النص المفهرس

صفحات 521-540

الطلاق
٥٢١
ما جاء في اللعان
[٥] مالك، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي، انه أخبره أن عويمر بن
أشقر العجلاني، جاء إلى عاصم بن عدي الانصاري، فقال له: يا عاصم أرأيت
رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن
ذلك رسول الله وَله، فسأل عاصم رسول الله وَله، فكره رسول الله وَلّ المسائل
وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله وَية؛ فلما جاء عاصم إلى
أهله، جاء عويمر فقال: يا عاصم: ماذا قال لك رسول الله وَّر؟ فقال عاصم: لم
تأتني بخير، قد كره رسول الله وَ لقر المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا
انتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله مح له وهو وسط الناس
فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا وجد مع امر أته رجلا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف
يفعل؟ فقال رسول الله ټ: قد أنزل فیك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها.
فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله وَاللّه، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر:
كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره رسول
الله ◌َله. قال مالك قال ابن شهاب: فكانت تلك بعد سنة المتلاعنين(١).
هكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة:
قال ابن شهاب فكانت تلك سنة المتلاعنين. ورواه جويرية عن مالك
بإسناده عن ابن شهاب عن سهل، وساقه بنحو ما في الموطأ إلى آخره وقال:
فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله وَآل﴾، فكان فراقه اياها سنة. هكذا قال
في نسق الحديث: جعله من قول سهل بن سعد، لا من قول ابن شهاب.
(١) أخرجه من طرق مختلفة عن الزهري عن سهل بن سعد الساعدي: حم: (٣٣٦/٥-٣٣٧)، خ
(٤٧٤٥/٥٧٣/٨) و(٤٥٢/٩ و٥٢٥٩/٥٥٧ و ٥٣٠٨)، م (١٤٩٢/١١٢٩/٢[١ - ٣])،
د(٢ / ٦٧٩ - ٦٨٢ /٢٢٤٥ و٢٢٤٧ و٢٢٤٨ و٢٢٥١)، جه (٢٠٦٦/٦٦٧/١)،
ن (٦ /٤٥٤ /٣٤٠٢)، هق (٣٩٨/٧-٣٩٩). حب: (الإحسان: (١٠/ ٤٢٨٥/١١٧).

= ٥٢٢
فتح البر
وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك بإسناده ومعناه، وقال في آخره:
فلما فرغا من تلاعنهما، طلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله وَلفي، قال:
فكانت فرقته اياها سنة بعد. ومن رواة إبراهيم بن طهمان من يقول عنه فيه:
فکان طلاقه ایاها سنة. کل ذلك مدرج في کلام سهل لا من قول ابن
شهاب، وهو عند جماعة رواة الموطأ من قول ابن شهاب، کذلك هو عند
القعنبي، ومطرف، ومعن بن عيسى، وابن بكير، وابن القاسم، وابن
وهب، والشافعي، وأبي مصعب، والتنيسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري،
وأحمد بن إسماعيل المدني، وعبد الله بن نافع الزبيري وغيرهم. واختلف
اصحاب ابن شهاب في ذلك أيضا، قال الدار قطني: وقد روى حديث
اللعان عن الزهري، عن سهل بن سعد جماعة من الثقات فاختلفوا عنه في
قوله: فکان فراقه ایاها سنة المتلاعنین، فأدرجه جماعة منهم في نفس
الحديث وجعلوه من قول سهل بن سعد، منهم ابن جريج، وابن أبي ذئب،
والأوزاعي، وعياض بن عبد الله الفهري، وفليح بن سليمان، وإبراهيم بن
إسماعيل بن مجمع.
وفصله عقیل بن خالد، وإبراهیم بن سعد، ومحمد بن اسحاق، ویزید بن
أبي حبيب فيما كتب به اليه الزهري؛ قالوا في آخره: قال ابن شهاب: فكانت
تلك سنة المتلاعنين كما في الموطأ.
وقد حدثنا محمد بن عمروس اجازة عن أبي الحسن علي بن عمر الحافظ
انه أخبره ببغداد قال: حدثنا البغوي، قال: قرئ علی سوید بن سعید، عن
مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد، أن رجلا أتى رسول الله وَ لاه فقال:
یا رسول الله، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فيقتله فیقتلونه؟ أم کیف
يفعل؟ قال: فأنزل الله فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن، فقال رسول الله

