النص المفهرس

صفحات 461-480

العشرة وحسن الخلق
٤٦١ -
وروى ابن علية عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: ظلم
لأخيك المسلم أن تقول أسوأ ما تعلم فيه.
وعن الحسن البصري أنه سأله رجل فقال: يا أبا سعيد، اغتبت فلانا وأنا
أريد أن أستحله؟ فقال: لم يكفك أن اغتبته حتى تريد أن تبهته.
وعن قتيبة بن مسلم أنه سمع رجلا يغتاب آخر فقال: أمسك عليك،
فوالله لقد مضغت مضغة طالما لفظها الكرام.
وعن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لابنه عمرو: إياك واستماع الغيبة، نزه
سمعك عن الخنا، كما تنزه لسانك عن البذا؛ فإن المستمع شريك القائل،
وإنما نظر إلى أخبث ما يكون في وعائه، فألقاها في وعائك؛ ولقد أحسن
القائل:
وعد عن الموضع المشتبه
تحر من الطرق أو ساطها
ـح كصون اللسان عن القول به
وسمعك صن عن سماع القبيـ
ـح شريك لقائله فانتبه
فإنك عند استماع القبيـ
وهذا مأخوذ من قول كعب بن زهير والله أعلم:
فالسامع مع الذم شريك له ومطعم المأكول كالآكل
وكان أبو حازم يقول: أربح التجارة ذكر الله، وأخسر التجارة ذكر الناس
يعني بالشر: وهذا باب يحتمل أن يفرد له كتاب، وقد أكثر العلماء والحكماء
من ذم الغيبة والمغتاب، وذم النميمة والنمام؛ وجاء عنهم في ذلك من نظم
الكلام ونثره ما يطول ذكره، ومن وفق كفاه من الحكمة يسيرها إذا
استعملها، وما توفيقي إلا بالله، وقد ذكرنا في بهجة المجالس في باب الغيبة
من النظم والنثر ما فيه كفاية والحمد لله.

=٤٦٢
فتح البر
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول القائل:
إن شر الناس من يشكر لي
حين يلقاني وإن غبت شتم
ـه
ويحييني إذا لاقيتـ
وإذا يخلو له لحمي كدم
وكلام سيء قد وقرت
منه أذناي وما بي من صمم
لا يراني راتعا في مجلس
في لحوم الناس كالسبع الضرم
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله
الشافعي ببغداد إملاء یوم الجمعة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، قال حدثنا
عبد الله بن روح المدائني، قال حدثنا شبابة بن سوار، قال حدثنا المغيرة بن
مسلم، عن يحيى البكاء، قال: كنت عند ابن عمر فجاءه رجل فوقع في
الحجاج وشتمه؛ فقال ابن عمر: أرأيت لو كان شاهدا أكنت تقول هذا؟
فقال: لا، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله وَليهِ(١).
(١) طب في الكبير (٣٣١/١٢ و١٣٢٦٥/٤٢٠ و١٣٥٤٨) وأسانيده معلولة. وفي سند ابن عبد
البر یجیی البكاء وهو ضعيف، انظر تهذيب الكمال (٣١/ ٥٣٣).

٥٤ - كتاب الطلاق

الطلاق
:٤٦٥
ما جاء في طلاق السنة
[١] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، انه طلق امرأته وهي حائض على عهد
رسول الله وَ له؛ فسأل عمر رسول الله وَّله عن ذلك، فقال رسول الله وَّلل مره
فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر؛ ثم إن شاء امسك، وإن
شاء طلق قبل ان يمس؛ فتلك العدة التي امر الله ان يطلق لها النساء(١).
هذا حديث مجتمع على صحته من جهة النقل، ولم يختلف ايضا في ألفاظه
عن نافع؛ وقد رواه عنه جماعة اصحابه، کما رواه مالك سواء؛ قالوا فيه،
حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق قبل أن يجامع، وإن شاء
أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء.
وممن قال ذلك أيوب، وعبيد الله بن عمر، وابن جريج، والليث بن
سعد، ومحمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد؛ كلهم عن نافع، عن ابن عمر؛
وكذلك رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر؛ لم يختلفوا ايضا عليه فيه مثل
رواية نافع سواء حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، الحديث.
وكذلك رواه عطاء الخراساني، عن الحسن، عن ابن عمر سواء مثل
رواية نافع، والزهري قاله ابو داود.
قال ابو عمر: وكذلك رواه علقمة، عن ابن عمر؛ ورواه یونس بن جبیر،
وعبد الرحمن بن أیمن، وأنس بن سیرین، وسعيد بن جبير، وزید بن أسلم،
وأبو الزبير، كلهم عن ابن عمر بمعنى واحد ان النبي عليه السلام أمره أن
يراجعها، حتى تطهر؛ ثم إن شاء طلق، وان شاء امسك لم يذكروا: ثم
تحیض، ثم تطهر.
(١) خ (٩/ ٥٢٥١/٤٣٣)، م (٢/ ١٤٧١/١٠٩٣)، د (٢١٧٩/٦٣٢/٢)، ن(٤٤٨/٦-٤٤٩/
٣٣٩٠)، جه (١/ ٢٠١٩/٦٥١).

