النص المفهرس
صفحات 21-40
الجهاد
٢١
باب منه
[٥] مالك، عن يحيى بن سعيد قال: لما كان يوم أحد قال رسول الله عَليه
من يأتني بخبر سعد بن الربيع الأنصاري، فقال رجل: أنا يا رسول الله،
فذهب الرجل يطوف بين القتلى، فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ فقال
الرجل: بعثني رسول الله عَّه لآتيه بخبرك، قال: فاذهب إليه فأقرئه مني
السلام، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة، وأني قد أنفذت مقاتلي،
وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله عَّ. وواحد
منهم حي(١).
هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم
مشهور معروف.
ذكر ابن إسحاق قال: لما انصرف أبو سفيان ومن معه من أحد
ووجهوا إلى مكة، فزع الناس إلى قتلاهم؛ فقال رسول الله عَّه من
رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في
الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل،
فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، قال: فقلت له: إن
رسول الله ◌ّي أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال:
أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله عٍَّ عني السلام، وقل له إن سعد
ابن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته؛ وأبلغ
قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر
لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف، قال: ثم لم
(١) هذا حديث مرسل وسيأتي موصولا فيما بعد.
فتح البر
٢٢
أبرح حتى مات؛ قال: فجئت إلى رسول الله عَّ فأخبرته خبره. قال
ابن إسحاق: حدثنا بخبره هذا محمد بن عبد الله بن عبدالرحمن بن
ابي صعصعة المازني أحد بني النجار(١).
وقال ابن هشام: حدثنا أبو بكر الزبيري أن رجلا دخل على أبي
بكر الصديق وبنت لسعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها
ويقبلها، فقال رجل: من هذه؟ قال: بنت رجل خير مني سعد بن
الربيع، كان من النقباء يوم العقبة، وشهد بدرا واستشهد يوم أحد.
قال أبو عمر : تخلف سعد بن الربيع رحمه الله ابنتین اثنتين وبهما
عرفت السنة والمراد من كتاب الله عز وجل في ميراث الابنتين، لأن
القرآن إنما نطق بقوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنٍ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن
كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُّ﴾ [النساء: (١١)]. فأخبره بميراث الواحدة
وميراث ما فوق الاثنين ولم يذكر الاثنتين، فلما أعطى رسول الله عَ ليه
ابنتي سعد بن الربيع الثلثين، علم أن مراد الله عز وجل أن ميراث
الاثنتين من البنات كميراث ما فوقهن من العدد لا كميراث الواحدة،
فكأنه قال عز وجل: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما، فلهن الثلثان ،
وقد قيل إن ذلك أخذ قياسا واعتبارا بالأختين؛ وهذا والحمد لله
إجماع وإن اختلف في السبب، وقد قيل إن قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ معناه
اثنتين كما قال: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: (١٢)]. يريد الأعناق. حدثنا
(١) أخرجه من طريق ابن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة
المازني: ك: (٢٠١/٣) وصححه وقال الذهبي (مرسل)، هق: في دلائل النبوة (٢٨٥/٣)
وذكره الحافظ بن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٠) بسند ابن إسحاق.
قلت: قول الذهبي ((مرسل)) هو صحيح لأن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن من الطبقة
السادسة الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. ومات سنة: تسع وثلاثين ومئة.
والحديث يروى متصلا من حديث حديث خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت:
أخرجه: ك: (٢٠١/٣) وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.
الجهاد
٢٣
أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن ابي أسامة، قال حدثنا إسحاق
ابن عيسى يعني ابن الطباع، قال حدثنا عمرو بن ثابت ، عن عبد الله
ابن محمد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن امرأة
من الأنصار أتت النبي عَّهُ بابنتي سعد بن الربيع، فقالت: يا رسول
الله سعد بن الربيع قتل يوم أحد شهيدا، فأخذ عمهما كل شيء من
تركته، فلم يدع لهما من مال أبيهما قليلا ولا كثيرا؛ والله ما لهما
مال، ولا ينكحان إلا ولهما مال؛ فقال رسول الله عٍَّ: سيقضي الله
في ذلك ما شاء، فنزلت السورة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِ كُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِنِ كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً
فَلَهَا النَّصِّفُ﴾ [النساء: (١١)]. فدعا رسول الله بَّهُ عمهما فقال:
أعط هاتين الجاريتين الثلثين مما ترك أبوهما، وأعط أمهما الثمن وما
بقي فهو لك (١). قال أبو يعقوب: وهذا القول الذي ليس فيه
اختلاف، وأبو يعقوب هذا هو إسحاق بن الطباع.