الطلاق
٥٢٣= ١
وَ له: قد قضى فيك وفي امرأتك. قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله
وَالله، فقال: يا رسول الله، ان أمسكتها فقد كذبت عليها، ففارقها، فكانت
السنة فيهما أن يفرق بين المتلاعنين؛ وكانت حاملا فأنكر حملها، وكان ابنها
يدعى إليها، ثم جرت السنة أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها. وهذه
الالفاظ لم يروها عن مالك فيما علمت غير سويد بن سعيد والله أعلم.
وروی عبد الله بن ادریس هذا الحدیث عن مالك، ومحمد بن اسحاق
جميعا، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد فذكره بطوله، وزاد فيه: فقال
رسول الله وقالله: قد أنزل الله فيكما قرآنا، وتلا ما أنزل الله في ذلك، ولاعن
رسول الله ێ بينهما بعد العصر، فلما تلاعنا، قال: يا رسول الله، ظلمتها ان
امسكتها فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق. ولم يذكر أحد فيما
علمت في هذا الحديث أنه لا عن بينهما بعد صلاة العصر، الا ابن ادريس،
وأظنه حمل لفظ ابن اسحاق على لفظ مالك، وقال الدار قطني لم يقل في هذا
الحديث عن ابن شهاب أحد من أصحابه أنه لاعن بينهما بعد صلاة العصر
غير محمد بن اسحاق. وفي هذا الحديث من الفقه السؤال عن الاشكال.
وفيه أن الاستفهام بأرأيت عن المسائل كان قديما في عصر رسول الله
وَ له. وفيه أن من قتل رجلا وادعى انه انما قتله لأنه وجده مع امرأته، أنه
يقتل به. وقد بينا هذه المسألة في سهيل بن أبي صالح من هذا الكتاب. وفيه
أن يتولى السؤال عن مسألتك غيرك وان كانت مهمة.
وفيه قبول خبر الواحد، لأنه لو لم يجب قبول خبره عنده، ما أرسله يسأل
له. وفيه كراهية سماع الكلام إذا کان فیه تعریض بقبيح، قذفا کان أو غيره؛
وقد زعم بعض الناس أن في هذا الحديث دليلا على أن الحد لا يجب في
التعریض بالقذف، وهذا لا حجة فيه لأن المعرض به غیر معین، وانما يجب

-٥٢٤
فتح البر
الحد على من عرض بقذف رجل يشير اليه، أو يسميه في مشاتمته، ويطلبه
المعرض به، فحينئذ يجب في التعريض بالقذف الحد، إذا كان يعلم من
المعرض أنه قصد به قصد القذف، وقد صح عن عمر أنه كان يحد في
التعریض بالقذف، وهو قول مالك إذا کان مفهوما من ذلك التعریض مراد
القاذف، وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا. واختلف الفقهاء في
حكم من قذف امرأته برجل سماه: فقال مالك ليس على الامام أن يعلم
المقذوف وهو أحد قولي الشافعي. والحجة لمن ذهب هذا المذهب قول الله
عزوجل: ﴿وَلَا تََّسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢] ولأن العجلاني رمى امرأته بشريك
ابن سحماء، فلم يبعث فيه رسول الله وَّةٍ، ولا أعلمه. وقالت طائفة عليه
أن يعلمه، لأنه من حقوق الآدميين. وقد روى ذلك عن الشافعي، واحتج
من قال بهذا القول بقول رسول الله وَله: واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن
اعترفت فارجمها. وقال مالك: ان ذكر المرمي به في التعانه حد له. وهو قول
أبي حنيفة، لأنه قاذف لمن لم یکن به ضرورة إلی قذفه.
وقال الشافعي: لا حد علیه، لأن الله لم يجعل علی من رمی زوجته بالزنا
إلَّ حداً واحداً، بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم يفرق بين من
ذکر رجلا بعینه وبین من لم يذكره. وقد رمى العجلاني زوجته بشريك بن
سحماء، وكذلك هلال بن أمية، فلم يجد واحد منهما. وفيه أن طباع البشر
أن تكون الغيرة تحمل على سفك الدماء، الا ان يعصم الله عن ذلك بالعلم
والتثبت والتقى. وفيه أن العالم إذا کره السؤال، له أن يعيبه وینجه صاحبه.
وفيه ان من لقي شيئا من المكروه بسبب غيره، کان له أن يؤنب ذلك الذي
لقي المكروه بسببه ويعاتبه، لقول عاصم لعويمر: لم تأتني بخير. وفيه أن
المحتاج إلى المسألة من مسائل العلم، لا يردعه عن تفهمها غضب العالم

الطلاق
٥٢٥ _
وكراهيته لها، حتى يقف على الثلج منها، وفيه أن السؤال عما يلزم علمه من
أمر الدين واجب في المحافل وغير المحافل، وأنه لا حياء يلزم فيه: ألا ترى
إلى قوله: فأقبل عویمر حتى أتى رسول الله پام وهو وسط الناس فقال يا
رسول الله، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف
يفعل؟ وفيه أن الملاعنة لا تكون الا عند السلطان، وانها ليست كالطلاق
الذي للرجل أن يوقعه حیث أحب، وهذا ما لا خلاف فيه. وكذلك لا
يختلفون أن اللعان لا يكون الا في المسجد الذي تجمع فيه الجمعة، لأن
رسول الله وَله لا عن بين المتلاعنين المذكورين في المسجد ذكر ذلك ابن
مسعود وغيره في حديث اللعان(١). وقد ذكرنا حديث ابن مسعود وغيره في
باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا. واستحب جماعة من أهل العلم أن
يكون اللعان في الجامع بعد العصر، وفي أي وقت كانت في المسجد الجامع
أجزأ عندهم. وفيه دليل على أن للعالم أن يؤخر الجواب إذا لم يحضره ورجاه
فيما بعد. وفيه أن القرآن لم ينزل جملة واحدة إلى الأرض، وانما كان ينزل به
جبريل عليه السلام سورة، سورة، وآية آية، على حسب حاجة النبي وَلَيار
اليه. وأما نزول القرآن إلى سماء الدنيا، فنزل كله جملة واحدة، على ما روي
عن ابن عباس وغيره في تفسير قول الله عز وجل: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
مُبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: (٣)] قالوا: ليلة القدر، ونزل فيها القرآن جملة واحدة
إلى سماء الدنيا. وفيه أن المتلاعنين يتلاعنان بحضرة الحاكم، خليفة
کان أو غيره، وفي قوله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، دليل على
أن الملاعنة تجب بين كل زوجين، لأنه لم يخص رجلاً من رجل، ولا
امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا السؤال بهذا العموم، فقال:
وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: (٦)] ولم يخص زوجاً من زوج.
(١) حم (١/ ٤٢١-٤٢٢)، م (٢ / ١١٣٣ /١٤٩٥[١٠])، د (٢٢٥٣/٦٨٥/٢)، جه
(٢٠٦٨/٦٦٩/١)، هق(٤٠٥/٧).

