النص المفهرس

صفحات 561-580

الطلاق
٥٦١
باب منه
[٧] مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن سعد بن عبادة
قال لرسول الله وَ الر: أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا، أأمهله حتى آتي بأربعة
شهداء؟ قال: نعم (١).
قال أبو عمر:
في هذا الحديث النهي عن قتل من هذه حاله تعظيما للدم، وخوفا من
التطرق إلى إراقة دماء المسلمين بغير ما أمرنا الله به من البينات، أو الإقرار
الذي يقام عليه؛ وسدا لباب الافتيات على السلطان في الحدود التي جعلت
في الشريعة إليه، وأمر فيها بإقامة الحق على الوجوه التي ورد التوقيف بها؛
وقد مضى في غير موضع من کتابنا هذا ذکرها.
وثبت عن النبي وَلّ أنه قال: لو أعطي قوم بدعواهم، لادعى أقوام دماء
أقوام وأموالهم(٢).
وروى مالك رحمه الله عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن
رجلا من أهل الشام؛ يدعی ابن خيري وجد مع امرأته رجلا فقتله أو
قتلهما، فأشكل على معاوية القضاء فيه، فكتب إلى أبي موسى الأشعري
يسأل له علي بن أبي طالب؛ فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالب،
(١) حم: (٤٦٥/٢)، م (٢ /١٤٩٨/١١٣٥[١٦٠.١٤])، د (٤ / ٦٧١ /٤٥٣٣)، جه
(٢٦٠٥/٨٦٨/٢)، هق (٢٣٠/٨-٣٣٧) و(١٤٧/١٠)، حب: الإحسان
(٤٢٨٢/١١٣/١٠).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: حم (٣٦٣/١)، خ (٢٦٩/٨/ ٤٥٥٢)
و(١٨١/٥-٢٥١٤/٣٥١-٢٦٦٨)، م (١٧١١/١٣٣٦/٣[١])، د (٣٦١٩/٤٠/٤)، ت
(١٣٤٢/٦٢٦/٣)، ن (٥٤٤٠/٦٤٠/٨)، جه (٢٣٢١/٧٧٨/٢).

فتح البر
٥٦٢
فقال له علي بن أبي طالب: إن هذا لشيء ما هو بأرضي، عزمت عليك
لتخبرني؛ فقال أبو موسى: كتب إلي معاوية بن أبي سفيان أسألك عن ذلك،
فقال علي: أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته(١). فأدخل
مالك في موطئه قول علي هذا فأخذ حديثه المسند عن سهيل تفسيرا له،
و کشفا عن معناه وعملا به؛ ولم یزد على ذلك في بابه، وهو کاف على ما
وصفنا، وعلى ذلك جمهور العلماء.
وزعم أبو بكر البزار أن مالكا انفرد بحديثه عن سهيل في هذا الباب،
وأنه لم يروه غيره، ولا تابعه أحد عليه؛ وأظنه لما رأى حماد بن سلمة قد
أرسله وأسنده مالك، ظن أنه انفرد به ولیس کما ظن البزار.
وقد رواه سليمان بن بلال، عن سهيل مسندا عن أبيه، عن أبي هريرة كما
رواه مالك.
ورواه الدراوردي أيضا عن سهیل بإسناده نحو رواية سليمان بن بلال:
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا
أبو بكربن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا سليمان بن بلال، قال
حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال سعد بن
عبادة لرسول الله وقلقه: لو وجدت رجلا مع أهلي لم أقتله حتى آتي بأربعة
شهداء؟ قال رسول الله وَ له: نعم. قال: لا والذي بعثك بالحق إن كنت
لأعاجله بالسيف قبل ذلك! قال رسول الله وَّ ة: اسمعوا إلى ما يقول
سيدكم، إنه لغيور ولأنا أغير منه، والله أغير مني(٢).
(١) أخرجه من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: هق: (٣٣٧/٨).
(٢) سبق تخريجه في حديث الباب.

الطلاق
٥٦٣ =
قال أبو عمر:
فهذا سلیمان بن بلال قد رواه مسندا کما رواه مالك؛ ولو لم يروه أحد غیر
مالك كما زعم البزار، ما كان في ذلك شيء؛ لكن أكثر السنن والأحاديث
قد انفرد بها الثقات، وليس ذلك بضائر لها ولا لشيء منها؛ والمعنى الموجود
في هذا الحديث مجتمع عليه قد نطق به الكتاب المحكم، وقد وردت به السنة
الثابتة، واجتمعت عليه الأمة؛ فأي انفراد في هذا؟ وليت كل ما انفرد به
المحدثون کان مثل هذا.
وذكر مسلم بن الحجاج، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا عبد
العزيز يعني الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن سعد بن
عبادة الأنصاري قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا
أيقتله؟ قال رسول الله وَلقه: لا. قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق. فقال
رسول الله وَله: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم(١).
وذکر مسلم أیضا حدیث مالك، وحدیث سلیمان بن بلال، عن سھیل
علی حسب ما ذكرناهما ههنا.
وأما حديث حماد بن سلمة، فأخبرناه خلف بن أحمد، قال حدثنا أحمد بن
مطرف، قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا الحسن بن عبد الله البالسي،
قال حدثنا الهيثم بن جميل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن سعد بن عبادة أنه قال: يارسول الله، أرأيت لو رأيت
رجلا مع امرأتي لأتركه حتى أدعو أربعة من الشهداء؟ فقال رسول الله
ولية: نعم، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب إذا لأعجلته بالسيف! فقال
رسول الله وَله: إن سعدالغيور، وإني لأغير منه، وإن الله لأغير منا(٢).
(١) سبق تخريجه في حديث الباب.
(٢) أخرجه من طريق المغيرة بن شعبة عن سعد: م (١٤٩٩/١١٣٦/٢).