(١) د: (٢٨٩١/٣١٤/٣) من طريق بشر بن المفضل وفيه ((بنتا ثابت بن قيس)) لكن أبو داود
قال: أخطأ بشر فيه إنما هما ابنتا سعد بن الربيع وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة. ت:
(٤ /٢٠٩٢/٣٦١) وقال: هذا حديث صحيح.
جه: (٢٧٢٠/٩٠٨/٢)، ك: (٣٣٣/٤-٣٣٤) وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه
الذهبي .
٢٤
فتح البر
باب منه
[٦] مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: كان رسول الله عَّ جالسا وقبر يحفر
بالمدينة، فاطلع رجل في القبر فقال: بئس مضجع المؤمن، فقال رسول الله
عَّ بئسما قلت؛ فقال: الرجل: إني لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل
الله؛ فقال رسول الله عَّ لا مثل القتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة
هي أحب إلي أن يكون قبري بها ثلاث مرات (١).
وهذا الحديث لا أحفظه مسندا، ولكن معناه موجود من رواية
مالك وغيره، وفضائل الجهاد كثيرة جدا، وأما تمني رسول الله عَ ليه.
للقتل في سبيل الله، فمحفوظ من رواية الثقات.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد بن
علي، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن عثمان بن
سعيد، قال حدثنا أبي، عن شعيب، عن الزهري، قال أخبرني سعيد
ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله عَّه يقول:
والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن
تخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو
في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم
أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل(٢).
قال: وأخبرني عمرو بن عثمان، قال حدثنا بقية، عن بحير، عن
خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن ابن أبي عميرة، قال: قال
(١) حديث منقطع.
(٢) حم (٤٢٤/٢-٤٣١-٤٧٣-٤٩٦-٥٠٢)، خ (٣٦/١٢٤/١). م (١٨٧٦/١٤٩٧/٣)،
ن (٣١٥١/٣٣٩/٦-٣١٥٢)، جه (٢/ ٩٢٠ / ٢٧٥٣).
٢٥
الجهاد
رسول الله عَّ: لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي
أهل الوبر والمدر (١).
قال: وأخبرنا يوسف بن سعيد، قال سمعت حجاج بن محمد،
قال أخبرنا ابن جريج، قال حدثنا سليمان بن موسى، قال حدثنا
مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول الله عد اله
يقول: من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له
الجنة؛ ومن سأل الله عز وجل القتل من عند نفسه صادقا ثم مات أو
قتل فله أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة،
فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها كالزعفران وريحها
كالمسك، ومن جرح جرحا في سبيل الله فعليه طابع الشهداء(٢).
(١) حم: (٢١٦/٤)، ن: (٣١٥٣/٣٤٠/٦).
(٢) د: (٢٥٤١/٤٦/٣)، ت: (١٥٧/٤-١٦٥٤/١٥٨-١٦٥٧) وقال: حديث حسن
صحيح، ن: (٣١٤١/٣٣٣/٦)، جه: (٢٧٩٢/٩٣٣/٢).
٢٦
فتح البر
باب منه
[٧] مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أنه بلغه أن رسول الله (عز لته.
قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا
رسول الله بإخوانهم: أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال
رسول الله عَّه بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي؟ قال: فبكى أبو بكر
وقال: أثنا لكائنون بعدك؟ (١).
هذا الحديث مرسل، هكذا منقطع عند جميع الرواة للموطأ،
ولكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة؛ ومعنى قوله: أشهد عليهم
أي أشهد لهم بالإيمان الصحيح والسلامة من الذنوب الموبقات، ومن
التبديل والتغيير؛ والمنافسة في الدنيا، ونحو ذلك والله أعلم.
وفيه من الفقه دليل على أن شهداء أحد ومن مات من أصحاب
رسول الله عَّي قبله أفضل من الذين تخلفهم بعده والله أعلم. وهذا
عندي في الجملة المحتملة للتخصيص، لأن من أصحابه من أصاب من
الدنيا بعده وأصابت منه؛ وأما الخصوص والتعيين، فلا سبيل إليه إلا
بتوقیف یجب التسليم له.