فتح البر
= ٤٦٦
قال أبوداود، وكذلك رواه عن أبي وائل، عن ابن عمر وكذلك أيضا
رواه محمد بن عبد الرحمن، عن سالم، عن ابن عمر، إلا انه زاد ذكر الحامل؛
وذهب الى هذا طائفة من العلم، منهم ابو حنيفة، وبه قال المزني؛ قالوا: انما
امر المطلق في الحيض بالمراجعة، لأنه كان طلاقا خطأ؛ فأمر ان يراجعها،
ليخرجها من أسباب الطلاق الخطأ، ثم يتركها حتى تطهر من تلك الحيضة،
ثم يطلقها طلاقا صوابا ان شاء طلاقها؛ ولم يروا للحيضة الأخرى بعد
ذلك معنی علی ظاهر ما روی هؤلاء.
قال أبو عمر: للحيضة الثانية والطهر الثاني وجوه عند أهل العلم، منها
ان المراجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء.
لأنه المبتغى من النكاح في الأغلب؛ فكان ذلك الطهر موضعا للوطء
الذي تستيقن به المراجعة، فإذا مسها، لم يكن له سبيل إلى طلاقها في طهر قد
مسها فيه؛ لقول رسول الله وَ له: وان شاء طلق قبل أن يمس، ولإجماعهم
على ان المطلق في طهر قد مس فيه، ليس بمطلق للعدة كما أمر الله سبحانه؛
فقيل له: دعها حتى تحيض أخرى ثم تطهر، ثم طلق إن شئت قبل أن تمس؛
وقد جاء هذا المعنى منصوصا في هذا الحديث، حدثناه عبد الورث بن
سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إبراهيم بن عبدالرحيم، قال
حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر،
قال حدثني نافع، ومحمد بن قيس، عن عبدالله بن عمر، انه طلق امرأته
وهي في دمها حائض، فأمره رسول الله وسط ﴿ أن يراجعها؛ فإذا طهرت،
مسها؛ حتى إذا طهرت أخرى، فان شاء طلقها، وإن شاء أمسكها؛ وقد قال
بعض أصحابنا: ان الذي يمس في الطهر، انما نهي عن الطلاق فيه، لأنها لا
تدري أعدة حامل تعتد أم عدة حائل؟.

الطلاق
٤٦٧ =
قال أبو عمر: قد جاء في هذا خبر كفانا انتحال التعليل والنظر، ذكره
عبد الرزاق، عن عمه وهب بن نافع، قال حدثني عكرمة، عن ابن عباس،
انه سمعه يقول الطلاق الحلال: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، أو يطلقها
حاملا مستبين حملها؛ وأما الطلاق الحرام، فأن يطلقها حائضا، او يطلقها
حين يجامعها، فلا تدري أيشتمل الرحم على ولد أم لا(١)؟ وأما الطلاق،
فقد قيل فيه ما ذكرنا؛ وقيل إن المطلق في الحيض، إنما أمر بالمراجعة ليستباح
بالرجعة طلاق السنة؛ فإذا لم يحقق الرجعة بالوطء، لم يكن لها معنى؛ وقيل
إنما نهي عن الطلاق في الحيض، لئلا تطول عدة المرأة؛ وأمره بمراجعتها،
لوقوع طلاقه فاسدا؛ ثم لم يجز أن يباح له طلاقها في الطهر الذي يلي تلك
الحيضة، لأنه لو أبيح له أن يطلقها إذا طهرت من تلك الحيضة كانت في
معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت تبني على عدتها الأولى؛ فأراد الله أن
ينقطع حكم الطلاق الاول بالوطء، فإذا وطئها في الطهر، لم يتهيأ له أن
يطلقها فیه حتى تحیض ثم تطهر؛ فإذا طلقها بعد ذلك، استأنفت عدتها من
ذلك الوقت ولم تبن؛ وقيل إنه لما طلق في وقت لم یکن له أن يطلق فیه، أدب
بأن منع الطلاق في وقت کان له ان یوقعه فیه.
وقد قيل إن الطهر الثاني جعل للإصلاح الذي قال الله عز وجل:
وَيُعُولَئُنَّ أَحَقُّ بِرَوِّهِنَ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: (٢٢٨)].
لأن حق المرتجع أن لا يرتجع رجعة ضرر، لقوله: ﴿وَلَا تُسِكُهُنَّ
ضِرَارًا﴾ [البقرة: (٢٣١)].
قالوا: فالطهر الاول جعل للإصلاح وهو الوطء، ثم لم يجز أن يطلق في
طهر وطى فيه لما ذكرنا؛ وقد قيل إنه لو أبيح له أن يطلقها بعد الطهر من
(١) عبد الرزاق (١٠٩٣٠/٣٠٣/٦)، هق في السنن الكبرى (٣٢٥/٧).

