النص المفهرس

صفحات 241-260

الفتق
٢٤١,
يسلم لم يرثه، لقول رسول الله عَّة: ((لا يرث المسلم الكافر(١)، ولا
الكافر المسلم)) وحجتهم في ان الولاء له عموم قول رسول الله
عَ ◌ّةٍ: ((الولاء لمن أعتق))(٢).
لم يخص مسلما من كافر ولو لم يكن له عليه ملك ما بيع عليه،
ودفع ثمنه إليه، وقد قال عليه: (( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع،
ولا يوهب))(٣).
قال أبو عمر:
روي في هذا الباب حديث ليس بالقوي من جهة الاسناد، ولكنه
قد احتج به من ذهب هذا المذهب، وهو ما حدثناه إبراهيم بن شاكر،
قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن أيوب
الرقى، قال: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، قال: حدثنا إبراهيم بن
الجنيد، قال: حدثنا عمرو بن خالد، قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن
أبي حبيب أن عروة بن غيلان الثقفي أخبره عن أبيه: ((أن نافع بن
السائب كان عبدا لغيلان بن سلمة، ففر إلى رسول الله عليه يوم
= وأخرجه من حديث معاذ: نهشل في " تاريخ واسط" كما في "نصب الراية" (٢١٣/٣)
وسكت عليه الزيلعي وفي سنده عمران بن أبان قال الحافظ في التقريب ((ضعيف)».
(١) أخرجه من حديث أسامة بن زيد: خ (٦٧٦٤/٥٨/١٢). م (١٦١٤/١٢٣٣/٣)، د:
(٢٩٠٩/٣٢٧/٣)، ت: (٢١٠٧/٣٦٩/٤).
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٣) أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود موقوفا: الدارمي (٣٩٨/٢)، ومن حديث عبد الله
ابن عمر أخرجه: ك: (٣٤١/٤) وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ورده
الذهبي بقوله (( قلت: بالدبوس))، هق: (٢٩٢/١٠) وقال: كذا رواه محمد بن الحسن الفقيه
عن يعقوب أبي يوسف القاضي عن عبد الله بن دينار، حب: الإحسان
(٣٢٦/١١ / ٤٩٥٠).

٢٤٢
فتح البر
حاصر الطائف، فأعتقه رسول الله عَّه، فلما أسلم غيلان رد رسول
الله عَُّه ولاء نافع إليه))(١).
قال أبوعمر :
كان أهل الطائف حربيين يومئذ، وما خرج عنهم من أموالهم إلى
المسلمين كان للمسلمين، وجائز ان يكون هذا قبل (( نهي رسول الله
◌َّه عن بيع الولاء وهبته))(٢)، و((نهيه عَّ عن بيع الولاء وهبته أقوى
من هذا وبالله التوفيق)).
وقال الشافعي في قوله عَّه ((إنما الولاء لمن أعتق))(٣) بيان ان الولاء
لا يكون إلا لمعتق وهو يوجب ان يكون الولاء لكل معتق كافرا كان أو
مسلما، لأنه قد جعله عَّه كالنسب. فكما منع اختلاف الاديان من
التوارث مع صحة النسب، فكذلك منع اختلاف الاديان من التوارث
مع صحة الولاء، وثبوته، فإذا اتفقا على الإسلام توارثا، وليس
اختلاف الأديان مما يمنع من الولاء، ولا يدفعه، كما أن اختلاف
الأديان لا يمنع النسب، ولكنه يمنع التوارث، كما تمنعه العبودية والقتال
عمدا، قالوا: فولاء المسلم على الكافر ثابت وولاء الكافر على المسلم
ثابت إذا أعتقه لقول رسول الله عَّة ((الولاء لمن أعتق))(٣) قالوا: ولا
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٩/٤)، وقال: ((رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه
حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.)) وذكره ابن حجر في الإصابة: (٨٦٧٧/٤١٥/٦)
ترجمة نافع مولى غيلان بن سلمة الثقفي وعزاه للبزار والبغوي ( من طريق ابن لهيعة
أيضا).
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر: خ: (٢٥٣٥/٢٠٩/٥)، م: (١٥٠٦/١١٤٥/٢).
د: (٢٩١٩/٣٣٤/٣)، ت: (١٢٣٦/٥٣٧/٣)، ن: (٤٦٧١/٣٥٢/٧ -٤٦٧٣).
جه: (٩١٨/٢ /٢٧٤٧-٢٧٤٨).
(٣) تقدم تخريجه في حديث الباب.