وأما أصحاب رسول الله عَّ الذين تخلفهم رسول الله عَ ◌ّ} بعده،
فأفضلهم: أبو بكر وعمر، على هذا جماعة علماء المسلمين إلا من
شذ؛ وقد قالت طائفة كثيرة من أهل العلم: إن أفضل أصحاب رسول
الله عَّ أبوبكر وعمر لم يستثنوا من مات قبله ممن مات بعده.
وأما قول رسول الله عَبّ لشهداء أحد: أنا أشهد لهؤلاء، أو أنا
شهيد لهؤلاء ونحو هذا، فقد روي هذا اللفظ ومعناه من وجوه:
(١) هذا الحديث مرسل، وسيأتي معناه مسندا.
٢٧
الجهاد
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد بن
يحيى بن عمر، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن
عيينة، عن الزهري، قال سفيان: وثبته معمر عن ابن ابي الصغير،
قال: أشرف النبي عَّ على قتلى أحد فقال: إني قد شهدت على
هؤلاء فزملوهم بكلومهم ودمائهم(١) .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن عثمان بن
السكن، قال حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا البخاري، قال
حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
أبي الخير، عن عقبة بن عامر أن النبي ◌َّ خرج يوما فصلى على
أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط
لكم وأنا شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن؛ وإني أعطيت
مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي،
ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها(٢).
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا
محمد بن زبان، حدثنا محمد بن رمح، حدثنا الليث بن سعد،
حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب، عن جابر، قال: كان
النبي ◌َّ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: أيهم أكثر
أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد وقال: أنا
شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل
علیهم(٣) .
(١) حم: (٤٣١/٥)، عبد الرزاق: (٥٤٠/٣-٦٦٣٣/٥٤١)، هق: (١١/٤).
(٢) خ: (٧/ ٤٠٨٥/٤٨٠)، م: (٢٢٩٦/١٧٩٥/٤). د: (٥٥١/٣-٣٢٢٣/٥٥٢-٣٢٢٤)،
ن: (٤/ ٣٦٣ / ١٩٥٣).
(٣) خ: (١٣٤٣/٢٦٨/٣)، د: (٣١٣٨/٥٠١/٣-٣١٣٩)، ت: (١٠٣٦/٣٥٤/٣).
ن: (٤/ ٣٦٣-١٩٥٤/٣٦٤)، جه: (٤٨٥/١ /١٥١٤).
فتح البر
٢٨
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا أحمد بن محمد
ابن إسماعيل، قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الواحد، قال حدثنا
سليمان بن سلمة، قال حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثني أسامة بن
زيد، قال أخبرني ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، قال: لم
يصل النبي عدّ على شهداء أحد وقال: أنا الشاهد عليكم اليوم،
وكان يجمع بين الثلاثة نفر والاثنين، ثم يسأل أيهما أكثر قرآنا فيقدمه
في اللحد، ويكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد (١).
قال أبو عمر:
اختلف على ابن شهاب في هذا الحديث اختلافا كثيرا، ورواية
الليث عندهم بالصواب أولى.
وأخبرنا خلف بن القاسم، قال حدثنا ابن ابي العقب، حدثنا أبو
زرعة، حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري،
أخبرني أيوب بن بشير الأنصاري، عن بعض أصحاب النبي عَّهُ أن
النبي ◌َّ حين خرج تلك الخرجة، استوى على المنبر فتشهد؛ فلما
قضى تشهده كان أول كلام تكلم به: أن استغفر للشهداء الذين قتلوا
يوم أحد، ثم قال: إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند
ربه، فاختار ما عند ربه؛ ففطن بها أبو بكر الصديق أول الناس
وعرف: إنما يريد رسول الله عَّ نفسه، فبكى أبو بكر؛ فقال النبي
عَّةٍ: على رسلك، سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب
أبي بكر، فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي
بكر (١).
(١) ك: (٣٦٥/١) وصححه ووافقه الذهبي، هق: (١٠/٤)، الطحاوي في شرح معاني الآثار
(٥٠٢/١-٥٠٣)، قط: (١١٧/٤) وتقدم في البخاري من حديث جابر.
(٢) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: خ: (٤٦٦/٧٣٤/١). م: (١٨٥٤/٤/ ٢٣٨٢)،
ت: (٣٦٦٠/٦٠٨/٥).