فتح البر
-٤٦٨
تلك الحيضة، كان كأنه قد أمر بأن يراجعها ليطلقها؛ فأشبه النكاح إلى
أجل، ونكاح المتعة، فلم يجعل له ذلك حتى يطأ؛ هذا كله مذهب
الحجازيين الذين يذهبون إلى ان الأقراء: الأطهار، وفي هذه المسألة وجوه
كثيرة، واعتلالات للمخالفین یطول ذكرها.
واستدل قوم على أن الطلاق للعدة والسنة یکون ثلاثا مفترقات بهذا
الحديث، قالوا: طلاق السنة أن يكون بين كل تطليقتين حيضة؛ لقوله: ثم
تحيض ثم تطهر، ثم ان شاء طلق؛ وكانوا يستحبون ان يطلق الرجل امرأته
في كل طهر تطليقة، وسنذكر ما للعلماء في كيفية الطلاق للسنة، وما أجمعوا
عليه من ذلك، وما اختلفوا فيه منه في هذا الباب ان شاء الله.
وفي هذا الحديث من الفقه ان الطلاق مباح، لأن رسول الله وَليقول إنما كره
له ذلك الطلاق، لانه طلق امرأته في الحيض، فأمره بمراجعتها من ذلك؛
والمطلق في الحيض، مطلق لغير العدة والله عز وجل يقول: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ﴾ [الطلاق: (١)] وقرىء (فطلقوهن لقبل عدتهن)
وكذلك كان يقرأ ابن عمر وغيره؛ ولو طلقها لعدتها في طهر لم يمسها فيه،
لم يكره له ذلك؛ ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث: ثم إن شاء طلق، وان
شاء أمسك؛ وهذا غاية في الاباحة، والقرآن ورد بإباحة الطلاق؛ وطلق
رسول الله گآپڼ بعض نسائه وهو أمر لا خلاف فيه.
وفيه ان الطلاق في الحیض مكروه، وفاعله عاص لله عز وجل إذا كان
عالما بالنهي عنه؛ والدليل على انه مكروه وان كان شيئا لا خلاف فيه ايضا
والحمد لله، تغيظ رسول الله ﴾ ﴿ على ابن عمر حین طلق امرأته حائضا.
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا ابو داود، حدثنا
أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال اخبرني

