النص المفهرس
صفحات 601-620
العداد =".1 المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى [١] مالك، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء؛ فجاءت رسول الله وَ﴿ فذكرت ذلك له؛ فقال: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بیت أم شريك؛ ثم قال لها: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني؛ قالت: فلما حللت، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني؛ فقال رسول الله وَلير: أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه؛ وأما معاوية، فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته؛ ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، قالت: فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به(١). قال أبو عمر: أما قول يحيى في هذا الحديث: إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني، فمن الغلط البين، ولم يقل أحد من رواة الموطأ أبا جهم بن هشام غير يحيى؛ وإنما في الموطأ عند جماعة الرواة غير يحيى أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. هكذا أبو جهم، غير منسوب في الموطأ، وهو أبو جهم بن حذيفة بن غانم العروي القرشي، اسمه عمیر، ویقال عبيد بن حذيفة، وفي بعض نسخ الموطأ رواية ابن القاسم من طريق الحارث بن (١) أخرجه من طرق مختلفة عن فاطمة بنت قيس: حم (٤١٢/٦ - ٤١٦)، م (١١١٤/٢ - ١٤٨٠/١١٢٠ [٤٥٠٠٣٦-٥١٠٠٤٧])، و(٧١٢/٢-٢٢٩٠٠.٢٢٨٤/٧١٦)، ت (٣/ ٤٨٤/ ١١٨٠)، ن (٣٢٤٤/٦ و٣٢٤٥ و٣٤٠٣ و٣٤٠٤ و٣٤٠٥ و٣٥٥١.٣٥٤٧)، جه (٢٠٣٥/٦٥٦/١-٢٠٣٦)، هق (١٣٥/٧ و١٧٧-١٧٨ و١٨١ و٤٣٢ و٤٧٢)، حب: الإحسان (١٠/ ٤٢٥٣٠٠.٤٢٥٠ و ٠.٤٢٨٩ ٤٢٩١). فتح البر == ٦٠٢ مسکین أبو جهم بن هشام؛ وهذا کما وصفنا عن يحيى قد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا؛ وليس في الصحابة أحد يقال له: أبو جهم بن هشام. وأما قول مالك في هذا الحديث عن فاطمة ابنة قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، فلا خلاف عن مالك في نقل ذلك. وكذلك روى الليث عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي سلمة أن فاطمة ابنة قيس كانت تحدث عن رسول الله وآله حين طلقت البتة، وذکر الحديث(١). وكذلك روى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، قالت: كنت عند رجل من بني مخزوم فطلقني البتة، ثم ساق الحديث نحو حديث مالك(١). وكذلك روی الليث عن أبي الزبير، عن عبد الحميد بن عبدالله بن أبي عمرو بن حفص، أن جده طلق فاطمة البتة. وكذلك روى مجالد، عن الشعبي، عن فاطمة، قالت: كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقني فبت طلاقي وخرج إلى اليمن وذكر الحديث(١). ففي هذا جواز طلاق البتة وطلاق الثلاث، لأن رسول الله وَلو لم ينقل عنه أحد أنه أنكر ذلك؛ ولكن قد اختلف عن فاطمة في طلاقها هذا: فقيل إنه طلقها ثلاثا مجتمعات، وقيل إنها كانت آخر ثلاث تطليقات والله أعلم. أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا أبان بن يزيد العطار، قال: (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. العداد ٦٠٣= حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس حدثته أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا وساق الحديث(١). وفيه أن خالد بن الوليد ونفرا من بني مخزوم أتوا النبي ويهم فقالوا: إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثا وذكر تمام الحديث. كذا قال: إن أبا حفص بن المغيرة وهو خطأ، والصواب ما قاله مالك أن أبا عمرو بن حفص، وهو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قيل اسمه عبد الحميد، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما ينبغي من ذكره. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا محمود بن خالد، قال حدثنا الوليد، قال حدثنا أبو عمرو يعني الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني أبوسلمة، قال حدثتني فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثا وساق الحديث(١). قال أبو داود: وكذلك رواه الشعبي، والبهي، وعطاء، عن عبدالرحمن ابن عاصم، وأبو بكر بن أبي الجهم، عن فاطمة، أن زوجها طلقها ثلاثا(١). قال أبو عمر: يعني أبو داود أن الشعبي روى عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا، وأن الزهري روی عن أبي سلمة، عن فاطمة، أن زوجها طلقها ثلاثا؛ کذا رواه يونس، و عقیل، عن ابن شهاب؛ وعند ابن شهاب في ذلك إسناد آخر عن عبيد الله بن عبد الله سنذكره إن شاء الله؛ وأن أبا بكر بن أبي الجهم روى عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا، وأن عطاء روى عن عبد الرحمن بن عاصم، (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. فتح البر ٤ ٦٠٤ عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا، وهو عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، رواه ابن جريج عن عطاء. ورواه حجاج بن أرطاة عن عطاء، عن ابن عباس، عن فاطمة وهو خطأ. ذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني عطاء، قال أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت، أن فاطمة ابنة قيس أخت الضحاك بن قيس الفهرية وكانت عند رجل من بني مخزوم، فأخبرته أن زوجها طلقها ثلاثا، وخرج إلى بعض المغازي، وأمر وكيلا له أن يعطيها بعض النفقة وذكر الحديث. قرأت علی عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: دخلت على فاطمة بنت قيس أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهي في بيت آل الزبير فسألناها عن حديثها، فقالت: طلقني زوجي ثلاثا، فلم يدع لي سكنى ولا نفقة، فأتيت النبي ◌َّ فقلت له: لم يدع لي سكنى ولا نفقة، فقالوا: صدقت، فقال النبي مثل: اسكني في بيت أم شريك، ثم قال: إن بيت أم شريك مغشي، ولكن اقعدي في بیت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمی، فإنك إن تنزعی ثیابك لم ير شيئا. قال: ففعلت، قالت: فلما انقضت عدتي خطبني معاوية وأبو جهم، فأتيت رسول الله وق لقه فذكرت له ذلك، فقال: أما معاوية فرجل لا مال له، وأما أبو جهم، فرجل شديد على النساء، فخطبني أسامة بن زيد، فتزوجته، فبارك الله لي(١). (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. العداد ٦٠٥ = ١١ وروی معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن أبا عمرو بن حفص أرسل إلى فاطمة بنت قيس امرأته بتطليقة کانت بقيت له من طلاقه(١). وروى الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص ابن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات. هذه رواية يزيد بن خالد الرملي، عن الليث ذكرها أبو داود عن يزيد هذا(١). وروی عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن فاطمة ابنة قيس وهي أخت الضحاك بن قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها ثلاثا(١). حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال حدثنا مطلب، قال حدثنا عبد الله بن صالح وهذه الرواية عندي أصح من التي ذکر أبو داود عن یزید ابن خالد، عن اللیث، لأني أخشى أن یکون صحف کما صنع في اسم زوج فاطمة إذ قال: كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وان أبا حفص بن المغيرة، وقد مضى القول على من قال ذلك قبل هذا والحمد لله. وروی يونس عن الزهري، عن عبيد الله مثل حديث معمر، فجمع يونس الحدیثین عن الزهري: حدیث عبيد الله، وحديث أبي سلمة؛ وكذلك الزبيدي جمع الحديثين جميعا عن الزهري، وفي حديث عبيد الله أنها طلقها زوجها تطلیقة کانت بقیت لها، بعث الیها بطلاقها ذلك؛ کذلك قال معمر وغيره فيه، وهذا يصحح ما قاله مالك أنه طلقها وهو غائب، وقال في هذا (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. فتح البر =٦٠٦ الحديث جماعة عن الشعبي، وعن أبي سلمة، أنه طلقها، ثم خرج إلى اليمن أو إلى بعض المغازي فالله أعلم. وروی صالح بن کیسان وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن فاطمة، أن زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات(١). وروى ابن اسحاق عن عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن فاطمة قالت: كنت عند أبي عمر، فبعث إلي بتطليقتي الثالثة. فهذا ما بلغني مما في حديث فاطمة من الاختلاف في صفة طلاقها، فلا حجة فيه لمن قال إن طلاق الثلاث مجتمعات سنة، ولا لمن أنكر ذلك للاختلاف فيه، وقد أوضحنا القول في هذه المسألة، وبسطناه ومهدناه في باب نافع والحمد لله. وأما قوله: فأرسل إليها وكيله بشعير، ففيه إباحة الوكالة وثبوتها، وهذا أصل فيها. وأما قوله: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله مَّال﴿ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، ففي هذا دليل بل نص أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا، فيكون لها النفقة بإجماع، لقول الله عز وجل ﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: (٦)]. في هذا دليل بين أنهن إن لم يكن أولات حمل لم ينفق عليهن، وفاطمة بنت قيس لم تكن حاملا، فلهذا ما قال رسول الله وَالية: لا نفقة لك. (١) تقدم تخريجه في حديث الباب. العداد |= T. واختلف أهل العلم في النفقة للمبتوتة، فأباها قوم وهم أهل الحجاز، منهم: مالك، والشافعي، وتابعهم على ذلك أحمد، واسحاق، وأبو ثور، وحجتهم ظاهرة قوية بهذا الحديث. وقال آخرون: لها النفقة، وممن قال ذلك أكثر فقهاء العراقيين، منهم ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة وأصحابه، وعثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن، وحجتهم ما روي عن عمر وابن مسعود أنهما قالا: المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة. أخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى، قال حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، قال: المطلقة ثلاثالها السكنى والنفقة ما دامت في العدة(١). وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى، قال حدثنا يعقوب عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة، وكان يجعل للمطلقة ثلاثا: السكنى والنفقة(٢). وروى شعبة عن حماد، عن إبراهيم عن شريح في المطلقة ثلاثا، قال: لها النفقة والسكنى. (١) أخرجه من طريق غير هذه وبألفاظ مختلفة: م (١٤٨٠/١١١٨/٢ [٤٦])، د(٢ / ٢٢٩٧/٧٢٠)، ت (١١٨٠/٤٨٤/٣)، قط (٧٠/٢٥/٤-٧١). وأخرجه بنفس الإسناد: قط (٢٣/٤-٦٥/٢٤-٦٩)، الطحاوي: شرح معاني الآثار (٤٥٢٣/٦٧/٣). (٢) تقدم تخريجه في الذي قبله. فتح البر =٦٠٨ قال إسماعيل بن اسحاق: قال أبو حنيفة: المطلقة ثلاثا ينفق عليها زوجها وان كانت غير حامل. ورووا في ذلك حديثا ليس بقوي الإسناد عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لها السكنى والنفقة. قال إسماعيل: والذي في كتاب ربنا أن لها النفقة إذا كانت حاملا، ونحن نعلم أن عمر لا یقول ندع کتاب ربنا، إلا لما هو موجود في كتاب ربنا، والذي وجدنا في کتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال، قال: ونحسب ان الحديث إنما هو: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا، لقول امرأة لها السكنى، لأن السكنى موجود في القرآن بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وزاد بعض أهل الكوفة في الحديث عن عمر: النفقة. والحديث يدور على الأعمش بأسانيد مختلفة، وكل رواية الأعمش على اختلافها في هذا الحدیث، فإنها تدور على إبراهيم؛ وقد روی منصور وهو أصح رواية من الأعمش عن إبراهيم في المطلقة ثلاثا: لها السكنى والنفقة، ولا يجبر على النفقة هذا كله كلام إسماعيل وفيه ما فيه من دفع ظاهر قول عمر إلى دعوى لا يسبغ هو ولا غيره لأحد مثل ذلك في دفع نص، إلا أنه لما کان قول عمر خلاف نص السنة، کان دفعه بتأویل ضعیف خیرا من أن ينسبه إلى مخالفة السنة الثابتة؛ على أنهم متفقون فيما رواه العدول، أنه لا يرد نص بتأويل يدفعه جملة، وذلك عندي في المسند دون رأي أحد والله أعلم. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن کھیل، عن الشعبي، عن فاطمة ابنة قيس، قالت: طلقني زوجي ثلاثا، فجئت النبي ود ل ﴿ فسألته، فقال: لا نفقة لك ولا سكنى. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قال عمر ابن الخطاب: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا: لها النفقة والسكنى. العداد 1 ٦٠٩ - قال أبو عمر: أما النفقة للمبتوتة، ففيه نص ثابت عن النبي عليه السلام أنها لا نفقة لها؛ وذلك قوله ◌َّ ي لفاطمة بنت قيس: ليس لك عليه نفقة من حديث مالك وغيره، فلا معنى لما خالفه، وفي قوله الله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنَّ أُؤْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَ﴾ [الطلاق: (٦)] دليل على أن لا نفقة لغير حامل، فهذا هو المعتمد عليه في هذا الباب، وهي النكتة التي عليها مداره من (الكتاب والسنة. حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا معلى، قال حدثنا لیث بن سعد، قال حدثنا عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، قال: سألت فاطمة بنت قيس، فأخبرتني أن زوجها المخزومي طلقها وأبى أن ينفق عليها؛ فجاءت إلى رسول الله وَ له فأخبرته، فقال رسول الله وَله: لا نفقة لك، فانتقلي فاذهبي إلى ابن أم مكتوم، فكوني عنده، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده. ففي هذا الحديث تصريح بأن لا نفقة لها، وكذلك أحاديث فاطمة كلها لم يختلف في أنها لا نفقة لها؛ وإنما اختلف في ذكر السكنى، فمنهم من ذكرها، ومنهم من لم یذکرها. وأما قوله: وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، فهذا موضع اختلاف بين أهل العلم، منهم: من زعم أن المبتوتة لا سكنى لها ولا نفقة، لأن رسول الله وَاله لم يأمرها أن تعتد في بيت زوجها الذي كانت تسكنه وقال: لا نفقة لك، وقالوا: لو كان لها السكنى ما أمرها أن تخرج من بيت زوجها. ورووا أيضا منصوصا في حديث فاطمة أن رسول الله وَّةٍ قال لها: لا سكنى لك ولا نفقة، وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وبه قال أحمد فتح البر ٦١٠ = ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود؛ وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وجابر بن عبدالله، وعبد الله بن عباس: حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا فأتت النبي وَلّ فأمرها فاعتدت عند ابن عمها عمرو بن أم مكتوم. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا هيثم، عن سيار أبي الحكم، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، أنها أتت النبي وَّ فجعل لها السكنى والنفقة، فقيل له إنه طلقها ثلاثا، فقال: لا سكنى ولا نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قال حدثنا أبو عوانة، عن مطرف، عن عامر، قال سألت فاطمة بنت قيس عن المرأة يطلقها زوجها ثلاثا، فقالت: طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله وَلخير فأتيت النبي وَّ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، فقيل لعامر إن عمر لم يصدقها، فقال عامر: ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا(١)؟. وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى، قال حدثنا شريك، عن أبي بكر بن صخر، قال: دخلت على فاطمة فذكر الحديث(١). وفيه فرفع ذلك إلى النبي ◌َّ فقال: ليس لك نفقة ولا سكنی. (١) تقدم تخريجه انظر حديث الباب. العداد ٦١١ - وروى مجالد بن سعيد، وسعد بن زيد، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، أن رسول الله وَ له قال لها: إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة. وفي حديث معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن فاطمة بنت قيس قالت حين أرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن ذلك، فحدثته فأتى مروان فأخبره، فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها؛ فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ حتى بلغت: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًّاً : [الطلاق: (١)]. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون لا نفقة لها؟ أما إذا لم تكن حاملاً، فعلى ما تحبسونها؟ فكيف تحبس امرأة بغير نفقة؟ . قال أبو عمر: تقول فاطمة: إن كنتم تحبسونها على زوجها في بيته، فأوجبوا لها النفقة، وان لم توجبوا لها النفقة، فلا توجبوا عليها السكنى؛ وفي قول مروان في هذا الحديث سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، دليل على أن العمل كان عندهم بخلاف حديث فاطمة في السكنى؛ وقولها: فعلى ما تحبسونها؟ إنما كانت تخاطب بهذا كبار التابعين؛ وهذا كله يدل على أن العمل كان عندهم بالمدينة من زمن عمر بخلاف حديث فاطمة في السكنى والله أعلم. حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال حدثنا عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه، قال جلست إلى سعيد بن المسيب فسألته، فقال إنك لتسأل سؤال رجل قد تبحر العلم قبل اليوم؛ فتح البر =٦١٢ ٦١٢: قال: قلت: إني بأرض أسأل بها، قال: فكيف وجدت ما افتيت به مما يفتيك به غيري ممن سألت من العلماء؟ قلت: وافقتم إلا في فريضة واحدة، قال: وما هي؟ قلت: سألتك عن المطلقة ثلاثا تعتد في بيت زوجها أم تنتقل إلى أهلها؟ فقلت: تعتد في بيت زوجها وقد كان من أمر فاطمة بنت قيس ما قد علمت، فقال سعيد تلك امرأة فتنت الناس، وسأخبرك عن شأنها؛ إنها لما طلقت استطالت على أحيائها وآذتهم بلسانها، فأمرها رسول الله وعليه أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم، قال: قلت: لئن كان رسول الله وَالل أمرها بذلك، إن لنا في رسول الله وَله لأسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، لیس له علیھا رجعة ولا بینھما میراث. قال أبو عمر: هذا من أحسن ما يجري من الاحتجاج في هذا المعنى، يقول: لو كان السكنى عليها واجبا، لقصرها رسول الله وم له ومنعها من الاستطالة بلسانها بما شاء مما يردعها عن ذلك والله أعلم مع أنه ليست منه ولا هو منها. حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا جعفر بن برقان، قال أخبرنا ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فسألته وذکر معنی ما تقدم. وأخبرنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قال أخبرني أبو المليح عن ميمون، قال ذكرت أمر فاطمة ابنة قيس عند ابن المسيب، فقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس أو النساء، قلت لئن كانت انما أخذت بها افتاها رسول الله وَله ما فتنت الناس(١). (١) د(٢٢٩٦/٧١٩/٢)، هق (٤٣٣/٧). العداد = ٦١٣ ٤ وروى جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا قال في المبتوتة: لا نفقة لها ولا سكنى. وابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتد المبتوتة حيث شاءت(١)، وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: تعتد المبتوتة حيث شاءت(٢)، فهذا مذهب آخر. وقال مالك، والشافعي، وأصحابهما، والأوزاعي: المبتوتة لها السكنى واجب لها وعليها ولا نفقة لها وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار؛ وروى ذلك عن ابن عمر، و عائشة، وعطاء، وغيرهم. ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا، ولها السكنى(٣). ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها حتى يحل أجلها. وقال إسماعيل بن اسحاق قال قوم: لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة (٤). وذهبوا إلى الحديث الذي ذكر عن فاطمة بنت قيس أن النبي وَ لو لم يجعل لهاسكنى ولا نفقة. وتأولوا قول الله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: (٦)] أن ذلك إنما هو في المرأة التي تطلق واحدة أو اثنتین، ویملك زوجها رجعتھا، قال: ولو کان ذلك كما تأولوا، لكان: أسكنوهن حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن ولم يستثن النفقة على الحامل خاصة، لأن التي يملك زوجها رجعتها لها أحكام الزوجات في السكنى (١) عبد الرزاق (١٢٠٣١/٢٥/٧). (٢) عبد الرزاق (١٢٠٢٩/٢٥/٧). (٣) عبد الرزاق (١٢٠١٨/١٩/٧). (٤) عبد الرزاق (١٢٠٣٩/٢٦/٧). هق (٤٣٦/٧). :٦١٤ فتح البر والنفقة، لا فرق بينهما وبين التي لم تطلق في ذلك؛ فعلمنا أنه لما استثنى النفقة منهن لذوات الأحمال، أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها. أما الشافعي، فاحتج في سقوط نفقة المبتوتة بحديث مالك المذكور في هذا الباب، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن رسول الله ش ## قال لها: ليس لك نفقة، وأوجب عليها السكنى، ثم نقلها عن موضعها لعلة. قال الشافعي: وإنما اسکنها في بیت ابن أم مكتوم لأنها کان في لسانها ذرب. قال أبو عمر: اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوُهُرَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] فقال قوم: الفاحشة ههنا الزنا والخروج لإقامة الحد، وممن قال ذلك عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشعبي؛ وهذا فيمن وجب السكنى عليها ولم يجب السكنى باتفاق إلا على الرجعية. وقال ابن مسعود، وابن عباس: الفاحشة إذا بذت بلسانها وهو قول سعيد بن المسيب وغيره. وقال قتادة: الفاحشة النشوز، قال وفي حرف ابن مسعود إلا ان تفحش. وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة والثوري عن محمد بن عمرو بن علقمة عن إبراهيم التيمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبِيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: (١)]، قال: إذا بذت بلسانها، فهو الفاحشة، له أن يخرجها(١). (١) عبد الرزاق (١١٠٢١/٣٢٣/٦). العداد ٦١٥ = قال أبو عمر: فعلى هذا تأول بعض أهل المدينة خروج فاطمة عن بيتها، وهو وجه حسن من التأويل. وقال بعضهم: كانت فاطمة تسكن مع زوجها في موضع وحش مخوف، فلهذا ما أذن لها رسول الله صل له في الانتقال، وقال بعضهم: کان ذلك من سوء خلق فاطمة. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل ابن إسحاق، قال حدثنا أبو ثابت المدني، عن عبد الله بن وهب، قال أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخلت على مروان بن الحكم فقلت: إن امرأة من أهلك طلقت فمررت عليها آنفا وهي تنتقل، فعبت ذلك عليها، فقالوا: أمرتنا فاطمة ابنة قيس وأخبرتنا أن رسول الله ولي أمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم حين طلقها زوجها؛ فقال مروان: أجل هي أمرتهم بذلك. قال عروة: فقلت له: والله لقد عابت ذلك عائشة أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش مخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها رسول الله وَلآل. وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت فاطمة ابنة قيس: يا رسول الله، إني أخاف أن يقتحم علي، فأمرها أن تحول. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا محمد بن بكر، قال أخبرنا أبو داود، قال أخبرنا هارون بن زید بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن یحیی بن سعيد، عن سليمان بن يسار في خروج فاطمة: إنما كان ذلك من فتح البر سوء الخلق(١). قال وحدثنا أحمد بن يونس، قال حدثنا زهیر، قال حدثنا جعفر بن برقان، قال حدثنا ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة ابنة قيس طلقت فخرجت من بيتها، فقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى(٢). وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، أنه سمعهما يذكران أن سعيد بن العاصي طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة، إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقالت: اتق الله، واردد المرأة إلى بيتها - الحديث(٣). فهذا عمر، وعائشة، وابن عمر، ينكرون على فاطمة أمر السكنى ويخالفونها في ذلك؛ ومال إلى قولهم فقهاء التابعين بالمدينة، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما؛ لكن من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحج، لأنه لو وجب السكنى عليها وكانت عبادة تعبدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله وَّيقوم ولم يخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت ابن أم مكتوم؛ ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدب وتقصر على السكنى في المنزل الذي طلقت فیه، وتمنع من أذى الناس؛ فدل ذلك على أن من اعتل بمثل هذه العلة في الانتقال، اعتل بغير صحيح من النظر، ولا متفق عليه من الخبر؛ هذا ما يوجبه عندي التأمل لهذا الحديث مع صحته وبالله التوفيق. (١) د (٢٢٩٤/٧١٩/٢). (٢) د: (٢٢٩٦/٧١٩/٢)، هق: (٤٣٣/٧). (٣) م (٢ / ١١٢٠/ ١٤٨١[٥٢])، د (٢٢٩٥/٧١٩/٢). العداد = ٦١٧ وإذا ثبت أن النبي وَّلو قال لفاطمة بنت قيس وقد طلقت طلاقا باتا: لا سكنى لك ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأي شيء يعارض به هذا؟ هل يعارض إلا بمثله عن النبي وَلّالذي هو المبين عن الله مراده من كتابه، ولا شيء عنه عليه السلام يدفع ذلك؛ ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله عز وجل: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: (٦)] من غيره وَلة؛ وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول لها السكنى والنفقة منهم: عمر، وابن مسعود؛ ومنهم من يقول: لها السكنى ولا نفقة؛ منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها ولا نفقة؛ وممن قال ذلك: علي، وابن عباس، وجابر؛ وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال على ما ذكرنا وبينا والحمد لله. وأما الشافعي ومالك، فلا محالة أنه لم يثبت عندهما عن النبي وي أنه قال لفاطمة: لا سكنى لك ولا نفقة، مع ما رأوا من معارضة العلماء الجلة لها في ذلك والله الموفق للصواب. ذكر عبد الرزاق، عن معمر، والثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فأبت أن تجلس في بيتها، فأتى ابن مسعود فقال: هي تريد أن تخرج إلى أهلها، فقال: احبسها ولا تدعها؛ فقال: إنها تأبى علي، قال: فقيدها؛ قال: إن لها إخوة غليظة رقابهم، قال: فاستأد عليهم الأمير(١). وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. وقد روي أن رسول الله وَ خلقه لم ينظر إلى فاطمة هذه إذ جاءته في هذه القصة: (١) هق (٧/ ٤٣١)، عبد الرزاق (١٢٠٤٠/٢٦/٧). فتح البر :٦١٨ حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، عن فاطمة ابنة قيس، قالت: أتيت النبي ◌ُّر فاستتر مني وأشار عني بثوبه على وجهه. وكذلك في حديث قيلة ابنة مخرمة الحديث الطويل في قدومها على رسول الله (ټټ فأوما بیده خلفه إذ قيل له: أرعدت المسكينة فقال ولم ينظر إلي: يا مسكينة، عليك السكينة. وفي حديث بريدة أن رسول الله ودليله قال لعلي: لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة(١). وقد روي ذلك أيضا من حديث علي رضي الله عنه وقال جرير: سألت رسول الله وَليه عن نظرة الفجأة، فقالك غض بصرك(٢). رواه جماعة، منهم: الثوري، وابن علية، ويزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير، عن جرير، وهذا النهي إنما ورد خوفا من دواعي الفتنة، وأن تحمله النظرة إلى أن يتأمل ما تقود اليه فتنة في دینه؛ وهذا نبي من أنبياء الله عز وجل وهو داود ◌َّ﴿ كان سبب خطيئته إليه النظر، وقد ذكرنا