النص المفهرس
صفحات 101-120
الخمس = ١٠١ فلقي عمر بعرفة، فقال له عمر، ما هؤلاء، قال هؤلاء لابي بكر وهؤلاء لي، فقال له عمر، أرى أن تأتي بهم الى أبي بكر فتدفعهم اليه، فان سلمهم لك، والا فهو أحق بهم، فقال: وما لي أدفع رقيقي الي أبي بكر، لا أعطيه هديتي، فانصرف بهم الى منزله، فلما كان من الغد جاء الي عمر فقال: يا ابن الخطاب، لقد رأيتني الليلة، أشرف على نار، قد أوقدت فأكاد أتقحمها، وأهوى فيها، وأنت آخذ بحجزتي، ولا أراني إلا مطيعك، قال فذهب إلى أبي بكر فقال: هؤلاء لك، وهؤلاء أهدوا لي، قال: فانا قد سلمنا لك هديتك، فرجع معاذ الى منزله، فصلى فاذا هم خلفه يصلون، قال ما بالكم؟ قالوا نصلي، قال: لمن؟ قالوا لله، قال فاذهبوا، فأنتم لله، فأعتقهم وذكر يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن الزهري عن ابن كعب ابن مالك، قال: بعث رسول الله عَّه، معاذا، إلى اليمن أميرا، وكان أول من تجر في مال الله، فمكث حتى أصاب مالا، وقبض رسول الله ۶﴾﴾، ثم قدم معاذ. فقال عمر لأبي بكر، أرسل الى هذا الرجل، فدع له ما يعيش به، وخذ سائره منه، فقال أبو بكر، انما بعثه رسول اللّه عَّ ليجبره، ولست بآخذ منه شيئا، إلا أن يعطيني(١)، وفي قوله في هذا الحديث، (١) أخرجه عبد الرزاق: (٢٦٨/٨-١٥١٧٧/٢٦٩)، عن معمر عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ومن طريقه: الطبراني (٢٠/ ٣٠-٤٤/٣٢)، إلا أنه قال: عن الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل ... ورواه هق: (٤٨/٦) من طريق هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، وقال: « هكذا رواه هشام بن يوسف الصنعاني عن معمر وخالفه عبد الرزاق في إسناده)) ثم ذكر الحديث بإسناده إلى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك ثم قال: (( وكذلك رواه عبد الله بن المبارك عن معمر ولم يقل عن أبيه = ....--- - فتح البر ١٠٢ إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على عنقه، دليل على أنه غلول، حرام، نار، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: (١٦١)].؛ وقال النبي ◌َّ ((هدايا الأمراء غلول))(١)، = وقال عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كان معاذ فذكره وروي من وجهين ضعيفين عن جابر بن عبد الله في قصة معاذ)). ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في الحلية (٢٣١/١-٢٣٢) وقال رواه ابن المبارك عن معمر نحوه، ورواه يزيد بن أبي حبيب وعمارة ابن غزية عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٤٧): ((رواه الطبراني في الكبير مرسلا ورجاله رجال الصحيح.)) والحديث ذكره الحافظ في المطالب العالية (١٣٨٩/٤١٧/١) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ونسبه لإسحاق بن راهويه وقال :- كما في الحاشية -: هذا حديث صحيح لكنه مرسل ولم يخرجوه في كتبهم بل أخرج أبو داود في المراسيل قطعة منه فقد خالف عبد الرزاق هشام بن يوسف فرواه عن معمر موصولا قال: عن ابن كعب عن أبيه ورواه ابن المبارك عن معمر فأرسله (١) رواه من حديث أبي حميد الساعدي: حم: (٤٢٥/٥)، هق: (١٣٨/١٠)، وابن عدي (٣٠٠/١)، والبزارفي "كشف الأستار (١٥٩٩/٢٣٧/٢) وقال: ((رواه إسماعيل بن عياش فاختصره وأخطأ فيه.)) وقال الهيثمي في المجمع (١٥٤/٤): ((رواه الطبراني في الكبير وأحمد من طريق إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز وهي ضعيفة)). وقال الحافظ في التلخيص (١٨٩/٤): ((رواه البيهقي وابن عدي من حديث أبي حميد وإسناده ضعيف.)) ورواه من حديث جابر: ابن عدي في الكامل: (٢٨٤/١) من طريق إسماعيل بن مسلم وقال: وأحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه. عبد الرزاق (١٤٦٦٥/١٤٧/٨)، أبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٠)، كلاهما من طريق أبان بن أبي عياش. وأبان هذا متروك. انظر الميزان (١/ ١٠) وقال الحافظ في التلخيص: (١٨٩/٤): ((أخرجه سنيد بن داود عن عبدة بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جابر. وإسماعيل ضعيف.)) وقال الهيثمي في المجمع: (١٥٤/٤): ((رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن)) ورواه البزار (١٦٠٠/٢٣٧/٢) كشف الأستار، من طريق ليث عن عطاء عن جابر، وقال لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد. ورواه