الطلاق
WITH = ٤٦٩
سالم بن عبد الله، عن أبيه، أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر
لرسول الله وَ لا فتغيظ رسول الله، ثم قال: مره فليراجعها؛ ثم ليمسكها
حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، ثم ان شاء طلقها طاهرا قبل أن يمسها، فذلك
الطلاق للعدة كما أمره الله(١).
وفيه ان الطلاق في الحيض لازم لمن أوقعه وان كان فاعله قد فعل ما كره
له، اذ ترك وجه الطلاق وسنته؛ والدليل على ان الطلاق لازم في الحيض،
أمر رسول الله وَلو ابن عمر بمراجعة امرأته إذ طلقها حائضا، والمراجعة لا
تكون إلا بعد لزوم الطلاق؛ ولو لم يكن الطلاق في الحيض واقعا ولا
لازما، ما قال له: راجعها؛ لأن من لم يطلق ولم يقع عليها طلاق، لا يقال
فيه راجعها؛ لأنه محال أن يقال لرجل امرأته في عصمته لم يفارقها: راجعها؛
ألا ترى إلى قول الله عز وجل: في المطلقات ((وبعولتهن أحق بردهن في
ذلك)) ولم يقل هذا في الزوجات اللاتي لم يلحقهن الطلاق؛ وعلى هذا جماعة
فقهاء الامصار، وجمهور علماء المسلمين وان كان الطلاق عند جميعهم في
الحيض بدعة غير سنة، فهو لا زم عند جميعهم: ولا مخالف في ذلك الا أهل
البدع والضلال والجهل، فانهم يقولون: إن الطلاق لغير السنة غير واقع
ولا لازم؛ وروي مثل ذلك عن بعض التابعين، وهو شذوذ لم يعرج عليه
أهل العلم من أهل الفقه والأثر في شيء من امصار المسلمين لما ذكرنا؛ ولأن
ابن عمر الذي عرضت له القضية، احتسب بذلك الطلاق وافتی بذلك،
وهو ممن لا يدفع علمه بقصة نفسه؛ ومن جهة النظر، قد علمنا ان الطلاق
ليس من الاعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، فلا تقع الا على حسب
سنتها، وانما هو زوال عصمة فيها حق لآدمي، فكيفما أوقعه وقع؛ فإن أوقعه
(١) خ (١٣/ ٧١٦٠/١٧٠)، م (١٤٧١/١٠٩٥/٢[٤])، د (٦٣٤/٢-٢١٨٢/٦٣٥)، ت
(١١٧٦/٤٧٩/٣)، ن (٣٣٩١/٤٤٩/٦)، جه (٢٠٢٣/٦٥٢/١).

فتح البر
١| ٤٧٠
لسنة، هدي ولم يأثم؛ وان أوقعه على غير ذلك، أثم ولزمه ذلك، ومحال أن
يلزم المطيع ولا يلزم العاصي؛ ولو لزم المطيع الموقع له الا على سنته ولم يلزم
العاصي، لكان العاصي اخف حالا من المطيع؛ وقد احتج قوم من أهل
العلم بأن الطلاقٍ في الحيض لازم، لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ
اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: (١)] یرید أنه عصى ربه وفارق امرأته، وحسبك
بابن عمر، فقد أنكر على من ظن أنه لا يحتسب بالطلاق في الحيض: حدثنا
سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا إسماعيل بن إسحاق، ومحمد بن الهيثم أبو الأحوص، قالا حدثنا
سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، وسلمة بن علقمة، عن محمد،
عن أبي غلاب، قال سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهي حائض
فقال: تعرف عبد الله بن عمر؟ فإنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر
النبي ټ ژ عن ذلك، فأمره ان يراجعها؛ قلت: اتحتسب بها؟ قال فمه ان
عجز واستحمق؟ ومحمد هذا، هو محمد بن سیرین، وأبو غلاب هذا، هو
يونس بن جبير(١): حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم
ابن أصبغ حدثھم، قال بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد بن
زید، عن أيوب، عن محمد بن سیرین، عن يونس بن جبير، قال: سألت ابن
عمر: قلت رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: تعرف ابن عمر؟ فإنه
طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ◌َّله فأمره أن يراجعها؛ قلت:
فتعتد بتلك الطلقة؟ قال: فمه! أرأيت إن عجز واستحمق(٢)؟ هكذا قال
مسدد: عن حماد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين لم يذكر سلمة بن علقمة.
(١) خ (٥٢٥٢/٤٤٠/٩) مختصرا. م (١٤٧١/١٠٩٦/٢[١٠٠٠٧])، د (٦٣٥/٢ -٦٣٦/
٢١٨٤)، ت(١١٧٥/٤٧٨/٣)، ن (٣٣٩٩/٤٥٢/٦)، جه (٢٠٢٢/٦٥١/١).
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