الجهاد
٢٩
باب منه
[٨] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله والتر قال:
والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في
سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون دم والربح
مسك(١).
هذا من أحسن حديث في فضل الغزو في سبيل الله، والحض
على الثبوت عند لقاء العدو. وأما قوله لا يكلم فمعناه: لا يجرح
أحد في سبيل الله، والكلوم الجراح معروف ذلك في لسان العرب
معرفة يستغنى بها عن الاستشهاد عليها بشيء. ومن أملح ما جاء في
ذلك، قول حسان بن ثابت يصف امرأة ناعمة طرية، زعم أن الذر لو
مشى عليها لجرحها جراحا تصيح منها، وتندب نفسها فقال:
لو یدب الحولي من ولد الذر
عليها لأندبتها الكلوم
وأما قوله: یثعب دما فمعناه: ينفجر دما.
وأما قوله: في سبيل الله، فالمراد به الجهاد والغزو وملاقاة أهل
الحرب من الكفار، على هذا خرج الحديث؛ ويدخل فيه بالمعنى كل
من خرج في سبيل بر وحق وخير مما قد أباحه الله، كقتال أهل البغي
الخوارج، واللصوص والمحاربين؛ أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر،
ألا ترى إلى قول رسول الله عَّه: من قتل دون ماله فهو شهيد(٢).
وفي قوله عليه السلام: والله أعلم بمن يكلم في سبيله دليل على أن
(١) م: (١٨٧٦/١٤٩٦/٣)، ت: (١٦٥٦/١٥٨/٤)، ن: (٣١٤٧/٣٣٦/٦).
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: خ: (٢٤٨٠/١٥٥/٥).
د: (١٢٧/٥-٤٧٧١/١٢٨)، ت: (١٤١٩/٢١/٤).
=
فتح البر
٣٠
ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح نيته ويعلم الله
من قلبه أنه خرج يريد وجهه ومرضاته لا رياء ولا سمعة ولا مباهاة
ولا فخرا.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الشهيد يبعث على حاله التي
قبض عليها، ويحتمل أن يكون ذلك في كل ميت والله أعلم يبعث
على حاله التي مات فيها، إلا أن فضل الشهيد المقتول في سبيل الله
بین الصفین، أن یکون ریح دمه کریح المسك، ولیس کذلك دم غيره.
ومن قال إن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم، احتج بحديث يحيى
ابن أيوب، عن ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن مسلمة، عن
أبي سعيد الخدري، أنه لما حضرته الوفاة، دعا بثياب جدد فلبسها، ثم
قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي
يموت فيها (١). وهذا قد يحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في
الشهيد، فتأوله على العموم، ويكون الميت المذكور في حديثه هو
الشهيد الذي أمر أن يزمل بثيابه ويدفن فيها، ولا يغسل عنه دمه، ولا
صَلىالله
يغير شيء من حاله؛ بدليل حديث ابن عباس وغيره عن النبي {
وستِلمُ
أنه قال: إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، ثم قرأ:
كَمَا
بَدَأَنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ
= ومن حديث سعيد بن زيد: د: (٤٧٧٢/١٢٨/٥)، ت: (١٤١٨/٢١/٤) وقال: ((حديث
حسن صحيح))، ن: (١٣١/٧-٤١٠١/١٣٢-٤١٠٢).
حب: الإحسان (٣١٩٤/٤٦٧/٧).
، ومن حديث بريدة الأسلمي: ن: (٤١٠٣/١٣٢/٧).
ومن حديث أبي هريرة: جه (٢٥٨٢/٨٦٢/٢) وقال البوصيري في الزوائد: ((هذا إسناد
حسن)). ومن حديث ابن عمر: جه (٢٥٨١/٨٦١/٢) وقال البوصيري في الزوائد: ((هذا
إسناد ضعيف، فيه يزيد بن سناد التميمي بو فروة الرهاوي)).
(١) د: (٣١١٤/٤٨٥/٣)، ك: (٣٤٠/١)، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
الجهاد
٣١
[الأنبياء: ١٠٤]. وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم(١)؛ فلهذا الحديث
وشبهه تأولنا في حديث أبي سعيد ما ذكرنا والله أعلم.
١٠
وقد كان بعضهم يتأول في حديث أبي سعيد أنه يبعث على العمل
الذي يختم له به، وظاهره على غير ذلك والله أعلم.
وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث وما كان مثله في
سقوط غسل الشهيد المقتول في دار الحرب بين الصفين، ولا حاجة بنا
إلى الاستدلال في ترك غسل الشهداء الموصوفين بذلك مع وجود
النص فيهم، وسيأتي ما للعلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم في
بلاغات مالك من هذا الكتاب إن شاء الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود،
حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال:
سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري، عن ابن جابر، عن جابر بن
عبد الله، عن النبي ◌َّه قال في قتلى أحد: لا تغسلوهم، فإن كل
جرح أو دم يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم(٢).
قال أبو داود الذي تفرد به من هذا الحديث قوله: لا تغسلوهم،
واختلف عن الزهري في الإسناد في هذا المعنى، وقد ذكرنا بعض
ذلك في بلاغات مالك والحمد لله.
وزعمت طائفة بأن في هذا الحديث دليلا على أن الماء إذا تغيرت
رائحته بشيء من النجاسات ولونه لم يتغير أن الحكم للرائحة دون
(١) خ: (٦٥٢٦/٤٥٩/١١)، م: (٢٨٦٠/٢١٩٤/٤)، ت: (٢٤٢٣/٥٣٢/٤)
ن: (٤١٩/٤ - ٤٢٠ /٢٠٨٠-٢٠٨١).
(٢) حم: (٢٩٩/٣)، قال الشيخ الألباني في " الإرواء" (١٦٤/٣): هذا سند صحيح على
شرط الشيخين، وعبد ربه بن سعيد كما جاء في الجزء الثالث من الأمالي للمحاملي رواية
الأصبهانيين وهو ثقة مشهور كما قال في ' التعجيل".
فتح البر
٣٢
اللون؛ فزعموا أن الاعتبار باللون في ذلك لا معنى له، لأن دم
الشهيد يوم القيامة يجيء ولونه كلون الدماء، ولكن رائحته فصلت
بينه وبين سائر الدماء، وكان الحكم لها؛ فاستدلوا في زعمهم بهذا
الحديث علي أن الماء إذا تغير لونه لم يضره، وهذا لا يفهم منه معنى
تسكن النفس اليه، ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه ولا يشتغل بمثل
هذا من له فهم، وإنما اغترت هذه الطائفة بأن البخاري ذكر هذا
الحديث في باب الماء، والذي ذكره البخاري لا وجه له يعرف. وليس
من شأن أهل العلم اللغو به وإشكاله، وإنما شأنهم إيضاحه وبیانه،
وبذلك أخذ الميثاق عليهم: ﴿لَتُبَيِّئُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾
[آل عمران: (١٨٧)]. وفي كتاب البخاري أبواب لو لم تكن فيه كان أصح
لمعانيه والله الموفق للصواب. والماء لا يخلو تغيره من أن يكون بنجاسة
أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة، فقد أجمع العلماء على أنه غير
طاهر ولا مطهر؛ وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر
على أصله. وقال الجمهور: إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربته
وحماته، وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس
معه؛ وقد ذكرنا حكم الماء عند العلماء، واجتلبنا مذاهبهم في ذلك،
والاعتلال لأقوالهم في باب إسحاق بن ابي طلحة من كتابنا هذا
والحمد لله.
الجهاد
٣٣
باب منه
[٩] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وسلم قال:
مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من
صلاة ولا صيام حتی یرجع (١).
هذا من أفضل حديث وأجله في فضل الجهاد، لانه مثله بالصلاة
والصيام وهما افضل الاعمال، وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن
ذلك ساعة؛ فأي شيء افضل من الجهاد يكون صاحبه راكبا، وماشيا،
وراقدا، ومتلذذا بكثير من حديث رفيقه وأكله وشربه، وغير ذلك مما
أبيح له؛ وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم
مع ذلك المجتهد، ان هذا لغاية في الفضل وفقنا الله برحمته.
ولهذا ومثله قلنا: إن الفضائل لا تدرك بقياس ونظر والله
المستعان، وحسبك من فضل الجهاد بقول الله عز وجل:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُّكُمْ عَلَى نَِةٍ ثُجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم لا
نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُّحَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُ نَعْلَمُونَ
[الصف: (١٠ - ١١)]. وفي هذا الحديث دليل على إجازة القياس بالتشبيه
والتمثيل في الأحكام، وهذا باب جسيم، قد أفردنا له أبواباً في كتاب
العلم والحمد لله.