من حديث أبي هريرة: ابن عدي في الكامل (١٧٣/١) من طريق أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي وقال: حدث عن الثقات بالبواطيل، ويسرق الحديث. وقال الحافظ في التلخيص: (١٨٩/٤): رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وإسناده أشد ضعفا وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٥٤): ((رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن معاوية الباهلي وهو ضعيف)) وفي الباب حديث = الخمس ١٠٣ - ومن ذلك قوله عَّه، في حديث ثور بن زيد هذا، ((ان الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم ، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارا)) (١)، فكل من غل شيئا في سبيل الله، أو خان شيئا من مال الله، جاء به يوم القيامة ان شاء الله والغلول من حقوق الادميين، ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات ثم صاحبه في المشيئة، وسنذكر ما للعلماء في عقوبة الغال، بعد هذا في هذا الباب ان شاء الله. وذكر سنيد عن مبشر، عن صفوان بن عمرو عن حبيب بن عبيد، عن عوف بن مالك، ان حبيب بن مسلمة، أتى برجل قد غل، ومعه غلوله، فوجد الناس من ذلك، وكان أول غلول رأوه في غزوهم بالشام، فقام عوف بن مالك في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، اياكم وما لا كفارة له من الذنوب، ان الرجل ليزني، ثم يتوب، فيتوب الله عليه، وان الرجل ليسرق ثم يتوب فيتوب الله عليه، وانهما لذنبان، لا كفارة لهما، صاحب الغلول، وآكل الربا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ ج بِمَا غَلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: (١٦١)]. فلا كفارة لصاحب الغلول حتى يأتي الله به يوم القيامة، وآكل الربا يبعثه الله يوم القيامة مختنقا، يختنق، قال سنيد، وحدثنا عبدة بن سليمان، عن اسماعيل ابن مسلم، عن الحسن عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله عَّه. ((هدايا الأمراء غلول)) (٢)، حدثنا سعيد، حدثنا قاسم، حدثنا = ابن عباس: قال الهيثمي في المجمع: (١٥٤/٤): ((رواه الطبراني في الأوسط وفيه يمان بن سعيد وهو ضعيف)) وحديث أبي سعيد رواه ابن عبد البر كما سيأتي. وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك. (١) هو جزء من حديث الباب وقد تقدم تخريجه. (٢) انظر ما قبله. فتح البر ١٠٤ محمد، حدثنا أبو بكر، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أبي حيان عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: ((قام رسول الله عَّه فينا خطيبا، فذكر الغلول، فعظمه، وعظم أمره، ثم قال يا أيها الناس، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك ولا ألفين أحدكم يجيئ يوم القيامة، على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيئ يوم القيامة على رقبته صامت، يقول يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء على رقبته، نفس لها صياح، فيقول يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك)) (١)، فهذا ما في الغلول وقد يدخل فيه منع الزكوات، لانها من حقوق المسلمين أيضا بالمعنى والله أعلم. وأما النص في هدايا المشركين، فروى قتادة عن يزيد بن الشخير عن عياض بن حمار أن رسول الله عَّه نهى عن زبد المشركين يعني هدایاهم ورفدهم، أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي قالا أخبرنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا عمران القطان عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن (١) حم: (٤٢٦/٢)، خ: (٢٢٨/٦/ ٣٠٧٣)، م: (٣/ ١٤٦١- ١٨٣١/١٤٦٢)، من طريق أبي حیان بهذا الإسناد. الخمس ١٠٥ ـ الشخير عن عياض بن حمار قال: أهديت لرسول الله عَ ليه ناقة أو قال هدية فقال اسلمت قلت لا قال: ((إني نهيت عن زيد المشركين(١))). أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قال: حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال أخبرنا ابن المبارك عن يونس ومعمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك عن عامر بن مالك الذي يقال له ملاعب الاسنة قال: قدمت على النبي : بهدية فقال: إنا لن نقبل هدية مشرك(٢). واختلف العلماء في معنى هذين الحديثين، فقال منهم قائلون، فيهما النسخ لما كان عليه رسول الله عَّه، من قبول الهدية