فتح البر
-٥٢٦
وهذا موضع اختلف فيه العلماء: فقال الثوري، وأبو حنيفة واصحابه: لا
لعان بين الحر والمملوكة، ولا بين المملوك والحرة، ولا بين المسلم والذمية
الكتابية. ولهم في ذلك حجج لا تقوم على ساق، منها: حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَ له قال: لا لعان بين مملوكين ولا
كافرين(١): وهذا حديث ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به. واحتجوا
من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: ﴿ وَلَمْ
يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، وجب أن لا يلاعن إلَّ من تجوز شهادته،
لا عبدولا كافر، ولا يلاعن عندهم إلاَّ الحر المسلم. وقال مالك وأهل المدينة:
اللعان بين كل زوجين، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد،
(١) أخرجه من رواية عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
مرفوعا بلفظ: ((أربع من النساء لا ملاعنة بينهن: النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم،
والحرة تحت المملوك، والمملوكة تحت الحر)). جه (١/ ٢٠٧١/٦٧٠)، قط (١٦٣/٣ - ١٦٤)،
هق (٣٩٦/٧ و٣٩٧)، قال البوصيري في الزوائد: ((في إسناده عثمان بن عطاء متفق على
تضعیفه)». وله متابعات:
- الأولى: متابعة يزيد بن بزيع عن عطاء الخراساني، أخرجه هق (٣٩٦/٧)، ويزيد بن بزيع
ويقال ابن زريع ضعفه البيهقي وقال: ((وعطاء الخراساني أيضا غير قوي)).
- الثانية: متابعة عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن عمرو بن شعيب به، أخرجه هق (٧/ ٣٩٦)،
قط (٣/ ١٦٢)، وعثمان هذا متروك الحديث، و کذبه ابن معين.
- الثالثة: متابعة عمار بن مطر عن حماد بن عمرو عن زيد بن رفيع عن عمرو بن شعيب به،
أخرجه قط (١٦٤/٣)، حماد بن عمرو وعمار بن مطر وزيد بن رفيع ضعفاء. وأخرجه: هق
(٣٩٧/٧) من طريق عمر بن هارون عن ابن جريج والأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده. وأخرجه أيضا من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
موقوفا به (٣٩٧/٧)، وتعقب هاذين الطريقين بقوله: ((وفي ثبوت هذا موقوفا أيضا نظر فراوي
الأول عمر بن هارون وليس بالقوي، وراوي الثاني يحيى بن أبي أنيسة وهو متروك. وأما الذي
قاله الشافعي على أنه منقطع فلعله نقل إلى الشافعي كما حكاه عمرو بن شعيب عن عبيد الله بن
عمرو، وذلك منقطع لا شك فيه، ولكن من رواه مرفوعا أو موقوفا إنما رواه عن عمرو عن أبيه
عن جده وذلك موصول عند أهل الحديث فقد سمى بعضهم في هذا جده. فقال: عبد الله بن
عمرو، وسماع شعيب بن محمد ابن عبد الله صحيح من جده عبد الله، لكن يجب أن يكون
الإسناد إلى عمرو صحيحا. ولم تصح أسانيد هذا الحديث إلى عمرو، والله أعلم.

الطلاق
٥٢٧ _
وأبي ثور، وداود. والحجة لهم أن اللعان يوجب فسخ النكاح، فأشبه
الطلاق؛ وكل من يجوز طلاقه، يجوز لعانه. واللعان أيمان ليس بشهادة، ولو
كان شهادة ما سوى فيه بين الرجل والمرأة، ولكانت المرأة على النصف من
الرجل، ولا يشهد أحد لنفسه، وقد سمى الله ايمان المنافقين شهادة، بقوله
﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، وقال: ﴿أَتَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ﴾ [المجادلة:
١٦ والمنافقون: ٢]. ومن جهة القياس والنظر محال أن ينتفي عنه ولد الحرة
المسلمة باللعان، ولا ينتفي عنه ولد الأمة والكتابية باللعان. وفيه ان الحاكم
يحضر مع نفسه للتلاعن قوما یشهدون ذلك، الا تری الی قول سهل بن
سعد: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله وَطله. وفي شهود سهل بن سعد
لذلك، دليل على جواز شهود الغلمان والشبان التلاعن مع الكهول
والشیوخ بین یدی الحاکم، لأن سهلا کان يومئذ غلاما.
قال أبو عمر:
ما أدرك سهل بن سعد النبي ◌َّ إلا وهو غلام صغير.
وأخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا
عبید الله بن عمر، قال حدثنا یزید بن زريع، قال حدثنا محمد بن اسحاق،
عن الزهري، قال: قلت لسهل بن سعد: ابن كم أنت يومئذ؟ يعني يوم
المتلاعنين - قال: ابن خمس عشرة سنة(١). وقد احتج بهذا الحديث من قال:
ان الطلاق ثلاثا بكلمة واحدة مباح، لأن رسول الله وم ثقولم ينكر على
العجلاني ان طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة بعد الملاعنة، واختلفوا هل تقع
الثلاث مجتمعات في الطهر للسنة أم لا؟ وسنذكر ذلك في حديث مالك عن
نافع عن ابن عمر - ان شاء الله. واختلف الفقهاء في فرقة المتلاعنين هل
(١) د (٢/ ٦٨٢ و٢٢٤٧/٦٨٤ و٢٢٥١).