الحقق
٢٤٣.
يزيل إسلام عبد النصراني ملكه عنه، وإنما يمنع استقراره، واستدامته،
ألا ترى انه إذا بيع عليه ملك ثمنه، ولو ارتفع ملكه عنه لم يبع عليه،
ولا ملك المبدل منه، ونظير ذلك ملك الرجل لمن يعتق عليه يمنع من
استدامة الرق، ويعتق عليه بالملك، فيكون له ولاؤه، وهذا ما لاخلاف
فيه .
ومالك، وأصحابه، يقولون في العبد إذا اشترى اشتراء فاسدا،
فأعتقه المشتري: ان العتق واقع، والولاء ثابت له، وإن كان ملكه غير
تام، ولا مستقر.
قال أبو عمر:
أما المسلم إذا أعتق عبده النصراني، فلا خلاف بين العلماء أن له
ولاءه، وانه يرثه ان أسلم إذا لم يكن له وارث من نسبه يحجبه، فان
مات العبد، وهو نصراني فلا خلاف علمته أيضا بين الفقهاء إن ماله
يوضع في بيت مال المسلمين، ويجرى مجرى الفئ إلا ماذكره أشهب
عن المخزومي، فانه قال عنه: ان ميراثه لأهل دينه، قال: فان أسلم
النصراني ميراثه ولم يطلبوه، ولا طلبه منهم طالب ادخلناه بيت مال
المسلمين معزولا، ولا يكون فيئا حتى يرثه الله أو ياتي له طالب،
وهذا عندي لا وجه له إلا كون الكفار بعضهم أولياء بعض كما أن
المسلمين بعضهم أولياء بعض، والصحيح في ذلك ما قاله جمهور
العلماء أنه يوضع في بيت المال، لأن ولاءه قد ثبت للمسلمين ولاية
نسب، وهي أقعد من ولاية الدين في وجه المواريث إلا أن الشريعة
منعت من التوارث بين المسلمين والكفار، فكان هذا النصراني المعتق
قد ترك مالا لا وارث له، وله أصل في المسلمين عدم مستحقه بعينه،
فوجب ان يصرف في مصالح المسلمين، ويوقف في بيت مالهم والله
أعلم.

فتح البر
٢٤٤
وأما الحربي يعتق مملوكه، ثم يخرجان مسلمين، فان أبا حنيفة،
وأصحابه قالوا: للعبد أن يوالي من شاء، ولا يكون ولاؤه للمعتق،
وكذلك عندهم كل كافر أعتق كافرا، وقال الشافعي: مولاه يرثه إذا
أسلم واستحسنه أبو يوسف، وهو قياس قول مالك في الذمي يعتق
ذميا، ثم يسلمان، وقولهم جميعا وبالله التوفيق.
وأما المعتق سائبة، فان ابن وهب: روى عن مالك، قال: لا يعتق
أحد سائبة لأن رسول الله عَ﴾ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته، وهذا
عند كل من ذهب مذهب مالك إنما هو على كراهية السائبة لا غير،
لأن كل من أعتق عندهم سائبة نفذ عتقه، وكان ولاؤه لجماعة
المسلمين، هكذا روى ابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأشهب،
وغيرهم، عن مالك، وكذلك ذكر ابن وهب عن مالك في موطئه،
وهو المشهور من مذهبه عند أصحابه، وقد يحتمل أن يكون قول مالك
لا يعتق أحد سائبة رجوعا عن قوله المعروف والله أعلم ولكن أصحابه
على المشهور من قوله.
قال مالك في موطئه: ((وأحسن ما سمعت في السائبة انه لا يوالي
أحدا، وأن ولاءه لجماعة المسلمين، وعقله عليهم))، وهذا يدلك على
تجويزه لعتق السائبة .
وقال ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك: أنا أكره عتق السائبة،
وأنهى عنه، فان وقع نفذ، وكان ميراثه لجماعة المسلمين، وعقله
علیھم.
وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في الإسلام، ومن أعتق سائبة فان
ولاءه له.
وقال اصبغ: لا بأس بعتق السائبة ابتداء.

٢٤٥
الشقق
قال أبو عمر:
أصبغ ذهب في هذا إلى المشهور من مذهب مالك، وله احتج
اسماعيل بن اسحاق القاضي، واياه تقلد، ومن حجته في ذلك ان
عتق السائبة مستفيض بالمدينة، لا ينكره عالم، وان عبد الله بن عمر،
وغيره من السلف أعتقوا السائبة، وان عمر بن الخطاب، قال: السائبة
والصدقة ليومهما أي لا يتصرف في شيء منهما.
وروى سليمان التيمي عن بكر المزني أن ابن عمر اتى بمال مولى
أعتقه سائبة، فمات فقال: انا كنا أعتقناه سائبة، فأمر أن يشتري به
رقاب، فتعتق، وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي، قال:
قال عمر بن الخطاب: السائبة والصدقة ليومهما.
وروى ابن عيينة عن الأعمش، ولم يسمعه منه، قال: سمعت
إبراهيم يقول: اتى عبد الله رجل بمال فقال: خذ هذا، فقال ما هو؟
قال مال رجل أعتقته سائبة، فمات وترك هذا، قال: فهو لك، قال:
ليس لي فيه حاجة، قال: وطرحه عبد الله في بيت المال.
قال أبو عمر:
هذا ان صح لم يكن فيه حجة لأن ابن مسعود، قال: هو لك ولم
يقل لجماعة المسلمين، وإنما جعله في بيت المال))، لأن ذلك حكم كل
مال يدفعه ربه عن نفسه إلى غير مالك معين، وكذلك فعل عمر بن
الخطاب في طارق بن المرقع، ذكره وكيع عن بسطام بن مسلم عن
عطاء بن أبي رباح ان طارق بن المرقع أعتق عبدا له فمات، وترك
مالا، فعرض على طارق فأبى فقال: إنما جعلته لله، ولست آخذ
ميراثه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر أن أعرضوا على طارق
الميراث، فان قبله، والا فاشتروا به رقيقا، فأعتقوهم فبلغ خمس