وقد ذكرنا في كتاب العلم أيضا أن فرض الجهاد على الكفاية ،
كطلب العلم على حسبما قد أوضحناه هنالك.
(١) خ: (٢٧٨٧/٧/٦)، م: (١٨٧٨/١٤٩٨/٣)، ت: (١٦١٩/١٤١/٤).
ن: (٣١٢٤/٣٢٥/٦) وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: جه: (٢/ ٢٧٥٤/٩٢٠)،
وقال البوصيري في الزوائد: " إسناد حديث أبي سعيد ضعيف فيه عطية بن سعد العوفي".
فتح البر
٣٤
قال مالك رحمه الله: الجهاد فرض بالاموال والانفس، فإن منعهم
الضرر أو عاهة بأنفسهم ، لم يسقط عنهم الفرض بأموالهم.
وقال أبو حنيفة: الجهاد واجب إلا أن المسلمين في عذر حتى يحتاج
لیھم.
وقال ابن شبرمة: الجهاد ليس بواجب، والقائمون به من المسلمين
أنصار الله .
وقال الشافعي الغزو غزوان نافلة وفريضة، فأما الفريضة فالنفير
إذا أظل العدو بلد الإسلام، والنافلة الرباط والخروج إلى الثغور إذا
کان فيها من فيه كفاية .
قال أبو عمر: قال الله عز وجل: ﴿آنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾
[التوبة: (٤١)]. يعني شباباً وشيوخاً. وقال ﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ أَنِفِرُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
ألِيمًا﴾ [التوبة: (٣٨ -٣٩)]. فثبت فرضه، إلا أنه على الكفاية، لقول الله
عز وجل: ﴿﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُ واْكَافَّةٌ﴾ [التوبة: (١٢٢)].
وعلى هذا جمهور العلماء، ودليل ذلك قوله تعَّدٌ: بني الإسلام
على خمس(١) ليس فيما ذكر الجهاد، لانها كلها متعينة على المرء في
خاصته وبالله التوفيق.
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: خ: (٦٧/١-٨/٦٨)، م: (١٦/٤٥/١).
ت: (٢٦٠٩/٧/٥)، ن: (٨/ ٤٨١-٥٠١٦/٤٨٢). وأخرجه من حديث جرير بن عبد
الله البجلي: حم: (٣٦٣/٤).
طب: في الكبير (٣٢٦/٢-٢٣٦٣/٣٢٧-٢٣٦٤-٢٣٦٨)، وأبو يعلى في مسنده
(٤٨٩/١٣- ٧٥٠٢/٤٩٠)، وذكره الهيثمي في المجمع: (٥٢/١) وقال: (( رواه أحمد وابو
يعلى والطبراني في الكبير والصغير وإسناد أحمد صحيح)).
الجهاد
٣٥
باب منه
[١٠] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله الخير
قال: تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله،
وتصديق كلماته؛ أن يدخله الجنة، أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع
ما نال من أجر أو غنيمة (١).
وفي هذا الحديث أيضا أصل عظيم، وفضل جسيم للمجاهد في
سبيل الله! وفيه دليل على أن الأعمال لا يزكو منها إلا ما صحبته النية
والاخلاص لله عز وجل والإيمان به.
وفي هذا الحديث دليل على أن الغنيمة لا تنقص من أجر المجاهد
شيئا، وان المجاهد وافر الأجر غنم أو لم يغنم؛ ويعضد هذا ويشهد
له: ما اجتمع على نقله أهل السير والعلم بالأثر: أن النبي ◌َّهُ ضرب
لعثمان وطلحة وسعيد بن زيد بأسهمهم يوم بدر وهم غير حاضري
القتال، فقال كل واحد منهم: وأجري يا رسول الله؟ قال وأجرك.
وأجمعوا أن تحليل الغنائم لهذه الأمة من فضائلها. وقال رسول الله
عَّة: لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم (٢).
وقال عَّ: فضلت بخصال، وذكر منها: وأحلت لي الغنائم(٣)؛
(١) خ: (٦/ ٣١٢٣/٢٧٠)، م: (١٨٧٦/١٤٩٦/٣[١٠٤]). ن: (٣٢٣/٦ - ٣١٢٢/٣٢٤).