فتح البر
: ٥٢٨ :
=
تحتاج إلى طلاق أم لا؟ فقال مالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو قول
زفر بن الهذيل -: إذا فرغا جميعا من اللعان، وقعت الفرقة وان لم يفرق
الحاکم، ثم لا يجتمعان أبدا.
ومن حجتهم في ان للفرقة تأثيرا في التعان المرأة وجوبه عليها، وقياسا
على ان تفاسخ البيع لا يكون الا بتمام تجافيهما جميعاً. وقال أبو حنيفة، وأبو
یوسف، ومحمد بن الحسن، لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان، حتى
يفرق الحاكم بينهما. وهو قول الثوري، لقول ابن عمر: فرق رسول الله وَل
بين المتلاعنين، فأضاف الفرقة اليه لا الى اللعان، ولقوله عليه السلام: لا
سبيل لك عليها(١).
وحجة مالك ان تفريقه چ# انما كان اعلاما منه ان ذلك شأن اللعان.
ومثله قوله: لا سبيل لك عليها.
ومن حجته أيضا انه لما افتقر اللعان الى حضور الحاكم، افتقر الى تفريقه،
كفرقة العنين. وقال الأوزاعي نحو قول مالك، وقال الشافعي: إذا اكمل
الزوج الشهادة والالتعان، فقد زال فراش امرأته، التعنت أو لم تلتعن، قال:
وانما التعان المرأة لدرء الحد لا غير، وليس لالتعانها في زوال الفراش معنى.
ولما كان لعان الزوج ينفي الولد ويسقط الحد، رفع الفراش. وقد ذكرنا
حجته في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا - والحمد لله.
وكل الفقهاء من أهل المدينة وسائر الحجازيين، وأهل الشام، وأهل
الكوفة، يقولون ان اللعان مستغن عن الطلاق، وان حكمه وسنته الفرقة
بين المتلاعنين، وانما اختلافهم الذي قدمنا في ان الحاكم يلزمه ان يفرق
(١) سيأتي تخريجه في الباب نفسه من حديث ابن عمر.

الطلاق
٥٢٩ _
بينهما، الا عثمان البتى في أهل البصرة، فإنه لم ير التلاعن ينقض شيئا من
عصمة الزوجين حتى يطلق، وهو قول لم يتقدمه اليه احد من الصحابة،
على ان البتي قد استحب للملاعن ان يطلق بعد اللعان، ولم يستحبه قبل
ذلك، فدل على ان اللعان عنده قد أحدث حكما.
قال أبو عمر:
معنى قول ابن شهاب في آخر حديث مالك: فكانت سنة المتلاعنين-
یعنی الفرقة بینھما إذا تلاعنا، لا أنه اراد الطلاق، وذلك موجود منصوص
عليه في حديث ابن شهاب، مع ما يعضده من الاصول التي ذكرنا في هذا
الکتاب.
وروی ابن وهب في موطئه قال: أخبرني عياض بن عبد الله الفهری، عن
ابن شهاب، عن سهل بن سعد، ان عويمر بن أشقر الانصارى احد بني
العجلان جاء الى عاصم، فذكر مثل حديث مالك، عن ابن شهاب، عن
سهل، وزاد فيه: وكانت امرأة عويمر حبلى، فأنكر حملها، وكان الغلام
يدعی الی أمه، قال: وجرت السنة في الميراث انه يرثها، وترث عنه ما فرض
الله للأم.
قال ابن شهاب: قال عويمر عن ذلك: ليس بهذا، حقا ان أنا رميت عند
رسول الله ﴾ ﴾ بكذب. قال فمضت السنة في المتلاعنین ان یفرق بينهما، ولا
يجتمعان ابدا.
فهذا نص عن ابن شهاب في ذلك.
وجمهور الفقهاء على انه لا يجوز للملاعن ان يمسكها. ويفرق بينهما،
وقد ثبت عن النبي ◌َّ لّ انه فرق بين المتلاعنين. وحدثني سعيد بن نصر،