فتح البر
٢٤٦
عشرة، أو ست عشرة رأسا، وأما أهل المدينة فأكثرهم على أن السائبة
ميراثه لجماعة المسلمين وممن روى هذا عنه منهم ابن شهاب، وربيعة،
وأبو الزناد، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي العالية، وعطاء،
وعمرو بن دینار.
وقال سفيان الثوري في قول عمر: السائبة ليومها، قال يعني يوم
القيامة لا يرجع في شيء منها، إلى يوم القيامة.
وذكر ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع أن ابن عمر كان إذا
أعتق سائبة لم يرثه، ولا يختلف في ان سالما مولى أبي حذيفة أعتقته
مولاته ليلى أو لبنى بنت يعار، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة بن
ربيعة، فأعتقته سائبة، ولم يقل أحد ان رسول الله عَّه نهى عن
ذلك، ثم مات، وترك ابنته، فأعطاها عمر بن الخطاب نصف ماله،
وجعل النصف في بيت المال، والذي لم يختلف فيه من أمر سالم
مولى أبي حذيفة أنه أعتق سائبة ولا خلاف انه قتل يوم اليمامة، وإنما
نسب القضاء فيه إلى عمر، لأنه كان بأمر أبي بكر، وكان عمر
القاضي لابي بكر.
وقد روي ان عمر جعل ميراثه لابنته لما امتنع مواليه من قبول ميراثه
اذ كان سائبة، وروي انها أعتقته سائبة فوالى أبا حذيفة.
وقال الشعبي ترك سالم مولى أبي حذيفة ابنته، ومولاته ليلى بنت
يعار امرأة أبي حذيفة بن عتبة، فورث أبو بكر البنت النصف، وعرض
الباقي على مولاته فقالت: لا أرجع في شىء من أمر سالم، اني
جعلته لله، فجعل أبو بكر رضي الله عنه النصف الباقي في سبيل
الله، وهذا أولى من رواية من روى ان عمر حكم بذلك، إلا بما
وجهنا من أمر أبي بكر له بذلك والله أعلم.

الحقق
٢٤٧
وروي عن عمر، وابن مسعود، انهما قالا: يعرض مال المعتق سائبة
على الذي أعتقه، فان تحرج عنه اشترى به رقاب، وأعتقوا
وعن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، قال: يضع السائبة ماله
حیث شاء.
وقال أبو العالية، والزهري، ومكحول، ومالك بن أنس: لا ولاء
عليه، ويرثه المسلمون.
وقال مالك رحمه الله: السائبة لا يوالي أحدا، وولاؤه لجماعة
المسلمين، وحجته في انه لا يوالي أحدا قوله عَّة: ((الولاء لمن
أعتق)). ومعلوم ان من تولاه السائبة لم يعتقه، فكيف يكون له ولاؤه.
وقال ابن شهاب، والأوزاعي، والليث بن سعد: له أن يوالي من
شاء، فان مات ولم يوال أحدا كان ولاؤه لجماعة المسلمين، ومن
حجتهم في ذلك قول عمر رحمه الله: لك ولاؤه في المنبوذ، قالوا
فقام الصغير مقامه لنفسه لو ميز موضع الاختيار لها، والدفع عنها،
فجاز بذلك للكبير ان يوالي من شاء إذا لم يكن له عليه ولاء،
وهؤلاء كلهم يجيزون عتق السائبة، ويجعلون الولاء للمسلمين،
وحجتهم ما ذكرناه من عمل أهل المدينة قرنا بعد قرن في زعم المحتج
بذلك، ولانه في معنى من أعتق عن غيره، فيكون الولاء له، ومن
أعتق عبده سائبة فقد أعتقه عن جماعة المسلمين فلذلك صار الولاء
لهم، قالوا: وإنما يكون الولاء لمن أعتق إذا أعتق عن نفسه، فهذا ما
احتج به اسماعيل وغيره في عتق السائبة.
وقال أبو حنيفة، والشافعي وأصحابهما: من أعتق سائبة، فولاؤه
له، وهو يرثه دون الناس، وهو قول الشافعي، وعطاء، والحسن،