الطلاق
٤٧١ _
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا القعنبي، قال حدثنا یزید بن إبراهيم، عن محمد بن سیرین، قال
حدثني يونس بن جبير، قال سألت عبد الله بن عمر، قال: قلت: رجل طلق
امرأته وهي حائض؟ فقال: تعرف عبد الله بن عمر؟ قال قلت نعم، قال:
فإن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر الى رسول الله وَلهم
فسأله، فقال مره فليراجعها، ثم ليطلقها في قبل عدتها؛ قال: قلت: فتعتد
بها؟ قال: فمه! أرأيت إن عجز واستحمق(١)؟.
أخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
أبو قلابة، قال حدثنا بشر بن عمر، قال حدثنا شعبة، عن أنس بن سیرین،
عن ابن عمر، قال: طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي عليه
السلام فقال له النبي ◌ّي مره فليراجعها، ثم ليطلقها إن شاء؛ فقال: أنس:
أتعتد بتلك الطلقة؟ قال نعم(٢). وقد سمع هذا الحدیث أنس بن سیرین من
ابن عمر ولم یسمعه منه محمد بن سیرین:
حدثنا خلف بن سعید، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أحمد بن خالد،
حدثنا علي بن عبد العزيز؛ وحدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن إجازة،
قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع، قال حدثنا علي بن عبد العزیز، حدثنا
حجاج بن منهال، قال حدثنا شعبة، قال أخبرني أنس بن سیرین، قال
سمعت ابن عمر يقول: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر ذلك
عمر لرسول الله وَإليه فقال: ليراجعها، فإذا طهرت، فليطلقها؛ قال: قلت:
أفتحتسب بها؟ قال: فمه(٣) !.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) خ (٥٢٥٢/٤٤٠/٩)، م (١٠٩٧/٢/ ١٤٧١[١١-١٢]).
(٣) سبق تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
=٤٧٢
ومعنى قوله هذا: فمه، أرأيت إن عجز أو استحمق؟ أي فأي شيء
يكون إذا لم يعتد بها إنكارا منه لقول أنس أفتعتد بها؟ فكأنه والله أعلم قال:
وهل من ذلك بد: أن تعتد بها؟ أرأيت لو عجز؟ بمعنى تعاجز عن فرض
آخر من فرائض الله فلم يقمه، أو استحمق فلم يأت به، أکان یعذر فيه؟
ونحو هذا من القول والمعنى؛ والدليل على أنه قد اعتد بها ورآها لازمة له،
أنه كان يفتي أن من طلق امرأته ثلاثا في الحيض، لم تحل له؛ ولو جاز أن
تكون الطلقة الواحدة في الحيض لا يعتد بها، لكانت الثلاث أيضا لا يعتد
بها؛ وهذا ما لا إشكال فيه عند کل ذي فهم:
أخبرنا أحمد بن محمد، وخلف بن أحمد، قالا حدثنا أحمد بن مطرف، قال
حدثنا عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن الليث بن سعد، عن نافع، أن عبد الله
ابن عمر طلق امرأته وهي حائض تطليقة واحدة، فأمره رسول الله وَالقول أن
يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها
حتى تطهر من حيضتها؛ فإذا أراد أن يطلقها، فليطلقها حين تطهر من قبل
أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء؛ قال: وكان عبد الله
ابن عمر إذا سئل عن ذلك، قال لأحدهم: إذا أنت طلقت امرأتك وهي
حائض مرة أو مرتين، فإن رسول الله ولي أمر بهذا؛ وان كنت طلقتها ثلاثا
فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من
طلاق امرأتك(١).
وروى الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أنهم
أرسلوا الى نافع يسألونه هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله
وَله؟ فقال: نعم.
(١) خ (٩/ ٥٣٣٢/٦٠٣)، م (٢/ ١٤٧١/١٠٩٣)، د(٢١٨٠/٦٣٤/٢).

الطلاق
-٤٧٣ =
و حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر، حدثنا أحمد
ابن علي بن سعید القاضي المروزي، حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن ادريس،
عن عبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال:
طلقت امرأتي وهي حائض فأتى عمر رسول الله ټ فذكر ذلك له؛ قال
مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر؛ ثم ان شاء طلقها قبل أن
يجامعها، وان شاء أمسك، فإنها العدة التي قال الله عز وجل(١).
قال عبيد الله: فقلت لنافع: ما فعل بتلك التطليقة؟ قال: اعتد بها.
فهذه الآثار كلها توضح لك ما قلنا عن ابن عمر، وفي قول رسول الله
وَبقى: مره فليراجعها، دليل على أنها طلقة، لأنه لا يؤمر بالمراجعة إلا لمن
لزمته الطلقة؛ ولو لم تلزمه، لقال: دعه فليس هذا بشيء، أو نحو هذا.
وقد روي عن ابن عمر في هذا خبر ظاهره على خلاف ما ذكرناه، ولیس
کذلك لما وصفنا.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج،
قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبدالرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن
عمر وأبو الزبير يسمع، قال كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ قال:
طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردوها علي ولم
يرها شيئا؛ قال: وإذا طهرت فليطلق أو ليمسك(٢).
قال أبو عمر: وقرأ النبي وَله: ((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن
في قبل عدتهن)).
(١) م (٢ / ١٠٩٤ / ١٤٧١ [٢])، ن (٣٣٨٩/٤٤٨/٦)، جه (١/ ٢٠١٩/٦٥١).
(٢) م (٢ / ١٤٧١/١٠٩٨[١٤])، د(٢١٨٥/٦٣٦/٢)، ن (٤٤٩/٦-٣٣٩٢/٤٥٠).