فتح البر
٥٣٠
قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا إسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا
حجاج، قال حدثنا همام، قال: حدثنا أيوب، ان سعید بن جبير حدثه عن
ابن عمر، ان رسول الله و الفرق بين اخوي بني العجلان(١).
وروی ابن عیینة عن الزهري عن سهل بن سعد، ان رسول الله یہے فرق
بين المتلاعنين (٢).
وروی مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر، ان رجلا لا عن امرأته في
زمن النبي ◌َّ﴾، وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله وَليقول بينهما، والحق الولد
بأمه(٣). ولم یذکر احد من أصحاب ابن شهاب عنه عن سهل بن سعد في
هذا الحديث، ان رسول الله وّ ﴿ فرق بين المتلاعنين- غير ابن عيينة وحده،
وهو محفوظ من حديث ابن عمر. ويقولون انه لم يقل احد في حديث ابن
عمر وألحق الولد بأمه، إلا مالك بن أنس. وسنذكر حديثه في باب نافع من
كتابنا هذا- ان شاء الله. واختلفوا في الزوج إذا أبى من الالتعان: فقال أبو
حنيفة لا حدَّ عليه، لأن الله جعل على الاجنبي الحد، وعلى الزوج اللعان،
فلما لم ينتقل اللعان إلى الأجنبي، لم ينتقل الحد إلى الزوج، ويسجن أبدا حتى
يلاعن، لان الحدود لا تؤخذ قياسا. وقال مالك والشافعي وجمهور
الفقهاء: ان لم يلتعن الزوج حد، لأن اللعان له براءة، كما الشهود للاجنبي،
وان لم يأت الأجنبي بأربعة شهداء حد، فكذلك الزوج ان لم يلتعن حد.
وجائز عند من احتج بهذه الحجة، القياس في الحدود. وفي حديث العجلاني
ما يدل على ذلك، لقوله: ان سكت، سكت على غيظ، وان قتلت، قتلت،
(١) خ (٩/ ٥٣١١/٥٧٠)، م (١٤٩٣/١١٣٢/٢[٦])، د (٢٢٥٨/٦٩٢/٢)، ن (٣٤٧٤/٤٨٧/٦).
(٢) خ (٨/ ٤٧٤٦/٥٧٤)، م (٢ / ١١٣٠ / ١٤٩٢[٣])، د (٢ / ٦٨٤ /٢٢٥١).
(٣) حم (٢/ ٧ و٣٨ و٦٤ و٧١)، خ (٥٣١٥/٥٧٥/٩)، م (١٤٩٤/١١٣٢/٢[٨])،
د (٢ / ٢٢٥٩/٦٩٣)، ت (١٢٠٣/٥٠٨/٣)، جه (٢٠٦٩/٦٦٩/١)، ن (٣٤٧٧/٤٨٩/٦).

الطلاق
٥٣١
وان نطقت جلدت. وقول رسول الله وَ ليم له: عذاب الدنيا، أهون من
عذاب الآخرة (١). ومن جهة القياس أيضا انه لما لحق الزوجة من العار
بقذف الزوج لها- مثل ما لحق الاجنبية وجبت التسوية بينهما.
واختلفوا هل للزوج ان يلاعن مع شهوده: فقال مالك والشافعي:
يلاعن كان له شهود أو لم يكن، لأن الشهود ليس لهم عمل الا درء الحد،
واما رفع الفراش ونفي الولد، فلا بد فيه من اللعان. وقال أبو حنيفة
وأصحابه: انما جعل اللعان للزوج إذا لم يكن له شهداء غیر نفسه.
واختلفوا إذا أكذب نفسه الملاعن، هل له ان يراجعها إذا جلد الحد:
فأجاز ذلك حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، قالوا:
يكون خاطبا من الخطاب. وقال مالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن
حي، والليث بن سعد، والشافعي، وأبو يوسف، وزفر، وأحمد، واسحاق،
وأبو ثور، وأبو عبيد: لا يجتمعان ابدا سواء أكذب نفسه، أو لم يكذبها،
ولکنه ان اکذب نفسه، جلد الحد، و لحق به الولد، ولا يجتمعان ابدا. وروي
ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وبه قال
أكثر علماء التابعين بالمدينة. وروي مثل قول أبي حنيفة في هذه المسألة، عن
سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، وابن شهاب- على اختلاف
عن إبراهيم وابن شهاب في ذلك، لأنه قد روي عنهما ان المتلاعنين، لا
يتناكحان أبدا. وكذلك قال الحسن البصري، وقال الشعبي والضحاك: إذا
أكذب نفسه، جلد الحد وردت اليه امرأته، وهذا عندي- قول ثالث خلاف
من قال يكون خاطبا من الخطاب، وخلاف من قال لا يجتمعان أبدا.
(١) هو جزء من حديث طويل، من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر، أخرجه مطولا: حم (١٩/٢
و٤٢)، خ (٥٣١١/٥٧٠/٩)، م (١٤٩٣/١١٣٠/٢[٤])، ت (١١٠٢/٥٠٦/٣) حب:
الإحسان (١١٩/١٠ - ٤٢٨٦/١٢٠).