== ٥٦٤
فتح البر
قال أبو عمر:
يريد والله أعلم أن الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه، وأنه يلزمه مع
غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله، وأن لا يتعدى حدوده، فالله ورسوله
أغير؛ ولا خلاف علمته بين العلماء فيمن قتل رجلا ثم ادعى أنه إنما قتله،
لأنه وجده مع امر أته بین فخذیها ونحو ذلك من وجوه زناه بها، ولم يعلم ما
ذكر عنه إلا بدعواه؛ أنه لا يقبل منه ما ادعاه، وأنه يقتل به إلا أن يأتي بأربعة
شهداء يشهدون أنهم رأوا وطئه لها وإيلاجه فيها. ويكون مع ذلك محصنا
مسلما بالغا أو من يحل دمه بذلك؛ فإن جاء بشهداء يشهدون له بذلك نجا،
وإلا قتل؛ وهذا أمر واضح لو لم يجيّ به الخبر، لأوجبه النظر؛ لأن الله حرم
دماء المسلمين تحريما مطلقا، فمن ثبت عليه أنه قتل مسلما فادعى أن المسلم
قد کان یجب قتله، لم يقبل منه رفعه القصاص عن نفسه حتی یتبین ما ذکر؛
وهكذا كل من لزمه حق لآدمي، لم يقبل قوله في المخرج منه إلا ببينة تشهد
له بذلك.
وفي حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي في
قصة ابن خیري الذي قدمنا بیان ما وصفنا. وقد رواه عن یحیی بن سعيد
كما رواه مالك سواء: معمر، والثوري، وابن جريج ذكره عبد الرزاق
عنهم.
وذكره عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، قال: سأل رجل النبي وَّلـ
فقال: رجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ فقال النبي وَله: لا إلا بالبينة؛ فقال
سعد بن عبادة: وأي بينة أبين من السيف؟ فقال النبي ◌َّله: ألا تسمعون ما
يقول سيدكم؟ قالوا: لا تلمه يا رسول الله، فإنه رجل غيور؛ والله ما تزوج
امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قط فاستطاع أحد منا أن يتزوجها؛ فقال

الطلاق
٥٦٥
النبي وَّر: يأبى الله إلا بالبينة(١).
قال: وأخبرنا معمر عن كثير بن زياد، عن الحسن في الرجل يجد مع
امرأته رجلا؛ قال: قال رسول الله وله: كفى بالسيف شا يريد أن يقول
شاهدا فلم يتم الكلمة. قال: إذا تتابع فيه السكران والغيران(٢). فسر أبو
عبيد التتابع قال: التهافت فعل الشيء بغير تثبت.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما
نزلت ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَرْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: (٦)]، قال
سعد بن عبادة: أي لكع إن تفخذها رجل فذهبت أن أجمع الشهداء، لم
أجمعهم حتى يقضي حاجته؛ فقال رسول الله و له: ألا تسمعون إلى قول
سيدكم. وذكر معنى حديث ابن شهاب إلى آخره، وقال: فقال النبي وَيّو لا
إلا بالبيئة التي ذكر الله.
وقد روى أهل العراق في هذه المسألة عن عمر بن الخطاب أنه أهدر دمه
ولم يصح، وإنما يصح عن عمر أنه أهدر دم الذي أراد اغتصاب الجارية
الهذلية نفسها، فرمته بحجر ففضت كبده فمات؛ فارتفعوا إلى عمر، فقال:
ذلك قتيل الله، والله لا يودى أبدا. ذكره معمر عن الزهري، عن القاسم بن
محمد، عن عبيد بن عمير؛ قال الزهري: ثم قضت القضاة بعد بأن
یودی(٣).
قال أبو عمر:
ففي هذا جاء عن عمر أنه أهدر دمه، لأنها دفعته عن نفسها، فأتى دفعها
على روحه، لا في الذي وجد مع امرأته رجلا.
(١) عبد الرزاق (١٧٩١٧/٤٣٤/٩)، وتقدم تخريجه موصولا من حديث أبي هريرة (حديث
الباب).
(٢) عبد الرزاق (١٧٩١٨/٤٣٤/٩) وهو حديث منقطع. الحسن هو البصري.
(٣) عبد الرزاق (١٧٩١٩/٤٣٥/٩)، هق (٣٣٧/٨).