: ٤٧٤
فتح البر
روى أبو عاصم النبيل هذا الحديث عن ابن جريج فلم يقل فيه: ولم يرها
شیئا.
قال أبو عمر: قوله في هذا الحديث ولم يرها شيئا منکر عن ابن عمر، لما
ذكرنا عنه أنه اعتد بها، ولم يقله أحد عنه غیر أبي الزبير؛ وقد رواه عنه جماعة
جلة، فلم يقل ذلك واحد منهم؛ وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه
مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ ولو صح، لكان معناه عندي والله
أعلم ولم يرها على استقامة، أي ولم يرها شيئا مستقيما، لأنه لم يكن طلاقه لها
على سنة الله وسنة رسوله؛ هذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحت. وكل
من روى هذا الخبر من الحفاظ، لم يذكروا ذلك، وليس من خالف الجماعة
الحفاظ بشيء فيما جاء به؛ وقد احتج بعض من ذهب الى أن الطلاق في
الحيض لا يقع، وأن المطلق لا يعتد بتلك التطليقة؛ بما روي عن الشعبي أنه
قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض لم يعتد بها في قول ابن عمر عن
النبي ◌ُّلة. وهذا من الشعبي إنما معناه لا يعتد بتلك الحيضة في العدة، ولم
یرد لا يعتد بتلك التطليقة، وقد روي عنه ذلك منصوصا؛ رواه شريك عن
جابر، عن عامر في رجل طلق امرأته وهي حائض، قال: يقع عليه الطلاق
ولا يعتد بتلك الحيضة.
واختلف العلماء في أمر رسول الله ◌َي المطلق في الحيض بالمراجعة، فقال
قوم: عوقب بذلك، لأنه تعدى ما أمر به ولم يطلق للعدة، فعوقب بإمساك
من لم يرد امساكه حتى يطلق كما أمر للعدة. وقال آخرون: انما أمر بذلك
قطعا للضرر في التطويل عليها، لأنه إذا طلقها في الحيض، فقد طلقها في
وقت لا تعتد به من قرئها الذي تعتد به فتطول عدتها؛ فنهي عن أن يطول
عليها، وأمر أن لا يطلقها الا عند استقبال عدتها.

الطلاق
٤٧٥ سسـ
واختلف الفقهاء في المطلق زوجته وهي حائض، هل يجبر على رجعتها
أم لا؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي، وابن
أبي ليلى، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والطبري: يؤمر برجعتها إذا طلقها
حائضا ولا يجبر على ذلك. وقال مالك وأصحابه: يجبر على مراجعتها إذا
طلقها في الحيض، أو في دم النفاس وهو أولى؛ لما يقتضيه الامر من وجوب
الائتمار واستعمال المأمور ما أمر به حتى يخرجه عن جبر الوجوب دلیل، ولا
دليل ههنا على ذلك والله أعلم.
وقال داود بن علي کل من طلق امرأته حائضا، أجبر على رجعتها، وان
طلقها نفساء لم يجبر على رجعتها؛ وهذا إذا طلقها واحدة أو اثنتين عند
جميعهم، وجملة قول مالك وأصحابه في هذه المسألة: أن الحائض والنفساء،
لا يجوز طلاق واحدة منهما حتى تطهر، فإن طلقها زوجها في دم حيض أو
دم نفاس طلقة أو طلقتين، لزمه ذلك، واجبر على الرجعة ابدا ما لم تخرج
من عدتها؛ وسواء أدرك ذلك في تلك الحيضة التي طلق فيها، أو الطهر
الذي بعده، أو الحيضة الثانية، أو الطهر بعدها إذا كان طلاقه في الحيض
يجبر على رجعتها أبدا في ذلك كله ما لم تنقض العدة؛ هذا قول مالك
وأصحابه إلا أشهب بن عبد العزيز، فإنه قال: يجبر على الرجعة ما لم تطهر،
وحتى تحيض ثم تطهر، فإذا صارت في الحال التي أباح له النبي وَل
طلاقها، لم يجبر على رجعتها؛ ولا خلاف بينهم اعني مالكا وأصحابه ان
المطلق في الحيض إذا أجبر على الرجعة وقضى بذلك عليه، ثم شاء طلاقها،
انه لا يطلقها في ذلك الحيض، ولكن يمهل حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر؛
ثم ان شاء حينئذ طلق، وان شاء امسك على ما في الحديث؛ ولا يطلقها بعد
طهرها من ذلك الدم الذي ارتجعها فيه بالقضاء، فإن فعل لزمه؛ ولا يؤمر

