن العد في الدراهم الصحاح تقوم مقام الوزن، وأن الشراء بها جائز من غير ذكر الوزن؛ لأنها لم تقل: أزنها لهم، ولم يقل النبي ◌َّ عدد الأواقي غير جائز، ولو كان غير جائز لقال لهم: إن العد في مثل هذا لا يجوز. وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن التبايع كان بين الناس في ذلك الزمان بالاواقي وبالنواة وبالنش وهي أوزان معروفة، فالاوقية أربعون الحقق ٢٧١ درهما، والنش نصفها، والنواة زنة خمسة دراهم، فقد ذكرنا ذلك كله في باب حميد من هذا الكتاب. ذكر الواقدي قال: وفيها: يعني سنة ست وسبعين أمر عبدالملك بن مروان أن تنقش الدنانير والدراهم: حدثني بذلك سعد بن راشد، عن صالح بن كيسان؛ قال: وحدثني ابن أبي الزناد عن أبيه أن عبد الملك ابن مروان ضرب الدنانير والدراهم وهوأول من أحدث ضربها . قال: وحدثني عبد الرحمن بن حزم الليثي، عن هلال بن أمية، قال: سألت ابن المسيب: في كم تجب الزكاة من الدنانير؟ قال في كل عشرين مثقالا بالشامي: نصف مثقال، قلت: ما بال الشامي من البصري ؟ قال: هو الذي يضرب عليه الدنانير، وکان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب، كانت أثنين وعشرين قيراطا إلا حبة، وكانت العشرة وزن سبعة. وقال غير الواقدي: كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام وعند عرب الحجاز كلها رومية، تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك واسم الذي ضربت في أيامه مكتوب بالرومية، ووزن كل دينار منها مثقال كمثقالنا هذا؛ وهو وزن درهم ودانقين ونصف وخمسة أسباع حبة، وكانت الدراهم بالعراق وأرض المشرق كلها كسروية عليها صورة کسری واسمه فيها مكتوب بالفارسية، ووزن كل درهم منها مثقال؛ فكتب ملك الروم واسمه لاوى بن فلفظ إلى عبد الملك أنه قد أعد له سككا ليوجه بها إليه فيضرب عليها الدنانير، فقال عبد الملك لرسوله: لا حاجة لنا فيها، قد عملنا سككا نقشنا عليها توحيد الله واسم رسوله عمّة؛ وكان عبد الملك قد جعل الدنانير مثاقيل من زجاج لئلا تغير أو تحول إلى زيادة أو نقصان؛ وكانت قبل ذلك من حجارة؛ وأمر فنودي ألا يتبايع أحد بعد ثلاثة أيام من نداءه بدينار رومي، فكثرت الدنانير العربية وبطلت الرومية. فتح البر ٢٧٢ وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال، وذكر ذلك جماعة من أهل العلم بالسير والخبر أن الدراهم كانت غير معلومة إلى أيام عبدالملك بن مروان، فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن سبعة مثاقيل؛ قال: وكانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زيف، ودرهم من أربعة دوانق جيد؛ قال: فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد الملك على أن جمعوا الأربعة الدوانق إلى الثمانية، فصارت أثني عشر دانقا، فجعلوا الدرهم ستة دوانق وسموه كيلا، فاجتمع لهم في ذلك أن في كل مائتي درهم زكاة ، وأن أربعين درهما أوقية، وأن في الخمس الأواق التي قال رسول الله عَّه ليس فيما دونها صدقة مائتي درهم لا زيادة، وهي نصاب الصدقة. وأما قولها: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، وفي حديث ابن شهاب عن عروة إن أحبوا أن أعطيهم لك جميعا، ويكون ولاؤك لي فعلت. فظاهر هذا الخطاب أنها أرادت أن تشتري منهم الولاء بعد عقد الكتابة، وأن تؤدى في ذلك جميع الكتابة؛ فأبى القوم من ذلك، وطلبوا أن يكون الولاء لهم عند أداء عائشة لجميع الكتابة؛ كأنها تبرعت بذلك؛ وأرادت الولاء أو قصدت إلى ابتياع الولاء؛ وهذا لا يصح عندنا والله