فتح البر
=٥٦٦
=
وقد روى الثوري عن مغيرة بن النعمان، عن هانى بن حرام أن رجلا
وجد مع امرأته رجلا فقتلهما، فكتب عمر بكتاب في العلانية أن أقیدوه،
وكتابا في السر أن أعطوه الدية(١). وهذا لا يصح مثله عن عمر والله أعلم،
ولم تكن في أخلاقه المداهنة في دین الله.
وقد روى هذا الحديث قبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن المغيرة بن
النعمان، عن مالك بن أنس، عن هانئ بن حزام. وهانى بن حزام أو حرام
مجهول، وحديثه هذا لا حجة فيه لضعفه.
وذكر وكيع عن عاصم، عن الشعبي، قال: كان رجلان أخوان من
الأنصار يقال لأحدهما أشعث، فغزا في جيش من جيوش المسلمين؛ قال:
فقالت امرأة أخيه لأخيه: هل لك في امرأة أخيك معها رجل يحدثها؟
فصعد فأشرف عليه وهو معها على فراشها وهي تنتف له دجاجة وهو
يقول:
وأشعث غره الإسلام مني خلوت بعرسه ليل التمام
على دهماء لا حقة الحزام
أبيت على حسناياها ويمسي
فئام قد جمعن إلى فئام
کأن مواضع الربلات منها
قال فوثب إليه الرجل فضربه بالسيف حتى قتله ثم ألقاه، فأصبح قتيلا
بالمدينة؛ فقال عمر: أنشد الله رجلا كان عنده من هو أعلم إلا قام به، فقام
رجل فأخبره بالقصة؛ فقال: سحقا: وبعد(٢).
قال أبو عمر:
هذا خبر منقطع وليس فيه شهادة قاطعة على معاينة القتل، ولا إقرار
القاتل، فلا حجة فيه؛ وقد روى هذا الخبر ابن جريج عن عبد الله بن عبيد
(١) عبد الرزاق (١٧٩٢١/٤٣٥/٩).
(٢) عبد الرزاق (١٧٩٢٠/٤٣٥/٩).

الطلاق
٥٦٧ -
ابن عمير، فجعله في غير هذه القصة، وأنشد الأبيات:
لهوت بعرسه ليل التمام
وأشعث غره الإسلام مني
على حمراء مائلة الحزام
أبيت على ترائبها ويطوي
فئام يرجعون إلى فئام
کأن مواضع الربلات منها
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن مجاهد أنه كان ينكر أن يكون
عمر أهدر دمه إلا بالبينة.
قال ابن جريج: وقال عطاء: لا إلا بالبينة.
وقد جاء عن عمر في رجل وجد رجلا في داره ملفوفا في حصیر بعد
العتمة أنه ضربه مائة جلدة(١). وأصح ما في هذا ما قاله علي رضي الله عنه إن
لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. وهو معنى حديث النبي ◌ُّ ﴾ وقوله في
ذلك: لا إلا بالبينة. وعلى هذا جمهور الفقهاء؛ وقد قال ابن القاسم في هذا
المسألة: لو كان المقتول بكرا حده الجلد فقتله، ثم أتى بأربعة شهداء أنهم
رأوا ذلك كالمرود في المكحلة؛ قال ابن القاسم: يستحب في هذا أن تكون
الدية على القاتل في ماله يؤديها إلى أولياء المقتول، وغيره يرى عليه في ذلك
القود، لأنه قتل من لم يجب عليه القتل.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري، قال: إذا قطع رجل يد السارق، أو قتل
الزاني قبل أن يبلغ السلطان؛ فعليه القصاص، وليس على الزاني والسارق
غير ذلك قد أخذ منهما الذي كان عليهما؛ قال: وإذا قتل المرتد قبل رفعه إلى
السلطان، فليس على قاتله شيء(٢).
(١) عبد الرزاق (١٧٩٢٣/٤٣٦/٩).
(٢) عبد الرزاق (١٧٨٥٠/٤١٨/٩).

فتح البر
٥٦٨
وقال معمر عن الزهري فيمن افتات على السلطان في حد عليه العقوبة
ولا يقتل.
قال أبو عمر:
قول مالك وأصحابه وأكثر الفقهاء في هذا کقول الزهري، وليس هذا
الباب موضع ذكر هذه المسألة، وقد ذكرنا منها ما فيه والحمد لله كفاية
وشفاء، وقد مضى القول في أحكام اللعان ممهدا في باب ابن شهاب، وباب
نافع من هذا الكتاب والحمد لله.