فتح البر
٢٤٨
وابن سيرين، وضمرة بن حبيب، وراشد بن سعد، وبه يقول محمد
ابن عبد الله بن عبد الحكم.
وحجتهم في ذلك: قول رسول الله عَّ: إنما الولاء لمن أعتق،
فنفى بذلك ان يكون الولاء لغير معتق ونهى عليه السلام عن بيع
الولاء، وهبته .
واحتجوا أيضاً بقول الله عز وجل: ﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَجِيرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا
وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ﴾ [المائدة: (١٠٣)]. والحديث: ((لا سائبة في
الإسلام))، وبما رواه أبو قيس عن هذيل بن شرحبيل، قال رجل
لعبد الله بن مسعود: اني أعتقت غلاما لي سائبة، فمات، وترك مالا،
فقال عبد الله: ((إن أهل الإسلام لا يسيبون، إنما كانت تسيب
الجاهلية، انت وارثه، وولي نعمته)).
وقد روى ابن جريح عن عطاء ان طارق بن المرقع كان أميرا على
مكة، فأعتق سوائب فماتوا، فجاءوا بالميراث إلى عمر، فقال: أعطوه
ورثته، فأبى الورثة ان يقبلوه، فاشتروا به رقابا، فأعتقوهم.
قال أبو عمر:
روى شعبة عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني،
قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: السائبة يضع ماله حيث شاء،
وهذا معناه ان المعتق له سائبة لم يكن حيا، ولا عصبته، ومن كانت
هذه حاله فمذهب ابن مسعود فيه، وفي كل من لا وارث له انه يضع
ماله حيث شاء. واجاز له ان يوصي بماله لمن شاء، وهو قول
مسروق، وعبيدة، والشعبي، وأكثر أهل العراق.
وأما الذي يسلم على يد رجل، أو يواليه فان مالكا، وأصحابه،
وعبد الله بن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه

الحقق
٢٤٩
قالوا: لا ميراث للذي أسلم على يديه، ولا ولاء له بحال، وميراث
ذلك المسلم إذا لم يدع وارثا لجماعة المسلمين، وهو قول أحمد،
وداود، ولا ولاء إلا للمعتق.
وحجتهم في ذلك قول رسول الله عَبّة: ((الولاء لمن أعتق))، قالوا:
وهذا غير معتق، فکیف یکون له ولاء من أسلم علی یدیه.
ومن حجتهم أيضا ان الميراث بالمعاقدة منسوخ، فبطل بذلك أن
يوالى أحد أحدا، لأن الولاء نسب.
قال أشهب عن مالك: جاء رجل من أهل مصر ذكر ان في يده
ألف دينار من مال رجل هلك، وقد أسلم على يديه، فقيل له: ليس
لك هذا فلا أراه إلا ردها، قال أشهب: الرجل الذي جاء هو موسى
ابن علي بن رباح.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: إذا أسلم كافر على يد رجل
مسلم بأرض العدو، أو بأرض المسلمين، فميراثه للذي أسلم على
یدیه .
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: إذا كان من أرض العدو فجاء
فأسلم على يدي رجل، فان ولاءه لمن والاه، ومن أسلم من أهل
الذمة على يدي رجل مسلم، فولاؤه للمسلمين عامة.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: من أسلم على يدي رجل ووالاه،
وعاقده، ثم مات، ولا وارث غيره، فميراثه له؟
وقال الليث بن سعد: من أسلم على يدي رجل فقد والاه،
ومیراثه للذي أسلم علی یدیه إذا لم يدع وارثا غيره.
وحجة من قال بهذا القول ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال:
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا

فتح البر
٢٥٠
مسدد، قال حدثنا عبد الله بن داود عن عبد العزيز بن عمر بن
عبدالعزيز عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري، قال: ((سألت
رسول الله عَّي عن المشرك يسلم على يدي الرجل المسلم، فقال: هو
أحق الناس وأولى الناس بمحياه، ومماته))(١)، قال عبد العزيز فحدث به
ابن موهب عمر بن عبد العزيز فشهدته قضى بذلك في رجل أسلم
على يدي رجل مسلم، فمات وترك مالا، وابنة، فقسم ماله بينه وبين
ابنته، فأعطى الابنة النصف، وأعطى الذي أسلم على يديه النصف.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: قضى عمر بن
الخطاب في رجل والى قوما، فجعل ميراثه لهم، وعقله عليهم(٢)،
قال معمر: وقال الزهري إذا لم يوال أحدا ورثه المسلمون.
قال أبوعمر:
في هذه المسألة أقوال:
(١) حم: (١٠٣/٤)، د: (٣٣٣/٣ - ٣٣٤/ ٢٩١٨)، ت: (٢١١٢/٣٧٢/٤) وقال: ليس
بمتصل، جه: (٢٧٥٢/٩١٩/٢)، ك: (٢١٩/٢)، قلت: يروي هذا الحديث عبدالعزيز بن
عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن وهب عن تميم الداري، وبعضهم يدخل قبيصة بن ذويب
بین عبد الله بن وهب وبين تميم ورواه آخرون من طريق عبد الله بن موهب عن تميم الداري.
قال الترمذي: (( هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن وهب، ويقال ابن موهب
عن تميم الداري)). وقال في حديث قبيصة عن تميم (( لا يصح)) وقال الحاكم: (( هذا حديث
صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه وعبد الله بن وهب بن زمعة مشهور)) وتعقبه
الذهبي بقوله: ((هذا ما خرج له إلا ابن ماجه فقط ثم هو وهم من الحاكم ثان، فإن ابن زمعة
لم يرو عن تميم الداري وصوابه عبد الله بن وهب)).
والحديث ذكره البخاري تعليقًا (٥٢/١٢) ووصله الحافظ في الفتح (١٢/ ٥٣-٥٤) ونقل عن
البخاري أنه جزم في التاريخ بأنه لا يصح لمعارضته حديث (( إنما الولاء لمن أعتق)) وقال: قال
الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز ابن عمر عن ابن مو هب وابن
موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقي تميما ومثل هذا لا يثبت وقال الخطابي: ضعف أحمد
هذا الحديث.
(٢) أخرجه عبد الرزاق: (١٦١٨١/١٤/٩).