من أهل الشرك مثل أكيدردومة وفروة بن نفاثة والمقوقس وغيرهم، وقال آخرون ليس فيهما ناسخ ولا منسوخ والمعنى فيهما انه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده أو دخوله في الإسلام. فعن مثل هذا (١) د: (٣٠٥٧/٤٤٢/٣)، ت: (٤ /١١٩/ ١٥٧٧) كلاهما من طريق قتادة بهذا الإسناد وقال الترمذي: ((حسن صحيح)). وصححه ابن خزيمة كما قال الحافظ في الفتح (٢٨٨/٥) ورواه: حم: (١٦٢/٤)، من طريق ابن عون عن الحسن عن عياض. تنبيه: وقع في التمهيد: عياض بن حماد بالدال وهو تصحيف والصواب ((عياض بن حمار)) بالراء. (٢) طب: في الكبير: (١٣٩/٧١/١٩-١٤٠)، عبد الرزاق: (٩٧٤١/٣٨٢/٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٣٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ في الفتح: (٢٨٨/٥) بعد ما عزاه لموسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك ورجال من أهل العلم « أن عامر ابن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة .... الحديث)) قال: الحديث رجاله ثقات إلا أنه مرسل وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح. فتح البر ١٠٦ نهى أن يقبل هديته ويهادنه ويقره على دينه مع قدرته عليه أو طمعه في هدايته، لان في قبول هديته حملا على الكف عنه، وقد أمر ان يقاتل الكفار حتى يقولوا لا إله إلا الله. وقال آخرون كان مخيرا في قبول هديتهم وترك قبولها، لانه كان من خلقه ◌َّ أن يثيب على الهدية بأحسن منها. فلذلك لم يقبل هدية مشرك لئلا يثيبه بأفضل منها والله أعلم. أخبرنا علي بن ابراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أبو بکر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي قال حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا ابراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله عَّ يقبل الهدية ويثيب عليها (١)، وقد قيل انه انما ترك ذلك تنزها، ونهى عن زيد المشركين لما في التهادي والزبد من التحاب وتليين القلوب والله عز وجل يقول: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: (٢٢)]. والله أعلم بما أراد رسوله بقوله ذلك. وقد قبل ◌ٍ و هدية قوم من المشركين وأجاز قبولها جماعة من الفقهاء على وجوه نذكر منها ما حضر ذكره إن شاء الله. حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا محبوب بن موسی .ح. وقرأت علیہ أیضا ان قاسم بن أصبغ حدثھم. قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد الملك بن حبيب المصيصي قالا جميعا حدثنا أبو اسحاق الفزاري قال قلت للاوزاعي أرأيت لو أن صاحب الروم (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. ١٠٧ الخمس أهدى إلى أمير المؤمنين هدية أترى بأسا أن يقبلها، قال لا أرى بذلك بأسا، قلت فما حالها إذا قبلها، قال تكون بين المسلمين، قلت وما وجه ذلك؟ قال أليس انما أهداها له لانه والي عهد المسلمين، لا يكون أحق بها منهم ويكافيه بمثلها من بيت مال المسلمين. قلت للاوزاعي فلو أن صاحب الباب أهدى له صاحب العدو هدية أو صاحب ملطية أيقبلها أحب إليك أو يردها؟ قال يردها أحب الي، فإن قبلها فهي بين المسلمين ويكافيه بمثلها. قلت فصاحب الصائفة إذا دخل فأهدى له صاحب الروم هدية، قال تكون بين ذلك الجيش، فما كان من طعام قسمه بينهم، وما كان سوى ذلك جعله في غنائم المسلمين. قال أبو عمر: ليس أحد من أئمة الفقهاء زعموا أعلم بمسائل الجهاد من الأوزاعي، وقوله هذا هو قولنا. وروى عيسى عن ابن القاسم في الإمام يكون في أرض العدو فيهدي له العدو أتكون له خالصة أم للجيش؟ قال لا أراها لجماعة الجيش. قال لانه إنما أهداها خوفا إلا أن يعلم ان ذلك انما هو من قبل قرابة أو مكافأة فأراه له خالصا، قيل فالرجل من أهل الجيش تأتيه الهدية؟ قال هذه له خالصة لا شك فيه مثل أن يكون له قريب أو صديق فيهدى له فهو له خالص، وقال الربيع عن الشافعي في كتاب الزكاة إذا أهدى واحد من القوم للوالي هدية، فإن كانت لشيء نال منه حقا أو باطلا فحرام على الوالي أخذها، لانه حرام عليه إن يستجعل على الحق وقد ألزمه الله ذلك، وحرام عليه أن يأخذ لهم باطلا، والجعل عليه حرام. قال وإن أهدى اليه أحد من أهل ولايته على غير هذين المعنيين تفضلا أو تشكرا بحسن كان منه في العامة فلا يقبلها، وإن قبلها كانت في الصدقات فتح البر ١٠٨ ولا يسعه عندي غيره إلا أن يكافيه من ماله عليه بقدر ما يسعه به أن يتمولها قال وإن أهديت هدية الى رجل ليس بذي سلطان شكرا على حسن كان منه فأحب إلي أن لا يقبلها، ولا تحرم عليه عندي إن قبلها وأخذها، وأحب الي أن يدع قبولها، ولا يأخذها على الحسن مكافأة هذا كله هو المشهور من قول الشافعي في كتبه الظاهرة عند أصحابه. وقد روي عنه أن الحاكم إذا أهديت اليه هدية من أجل حكمه فحكم بالحق على وجهه لم تحرم عليه. وأما العراقيون، فقال أبو يوسف ما أهدى ملك الروم الى أمير الجيش فهو له خاصة، وكذلك ما يعطى الرسول. قال أبو عمر: احتج بعض من ذهب هذا المذهب وقال ان الهدية تكون ملكا للمهدى له وإن كان واليا، ولا تكون فيئا. احتج باجماعهم على أن للامام أن لا يقبل هدية الكفار. قالوا ولو كانت فيئا لما كان له أن لا يقبلها ويردها على الحربيين. قال أبو عمر: هذا لا حجة فيه، لان تخييرهم الامام في قبول هدية الكفار إنما هو من أجل أنه إن قبلها كان عليه أن يكافئ عليها من بيت المال، لا أنها لا تكون فيئا. واذا كان عليه أن يثيب عليها كان مخيرا في قبولها، ومعلوم أنه إنما أهدیت إلیه بسبب ولا یته، فاستحال أن تكون له دون المسلمين. والحجة في هذا عندي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية . أخبرنا خلف بن سعيد، قال أخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا أحمد بن خالد، قال حدثنا عبيد بن محمد، قال حدثنا محمد بن الخمس ١٠٩. يوسف، قال حدثنا عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن أبان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَظلي- قال: ((الهدايا للامراء غلول)) (١) وبه عن عبد الرزاق وعبد الملك جميعا عن الثوري عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قال ابن مسعود الرشوة في الدين سحت (٢). قال سفيان: يعني في الحكم. وبه عن عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري قال: جمع اليهود لابن رواحة حين خرص عليهم حليا من حلي نسائهم فأهدوه له فقال: هذه الرشوة سحت وإنا لا نأكلها. وذكر وكيع عن معاذ بن العلاء اخي أبي عمرو ابن العلاء عن أبيه عن جده قال: خطبنا علي بالكوفة وبيده قارورة وعليه سراويل ونعلان فقال: ما أصبت منذ دخلتها غير هذه القارورة أهداها لي دهقان. وعن أبي البختري عن علي بن ربيعة أن عليا استعمل رجلا فلما جاء قال يا أمير المؤمنين إنه أهدي لي في عملي أشياء. وقد أتيت بها ، فإن كان حلالا أخذته والا جئتك به، فجاءه (١) سبق تخريجه في الباب نفسه (٢) رواه عبد الرزاق: (١٤٦٦٤/١٤٧/٨)، طب (٩٠٩٩/٢٥٧/٩)، من طريق أبي نعيم ثنا سفيان كلاهما عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود. وقال الهيثمي في المجمع: (٢٠٣/٤): ((رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو نعيم غير مسمى فإن كان الفضل بن دكين فهو ثقة وإن كان ضرار بن صرد فهو ضعيف وكلاهما روى عن سفيان وروى عنه علي ابن عبد العزيز البغوي)) ورواه طب: (٩١٠٠/٢٥٧/٩) من طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود بلفظ: (( الرشوة في الحكم كفر وهي بين الناس سحت.)) وقال الهيثمي في المجمع (٢٠٣/٤): ((رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح)) وقال المنذري في الترغيب (١٨١/٣): رواه الطبراني موقوفا بإسناد صحيح. فتح البر به فقبضه علي رضي الله عنه وقال إني أحسبه كان غلولا . وأما هدية غير الكفار إلى من لم تكن له ولاية فمأخوذة من قول رسول الله عَّةٍ: ((أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية)) (١). وقال عَّ: ((ما أتاك من غير مسألة فكله وتموله)) (٢) وهذا إذا لم تكن الهدية على شرط أداء حق قد وجب عليه، كالشهادة ونحوها، فإن كانت كذلك فهي سحت ورشوة. وشر من ذلك الأخذ على الباطل وبالله التوفيق. قرأت على أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن أن محمد بن معاوية حدثهم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فقال لو كان عندنا شيء من تفاح فانه طيب الريح طيب الطعم، فقام رجل من أهل بيته فأهدى اليه تفاحا، فلما جاء به الرسول قال عمر بن عبد العزيز ما أطيب ريحه وطعمه، ياغلام أرجعه وأقرأ فلانا السلام وقل له هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب. قال عمرو بن مهاجر، فقلت يا أمير المؤمنين