فتح البر
= ٤٧٦
=
ههنا، ولا يجبر على الرجعة، الا ما ذكرنا عن أشهب انه قال يجبر على
الرجعة ما لم يخرج الى الطهر الثاني؛ قال: كيف أجبره على الرجعة في موضع
له ان يطلق فيه؟ وقال الليث بن سعد: إذا أجبرته على الرجعة فطهرت من
تلك الحيضة، لم أمنعه من الوطء حتى تحيض ثم تطهر، فيطلق قبل
المسيس.
قال أبو عمر: لم يختلف العلماء كلهم أن الرجل إذا طلق في طهر قد مس
فیه، أنه لا يجبر على الرجعة، ولا يؤمر بها وإن کان طلاقه قد وقع على غیر
سبيل السنة، وطلاق السنة هو الطلاق الذي أذن الله فيه للعدة كما قال في
كتابه ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: (١)].
وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته وهي طاهر طهرا لم يمسها فيه بعد
أن طهرت من حيضتها طلقة واحدة، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، أو
راجعها مراجعة رغبة أنه مطلق للسنة، وأنه قد طلق للعدة التي أمر الله بها.
واختلفوا فيمن طلق امرأته ثلاثا مجتمعات في طهر لم يمسها فیه، او
أردفها في كل طهر من الاطهار التي يعتد بها في عدتها تطليقة بعد أن طلقها
واحدة في طهر لم يمسها فيه؛ هل هو بهذين الفعلين أو بأحدهما مطلق للسنة
أم لا؟ فقال مالك وأصحابه: طلاق السنة أن يطلق طلقة في طهر لم يمس
فیه ولو کان في آخر ساعة منه، ثم يمسها حتى تنقضي عدتها، وذلك بظهور
أول الحيضة الثالثة في الحرة، أو الحيضة الثانية في الأمة؛ فيتم للحرة ثلاثة
أقراء، وللأمة قرآن؛ والقرء الطهر المتصل بالدم عندهم، فإن طلقها في كل
طهر تطليقة، أو طلقها ثلاثا مجتمعات في طهر لم يمسها فیه، فقد لزمه ولیس
بمطلق للسنة عند مالك وجمهور أصحابه، وهو قول الأوزاعي، وأبي عبيد؛
وقال أشهب: لا بأس أن يطلقها في كل طهر تطليقة ما لم يرتجعها في خلال

الطلاق
٤٧٧
ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية فلا يسعه ذلك، لأنه يطول العدة عليها؛ فإذا
لم يرتجعها، فلا بأس أن يطلقها في كل طهر مرة؛ وعلى هذا يخرج ما رواه
يحيى بن يحيى في الموطأ في تفسير قراءة ابن عمر: ﴿يا أيها النبي
إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن﴾. قال يحيى: قال مالك:
يريد بذلك أن يطلق الرجل امرأته في كل طهر. وهذا التفسير لم يروه
أحد عن مالك في الموطأ غير يحيى والله أعلم.
قال أبو عمر: قول مالك في طلاق السنة: اجماع لا اختلاف فيه انه طلاق
السنة الذي أمر الله عز وجل به للعدة، يوافقه على ذلك غيره، وهو لا يوافق
غيره على اقوالهم في طلاق السنة، ويعضد قوله من جهة النظر ان المطلق في
کل طهر تطليقة تقع بعض طلاقه بغیر عدة كاملة، بل يقع طلاقه كله بغیر
عدة كاملة، لأن كل طلقة انما تكون بإزائها حيضة واحدة، وليس شأن
الطلاق ان یعتد منه بحیضة واحدة، بل الواجب ان تكون ثلاثة قروء لکل
طلقة، وأن تستقبل العدة بالطلاق، لقوله: ﴿ فَطَّلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أو (لقبل
عدتهن) وكل طلاق يوجب العدة الكاملة، فهو بخلاف ما أمر الله به من
الطلاق للعدة على ظاهر الخطاب، فان جعلت الثلاثة قروء للطلقة الأولى،
كانت الثانية والثالثة بغير اقراء تعتد بها، ومعلوم ان الطلقة الثانية بقرءين،
والطلقة الثالثة بقرء واحد، وهذا خلاف حكم العدة في المطلقات.
وقال أحمد بن حنبل: طلاق السنة ان يطلقها طاهرا من غير جماع واحدة
ويدعها حتى تنقضي عدتها، قال: ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يصبها فيه، كان
أيضا مطلقا للسنة، وكان تاركا للاختيار، وقال سفيان الثوري، وأبو
حنيفة، وسائر أهل الكوفة، من أراد ان يطلق امرأته ثلاثا للسنة، طلقها
حين تطهر من حيضتها قبل ان يجامعها طلقة واحدة، ثم يدعها حتى