الطلاق
1
٥٦٩ =
ما جاء في الإحداد على الميت
[٨] مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة وحفصة، ان رسول الله وَل
قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تحد علی میت فوق ثلاث ليال إلا
علىزوج(١).
هكذا روى يحيى هذا الحديث فقال فيه: عن عائشة وحفصة جميعا،
وتابعه أبو المصعب الزهري، ومصعب بن عبد الله الزبيدي، ومحمد بن
المبارك الصوري، وعبد الرحمن بن القاسم في رواية سحنون، ورواه
القعنبي، وابن بكير، وسعيد بن عفير، ومعن بن عيسى، وعبد الله بن
يوسف التنيسي، فقالوا فيه عن عائشة، أو حفصة على الشك، وكذلك رواه
الحارث بن مسكين، ومحمد بن سلمة، عن ابن القاسم، ورواه ابن وهب
فقال عن عائشة أو حفصة، أو عن كلتيهما. وقال فيه أبو مصعب: الا على
زوج اربعة اشهر وعشرا، ولم يقل ذلك غيره، و انتهى الحديث عند غيره الى
قوله: الا على زوج:
قرأت على أحمد بن قاسم بن عيسى، ان عبيد الله بن محمد بن حبابة
حدثهم ببغداد، قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال حدثنا مصعب بن
عبد الله الزبيدي، قال: حدثني مالك بن أنس، عن نافع، عن صفية، عن
عائشة وحفصة، عن النبي ◌ّ﴾ قال: لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر
ان تحد على ميت إلا على زوج (١).
(١) أخرجه من حديث حفصة وعائشة: حم (٢٨٦/٦-٢٨٧)، م (١٤٩٠/١١٢٦/٢ [٦٣])، هق
(٤٣٨/٧)، حب: الإحسان (٤٣٠٢/١٣٨/١٠)، الطحاوي في شرح معاني الآثار (٧٦/٣)،
وأخرجه من حديث حفصة: حم (٢٨٦/٦)، م (١٤٩٠/١١٢٧/٢[٦٤])، جه
(٢٠٨٦/٦٧٤/١)، هق (٤٣٨/٧)، وأخرجه عن بعض أزواج النبي وَّ:
م (٢/ ١١٢٧/ ١٤٩٠ [٦٤]) مكرر، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٧٦/٣). وأخرجه عن
عائشة أو حفصة بالشك: حم (٢٨٦/٦).

فتح البر
= ٥٧٠
وأما سائر اصحاب نافع - غير مالك- فانهم اختلفوا في هذا الحديث
أيضا عن نافع اختلافا كثيرا، فرواه صخر بن جويرية عن نافع، عن صفية،
عن بعض أزواج النبي ◌ّ لان رسول الله و الله قال: لا يحل لامرأة -
الحديث(١).
وكذلك رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن صفية، عن بعض
أزواج النبي وَّ قالت: قال رسول الله وَل فذكره(١).
ورواه سعید بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن صفية، عن بعض
أزواج النبي عليه السلام وهي أم سلمة عن النبي وقله.
ورواه ابن علیة، عن أيوب، بإسنادین، احدهما كما رواه حماد بن زيد، عن
أيوب، عن نافع، وصخر، عن نافع، والآخر عن أيوب، قال: حدثني رجل
عن أم حبيبة انها سمعت رسول الله چ# فذكره.
ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن صفية، عن حفصة بنت
عمر زوج النبي ◌َّا فذكره.
حدثناه إبراهيم بن شاکر، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا سعيد بن خمیر،
وسعید بن عثمان، قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، قال حدثنا یزید بن
هارون، قال أخبرنا يحيى بن سعيد ونافع، ان صفية بنت أبي عبيد، أخبرته
أنها سمعت حفصة زوج النبي وَالر تحدث ان رسول الله وَ له قال: لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أو بالله ورسوله ان تحد على ميت فوق ثلاث
الا على زوج (١).
(١) تقدم تخريجه انظر حديث الباب.

الطلاق
1
٥٧١
ورواه الليث قال حدثني نافع، ان صفية حدثته عن حفصة أو عن
عائشة، أو عن كلتيهما، عن النبي ◌ُټفذكره.
حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى، قال حدثنا عبيد الله بن محمد، قال
حدثنا البغوي، قال حدثني جدي، قال حدثنا أبو النضر، قال حدثنا الليث
- فذكره.
قال البغوي: وحدثنا ابن زنجویه، قال حدثنا أبو صالح، قال حدثني
الليث، قال حدثني يزيد بن الهادي، عن عبد الله بن دينار، عن نافع، عن
صفية، عن حفصة، أو عن عائشة، أو عن كلتيهما، عن رسول الله وَل# فذكره.
وكذلك رواه ابن أبي ذئب، عن نافع، عن صفية، عن عائشة أو حفصة
أو كلتيهما.
ورواه محمد بن اسحاق عن نافع، عن صفية، عن عائشة وأم سلمة، ان
رسول الله وَالله قال: لا يحل لامرأة فذكره. وزاد في آخره: والاحداد: الا
تمتشط، ولا تكتحل، ولا تختضب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تخرج من
بیتھا.
قال أبو عمر: هذه الزيادة -عندي - من قول ابن اسحاق- والله أعلم،
وعليه الفقهاء، ولا يختلفون في ان الاحداد ما ذكر ابن اسحاق، وسيأتي
شرح الاحداد في اللغة، وما للفقهاء فيه من الأقاويل والمعاني - مسبوطا في
باب عبد الله بن أبي بكر، عن حمید بن نافع، من کتابنا هذا - ان شاء الله.