أعلم، لأنه لا خلاف بين علماء المسلمين أن الولاء لا يباع، وأن من أدى عن مكاتب كتابته؛ لم يكن له الولاء؛ ولو صح هذا كان يكون النكير حينئذ على عائشة رحمها الله في إرادتها أن يكون الولاء لها بأدائها الكتابة عنها، ولكن في حديث هشام بن عروة: خذيها واشترطي الولاء لهم، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة. وقد قال وهيب وكان من الحفاظ في هذا الحديث عن هشام بن عروة: إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة وأعتقك، ويكون ولاؤك الحتق ٢٧٣ لي فعلت. فقولها: وأعتقك دليل على شرائها لها شراء صحيحا، لأنها لا تعتقها إلا بعد شرائها لها، وهذا هو الظاهر في قولها: أعتقك والله أعلم. وفي حديث ابن شهاب أن رسول الله عَّه قال لعائشة: لا يمنعك ذلك، ابتاعي وأعتقي. وقوله: ابتاعي وأعتقي في حديث ابن شهاب، يفسرقوله في حديث هشام خذيها لأن قوله ابتاعيها وأعتقيها أمر منه عَّ لعائشة بالشراء ابتداء وعتقها لها بعد ملكها ليكون الولاء لها؛ وهذا هو الصحيح في الأصول؛ وإياه يعضد سائر الآثار عن عائشة في هذه القصة؛ ألا ترى إلى ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن عائشة أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن الولاء لنا، فذكرت ذلك لرسول الله عَّه فقال: لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق (١) وقد ذكرنا هذا الخبر في باب نافع من كتابنا هذا وليس في شيء من أخبار بريرة أصح من هذا الإسناد عن ابن عمر، وليس فيه اختلاف كما في حديث هشام من اختلاف ألفاظه؛ وقد بان في حديث ابن عمر أن عائشة أرادت شراء بريرة وعتقها، فأراد أهلها إشتراط الولاء لهم، وفي مثل هذا يصح الإنكار المذكور في حديث هشام بن عروة على أهل بريرة، لأن الولاء يثبت للمشتري المعتق ثبوت النسب، فلا يجوز لأحد تحويله عنه ببيع ولا اشتراط، وكذلك في سياقة أكثر الأحاديث ما يدل على أن بريرة بيعت من عائشة، لا أنها أدت عنها كتابتها؛ إلا أن في هذا الحديث شرط الولاء مع البيع، وإباحة النبي عَّه شراءها على ذلك دون إعمال الشرط، وفي ذلك صحة البيع وإيطال الشرط. (١) خ: (٤ /٢١٥٦/٤٦٥) وعدة مواضع من صحيحه. م: (١٥٠٤/١١٤١/٢). فتح البر ٢٧٤ وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله عَ ليه. فقال: اشتريها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق(١)؛ فبان حديث الأسود عن عائشة وبحديث ابن شهاب أيضا المتقدم ذكره أن رسول الله عليه. أمرها بالشراء ابتداء وبعتقها بعد ملكها، ليكون الولاء لها، وهذه الرواية عن عائشة موافقة لما رواه ابن عمر، وهو الصحيح في ذلك على ما قدمنا ذكره. وفي رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة أيضا ما يبين رواية هشام عن أبيه عن عائشة في قوله عليه السلام: خذيها ، ولا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق. وفيه دليل بل نص على صحة شرائها وصحة ملكها، وصحة عتقها بعد ذلك، واستحقاق ولائها. والله أعلم؛ واشتراط أهل بريرة ولاءها مع فضل بيعها على العتق، فهو الذي خطبهم رسول الله عَّة بإنكاره لتقدمه إليهم وإلى غيرهم في النهي عن بيع الولاء وهبته، وفي هذا الحديث على ما ذكرنا إجازة البيع على شرط العتق، وهذه مسألة اختلف الفقهاء فيها، وقد ذكرناها في باب نافع عن ابن عمر من هذا الكتاب، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا. وفيه دليل على أن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء، لأنه لو لم