ما يجوز النظر إليه من الشهادة عليها وشبهها في غير هذا الموضع. وأما قوله: اعتدي في بيت أم شريك، ثم قال تلك امرأة يغشاها (١) أخرجه من طريق شريك عن أبي ربيعة الايادي عن ابن بريدة عن أبيه: د(٢١٤٩/٦١٠/٢)، ت (٢٧٧٧/٩٤/٥) وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. حم (٣٥١/٥ و ٣٥٧). قلت: في سنده شريك القاضي، وهو سيء الحفظ لكنه توبع من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي، عند: ك (١٣٣/٣) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. مي (٢٩٨/٢)، حم (١٥٩/١). ولكن فيه عنعنة ابن اسحاق. (٢) حم (٣٥٨/٤ و ٣٦١)، م(٢١٥٩/١٦٩٩/٣[٤٥])، د(٢١٤٨/٦٠٩/٢)، ت (٩٣/٥/ ٢٧٧٦)، ن في الكبرى (٩٢٣٣/٣٩٠/٥). العداد ٦١٩ = أصحابي اعتدي في بيت ابن أم مكتوم؛ ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتجالة، لا بأس أن يغشاها الرجال ويتحدثون عندها؛ ومعنى الغشيان الإلمام والورود. قال حسان بن ثابت یمدح بني جفنة: يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل وزعم قوم أنه أمدح بيت قالته العرب. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس فذكر الحديث. وفيه أن رسول الله وَله قال: يا بنت قيس، إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة، فلا سكنى لها ولا نفقة؛ ثم قال لها : اعتدي عند أم شريك ابنة العكر، ثم قال: تلك امرأة يتحدث عندها، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل محجوب البصر، فتضعي ثيابك ولا يراك. وأما قوله: إن معاوية وأبا جهم خطباني ثم خطبة الرسول ◌َل# اياها لأسامة حين أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها؛ ففيه دليل على أنه لا بأس أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ما لم تركن اليه على ما قال مالك وغيره مما قد ذكرناه في باب محمد بن یحیی بن حبان وغيره من كتابنا هذا. واتفق جمهور الفقهاء على انه إذا ركن الى الخاطب الأول، لم يجزان يخطب احد على خطبته، وقال بعض اصحاب الشافعي: يجوز على حديث فاطمة هذا - وهذا ليس بشيء، لأنه يجعل الأحاديث معارضة، وإذا حملت فتح البر ــ-٦٢٠ على ما قال الفقهاء، لم تتعارض، وقد مضى الحكم فيمن خطب على خطبة أخيه في باب محمد بن يحيى بن حبان، ومثل خطبة رسول الله لأسامة بن زيد على خطبة معاوية، وأبي جهم، ما ذكره ابن وهب عن ابن لهيعة وغيره عن عبيد الله بن المغيرة، انه سمع الحارث بن سفيان الأسدي يحدث عن الحارث بن سعد بن أبي ذباب، ان عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير البجلي، وعلى مروان بن الحكم، وعلى عبد الله بن عمر، فدخل على المرأة وهي جالسة في قبتها عليها ستر، فقال عمر إن جريرا البجلي يخطب وهو سيد أهل المشرق، ومروان يخطب- وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب، فكشفت المرأة عنها، فقالت: أجاد أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قالت: فقد انكحت يا أمير المومنين، أنكحوه. حدثنا سعيد بن سيد، قال حدثنا يحيى بن فطر، حدثنا أحمد بن زياد، حدثنا ابن وضاح، حدثنا محمد بن رمح، أخبرنا الليث بن سعد، عن عياش بن عباس الفتياني، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، ان عمر بن الخطاب أتى أهل بيت من الأزد وفتاتهم في خدرها قريبا منه - فقال: إن مروان بن الحكم يخطب اليكم ابنتكم وهو سيد شباب قريش وإن جرير البجلي يخطب إليكم ابنتكم أهل المشرق، وإن أمير المؤمنين يخطب اليكم ابنتكم - يريد نفسه. فأجابته الفتاة من خدرها فقالت: أجاد أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، قالت: زوجوا أمير المؤمنين، فزوجوه فولدت منه. وأما قوله: أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه. ففيه دليل على ان قول المرء في غيره ما فيه - إذا سئل عنه عند الخطبة جائز، وأن إظهار ما هو علیه من عيب فيه صواب لا بأس به،