٥٧٢
فتح البر
باب منه
[٩] مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، انها
أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ◌َّلـ
حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة: خلوق أو
غيره. فدهنت به جارية، ثم مسحت بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من
حاجة، غير أني سمعت رسول الله وَ الر يقول: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ليال، الا على زوج أربعة أشهر وعشرا، قالت
زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش زوج النبي ◌ّ حين توفي أخوها،
فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت
رسول الله ◌َ لويقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق
ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة زوج
النبي ◌َّة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله وَل قالت: يا رسول الله، ان ابنتي توفي
عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها أفتكحلهما؟ فقال رسول الله وَاليقول: ((لا)) مرتين أو
ثلاثا. كل ذلك يقول: ((لا)) ثم قال: ((انما هي أربعة أشهر وعشرا، وقد كانت
احداكن في الجأهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. قال حميد: بن نافع، فقالت
زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها: دخلت حفشا. ولبست شر ثيابها، ولم
تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة: حمارا أو شاة أو طائر، فتفتض
به، فقلما تفتض بشيء الا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع بعد ما
شاءت من طيب أو غيره، قال مالك: الحفش: البيت الرديء، وتفتض: تمسح به
جلدها كالنشرة(١).
(١) أخرجه من طريق مالك: خ (٥٣٣٧٠٠٠٥٣٣٤/٦٠٥/٩)، م (١١٢٣/٢ - ١٤٨٦/١١٢٤
.. ١٤٨٩)، د (٢٢٩٩/٧٢١/٢)، ت (٥٠٠/٣-١١٩٧٠٠٠١١٩٥/٥٠١)، هق (٤٣٧/٧)، ن
(٥١٢/٦-٣٥٣٥٠٠٠٣٥٣٣/٥١٣). وأخرجه مقطعا من طرق عن زينب: حم (٢٩١/٦
و٢٩٢ و ٣١١ و٣٢٤ و٣٢٥)، خ (١٢٨١/١٨٨/٣-١٢٨٢) و(٦١٢/٩-٥٣٣٨/٦١٦
و٥٣٣٩ و ٥٣٤٥)، م (١١٢٥/٢-١٤٨٦/١١٢٦[٦٢٠٠٥٩])، جه (٦٧٣/١ /٢٠٨٤)،
هق(٧/ ٤٣٧ و ٤٣٩).

=
الطلاق
٥٧٣
قال أبو عمر: حميد بن نافع هذا هو: أبو افلح بن حميد، وهو مولى
صفوان بن خالد، ويقال: مولى أبي أيوب الانصاري، يقال: انه حميد صفیرا،
روی عن أبي ایوب، وحج معه، وروی عن ابن عمر، وعن زينب بنت أبي
سلمة. وهو ثقة مأمون، وهذه الجملة من خبره، عن أحمد بن حنبل،
ومصعب الزبيري، ولم يسمع مالك منه شيئا ولا الثوري، وهما یرویان عن
عبد الله بن أبي بكر عنه، وقد سمع منه شعبة هذا الحدیث وغيره.
أخبرنا أحمد بن قاسم بن عیسی قراءة مني علیه، ان عبيد الله بن محمد بن
حبابة حدثهم ببغداد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا إبراهيم
ابن هانئ، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال شعبة:
سألت عاصما عن المرأة تحد فقال: قالت حفصة بنت سیرین: کتب حمید بن
نافع الى حميد الحميري فذكر حديث زينب بنت أبي سلمة، قال شعبة:
فقلت لعاصم: انا قد سمعته من حميد بن نافع، قال: أنت؟ قلت: نعم، وهو
ذاك حي، قال شعبة: و کان عاصم یری انه قد مات منذ مائة سنة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال شعبة: سألت
عاصما الأحول: عن المرأة تحد، فقال: قالت حفصة بنت سيرين: كتب حميد
ابن نافع، الى حميد الحميري، فذكر حديث زينب بنت سلمة، قال شعبة:
قلت لعاصم: قد سمعته انا من حميد بن نافع قال: أنت؟ قلت: نعم. وهو
ذاك حي، قال شعبة: و کان عاصم یری انه قد مات منذ مائة سنة.
أخبرنا أحمد بن قاسم، حدثنا عبيد الله بن حبابة، حدثنا عبدالله بن محمد
ابن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن حميد بن
نافع، قال: سمعت زينب بنت أبي سلمة تحدث عن امها، ان امرأة توفي