يكن عبدا ما جاز بيعه، وفي كونه عبدا رد لقول من قال: إذا عقدت كتابته فهو غريم من الغرماء، ورد لقول من قال: إذا أدى قيمته فهو غريم، ورد لقول من قال: إذا أدى الثلث فهو غريم، ورد لقول من قال: إذا أدى الشطر فهو غريم، ورد لقول من قال: يعتق منه بقدر ما أدى. (١) خ: (١٤٩٣/٤٥٣/٣)، م: (١٠٧٥/٧٥٥/٢[١٧١])، ن: (٢٦١٣/١١٣/٥) من طريق شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. العتق ٢٧٥ وروى الحكم بن عتيبة عن علي، قال: تجري العتاقة فيه من أول نجم. وروى إبراهيم عن علي قال: تجري الحدود عليه بقدر ما أدى، وقال عنه عامر: يعتق منه بقدر ما أدى. وكان الحارث العكلي يقول: كان علي رضي الله عنه أفقه من أن يقول يعتق من المكاتب بقدر ما أدى منكرا لذلك عنه، وهذه أقاويل اختلف فيها عن علي وابن مسعود وما أعلم أحدا من الفقهاء تعلق بها. وروي عن شريح أنه قال: إذا أدى الثلث فهو غريم، وعن النخعي: إذا أدى الشطر فهو غريم. وروي ذلك عن عمر وعلي، وهو غير صحيح والله أعلم. وقال جابر بن عبد الله: من كاتب مكاتبا، فإن شرط عليه أن يعود في الرق إن عجز، كان كذلك؛ وإن شرط أن يعتق منه بقدر ما أدى فهو كذلك، وقد ذكرنا حكم ولاء المكاتب ومن أجاز بيع ولائه ومن كرهه، ومن قال لا بد من شرطه العتق عند الأداء، وإلا فهو على الرق أبدا؛ ومن أجاز للمكاتب أن يشترط ولاء نفسه في باب عبدالله ابن دينار من هذا الكتاب، فأغنى ذلك عن ذكره ههنا. وفي حديث بريرة هذا مع صحته عن النبي عَّ دليل واضح على أن المكاتب عبد ولولا ذلك ما بيعت بريرة، وقد روي عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وهو قول سعيد بن المسيب، والقاسم، وسليمان بن يسار، والزهري، وقتادة، وعطاء؛ وبه قال مالك والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والثوري، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، فتح البر ٢٧٦ وداود، والطبري. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده ، عن النبي ◌َّةٌ قال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم(١)، واختلف القائلون هو عبد ما بقي عليه درهم إذا مات قبل أن يؤدي وترك مالا: فقالت طائفة: كل ما ترك فهو لسيده قليلا كان أو كثيرا، وإن عجز، عاد رقيقا؛ وممن قال بهذا: مجاهد، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وروي عن ابن المسيب، وشريح، والزهري، نحوه؛ قال الزهري: حكمه حكم العبد، وجنايته في عتقه، وهو قول الثوري. وروى الحكم عن علي، وابن مسعود، وشريح : يعطي سيده من تركته ما بقي من كتابته، فإن فضل شيء، كان لورثة المكاتب. وروى عطاء، وإبراهيم، وأبو البختري عن علي نحوه؛ وقد روي عن الزهري نحوه؛ وبه قال ابن المسيب؛ وأبو سلمة بن عبدالرحمن، (١) د: (٣٩٢٦/٢٤٢/٤)، وعنه: هق: (٣٢٤/١٠) من طريق إسماعيل بن عياش: حدثني سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسماعيل بن عياش ثقة عن الشاميين، وسليمان بن سليم شامي كما في التقريب (٣٨٦/١) ولذلك حسن الحافظ إسناده في بلوغ المرام (ص: ٣٦١) وتابع سليمان بن سليم حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب بلفظ (( أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق)»: أخرجه: حم: (١٧٨/٢)، جه: (٢٥١٩/٨٤٢/٢)، هق: (٣٢٤/١٠) وحجاج بن أرطاة صدوق كثير الخطأ والتدليس كما في التقريب وتابعه أيضا عباس الجريري ثنا عمرو به بلفظ ((أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد). أخرجه: حم: (١٨٤/٢) . د: (٣٩٢٧/٢٤٤/٤)، هق (٣٢٤/١٠)، ك: (٢١٨/٢) وقال: صحيح الإسناد يحيى ابن أبي أنيسة عن عمرو به بلفظ (( من كاتب عبده على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق ( أو قال عشرة دراهم)، ثم عجز فهو رقيق) أخرجه: ت: (١٢٦٠/٥٦١/٣) وقال: حسن غريب ويحيى بن أبي أنيسة ضعيف كما في التقريب (٢٩٧/٢). العتق ٢٧٧ والنخعي، والشعبي، والحسن، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك بن أنس: جعلوه كغريم حل دينه، غير أن مالكا جعل من كان معه في کتابته أحق ممن لم یکن معه من ورثته. وقد روى الشعبي عن علي: إذا مات المكاتب وترك مالا، قسم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي ، فما أصاب ما أدى فهو لورثته، وما أصاب ما بقي فلمواليه؛ وهذا خلاف ما روى الحكم، وعطاء، وإبراهيم، وأبو البختري عن علي رضي الله عنه. وقد احتج من قال في المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى برواية ابن شهاب في هذا الحديث، وذلك قوله: ولم تكن أدت من كتابتها شيئا، واحتج من قال يعتق منه بقدر ما أدى بحديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ◌َّ قال: يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية الحر وبقدر ما رق منه دية عبد(١)، رواه حجاج الصواف، وهشام الدستوائي وغيرهما، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مسندا . وقد روي عن أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس مثله مسندا، وقد أرسله بعضهم عن عكرمة، قال يحيى بن أبي كثير، وكان علي بن أبي طالب، ومروان بن الحكم يقولان ذلك، وبه كان عكرمة يفتي؛ وكان يقول: المكاتب يؤدي بقدر ما أعتق منه، وإن جنى جناية، أو (١) حم: (٣٦٩/١) من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، د: (٤٥٨١/٧٠٦/٤)، ن: (٤٨٢٣/٤١٥/٨-٤٨٢٤) من طريق يحيى بن أبي كثير عن عكرمة به. وأخرجه: د: (٤٥٨٢/٧٠٦/٤)، ت: (١٢٥٩/٥٦٠/٣) قال: حديث حسن، ن: (٤٨٢٦/٤١٦/٨)، ك: (٢١٨/٢-٢١٩) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي من طريق أيوب عن عكرمة به بلفظ ((إذا أصاب المكاتب حدا أو ورث ميراثا فإنه يرث بقدر ما عتق ویقام علیه بقدر ما عتق منه)). فتح البر ٢٧٨ أصاب حدا فبقدر ما أعتق منه؛ وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب فقال لعلي: أكنت راجمه لو زنى، أو مجيز شهادته إن شهد؟ فقال علي: لا، فقال زيد: فهو عبد ما بقي عليه شيء. وفيه إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع وإن لم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه، خلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها، ولا قال لها النبي عَّة: أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم فلم تؤديه؟ ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء نجم قد حل، لكان النبي عَّه قد سألها أعاجزة هي أم لا؟ وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه ◌َّه أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها. وفي خبر الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا، ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا، ولم يرو عن النبي ◌َّ شيء يعارضه ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها. وأما اختلاف الفقهاء في بيع المكاتب، فإن ابن شهاب وأبا الزناد وربيعة كانوا يقولون: لا يجوز بيعه إلا برضى منه، فإن رضي بالبيع فهو عجز منه وجاز