الحتق
٢٥١
أحدهما ما قدمنا عن مالك، والشافعي، ومن تابعهما انه لا يكون
ولاؤه ولاء ميراث لمن أسلم على يديه، وسواء والاه أولم يواله.
وقول آخر إذا أسلم على يديه ورثه، وان لم يواله، روي ذلك عن
عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الليث بن سعد:
جعل إسلامه على يديه موالاة.
ومن حجة من ذهب إلى هذا حديث تميم الداري المذكور، وما رواه
حماد بن سلمة عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبدالرحمن عن
أبي أمامة عن النبي ◌َّهُ قال: ((من أسلم على يدي رجل فله
ولاؤه))(١) .
وذكر سعيد بن منصور عن عيسى بن يونس عن الأحوص بن
حكيم عن راشد بن سعد، قال: قال رسول الله عَّه: من أسلم على
يديه رجل فهو مولاه(٢)، وهي آثار ليست بالقوية ومراسيل.
وقالت طائفة: إذا والى رجل رجلا وعاقده، فهو يعقل عنه، ويرثه
إذا لم يخلف ذا رحم.
وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود: انهم اجازوا
الموالاة، وورثوا بها، وعن عطاء، والزهري، ومكحول، نحوه.
(١) طب: في الكبير: (٧٧٨١/٢٢٣/٨)، قط: (١٨١/٤) كلاهما من طريق معاوية بن يحيى
الصدفي عن القاسم به، وقال الدارقطني: الصدفي ضعيف وذكره الهيثمي في المجمع
(٣٣٧/٥) وقال: ((رواه الطبراني وفيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف.)) وأخرجه:
ابن عدي في الكامل (١٣٥/٢ / ترجمة جعفر بن الزبير) ومن طريقه: هق: (٢٩٨/١٠)،
وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٣٠) وقال ابن عدي سمعت ابن حماد يقول: قال
البخاري: جعفر بن الزبير الشامي عن القاسم متروك الحديث، تركوه. وقال ابن الجوزي: '
هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: القاسم كان يروي عن الصحابة المعضلات، قال شعبة:
وجعفر بن الزبير كان يكذب)».
(٢) ذكره الحافظ في المطالب العالية: (٤٤٣/١/ ١٤٨٠)، وراشد بن سعد: قال فيه الحافظ في
التقريب: " ثقة، كثير الإرسال".

فتح البر
٢٥٢
وقالت طائفة: ان عقل عنه، ورثه، وان لم يعقل عنه لم يرثه.
روي عن سعيد بن المسيب: ايما رجل اسلم على يدي رجل فعقل
عنه ورثه، وان لم یعقل عنه لم يرثه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: إذا والاه على ان يعقل عنه، ( ويرثه،
عقل عنه، وورثه إذا لم يخلف وارثا معروفا، قالوا: وله أن ينقل
ولاءه عنه مالم يعقل عنه)) أو عن أحد من صغار ولده، وللموالي أن
يبرأ من ولائه بحضرته ما لم يعقل عنه، قالوا: وإن أسلم على يدي
رجل ولم يواله لم يرثه، ولم يعقل عنه، وهو قول الحكم، وحماد،
وإبراهيم، وهذا كله فيمن لا تعرف له عصبة، ولا ذو رحم يرث بها.

العتق
٢٥٣
باب منه
[٣] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن
تشتري جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا ، فذكرت
ذلك لرسول الله عليه، فقال: لا يمنعنك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق(١).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند أكثر الرواة عن مالك، عن
نافع، عن ابن عمر، عن عائشة .
ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري، عن مالك، عن نافع، عن ابن
عمر، عن عائشة، حدثناه عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا الحسن
ابن الخضر، قال حدثنا احمد بن شعيب، قال حدثنا عبيد الله بن
فضالة، قال حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك فذكره.
قال أبو عمر: قد مضى القول في حديث بريرة وجوه ومعان
حسان في باب ربيعة من هذا الكتاب. وسيأتي القول مستقصى ممهدا
موعبا في معاني حديث بريرة في باب هشام بن عروة إن شاء الله.
وأما قوله في هذا الحديث: لا يمنعك ذلك، فمعناه لا يمنعك ما
ذكروا من اشتراط الولاء أن تحترم شراءها، وقل لهم: الولاء لمن
أعتق؛ فلا سبيل إلى ما ذكرتموه إن أردتم بيعها، فإن الحكم فيها وفي
غيرها أن الولاء لمن أعطى الثمن إذا أعتق؛ وإن لم يريدوا بيعها على
حكم السنة. فشأنكم بها. هذا معنى هذا الحديث عند أهل العلم،
ولا يجوز غير هذا التأويل ومثله عند من عرف الله وعرف رسوله
(١) خ: (٤/ ٢١٦٩/٤٧٤)، م: (١٥٠٤/١١٤١/٢[٥])، د: (٢٩١٥/٣٣٠/٣).
ن: (٤٦٥٨/٣٤٦/٧).