فتح البر
٥٧٤
عنها زوجها فرمدت عينها. فأتوا النبي ◌َّلير فاستأذنوه في الكحل، فقال:
((لا)) وقال: ((أربعة أشهر وعشرا)) قال البغوي: روى هذا الحديث عن
شعبة: النضر بن شمیل، و یحیی بن أبي بکیر، وأبو النضر، فزادوا فيه كلاما
ليس في حديث علي بن الجعد، حدثناه جدي قال: حدثنا أبو النضر،
وحدثنا خلاد، أخبرنا النضر بن شمیل، وحدثنا يعقوب، حدثنا يحيى بن
أبي بكير، وهذا لفظ حديث يعقوب: أخبرنا شعبة، قال حميد بن نافع:
أخبرني قال: سمعت زينب بنت أم سلمة تحدث عن أمها: ان امرأة توفي
عنها زوجها، فاشتكت عينها وخشوا على عينها، فسئل عن ذلك النبي وَل
فقال: «قد كانت احداكن تمكث في شر احلاسها في بيتها الى الحول، فإذا كان
الحول فمر كلب رمته ببعرة ثم خرجت، فلا أربعة أشهر وعشرا(١)) قال
البغوي: ورواه یحیی بن سعید الانصاري، عن حمید بن نافع، وزاد فيه: ام
حبيبة. حدثناه جدي، ويعقوب قالا: حدثنا يزيد بن هارون، وحدثنا أبو
خيثمة، حدثنا جرير، جميعا عن يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، انه سمع
زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أم سلمة وام حبيبة تذكران: ان امرأة اتت
رسول الله و لو فذكرت ان ابنة لها توفي عنها زوجها، فاشتكت عينها ...
وذكر الحديث. قال: وحدثني جدي، حدثنا أبو قطن، حدثنا شعبة، عن
حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، ان نسيبا لها أو حميما
توفي، وإنها دعت بصفرة فمسحت یدیها وقالت: انما اصنع هذا لأن رسول
الله ◌َله قال: ((لا يحل لا مرأة ان تحد على ميت فوق ثلاث الا على زوج)) قال:
وحدثنیہ یعقوب بن إبراهيم، حدثنا یحیی بن أبي بکیر، حدثنا شعبة، بإسناده
مثله. وزاد فيه: أربعة أشهر وعشرا، قال البغوي: وأخبرنا مصعب بن
(١) خ (٥٣٣٦/٦٠٥/٩)، م (١١٢٥/٢-١٤٨٨/١١٢٦[٦٠-٦١])، د(٢٢٩٩/٧٢١/٢)،
ت(٣/ ١١٩٦/٥٠١)، ن (٣٥٤٣٠.٣٥٤٠/٥١٦/٦).

الطلاق
٥٧٥_
عبدالله، حدثني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم،
عن حميد بن نافع، فذكر الاحاديث الثلاثة، عن زينب، عن أم حبيبة،
وزينب بنت جحش وأم سلمة سواء.
قال أبو عمر: اما صفرة الخلوق، فمعروفة، واما الإحداد: فترك المرأة
للزينة كلها عند زوجها ما دامت في عدتها، يقال لها حينئذ: امرأة حاد ومحد،
لأنه يقال أحدت المرأة تحد، وحدت تحد، فهي محاد وحاد، إذا تركت الزينة
لموت زوجها، هذا كله قول الخليل وغيره.
واما الإحداد عند العلماء: فالامتناع من الطيب والزينة، بالثياب والحلي،
وما كان من الزينة كلها الداعية الى الازواج وجملة مذهب مالك في ذلك ان
المرأة المحد، لا تلبس ثوبا مصبوغا، الا ان يصبغ بسواد، وتلبس البياض
کلە رقیقه و غلیظه، ولا تلبس رقیق ثياب الیمن، وتلبس غليظها ان شاءت،
وتلبس الكتان كله رقيقه وغليظه ما لم يكن مصبوغا، وكذلك القطن، ولا
تلبس خزا ولا حريرا، ولا تلبس خاتما من ذهب ولا من فضة ولا من
حدید أيضا، ولا حلیا، ولا قرطا، ولا خلخالا، ولا سوارا، ولا تمس طيبا
بوجه من الوجوه، ولا تحنط میتا، ولا تدهن بزئبق، ولا خيري، ولا
بنفسج، ولا بأس أن تدهن بالشيرق والزيت، ولا تختضب بحناء، ولا كتم،
ولا بأس ان تمتشط بالسدر وما لا يختمر في رأسها، ولا تكتحل الا من
ضرورة، فإن كانت ضرورة: فقد ارخص لها مالك وأصحابه في الكحل
تجعله بالليل وتمسحه بالنهار، ومن قول مالك والشافعي: ان الاحداد على
كل زوجة صغيرة كانت أو كبيرة، امة كانت أو حرة، مسلمة كانت أو ذمية،
وكذلك المكاتبة، والمدبرة، إذا كانت زوجة، وكذلك امرأة المفقود، الاحداد
عليها عنده، وقال ابن الماجشون: لا احداد عليها. وذكر ابن عبد الحكم،