فتح البر
٥٣٢٠
قال أبو عمر:
التلاعن يقتضي التباعد، فإذا حصلا متباعدين، لم يجز لهما ان يجتمعا أبدا،
وقد قال رسول الله وَّطاهر: لا سبيل لك عليها. وفي قوله هذا، اعلام ان الفرقة
تقع باللعان، وان السبيل عنها مرتفعة، لأن قوله: لا سبيل لك عليها مطلق
غير مقيد بشيء.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: فرق
رسول الله (گآێ بین المتلاعنین، وقال: حسابكما على الله، احدکما كاذب، لا
سبیل لك علیھا، قال یا رسول الله: مالي؟ قال لا مال لك، ان كنت صادقا
فهو بما استحللت من فرجها، وان كنت كذبت، فهو أبعد لك(١). وقال
بعض أصحابنا- وهو الابهري: ومن جهة المعنى، فانما عوقب الملاعن بمنع
التراجع، لما أدخل من الشبهة في النسب، كما عوقب القاتل عمدا ان لا
يرث. واحتج أيضا لمذهب مالك في النكاح في العدة: انه يفرق بينهما، ولا
يتناكحان أبدا بمنع المتلاعنين من ذلك عقوبة لهما، لما قطعا من نسب الولد،
ولم يتصادقا فيه. قال فكذلك المتزوج في العدة، لما ادخل الشبهة في النسب،
عوقب بالمنع من الاجتماع، ورفع فراشهما لأنه أفرش غير فراشه.
قال أبو عمر:
الأصول عند أهل العلم مستغنية عن الاحتجاج لها، والزاني قد افترش
غير فراشه، ولم يمنع من النكاح بعد الاستبراء. ولأهل العلم في هذه المسألة
(١) حم (٢/ ١١)، خ (٩ / ٥٣١٢/٥٧٢)، م (٢/ ١٤٩٣/١١٣١[٥])، د (٢٢٥٧/٦٩٢/٢)،
ن(٦/ ٤٨٨ /٣٤٧٦)، هق (٧/ ٤٠١ و٤٠٤ و ٤٠٩).

الطلاق
٥٣٣-١
أقوال واعتلال ليس هذا موضع ذكر ذلك. وقول مالك في مسألة الناكح في
العدة، هو مذهب عمر بن الخطاب. وقد روي عن علي، وابن مسعود، في
المتلاعنين مثل ذلك، ولا مخالف لهم من الصحابة. ومن حجة أبي حنيفة
ومن ذهب مذهبه في هذه المسألة، عموم قول الله عز وجل: ﴿وَأُحِلَّ
لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: (٢٤)]، فلما لم يجمعوا على تحريمها،
دخلت تحت عموم الآية. ومن جهة النظر، لما لحق الولد، وجب أن
يعود الفراش، لأن كل واحد منهما يقتضيه عقد النكاح ويوجبه .
قال أبو عمر:
ذكر إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب في هذا الحديث عن سهل بن
سعد، ان المرأة كانت حاملا، وانها جاءت بعد ذلك بولد. وتابعه على ذلك
ابن جريج، فقال في درج حديثه عن ابن شهاب عن سهل: ان النبي وَل
قال: ان جاءت به أحمر قصیرا کأنه وحرة، فلا أراها الا قد صدقت، و کذب
عليها، وان جاءت به أسود أعين ذا أليتين، فلا أراها الا قد صدق عليها،
فجاءت به على المكروه من ذلك. فقال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت
السنة بعدهما ان یفرق بین المتلاعنین، وكانت حاملا، و کان ابنها يدعی
لأمه. قال: ثم جرت السنة انه يرثها وترث منه ما فرض الله لها( ١). وسنذكر
هذا المعنى بما فيه للعلماء من التنازع في باب نافع عن ابن عمر، لأنه أولى به،
لقول ابن عمر في حديثه: وانتفی من ولدها. ولیس للحمل ولا للولد، ذکر
في حديث مالك عن ابن شهاب هذا، فلذلك أخرناه الى باب نافع - ان شاء
الله. وأما كيفية اللعان، فإن ابن القاسم ذكر - عن مالك أنه يحلف أربع
(١) خ (٨/ ٤٧٤٥/٥٧٣)، م (٢/ ١١٣٠/ ١٤٩٢[٢-٣])، د(٢/ ٦٨٢-٢٢٤٨/٦٨٥ و ٢٢٥٢)،
جه (١/ ٦٦٧ / ٢٠٦٦).

فتح البر
= ٥٣٤
شهادات - يريد أربع ايمان، يقول: أشهد بالله لرأيتها تزنى، وان نفى حملها
زاد: ولقد استبريتها وما الحمل مني، يقول ذلك أربع مرات، والخامسة
لعنة الله علي ان كنت من الكاذبين. ثم تقوم هي فتقول: أشهد بالله ما رآني
أزني، وان حملي لمنه، تقول ذلك أربع مرات، والخامسة غضب الله عليها ان
كان من الصادقين. وقد ذكرنا كيفية اللعان في نفي الحمل عن مالك
وأصحابه في باب نافع من كتابنا هذا. وكان مالك يقول: لا يلاعن الا أن
يقول رأيتك تزني، أو ينفي حملا أو ولدا منها، قال: والأعمى يلاعن إذا
قذف. وقول أبي الزناد، ویحیی بن سعید، والليث بن سعد، والبتي، مثل
قول مالك: إن الملاعنة لا تجب بالقذف، وانما تجب بادعاء الرؤية، أو نفي
الحمل مع دعوى الاستبراء. وعندهم انه إذا قال لزوجته: يا زانية، جلد
الحد، والحجة لهذا القول قائمة من الآثار، فمنها: حديث مالك هذا، عن
ابن شهاب، عن سهل بن سعد: قوله فيه أرأيت رجلا وجد مع امرأته
رجلا؟.
و کذلك ما حدثنا عبد الوارث بن سفیان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا إسماعيل بن
أبي أويس، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني
عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد عن ابن عباس، انه ذكر
المتلاعنان عند رسول الله وَله، فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم
انصرف، فأتاه رجل من قومه فذكر انه وجد مع امرأته رجلا - وذکر
الحديث(١).
(١) خ (٩/ ٥٣١٦/٥٧٦)، م (١٤٩٧/١١٣٤/٢[١٢])، ن (٣٤٧٠/٤٨٥/٦).