فتح البر
٢٥٤
عَّة، وعرف أحكامهما في كتاب الله وسنة نبيه عَّة، وقد بينا هذا
المعنى بالحجة الواضحة في باب هشام بن عروة والحمد لله.
وفي ظاهر هذا الحديث دليل على أن الشرط الفاسد لا يقدح في
البيع ولا يفسده ولا يبطله، وأن البيع يصح معه ويبطل الشرط؛ ولكن
قد جاءت آثار، منها ما يدل على جواز البيع والشرط، ومنها ما يدل
على ابطال البيع من أجل الشرط الفاسد، ولكل حديث منها وجه؛
وأصحها من جهة النقل حديث ابن عمر هذا في قصة بريرة، وقد
روته عائشة أيضا، وهو يدل على ما ذكرنا؛ ولتلخيص معاني الآثار
المتعارضة في هذا الباب موضع غير هذا، ومن حمل الحديث على ما
تأولناه عليه، لم يكن فيه دليل على جواز البيع وبطلان الشرط، لأنه
يحتمل أن يكون البيع لم ينعقد على ظاهر هذا الحديث والله أعلم.
ولعله انعقد على ما يجب في ذلك بترك أهل بريرة لذلك الشرط،
وإذا احتمل هذا الادخال ارتفع القطع عليه بوجه من تلك الوجوه،
ورد الأمر في ذلك إلى الأصل وهو نهي رسول الله عَّهُ عن بيع
الولاء وهبته؛ والآثار في قصة بريرة مروية، بألفاظ مختلفة، وقد
ذكرناه وذكرنا ما فيها من الاحكام والمعاني مستقصاة مبسوطة في باب
هشام بن عروة من هذا الكتاب؛ فهناك يتأملها من ابتغاها بحول الله،
وذكرنا منها عيونا وأصولا في باب ربيعة أيضا والحمد لله.
وأما قوله إن عائشة أرادت أن تشتري جارية فتعتقها، فإن الفقهاء
اختلفوا فيمن اشترى عبدا على أن يعتقه: فذهب مالك إلى أنه لا
بأس بذلك، وانه يلزمه العتق إذا وقع في شرط البيع؛
قال ابن القاسم وابن عبد الحكم عنه: لو باعه على أن يدبره أو
يعتقه إلى سنين لم يجز، لأن ذلك من الغرر، ويفسخ البيع.

الحتق
٢٥٥,
قال ابن المواز: فان فات بالتدبير أو بالعتق إلى أجل، كان للبائع ما
وضع من الثمن؛ قال: ولو اشتراه على أن يعتقه ، فأي من ذلك كان
للبائع، نقض البيع. وقال الثوري إذا بلغ عبده على أن يعتقه، ويكون
الولاء له: فإنما يكون الولاء لمن أعتقه، وهذا أجاز البيع وأبطل
الشرط .
وقال أبو حنيفة فيمن اشترى عبدا على ان يعتقه ان البيع فاسد، وان
قبضه وأعتقه، فعليه الثمن في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القيمة.
وقال ابن أبي ليلى: إذا ابتاع عبدا وشرط أن يعتقه، فالبيع جائز،
والشرط باطل؛ وقال ابن شبرمة: البيع فاسد.
وذكر الربيع عن الشافعي: إن باع العبد على أن يعتقه أو على أن
يبيعه من فلان ، أو على أن لا يهبه، أو على منع شيء من التصرف؛
فالبيع في هذا كله فاسد، ولا يجوز الشرط في شيء من هذا إلا في
موضع واحد وهو العتق اتباعا للسنة، فإذا اشتراه على أن يعتقه فالبيع
جائز .
وحكى أبو ثور عن الشافعي أن البيع في هذه المسائل كلها جائز
والشرط باطل.
وقال الحسن بن حي: كل شرط في بيع هدمه البيع إلا العتاقة،
وكل شرط في نكاح هدمه النكاح إلا الطلاق وهو قول إبراهيم.
وقال الليث فيمن اشترى عبدا على أن يعتقه فهو حر حين اشتراه،
فان أبى من عتقه جبر على عتقه، وليس لواحد منهما أن ينصرف عن
ذلك.
قال أبو عمر:
في حديث ابن عمر المذكور في قصة بريرة، جواز بيع العبد على
أن يعتق، والقول به اولى ما ذهب إليه في هذا الباب وبالله التوفيق.