فتح البر
= ٥٧٦
عن مالك قال: الاحداد على الكتابية في زوجها المسلم، وقال أشهب: لا
احداد عليها، ورواه عن مالك أيضا، وقال ابن نافع: لا احداد على الذمية،
وهو قول أبي حنيفة لقوله ◌َّله: ((لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان
تحد علی میت)).
قال أبو عمر: هذا لا حجة فيه. لأن العلة حرمة المسلم الذي تعتد من
مائه، وجاء الحديث بذكر من يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن الخطاب الى من
هذه حاله كان يتوجه فدخل المؤمنات في ذلك بالذكر. ودخل غير المؤمنات
بالمعنى الذي ذكرنا، كما يقال: هذا طريق المسلمين ويدخل في معناه: أهل
الذمة، وقال ◌َله: ((لا يبع أحدكم على بيع أخيه(١))) يعنى المسلم فدخل في
ذلك الذمي بالمعنى، وقد أوجب رسول الله وَالر الشفعة للمسلم، وهي
واجبة لأهل الذمة. كما تجب للمسلم، إلى أشياء يطول ذكرها من هذا الباب،
ولا خلاف ان الزوجة الذمية في النفقة والعدة وجميع احكام الزوجات
كالمسلمة، وكذلك الإحداد، الا ترى انه حق للزوج الميت من أجل ما
يلحقه من النسب فأشبه الحكم بين المسلم والذمي بحكم الإسلام. ولا
خلاف عن مالك وأصحابه ان المطلقة المبتوتة وغيرها، لا إحداد عليها
وكذلك أم الولد لا إحداد عليها عند وفاة سيدها، وانما الإحداد عندهم على
المتوفى عنها زوجها على حسب ما ذكرنا. وقال الشافعي: الإحداد في البدن،
وهو ترك زينة البدن وذلك: ان يدخل على البدن شيء من غيره بزينة من
ثياب يتزين بها وطيب يظهر على المرأة فيدعوها إلى شهوتها، فمن ذلك
(١) أخرجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: حم (٢/ ٦٣). خ: (٤ / ٤٤٤ و ٢١٣٩/٤٧٠
و ٢١٦٥)، م: (١٤١٢/١٠٣٢/٢[٤٩-٥٠) و(١٤١٢/١١٥٤/٣[٧-٨])، د (٧١٦/٣/
٣٤٣٦) مطولات: (١٢٩٢/٥٨٧/٣)، ن: (٤٥١٥/٢٩٦/٧ و٤٥١٦)، جه:
(٢١٧١/٧٣٣/٢)، هق (٣٤٤/٥).

الطلاق
٥٧٧ :
الدهن كله في الرأس، وذلك لأن الادهان كلها سواء في ترجيل الشعر،
وإذهاب الشعث، الا تری ان المحرم یفتدي ان دهن رأسه ولحیته بزیت لما
وصفت، قال: وكل كحل كان زينة فلا خير فيه، فأما الفارسي وما اشبهه إذا
احتاجت اليه فلا بأس، لأنه ليس بزينة، بل يزيد العين مرها وقبحا، وما
اضطرت اليه مما فيه زينة من الکحل اکتحلت به ليلا وتمسحه نهارا. دخل
رسول الله ◌َّي على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة. فقال: ما هذا؟
فقالت: انما هو صبر، فقال ◌َله: اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار(١).
قال أبو عمر: حديث أم سلمة هذا في الموطأ من بلاغات مالك، وسنذكر
ذلك في موضعه من کتابنا هذا ان شاء الله، ونذکر من طرقه ما يصح عندنا
متصلا مسندا بعون الله، وحديث أم سلمة هذا المرسل، ظاهره مخالف
لحديث أم سلمة المسند المذكور في هذا الباب لأن حديث أم سلمة في هذا
الباب على ما رواه مالك وغيره، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن نافع،
عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة يدل على ان المتوفى عنها زوجها لا
تكتحل اصلا، لأنه اشتكت اليه امرأة عينها فلم يأذن لها من الكحل، لا
ليلا ولا نهارا، لا من ضرورة ولا من غيرها، وقال: لا، مرتين أو ثلاثة، ولم
يقل: الا ان تضطر، وأصل المسألة كان على انها اشتكت عينيها، وهذه
ضرورة، وقد حکی مالك عن نافع، عن صفية ابنة أبي عبيد، انها اشتكت
عينها، وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر، فلم تكتحل حتى كادت
(١) أخرجه من حديث ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم
بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة: د(٢٣٠٥/٧٢٧/٢)، ن (٣٥٣٩/٥١٥/٦)، هق
(٧/ ٣٤٠). قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: ((وأعله عبد الحق والمنذري بجهالة حال المغيرة
ومن فوقه، وأعل بما في الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله
وال* فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: لا ، مرتين أو
ثلاثا)». (٢٣٩/٣).

فتح البر
٥٧٨
عيناها ترمصان، وقد قال بهذا طائفة من أهل العلم: ان المرأة الحاد، لا
تكتحل بحال من الأحوال، علی هذا الحديث، کما صنعت صفية، وأما
حديث أم سلمة المرسل، فإن فيه ان امرأة سألتها -وهي حاد - عن الكحل،
وقد اشتكت عينها، فبلغ ذلك منها فقالت لها أم سلمة: اكتحلي بكحل
الجلاء بالليل، وامسحيه بالنهار، وهذا عندي، وان كان ظاهره مخالفا
لحديث هذا الباب، لما فيه من إباحته بالليل، وقوله في هذا الحديث: لا،
مرتين أو ثلاثا، على الاطلاق، فإن ترتيب الحديث -والله أعلم - على ان
الشكاة التي قال فيها رسول الله قال: لا، لم تبلغ - والله أعلم- منها مبلغا لا
بد لها فيه من الكحل، بقوله ها هنا: ولو كانت محتاجة إلى ذلك، مضطرة،
تخاف ذهاب بصرها، لأباح لها ذلك، والله أعلم، كما صنع بالتي قال لها:
اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، والنظر يشهد لهذا التأويل، لأن
الضرورات، تنقل المحظور الى حال المباح في الأصول، وكذلك جعل
مالك، فتوى أم سلمة هذه، تفسيرا للحديث المسند في الكحل، لأن أم
سلمة روته، وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهي أعلم بتأويله
ومخرجه، والنظر يشهد لذلك. لأن المضطر الى شيء لا يحكم له بحكم
المترفه المتزين، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحاد
عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمة أعلم بما روت مع صحته في النظر،
وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك، والشافعي، وأكثر الفقهاء، وقد ذكر مالك
في موطئه: إنه بلغه عن سالم بن عبد الله، وسلیمان بن يسار، انهما كانا يقولان
في المرأة يتوفى عنها زوجها: انها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينها، أو
شکوی اصابتها، انها تکتحل وتتداوی بالکحل، وان کان فيه طيب.
قال أبو عمر: لأن المقصد الى التداوى لا الى التطيب والاعمال بالنيات،
وقال الشافعي: الصبر يصفر، فيكون زينة، وليس بطيب، وهو كحل