بيعه. وقال مالك: لا يجوز بيع المكاتب إلا أن يعجز عن الأداء، فإن لم يعجز فليس له ولا لسيده بيعه؛ قال: وإذا كان المكاتب ذا مال ظاهر، فليس له تعجيز نفسه، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه وله تعجيزه دون السلطان ويمضي ذلك؛ وكذلك إن عجز نفسه قبل حل النجم بالأيام والشهر، وإنما الذي لا يعجزه إلا السلطان فهو الذي يريد سيده تعجيزه بعدما حل عليه ما عليه وهو يأبى العجز ويقول: يؤدى، إلا الشقق ٢٧٩ أنه يمطل سيده، فالسلطان يتلوم له، فإن رأى له وجه اداء تركه، وإن لم ير ذلك له عجزه بعد التلوم، ولا يعجزه السيد وهو آب ولو أخر نجما أو أنجما إلا بالسلطان؛ قال: ولو شرط ذلك عليه، لم يكن عاجزا إلا بقضية سلطان؛ قال: ولو غاب المكاتب فحلت نجومه، فليس اشهاد السيد بتعجيزه تعجيزا إلا بنظر السلطان، وهو إذا قدم على كتابته إن أدى، وإلا نظر في ذلك السلطان. وقال مالك: الذي يقع بنفسي في قصة بريرة، أنها كانت قد عجزت، ولذلك اشترتها عائشة. وقال إبراهيم النخعي، وعطاء، واللیث بن سعد وأحمد وأبو ثور: جائز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته، فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه، وإن عجز، فهو عبد له. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته بحال؛ وهو قول الشافعي بمصر: لا يجوز بيع المكاتب، وكان بالعراق يقول: بيعه جائز؛ وأما بيع كتابته، فغير جائزة عنده؛ وقال أبو حنيفة والشافعي: جائز تعجيز المكاتب بغير حضرة السلطان، وفعل ذلك ابن عمر، وهو قول شريح، والنخعي. وقال ابن أبي لیلی: لا يجوز إلا عند قاض. وكان الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: يقولون للسيد أن يعجزه إذا حل نجم من نجومه، قال أبو حنيفة: فإن قال: أخروني وكان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه، أخرته يومين أو ثلاثة لا أزيده على ذلك شيئا، وبه قال محمد بن الحسن. وقال الحكم وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، أقل ما يعجز به حلول نجمين، وهو قول أبي يوسف. فتح البر ٢٨٠٠ وقال الثوري: منهم من يقول نجم، ومنهم من يقول نجمان، قال والاستيناء به أحب إلي. وقال أحمد: نجمان أحب إلينا. وقال الأوزاعي: يستأنی به شهرين ونحو ذلك. وروي عن الحسن البصري في هذه المسألة قول شاذ: أن المكاتب إذا عجز استسعى بعد العجز سنتين، وهذا ليس بشيء. وأجمع العلماء على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها، فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله، أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين؛ واختلفوا إذا كان قويا على الأداء، أو كان له مال فعجز نفسه: فقال مالك: ما قدمنا ذكره: أنه لیس ذلك له إلا إن لم یعلم له مال. وقال الأوزاعي: لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء. وقال الشافعي: له أن يعجز نفسه علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم؛ وإذا قال: قد عجزت وأبطلت الكتابة، فذلك إليه. قال أبو عمر: يحتمل حديث بريرة أن ينزع منه مالك لمذهبه والشافعي لمذهبه هذا، وبالله التوفيق. واختلفوا في المكاتب يعجز وبيده مال من الصدقات تصدق به عليه، فقال أكثر أهل العلم: إن كل ما قبضه السيد منه من کتابته وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة وغيرها، فهو لسيده يطيب أخذ ذلك كله له؛ هذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما، وأحمد بن حنبل، ورواية عن شریح.