فتح البر
٢٥٦
باب منه
[٤] مالك، عن عبد الله بن دینار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ټ﴾ نهى
عن بيع الولاء وعن هبته (١).
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة فيما علمت،
وكذلك هو في الموطأ، إلا أن محمد بن سليمان رواه عن مالك، عن
عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ◌َّه أنه قال:
الولاء لا يباع ولا يوهب ولم يتابعه أحد على ذلك.
وقد روى هذا الحديث شعبة والثوري وعبد العزيز بن أبي سلمة،
وجماعة يطول ذكرهم من الأئمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن
عمر، عن النبي ◌َّ لم يذكروا عمر، وروى هذا الحديث بن
الماجشون، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر، وذلك خطأ لم
يتابع ابن الماجشون عليه، والصواب فيه: مالك، عن عبد الله ابن
دينار، لا عن نافع والله أعلم.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن زکریا، حدثنا
احمد بن شعيب، أخبرنا أحمد بن نصر، حدثنا أبو مروان عبد الملك
ابن عبد العزيز الماجشون، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال:
نهى رسول الله ﴾ عن بيع الولاء وعن هبته. واختلافهم في بيع
ولاء المكاتب وهبته، أو اشتراط المكاتب لولاء نفسه، باب آخر(١).
(١) خ: (٢٥٣٥/٢٠٩/٥)، م: (١٥٠٦/١١٤٥/٢)، د: (٢٩١٩/٣٣٤/٣).
ت: (١٢٣٦/٥٣٧/٣)، ن: (٧/ ٣٥٢/ ٤٦٧١ - ٤٦٧٢ - ٤٦٧٣)،
جه: (٢٧٤٧/٩١٨/٢) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر وأخرجه:
جه: (٢٧٤٨/٩١٨/٢)، من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر.
(٢) تقدم تخريجه في حديث الباب.

الفتق
٢٥٧
روى قتادة عن ابن المسيب انه كان لا يرى بأسا ببيع الولاء إذا كان
من المكاتبة، ويكرهه إذا كان من عتق. وسفيان ، وحماد، عن عمرو
ابن دينار، قال: وهبت ميمونة زوج النبي ◌َّ ولاء سليمان بن يسار
لابن عباس، وكان مكاتبا.
ومعمر عن قتادة قال: لا يباع الولاء إلا رجل كوتب.
فإن اشترط في كتابته أن أوالي من شئت، فهو جائز ومعمر، عن
قتادة، عن ابن المسيب، أن النبي ◌َّةُ مر برجل يكاتب عبدا فقال له
النبي وَل: اشترط ولاءه(١)، قال: وكان قتادة يقول: من لم يشترط
ولاء مكاتبه، وإلى المكاتب من شاء حين يعتق.
وقال مكحول: لا يباع الولاء، إلا ان المكاتب إذا اشترط ولاءه مع
رقبته جاز، وعن سعيد بن عبد العزيز مثله.
وقال ابن جريج: كان عطاء يجيز هبة الولاء، ثم رجع عنه فقال:
لا يباع الولاء ولا يوهب، إلا أن من آذن لمولاه أن يتولاه من شاء جاز
ذلك، لقوله عَّه: ((من تولى قوما بغير إذن مواليه(٢)). قلت لعطاء:
رجل كاتب عبده ولم يشترط سيده ان ولاءك لي، لمن ولاؤه؟ قال
لسيده، وقاله عمرو بن دينار. وقال مالك، والشافعي، وابو حنيفة
وأصحابهم: ولاء المكاتب لسيده، ليس له ان يشترطه لنفسه، ولا أن
يوالي غيره إذا ادى الكتابة إليه، أو إلى ورثته من بعده؛ وهذا الحديث
(١) هذا الحديث مرسل.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم (٣٩٨/٢-٤١٧)، م (٢/ ١١٤٦/ ١٥٠٨).
د (٣٣٨/٥-٥١١٤/٣٣٩). وأخرجه من حديث علي بن أبي طالب:
حم (١٢٦/١-١٥١)، خ (٤ / ١٨٧٠/١٠١)، م (٢ / ٩٩٤ - ٩٩٨ / ١٣٧٠.
د (٥٢٩/٢-٢٠٣٤/٥٣١)، ت (٤ /٣٨١ - ٣٨٢ / ٢١٢٧).
ن (٨/ ٤٧٥٨/٣٩٢-٤٧٨٩) مختصرا.