ابن (١) حم: (٤٠٤/١-٤٠٥)، خ: في الأدب المفرد: (فضل الصمد (١٥٧/٢٤٦/١)، حب: الإحسان (٥٦٠٣/٤١٨/١٢)، البزار: (كشف الأستار (١٢٤٣/٧٦/٢)، طب: (١٠٤٤٤/٢٤٢/١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١٢٨/٧) من طرق عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعا وقال الهيثمي في المجمع (٥٥/٤): ((رواه أحمد والبزار وفي رواية عند البزار(( أجيبوا الداعي إذا دعيتم)) والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح)) وأورده أيضا (١٤٩/٤) دون الجملة الأولى منه وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح)). (٢) خ: (٧١٦٣/١٨٦/١٣-٧١٦٤)، م: (١٠٤٥/٧٢٣/٢)، د: (١٦٤٧/٢٩٦/٢)، ن: (١٠٨/٥-٢٦٠٤/١٠٩) من حديث عمر بن الخطاب. (٣) الحديث المرفوع أخرجه: د: (٤/ ٤٥١٢/٦٥٠)، حب: الإحسان (٦٣٨١/٢٩٣/١٤)، وابن سعد (٣٨٨/١) من حديث أبي هريرة بلفظ « كان رسول الله وَل﴿ل يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة)). الخمس = ١ عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن رسول الله عيّة كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة(٣)، فقال: ان الهدية كانت للنبي عَّه هدية، وهي لنا اليوم رشوة. قال أبو عمر: كان عمر رضي الله عنه في حين هذا الخبر خليفة، وقد تقدم القول فيما للخلفاء والأمراء وسائر الولاة من الحكم في الهدية. ويحتمل أن يكون ذلك الرجل من أهل بيته قد علم في كسبه شيئا أوجب التنزه عن هديته. وأما قوله في الحديث شراك أو شراكان من نار(١)، وقوله في حديث عمرو بن شعيب أدوا الخيط والمخيط(٢)، فيدل على أن القليل والكثير لا يحل لأحد أخذه في الغزو قبل المقاسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل الطعام في أرض العدو من الاحتطاب والاصطياد. وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب، وما خالفه مما جاء عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس بشىء، لأن عموم قول الله عز وجل ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ [الأنفال: (٤١)]. يوجب أن يكون الجميع غنيمة، خمسها لمن سمى الله، وأربعة أخماسها لمن شهد القتال من البالغين الأحرار الذكور، فلا يحل لأحد منها شيء إلا سهمه الذي يقع له في المقاسم بعد إخراج الخمس المذكور، إلا أن الطعام خرج بدليل إخراج رسول الله عليه له عن جملة ذلك. فمن ذلك حديث عبد الله بن مغفل في الجراب بالشحم، (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. (٢) سيأتي تخريجه. فتح البر ١١٢ وحديث عتبة بن غزوان في السفينة المملوءة بالجوز، وحديث ابن أبي أوفى ((كنا مع رسول الله عَّه بخيبر يأتي أحدنا إلى الطعام من الغنيمة فيأخذ منه حاجته)) (١) وأجمع العلماء على أن أكل الطعام في دار الحرب مباح، وكذلك العلف ما داموا في دار الحرب، فدل على أنه لم يدخل في مراد الله من الآية التي تلونا. وما عدا الطعام فهو داخل تحت عموم قوله: ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: (٤١)]. الآية إلا أن للارض حكما سنذكره في غير هذا الموضع من كتابنا هذا ان شاء الله. وقد روي عن الزهري انه قال لا يؤخذ الطعام في أرض العدو إلا بإذن الإمام، وهذا لا أصل له لان الآثار المرفوعة تخالفه، ولم يقل به فيما علمت غيره. ومن الآثار في ذلك ما ذكره البخاري قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فناكله ولا نرفعه(٢). قال أبو عمر: ما يخرج به من الطعام الى دار الإسلام وكان له قيمة فهو غنيمة وكذلك قليل وكثير غير الطعام فهو غنيمة، لأنهم لم يجمعوا على شيء منه. وروى ثوبان عن النبي ◌َّة أنه قال: ((من فارق الروح منه الجسد وهو برىء من ثلاث دخل الجنة، الكبر والغلول والدين(٣)). حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان (١) د: (٢٧٠٤/١٥١/٣)، وك: (١٢٦/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري فقد احتج بمحمد وعبد الله ابني أبي المجالد جميعا ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (٢) خ: (٣١٥٤/٣١٣/٦). (٣) حم: (٢٧٦/٥-٢٧٧-٢٨١-٢٨٢)، ت: (١٥٧٢/١١٧/٤-١٥٧٣)، جه: (٢٤١٢/٨٠٦/٢)، الدارمي: (٢٦٢/٢)، ن: في الكبرى (٨٧٦٤/٢٣٢/٥)، ك: (٢٦/٢) وقال: تابعه أبو عوانة عن قتادة في إقامة هذا الإسناد ووافقه الذهبي وزاد: ((على شرط البخاري ومسلم)) . ١١٣ الخمس قال حدثنا ابان العطار وهمام عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان عن النبي ◌َّ انه قال: ((من فارق منه الروح الجسد وهو برىء من ثلاث دخل الجنة، الكبر والغلول والدين(١))). وروى رويفع بن ثابت عن النبي عَّه انه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا انقضها ردها في المغانم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من المغنم حتى إذا أخلقه رده في المغانم)) (٢)، وهذا غاية في التحذير والمنع وأما قوله عيّ (( والذي نفسي بيده ان الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ثم قال للذي جاء بالشراك أو الشراكين شراك أو شراكان من نار))(٢) ففي قوله هذا كله دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب فيه. وأظن حقوق الآدميين كلها كذلك في التعظيم وإن لم يقطع على أنه ياتي به حاملا له كما يأتي بالغلول والله أعلم. وقد ترك رسول الله عليه الصلاة علي الرجل الذي غل الخرزات وهي لا تساوي درهمين عقوبة له (٤)، وسيأتي هذا الحديث في باب يحيى بن سعيد ان شاء الله. وأما الشملة فكساء مخمل، وقال الخليل (١) تقدم تخريجه. (٢) حم: (١٠٨/٤ و١٠٨-١٠٩)، د: (٦١٥/٢-٦١٦ /٢١٥٨-٢١٥٩)، ت: (١١٣١/٤٣٧/٣) مختصرا وقال: هذا حديث حسن، حب: الإحسان (٤٨٥٠/١٨٦/١١)، الطحاوي في معاني الآثار (٥٢٤٧/٢٥١/٣-٥٢٤٨)، الدارمي (٢٣٠/٢)، هق: (٦٢/٩)، ابن سعد (١١٤/٢- ١١٥) من حديث رويفع بن ثابت مرفوعا. (٣) تقدم تخريجه في حديث الباب. (٤) سيأتي تخريجه بعد باب من هذا الكتاب. فتح البر ١١٤ اشتمل بالثوب أداره على جسده، قال والاسم الشملة، قال والشملة كساء ذو خمل. وقال الاخفش الشملة الازار من الصوف. وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الغال لا يجب عليه حرق متاعه، لان رسول الله عَّه لم يحرق رحل الذي أخذ الشملة ولا متاعه، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات. ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله عَ ◌ّه. حينئذ لو فعله لنقل ذلك في الحديث. وقد روي عن النبي تعيّ انه قال: (( من غل فاحرقوا متاعه وأضربوه)) (١) رواه أسد بن موسى وغيره عن الدراوردي عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن ابن عمر. وقال بعض رواة هذا الحديث فيه، فاضربوا عنقه، وأحرقوا متاعه، وهو حديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة وهو ضعيف لا يحتج به . وقد اختلف العلماء في عقوبة الغال، فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والليث بن سعد الى أن الغال يعاقب بالتعزير ولا يحرق متاعه، وقال الشافعي وداود بن علي إن كان عالما بالنهي عوقب، وهو قول الليث. قال الشافعي وانما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله. قال أبو عمر: اختلاف العلماء في العقوبة في المال دون البدن أو البدن دون المال قد ذكرناه في غير هذا المكان. وقال الاوزاعي يحرق متاع الغال كله، إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنتزع منه دابته، ويحرق سائر متاعه كله، إلا الشيء الذي غل، فإنه لا يحرق، ويعاقب مع ذلك. وقول أحمد واسحاق كقول الاوزاعي في هذا الباب كله وروي (١) د: (٢٧١٣/١٥٧/٣)، ت: (٤/ ١٤٦١/٥٠) وقال هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفيه صالح بن محمد بن زائدة وهو ضعيف كما في التقريب (١/ ٤٣٢). الخمس ١١٥ عن الحسن البصري أنه قال يحرق رحله كله إلا ان يكون حيوانا أو مصحفا. وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز. وحجة من ذهب الى هذا القول حديث صالح المذكور، وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة ولا إنفاذ حكم مع ما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. فأما رواية من روى فاضربوا عنقه واحرقوا متاعه فانه يعارضه قوله عليه، ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) (١) الحديث وهو ينفي القتل في الغلول. وروى ابن الزبير عن جابر أن النبي عَّهُ قال: ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع. وهذا أيضا يعارض حديث صالح بن محمد ابن زائدة، وهو أقوى من جهة الاسناد. والغال خائن في اللغة والشريعة، وقال الطحاوي: لو صح حديث صالح المذكور، احتمل أن يكون كان حين كانت العقوبات في الأموال كما قال في مانع الزكاة