الطلاق
٥٣٥ _
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا الحسن بن علي، قال حدثنا يزيد بن هرون، قال أنبأنا عباد بن
منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء هلال بن أمية- وهو احد
الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله
رجلا، فرأی بعینه وسمع بأذنه، فلم یہجه حتى أصبح، ثم غدا على رسول
الله ټ﴾، فقال يا رسول الله، اني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندهم رجلا،
فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله ما جاء به واشتد عليه،
فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: (٦)]
الآيتين كلتيهما، فسري عن رسول الله وَله، فقال: أبشر يا هلال، فقد
جعل الله لك مخرجا- وذكر الحديث بطوله(١). وروى جرير بن حازم، عن
أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قذف هلال بن أمية امر أته، قيل
له: والله ليجلدنك رسول الله و اليه ثمانين، فقال: الله أعدل من أن يضربني-
وقد علم اني رأیت حتى استبنت، وسمعت حتى استيقنت، فنزلت آية
الملاعنة. فهذه الآثار كلها تدل على ان الملاعنة التي قضى بها رسول الله
وَّة، انما كانت بالرؤية، فلا يجب ان تتعدى ذلك، ومن قذف امرأته ولم
يذكر رؤية، حد بعموم قوله: ﴿ وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية. ومن جهة
النظر، فإن ذلك قياس على الشهود، ولأن المعنى في اللعان، إنما هو من
أجل النسب، ولا يصح ارتفاعه إلاّ بالرؤية أو نفي الولد، فلهذا قالوا: إن
القذف المجردلا لعان فيه، وفيه الحد -لعموم قول الله عز وجل: ﴿ وَاُلَّذِينَ
يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤]. وقياساً على الشهادة التي لا تصح إلاّ برؤية-والله
(١) د(٢٢٥٦/٦٨٨/٢)، حم (٢٣٨/١)، هق (٣٩٤/٧-٣٩٥) وذكره الهيثمي في المجمع
(١٥/٥) وقال: ((حديث ابن عباس في الصحيح باختصار. وقد رواه أبو يعلى والسياق له وأحمد
باختصار عنه، ومداره علی عباد بن منصور وهو ضعيف».

فتح البر
١= ٣٦
أعلم. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل،
وداود، وأصحابهم: إذا قال لها يا زانية، وجب اللعان، ان لم يأت بأربعة
شهداء، وسواء عندهم قال: یا زانیة، أو رأيتك تزنین، أو زنیت، وهو قول
جمهور العلماء وعامة الفقهاء، وجماعة أصحاب الحديث، وقد روي أيضا
عن مالك مثل ذلك.
وحجتهم أن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: (٦)]، كما
قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: (٤)]، ولم يقل في واحدة منهما
برؤية ولا بغیر رؤية، وسوی بین الرميين بلفظ واحد، فمن قذف محصنة
غير زوجته ولم يأت بأربعة شهداء، جلد الحد، ومن قذف زوجته ولم يأت
بأربعة شهداء لاعن، فإن لم يلاعن حد. وقد أجمعوا ان الاعمى يلاعن إذا
قذف امرأته، ولو كانت الرؤية من شرط اللعان، ما لا عن الاعمى، ولهم في
هذا حجج يطول ذكرها. واختلفوا في ملاعنة الاخرس، فقال مالك،
والشافعي: يلاعن، لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وايلاؤه إذا فهم ذلك
عنه، ویصح یمینه للمدعى عليه. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن، لأنه ليس من
أهل الشهادة، ولأنه قد ينطلق لسانه فينكر اللعان، فلا يمكننا اقامة الحد
عليه. وقال الشافعي: يقول الملاعن: أشهد بالله اني لمن الصادقين فيما رميت
به زوجتي فلانة بنت فلان، ويشير اليها ان كانت حاضرة، يقول: ذلك
أربع مرات، ثم يقعده الإمام ويذكره الله، ويقول له اني أخاف ان لم تكن
صدقت، ان تبوء بلعنة الله، فإن رآه يريد أن يمضي على ذلك، أمر من يضع
يده على فيه، ويقول: ان قولك: وعلي لعنة الله ان كنت من الكاذبين، موجبة
ان كنت كاذبا، فإن أبى تركه يقول: ولعنة الله علي ان كنت من الكاذبين-
فیما رمیت به فلانة من الزنا.

الطلاق
٥٣٧!
قال أبو عمر:
اخذ الشافعي هذا من حديث سفيان بن عيينة، عن عاصم بن کلیب،
عن أبيه عن ابن عباس، ان رسول الله وَ له أمر رجلا - حيث أمر المتلاعنين
ان يتلاعنا - ان يضع يده على فيه عند الخامسة، يقول: انها موجبة (١).
(١) د(٢/ ٢٢٥٥/٦٨٨)، ن (٢٤٧٢/٤٨٦/٦).