فتح البر
٢٥٨
إنما انفرد به عبد الله بن دينار، واحتاج الناس فيه إليه، وهو حديث
عليه العمل عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من
الخالفين .
وقد روي عن عثمان بن عفان إجازة ذلك، وروي عن ابن عباس
إجازة هبة الولاء، ولم يجز بيعه؛ وان عمرو بن حزم وهب ولاء
مولى له لابنه محمد دون عبد الرحمن، وان أبا بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم قضى بجواز هبة الولاء، وذكر حماد بن سلمة، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، أنه اشترى ولاء طهمان وبنيه لبني مصعب
ابن الزبير .
وذكر حماد بن سلمة أيضا، عن عمرو بن دينار، أن ميمونة بنت
الحارث وهبت ولاء مواليها للعباس، فولاؤهم لهم اليوم. وقد روي
عن ميمونة انها وهبت ولاء سليمان بن يسار مولاها لعبد الله بن
عباس.
وقد روى أبو نعيم الفضل بن دكين، قال حدثنا قيس، عن ليث،
عن عطاء بن السائب، أن علقمة، والأسود، وابا نضيلة. وابن
معقل، رخصوا لسالم بن أبي الجعد ان يبيع ولاء مولى له بعشرة
آلاف، يستعين بها على عبادته، وهذا عند أهل العلم غير مأخوذ به،
والذي عليه جماعة العلماء أن الولاء كالنسب، لا يباع ولا يوهب،
وقد جاء عن ابن عباس في ذلك ما يرد قصة ميمونة.
ذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن
عطاء عن ابن عباس، قال: الولاء لمن أعتق لا يجوز بيعه ولا هبته(١).
-
(١) رواه عبد الرزاق في المصنف (٩/ ١٦١٤٥/٤).

العتق
٢٥٩,
وعن الثوري عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : سئل عبد الله بن مسعود
عن بيع الولاء، قال: أيبيع أحدكم نسبه(١)؟ وهذا عن ابن مسعود يرد
ما روي عن علقمة والاسود؛ وذكر عبد الرزاق أيضا عن ابن عيينة عن
مسعر، عن عبد الله بن رباح، عن عبد الله بن معقل، عن علي رضي
الله عنه قال: الولاء شعبة من النسب، من احرز الولاء أحرز الميراث(٢)
وعن معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي قال: لا يباع
الولاء ولا يوهب.
وعن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله
يكره بيع الولاء وهبته(٣). قال ابن جريج: وسمعت عطاء يقول: كان
ابن عباس ينكر بيع الولاء(٤). وعن ابن جريج، عن موسى بن
عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينكر بيع الولاء ويكرهه
كراهية شديدة ، وأن يوالي أحد غير مواليه وان يهبه(٥).
وعن الثوري، عن داود، عن ابن المسيب، قال: الولاء لحمة
كالنسب، لا يباع ولا يوهب، وقد مضى القول في كثير من مسائل
الولاء في باب ربيعة من كتابنا هذا، فلا وجه لاعادة شيء من ذلك
ههنا .
وفي نهي رسول الله عَّهُ عن بيع الغرر (٦) ما يشهد لصحة ما ذهب
إليه الفقهاء في هذا الباب، وان من خالفه محجوج؛ لأن الحجة به
(١) عبد الرزاق: (١٦١٤٢/٤/٩).
(٢) عبد الرزاق: (١٦١٤١/٤/٩).
(٣) عبد الرزاق: (١٦١٤٣/٤/٩).
(٤) عبد الرزاق: (١٦١٤٤/٤/٩).
(٥) عبد الرزاق: (١٦١٥٠/٥/٩).
(٦) م: (٣/ ١٥١٣/١١٥٣[٤])، د: (٣٣٧٦/٦٧٢/٣)، ت: (١٢٣٠/٥٣٢/٣).
جه: (٢١٩٤/٧٣٩/٢)، ن: (٤٥٣٠/٣٠١/٧).

فتح البر
٢٦٠
=
قائمة، لأنه لم يرو عن النبي وَجل ما يخالفه، فثبتت الحجة به؛ وروى
ابن جريج عن موسى بن عقبة ، عن نافع، ان ابن عمر كان ينكر أن
يتولى أحد غير مولاه، وان يهب ولاءه (١).
وروى ابن وهب عن مالك، أنه قال: لا يجوز لسيد أن يأذن لمولاه
أن يوالي من شاء، لأنها هبة الولاء، وقد نهى رسول الله عَّ عن بيع
الولاء وعن هبته؛ وقد رخصت طائفة من العلماء ان يتولى المعتق من
شاء إذا أذن له سيده، فمنهم: إبراهيم النخعي، وعطاء، وعمرو بن
دينار؛ واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث ابن جريج عن أبي
الزبير عن جابر. قال: حكم رسول الله عَّيه أنه لا يحل أن يتولى
مولى رجل مسلم بغير إذنه(٢). وممن قال لا يجوز بيع الولاء ولا هبته
من كتابة ولا غيرها جابر، وابن عباس، وابن عمر، وطاوس،
والحسن ، وابن سيرين، وسويد بن غفلة، والشعبي، ومالك
والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وعلي.
٠
(١) أخرجه عبد الرزاق: (١٦١٥٠/٥/٩).
(٢) حم (٣٢١/٣)، م (٢/ ١٥٠٧٨/١١٤٦)، ن (٨/ ٤٨٤٤/٤٢٢).