الطلاق
٥٧٩ .
الجلاء، فأذنت فیه أم سلمة للمرأة باللیل حیث لا یری، وتمسحه بالنهار
حيث يرى، فكذلك ما أشبهه، وقال: في الثياب زينتان: احداهما، جمال
الثياب على اللابسين، الستر للعورة، فالثياب زينة لمن لبسها وانما نهيت
الحاد عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها، فلا بأس ان تلبس الحاد کل
ثوب من البياض، لأن البیاض ليس بمزين، وكذلك الصوف والوبر، وكل
ما نسج على وجهه، ولم يدخل عليه صنع من خز أو غيره، وكذلك كل صبغ
لم يرد به التزين، مثل السواد، وما صبغ ليقبح أو لنفي الوسخ عنه، فأما ما
كان من زينة أو وشي في ثوب أو غيره، فلا تلبسه الحاد، وذلك لكل حرة
وأمة وكبيرة وصغيرة مسلمة أو ذمیة. وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوب
عصب ولا خز وان لم یکن مصبوغا، إذا أرادت به الزینة، وان لم ترد، فلیس
الثوب المصبوغ من الزينة فلا بأس ان تلبسه، وإذا اشتكت عينها اكتحلت
بالأسود وغيره وإذا لم تشتك عينها لم تكتحل، وقال أحمد، واسحاق: المتوفي
عنها لا تختضب ولا تكتحل، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا،
قالا: والمتوفى عنها والمطلقة في الزينة سواء للاحتياط.
قال أبو عمر: قول الشافعي في هذا الباب، نحو قول مالك الا انه
اختلف قوله في وجوب الإحداد على المطلقة التي لا تملك رجعتها، فمرة
قال: عليها الإحداد، وهو قول الکوفیین، لأنها کالمتوفى عنها في انهما غير
ذواتي زوج، وليست ممن ملك رجعتها، ومرة قال: لا یبین عندي ان اوجب
عليهما الإحداد، لانهما قد تختلفان في حال وان اجتمعا في غيره.
قال أبو عمر: في قول رسول الله ◌َله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر تحد على ميت، إلا على زوج. دليل على ان الإحداد انما يجب على
الموتى ومن اجلهم، لا على المطلقات، والله أعلم.

فتح البر
٥٨٠
=
واجمعوا ان لا إحداد على المطلقة الرجعية، والمبتوتة اشبه بها منها بالمتوفى
عنها، والله أعلم.
واجمعوا ان الإحداد واجب على ما ذكرنا إلا الحسن البصري، فإنه قال:
لیس الإحداد بواجب.
قال أبو عمر: اما قوله: ((دخلت حفشا ولبست شر ثيابها)) فالحفش
البيت الصغير، ذكره ابن وهب عن مالك، وكذلك قال الخلیل، قال:
الحفش البيت الصغير، قال: والحفش أيضا: الشيء البالي الخلق، والحفش
أيضا: الفرج، والحفش: الدرج الذي يكون فيه البخور، كالقارورة للطيب،
وقال ابن وهب: قوله: ((تفتض به)) قال: تؤتى بدابة، فتمسح على ظهرها
بيدها، وتؤتى ببعرة من بعر الغنم، فترمي بها من وراء ظهرها، ثم يكون
احلالا لها بعد السنة، وقال ابن بکیر: «تفتض به)) تتمسح به، وقد قيل في
معنی تمسح به: تمر به، وقال الأخفش: اصل الافتضاض: التفرق يقال: قد
افتض القوم عن فلان، إذا تفرقوا عنه، وانفضوا عنه أيضا، و کذلك انفض
السيل عن الجبل، وافتض، إذا انصدع فصار فرقتين، ويقال: افتض الجارية
واقتضها بالفاء والقاف أيضا، ومنه: فضضت الخاتم: إذا كسرته، قال:
فلعل قوله: تفتض بالدابة، اي تنفرج بها من الغم الذي كانت فيه، إذا
تمسحت بها، قال: وأجود من ذلك عندي: ان ((تفتض)) ترجع إلى الفضة،
فكأنه يريد: تتمسح بتلك الدابة حتى تتنقى من درنها ذلك فتصير كأنها
فضة، ليس ان تلك الدابة تغسلها، ولكنها إذا تمسحت بذلك الطائر أو
الدابة، خرجت فاغتسلت، وتنظفت وتطيبت، ولبست ثيابها النظيفة،
وتعرضت للازواج، فتصير نقية كأنها الفضة، قال: هذا عندنا حتى يأتيك
غيره.