(٢) عن أبي هريرة: حم: (٢٥٢/٢)، ت: (٢٥٣/٥-٣٠٨٥/٢٥٤) وقال: ((حديث حسن
صحيح غريب من حديث الأعمش. حب: الإحسان (٤٨٠٦/١٣٤/١١).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: خ: (٢٩٧٧/١٥٨/٦)، و ت: (١٥٥٣/١٢٣/٤).
وأخرجه من حديث جابر بن عبد الله: خ: (٣٣٥/٥٧٤/١)، م: (٥٢١/٣٧٠/١)، وفي
الباب عن أبي أمامة وحذيفة وابن عباس وأبي ذر وابن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله
عنهم أجمعين.
فتح البر
٣٦
ولو كانت تحبط الأجر أو تنقصه، ما كانت فضيلة له وقد ظن قوم أن
الغنيمة تنقص من أجر الغانمين، لحديث رووه عن النبي عَّ انه قال:
ما من سرية أسرت فأخفقت، إلا كتب لها أجرها مرتين، قالوا: وفي
هذا الحديث ما يدل على أن العسكر اذا لم يغنم، كان أعظم لأجره
والله أعلم.
واحتجوا أيضا بما حدثنا احمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان،
قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال
حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال حدثنا حيوة، عن ابي هانئ حميد
ابن هانئ الخولاني، عن ابي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن
عمرو بن العاص، أن رسول الله عَّه قال: ما من غازية تغزو في
سبيل الله فتصيب غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى
لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة، تم لهم أجرهم (١)؛ وهذا انما فيه
تعجيل بعض الأجر مع التسوية فيه للغنائم وغير الغانم؛ إلا أن الغانم
عجل له ثلثا أجره، وهما مستويان في جملته؛ وقد عوض الله من لم
يغنم في الآخرة بمقدار ما فاته من الغنيمة والله يضاعف لمن يشاء، وهو
أفضل من رجي وتوكل عليه ، لا إله إلا هو.
(١) م: (١٩٠٦/١٥١٤/٣)، د: (٢٤٩٧/١٨/٣)، ن: (٣١٢٥/٣٢٥/٦). جه:
(٢٧٨٥/٩٣١/٢).
الجهاد
٣٧
باب منه
[١١] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه.
قال: يضحك الله عز وجل إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما
يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل
فيقاتل فيستشهد (١).
معنى هذا الحديث عند جماعة أهل العلم: أن القاتل الاول كان
كافرا، وتوبته المذكورة في هذا الحديث إسلامه: قال الله عز وجل:
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: (٣٨)].
وفي هذا الحديث دليل على أن كل من قتل في سبيل الله، فهو في
الجنة- لا محالة- إن شاء الله.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن إسحاق ، قال حدثنا سليمان بن
حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سیرین،
عن ابي العجفاء، عن عمر بن الخطاب فذكر حديثا سمعه يقول:
قال: وأخرى تقولونها يعني في مغازيكم هذه لمن قتل: قتل فلان
شهيدا، أو مات فلان شهيدا؛ ولعله أن يكون قد أوقر دفتي راحلته
ذهبا أو ورقا يبتغي الدنيا، أو قال التجارة؛ فلا تقولوا: ذاكم، ولكن
قولوا كما قال النبي ◌َّةُ : ومن قتل في سبيل الله، أو مات فهو في
الجنة (٢).
(١) خ: (٢٨٢٦/٤٩/٦)، م: (١٨٩٠/١٥٠٤/٣)، ن: (٣١٦٦/٣٤٦/٦). جه:
(١٩١/٦٨/١).
(٢) حم: (٤٠/١ و٤١-٤٨)، ن: (٣٣٤٩/٤٢٨/٦)، ك: (١٠٩/٢) وقال: هذا حديث كبير
صحيح ولم يخرجاه ولا واحد منهما ووافقه الذهبي.
=
٣٨
فتح البر
وكذلك الآثار المتقدمة كلها تدل على ذلك والله أعلم. وذلك على
قدر النيات، وكل من قاتل لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا
السفلى، فهو في الجنة إن شاء الله.
وأما قوله: يضحك الله؛ فمعا. يرحم الله عبده عند ذلك ويتلقاه
بالروح والراحة والرحمة والرأفة، وهذا مجاز مفهوم؛ وقد قال الله عز
وجل في السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان: ((رضي الله عنهم))،
وقال في المجرمين ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: (٥٥)].
وأهل العلم يكرهون الخوض في مثل هذا وشبهه من التشبيه كله في
الرضا والغضب، وما كان مثله من صفات المخلوقين وبالله العصمة
(*)
والتوفيق(*).