انا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات الله. وكما روى أبو هريرة في ضالة الابل المكتوبة، فيها عزامتها ومثلها معها. وكما روى عبد الله بن عمرو بن العاص في الثمر المعلق غرامة مثلية وجلدات نكال . وهذا کله منسوخ. قال أبو عمر: الذي ذهب اليه مالك والشافعي وأبو حنيفة ومن تابعهم في هذا المسألة أولى من جهة النظر وصحيح الاثر والله أعلم. وأجمع العلماء على أن على الغال ان يرد ما غل الى صاحب المقاسم ان وجد السبيل الى ذلك، وانه إذا فعل ذلك فهي توبة له وخروج عن ذنبه. واختلفوا (١) خ: (٦٨٧٨/٢٤٧/١٢)، م: (١٦٧٦/١٣٠٢/٣)، د: (٤٣٥٢/٥٢٢/٤)، ت: (١٢/٤- ١٤٠٢/١٣)، ن: (١٠٤/٧-٤٠٢٧/١٠٥)، جه: (٢٥٣٤/٨٤٧/٢) من حديث عبد الله بن مسعود. فتح البر ١١٦ فيما يفعل بما غل إذا افترق أهل العسكر ولم يصل اليهم فقال جماعة من أهل العلم يدفع الى الامام خمسه ويتصدق بالباقي. وهذا مذهب الزهري ومالك والأوزاعي والليث والثوري. وروي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس، لانهما كان يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. وذكر بعض الناس عن الشافعي انه كان لا يرى الصدقة بالمال الذي لا يعرف صاحبه وقال كيف يتصدق بمال غيره. وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه والوصول اليه أو الى ورثته ، وأما إن لم يمكن شيء من ذلك فان الشافعي رحمه الله لا يكره الصدقة به حينئذ ان شاء الله. ذكر سنيد حدثنا أبو فضالة عن أزهر بن عبد الله قال غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، فغل رجل مائة دينار فأتى بها معاوية بن أبي سفيان فأبى أن يقبلها، وقال: قد نفر الجيش وتفرق، فخرج فلقى عبادة بن الصامت فذكر ذلك له فقال: ارجع إليه فقل له خذ خمسها أنت ثم تصدق أنت بالبقية فان الله عالم بهم جميعا فأتى معاوية فأخبره فقال لان كنت أنا أفتيتك بهذا كان أحب إلي من كذا وكذا. وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان وكذلك الغصوب، وبالله التوفيق. ١١٧ الخمس باب منه [٢] مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله عليه. حین صدر من حنین وهو یرید الجعرانة سأله الناس حتی دنت به ناقته من شجرة فتشبكت بردائه حتى نزعته عن ظهره، فقال رسول الله عملية : ردوا علي ردائي، أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم؟ والذي نفسي بیده، لو أفاء الله علیکم مثل سمر تهامة نعما، لقسمته بینکم، ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا. فلما نزل رسول الله عمّ ، قام في الناس فقال: أدوا الخائط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة؛ قال: ثم تناول من الأرض وبرة من بعير أو شيئا، ثم قال: والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم(١). لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث عن عمرو بن شعيب، وقد روي متصلا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي وَ له بأكمل من هذا المساق وأتم الفاظ من رواية الثقات. وروى هذا الحديث أيضا الزهري، عن عمر بن أخي محمد بن جبير بن مطعم، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه. ورواه معمر، ويونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده. وروي أيضا عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ◌َّةٍ(٢). وسنذكر هذه الأحاديث وغيرها (١) حم: (١٨٤/٢ -١٨٥)، د: (٢٦٩٤/١٤٢/٣)، ون: (٥٧٤/٦ - ٥٧٥/ ٣٦٩٠) من طريق حماد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولم يصرح محمد بن إسحاق بالتحديث وهو صدوق یدلس. (٢) حم: (٤/ ٨٢)، خ: (٣١٤٨/٣٠٨/٦). فتح البر ١١٨ مما في معنى حديث مالك هذا في هذا الباب بعد القول بما فيه من المعاني إن شاء الله. في هذا الحديث دليل على أن رسول الله عَّه غزا غزوة حنين وغنم فيها وإن كان هذا لا يحتاج إلى دليل لثبوت معرفة ذلك عند العامة والخاصة من العلماء، ولكن ذكرنا ذلك، لأن بمثل هذا الحديث وشبهه عرف ذلك. وفيه إباحة سؤال العسكر للخليفة حقوقهم من الغنيمة أن يقسمه بينهم، وفيه جواز قسم الغنائم في دار الحرب؛ لأن الجعرانة كانت يومئذ من دار الحرب، وفيها قسم رسول الله عَُّ غنائم حنين، وذلك موجود في حديث جبير بن مطعم، وجابر؛ وقسمة الغنائم في دار الحرب موضع اختلف فيه العلماء، فذهب مالك والشافعي