٥٣٨
=
فتح البر
باب منه
[٦] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلا لا عن امرأته في زمن رسول الله وَل
وانتفل من ولدها، ففرق رسول الله وَ لهم بينهما، وألحق الولد بالمرأة(١).
هكذا قال: وانتفل من ولدها، وأكثرهم يقولون: وانتفى من ولدها -
والمعنى واحد، وربما لم يذكر بعضهم فيه انتفى ولا انتفل، واقتصر على
الفرقة بين المتلاعنین، وإلحاق الولد بأمه، فهذه فائدة حديث ابن عمر هذا.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن الحسين بن اسحاق الرازي، وأبو
أحمد الحسین بن جعفر الزیات، قالا حدثنا یوسف بن یزید، قال حدثنا
سعید بن منصور، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرق رسول
الله وَلَه بين المتلاعنين، وألحق الولد بأمه(١). وقد قال قوم في هذا الحديث
عن مالك ان الرجل قذف امرأته- وليس هذا في الموطأ، ولا يعرف من
مذهبه.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي، حدثنا
ابن الاعرابي، حدثنا إبراهيم بن راشد، حدثنا أبو عاصم بن مهجع خال
مسدد، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ان رجلا انتفى من ولده،
وقذف امرأته، فلاعن رسول الله وَ له بينهما، وألحق الولد بأمه(١).
وحدثنا خلف، حدثنا محمد بن عبد الله القاضي، حدثنا البغوي، حدثنا
جدي، حدثنا یحیی بن أبي زائدة، والحسن بن سوار، قالا حدثنا مالك، عن
(١) حم: (٧/٢ و٣٨ و٦٤ و٧١)، خ: (٥٣١٥/٥٧٥/٩)، م: (١٤٩٤/١١٣٢/٢[٨])، د:
(٢٢٥٩/٦٩٣/٢)، ت: (١٢٠٣/٥٠٨/٣)، ن: (٣٤٧٧/٤٨٩/٦)، جه:
(٢٠٦٩/٦٦٩/١)، البغوي (٢٣٦٨/٢٥٧/٩)، حب: (الإحسان: (٤٢٨٨/١٢٢/١٠).

الطلاق
٥٣٩ !
نافع، عن ابن عمر، ان رجلا انتفى من ولده، وقذف امرأته، فلاعن رسول
الله ◌َلّه بينهما، وألحق الولد بأمه(١).
وأما قوله ففرق رسول الله پڑ بينهما، فهو - عندي- محفوظ من حديث
ابن عمر صحیح.
وقال ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، ان رسول الله وَل
فرق بين المتلاعنين(١)، وأنكروه على ابن عيينة في حديث ابن شهاب عن
سهل، وقد ذکرنا ذلك في باب ابن شهاب عن سهل بن سعد- من کتابنا
هذا. وقد کان ابن معين يقول في ذلك: ما حدثنا به عبد الوارث بن سفيان،
قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهیر، قال: سئل یحیی بن
معين عن حديث ابن عيينة، وأن النبي وَ ل فرق بينهما، فقال: أخطأ، ليس
النبي ﴾ فرق بينهما. هكذا ذكره ابن أبي خيثمة في التاريخ عن ابن معين،
فإن صح هذا، ولم يكن فيه وهم - فالوجه فيه ان يحمل كلام ابن معين على
ان ليس النبي عليه السلام فرق بينهما من حديث ابن شهاب عن سهل بن
سعد.
وأما ظاهر كلام ابن معين، فإنه يوجب ان النبي ◌َّ- لم يفرق بين
المتلاعنین، وهذا خطأ من ابن معین، ان كان أراده، لأنه قد صح عن ابن
عمر من حديث مالك وغيره ان النبي ◌ّ ي فرق بين المتلاعنین، وقد يحتمل
ان یکون اراد بقوله: ليس النبي ◌ّار فرق بينهما، اي ان اللعان فرق بينهما،
فإن كان اراد هذا، فهو مذهب مالك وأكثر أهل العلم، وقد ذكرنا هذا
المعنى في باب ابن شهاب عن سهل بن سعد من كتابنا هذا.
(١) د: (٦٨٢/٢ و٢٢٤٧/٦٨٤ و٢٢٥١).

فتح البر
٥٤٠
-
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن شاذان، قال: حدثني معلى، قال حدثنا سفيان، عن الزهري، سمع
سهل بن سعد يقول: شهدت النبي ◌ُ 98 وكنت ابن خمس عشرة سنة - فرق
بين المتلاعنين(١).
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا مسدد، ووهب بن بيان، وأحمد بن عمرو بن السرح، وعمرو بن
عثمان، قالوا حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سهل بن سعد، قال مسدد،
قال شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله وَ لي وأنا ابن خمس عشرة سنة
ففرق بينهما رسول الله وَلي (١).
وقال آخرون: انه شهد النبي عليه السلام فرق بين المتلاعنين، فقال
الرجل: كذبت عليها يا رسول الله ان أمسكتها وبعضهم: لم يقل عليها.
قال أبو داود: ولم يتابع احد ابن عيينة على قوله: انه فرق بين المتلاعنين.
قال أبو عمر: معنى قول أبي داود هذا عندي انه لم يتابعه احد على ذلك
في حديث ابن شهاب عن سهل بن سعد، لأن ذلك محفوظ في حديث ابن
عمر من وجوه ثابتة، واظن ابن عيينة اختلط عليه لفظ حديثه عن ابن
شهاب عن سهل بن سعد بلفظ حدیثه عن عمرو بن دینار، عن سعید بن
جبیر، عن ابن عمر.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا إسماعیل یعني ابن علیة، قال حدثنا
أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته، فقال:
(١) انظر الذي قبله.