= حب: الإحسان (٤٦٢٠/٤٨١/١٠) وأخرجه مختصراً بدون ذكر الشاهد من الحديث: د:
(٥٨٢/٢-٢١٠٦/٥٨٣)، ت: (٤٢٢/٣-١١١٤/٤٢٣) وقال: حسن صحيح جه:
(١٨٨٧/٦٠٧/١).
(*) يرحم الله أبا عمر لقدفسر الصفة بلازمها، وكان عليه أن يلتزم ما كتبه في شرح حديث
النزول ولا تستهويه الطرق الكلامية فلله ضحك يليق به كما أن له علمًا يليق به وهكذا فى
كل الصفات بدون تفريق بين واحدة وأخرى.
الجهاد
٣٩
باب منه
[١٢] مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: كان
رسول الله وَّلفي إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان،
فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله
وَي* يوما، فأطعمته، وجلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو
يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي،
عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على
الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، يشك إسحاق. قالت: فقلت يا
رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم
استيقظ يضحك، قالت: فقلت يا رسول الله، ما يضحكك؟ قال ناس من
أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك
على الأسرة، كما قال في الأول، فقلت : يا رسول الله، أدع اللهأن يجعلني
الله منهم، قال: أنت من الأولين، قال: فركبت البحر، في زمن معاوية بن
أبي سفيان، فصرعت عن دابتها، حين خرجت من البحر، فهلكت (١).
وأما قوله ، ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، فإنه
أراد- والله أعلم-، أنه رأى الغزاة في البحر، من أمته ملوكا، على
الاسرة في الجنة ورؤياه وحي ◌ٌََّّ، ويشهد لقوله، ملوكا على
الأسرة، ما ذكر الله عز وجل في الجنة بقوله ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكِعُونَ
[يس: (٥٦)]. قال أهل التفسير الأرائك السرر في الحجال، ومثله قوله
[الصافات: (٤٤)]. وهذا الخبر، إنما ورد
٤٤
عز وجل ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَّقَكِلِينَ
(١) خ (٢٧٨٨/١٢/٦-٢٧٨٩) له اطراف. م (١٥١٨/٣-١٩١٢/١٥١٩).
د (٣ / ١٤ / ٢٤٩٠ - ٢٤٩١). ت (١٧٨/٤-١٦٤٥/١٧٩). ن (٣٤٧/٦-٣٤٨). جه
(٢٧٧٦/٩٢٧/٢).
فتح البر
٤٠
=
تنبيها على فضل الجهاد في البحر وترغيبا فيه، وفي هذا الحديث
أيضا، إباحة ركوب البحر في الجهاد وفيه إباحة الجهاد للنساء، وقد
روي عن أم عطية، قالت: كنا نغزو مع رسول الله عَّه، فنمرض
المرضى، ونداوي الجرحى، وكان يرضخ لنا من الغنيمة (١).
واختلف الفقهاء في الاسهام للنساء من الغنيمة، إذا غزون، فقال
ابن وهب، سألت مالكا عن النساء، هل يجزين من المغانم في الغزو؟
قال: ما علمت ذلك، وقد أجاز قوم من أصحابنا، أن يرضخ للنساء
ما أمكن على ما يراه الإمام، وقال الثوري، وأبو حنيفة، والليث
والشافعي، وأصحابهم لا يسهم لامرأة، ويرضخ لها، وقال
الأوزاعي: يسهم للنساء، وزعم أن رسول الله عَّة، أسهم للنساء
بخيبر، قال الاوزاعي وأخذ بذلك المسلمون عندنا.
قال أبو عمر:
أحسن شيء في هذا الباب ما كتب به ابن عباس، الى نجدة
الخارجي، ان النساء كن يحضرن فيداوين المرضى، ويجزين من
الغنيمة، ولم يضرب لهن بسهم.
وفيه إباحة ركوب البحر للنساء، وقد كان مالك رحمه الله، يكره
للمرأة الحج في البحر، فهو في الجهاد لذلك أكره، والله أعلم. وقال
بعض أصحابنا من أهل البصرة، إنما كره ذلك مالك، لأن السفن
بالحجاز صغار، وأن النساء لا يقدرن على الإستتار عند الخلاء فيها،
(١) م (٣/ ١٤٤٧/ ١٨١٢).