والأوزاعي وأصحابهم إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب، قال مالك: وهم أولى برخصها، وقال أبو حنيفة: لا تقسم الغنائم في دار الحرب. وقال أبو يوسف: أحب إلي ألا تقسم في دار الحرب إلا أن لا يجد حمولة فيقسمها في دار الحرب. قال أبو عمر: القول الصحيح في هذه المسألة ما قاله مالك والشافعي والأوزاعي، ولا وجه لقول من خالفهم في ذلك من معنى صحيح، مع ثبوت الأثر عن النبي عَهَّ بخلافه. وفيه جواز مدح الرجل الفاضل الجليل لنفسه، ونفيه عن نفسه ما يعيبه بالحق الذي هو فيه؛ وعليه إذا دفعت إلى ذلك ضرورة أو معنى يوجب ذلك، فلا بأس بذلك؛ وقد قال الله عز وجل حاكيا عن [يوسف: (٥٥)]. وقال يوسف ◌َل﴿ أنه قال: ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ رسول الله يقول: أنا أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، ١١٩ الخمس وأنا سيد ولد آدم ولا فخر (١). ومثل هذا كثير في السنن، وعن علماء السلف، لا ينكر ذلك إلا من لا علم له بآثار من مضى. وفيه دليل والله أعلم على أن الخليفة على المسلمين لا يجوز أن يكون كذابا ولا بخیلا ولا جبانا. وقد أجمع العلماء على أن الامام يجب أن لا تكون فيه هذه الخلال السوء، وأن يكون أفضل أهل وقته حالا، وأجملهم خصالا؛ وقد سوى رسول الله عَّةٍ في هذا الحديث بين البخل والجبن والكذب، وأكثر الاثار على هذا؛ وفي ذلك ما يعارض حديث صفوان بن سليم أن المومن يكون جبانا وبخيلا، ولا يكون كذابا (٢)؛ وقد ذكرنا هذا المعنى بما يجب فيه من القول في باب صفوان والحمد لله. وأجمع الحكماء على أن الكذب في السلطان أقبح منه في غيره، وأنه من أكبر عيوبه وأهدمها لسلطانه، لأنه لا يوثق منه بوعد ولا وعيد؛ وفي الكذب في الوعد والوعيد فساد أمره كما قال معاوية لعمرو بن العاص رضي الله عنهما إن فساد هذا الامر بأن يعطوا على الهوى لا على الغناء، وأن يكذبوا في الوعد والوعيد؛ وكذلك البخل والجبن في السلطان، أقبح وأضر وأشد فسادا منه على غيره، وللكلام في سيرة السلطان موضع غير كتابنا هذا. ويروي أهل الأخبار أن عبد الملك بن مروان كتب إلى ابن عمر أن بايع الحجاج، فإن فيك خصالا لا تصلح معها للخلافة وهي: البخل والغيرة والعي. ويروى أن ذلك كان من معاوية اليه فالله أعلم في بيعة (١) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم: (٢/ ٥٤٠)، م: (٢٢٧٨/١٧٨٢/٤)، د: (٥٤/٥/ ٤٦٧٣)، و ت: (٣٦١٥/٥٤٨/٥) (٢) تقدم هذا الحديث في كتاب العشرة وحسن الخلق باب لا يكون المؤمن كذابا. فتح البر ١٢٠ يزيد وهو خبر لا إسناد له؛ فجاوبه ابن عمر ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ [البقرة: (٢٨٥)]. اللهم إن ابن مروان يعيرني ٢٨٥ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيُ بالبخل والغيرة والعي، فلو وليت وأعطيت الناس حقوقهم، وقسمت بينهم فيئهم، أي حاجة كان بهم حينئذ إلى مالي فيبخلوني؛ ولو جلست لهم في مجالسهم فقضيت حوائجهم لم تكن لهم حاجة إلى بيتي فيعرفوا غيرتي؛ وما من قرأ كتاب الله ووعظ به بعيي. وأما قوله عَّه في هذا الحديث: أدوا الخائط والمخيط، فالخائط واحد الخيوط المعروفة، والمخيط الإبرة. ومن روى: ادوا الخياط والمخيط، فإن الخياط قد يكون الخيوط، وقد يكون الخياط والمخيط بمعنى واحد وهي الإِبرة. ومنه قول الله عز وجل: ﴿حََّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: (٤٠)]. يعني ثقب الإِبرة، ولا خلاف أن المخيط بكسر الميم الإِبرة. وقال الفراء: ويقال: خياط ومخيط، كما قيل: لحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإزار ومئزر، وقرام ومقرم؛ وهذا كلام خرج على القليل، ليكون ما فوقه أحرى بالدخول في معناه؛ كما قال عز وجل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [الزلزلة: (٧ _ ٨)]. خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ومعلوم أن من يعمل أكثر من مثقال ذرة أحرى أن يراه. وفي هذا الحديث دليل على أن الغلول كثيره وقليله حرام نار، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: (١٦١)]. وقد ٤ ذكرنا في معنى الغلول وحكمه وحكم الغال وحكم عقوبته ما فيه كفاية في باب ثور بن زید من کتابنا هذا. وأما قوله في هذا الحديث: فإن الغلول عار ونار وشنار يوم القيامة، فالشنار لفظة جامعة لمعنى العار والنار، ومعناها الشين والنار،