فتح البر
: ٤٧٨
=
تحيض، ثم تطهر، فإذا طهرت وطلقها ثالثة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا
غيره؛ وتبقى عليها عندهم من عدتها حيضة، لأن الأقراء عندهم الحيض،
ومن فعل هذا عندهم فهو مطلق للسنة.
وقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد القاسم بن سلام: ليس هذا بمطلق
للسنة، وليس عندهم المطلق للسنة الا من طلق على الوجه الاول الذي
حكينا عن مالك وأصحابه حاشا أشهب، وقال الشافعي وأصحابه، وأبو
ثور، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي، ليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة،
وانما السنة في وقت الطلاق، فإذا أراد الرجل ان يطلق امرأته للسنة، أمهلها
حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها من قبل ان يجامعها كما شاء، ان
شاء واحدة، وان شاء اثنتين، وان شاء ثلاثا، اي ذلك فعل فهو مطلق
للسنة.
وأجمع العلماء ان طلاق السنة انما هو في المدخول بها، واما غير المدخول
بها فليس في طلاقها سنة ولا بدعة، وان امر الله عز وجل، ومراد رسوله
ولد في الطلاق للعدة هو طلاق المدخول بها من النساء، فأما غير المدخول
بها، فلا عدة عليهن ولا سنة ولا بدعة في طلاقهن، قال الله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُرَّ
فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: (٤٩)]. الآية.
ويطلق غير المدخول بها زوجها في كل وقت متى شاء من الطلاق واحدة
وأكثر، الا انه إن طلق عند مالك وأصحابه غير المدخول بها ثلاثا- لزمه،
وهو عندهم عاص في فعله، وقال أشهب: لا يطلقها- وان كانت غير
مدخول بها حائضا.

الطلاق
٤٧٩ =
وقال ابن القاسم: يطلقها متى شاء- وان كانت حائضا- وعليه الناس.
قال أبو عمر: من حجة من قال: ان الطلاق لا يكون للسنة في المدخول
بها الا واحدة، ولا تكون الثلاث المجتمعات للسنة على حال من الاحوال-
قول الله عز وجل: ﴿الطَّلَقُ مَنَّتَانٍ﴾ [البقرة: (٢٢٩)] ثم قال: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا
تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ومرتان لا تكونان إلاّ في وقتين، والثلاث في
ثلاث أوقات، ودليل آخر وهو قول الله عز وجل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾
[الطلاق: (١)] فأي أمر يحدث بعد الثلاث، والأمر إنما أريد به المراجعة،
ومن الاثر ما قرأته على عبد الوارث بن سفيان، ان قاسم بن أصبغ حدثهم،
قال: حدثنا محمد بن عبد السلام، قال: أخبرنا محمد بن المثنی، قال حدثنا
عبد الرحمن، قال حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد
الله، قال: طلاق العدة ان يطلقها، وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي
عدتها، أو يراجعها، ان شاءت(١)، ومثل هذا لا يطلقه ابن مسعود برأيه،
ويشبه أن يكون توقيفاً مع دلالة القرآن عليه بقوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ
يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: (١)] وهي الرجعة عند العلم، ولا سبيل
إليها مع الثلاث، فبطل أن يكون وقوع الثلاث السنة، ومن حجة
الشافعي ومن قال بقوله في أن الثلاث إذا وقعت في طهر لا جماع
فيه، فهو أيضاً طلاق السنة قول الله عز وجل عند ذكر ما أباحه من
طلاق النساء للعدة: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَِّنَّ﴾ [الطلاق: (١)]
وقریء لقبل عدتهن أي لاستقبال عدتهن.
(١) ن (٤٥٠/٦-٣٣٩٤/٤٥١ -٣٣٩٥)، جه (١ / ٢٠٢٠/٦٥١ و ٢٠٢١).

فتح البر
= ٤٨٠
وإذا طلقت في طهر لم تمس فيه، فهي مستقبلة عدتها من يومئذ، وسواء
طلقت واحدة أو أكثر، لا يمنعها إيقاع أكثر من واحدة من ذلك، واستدلوا
على جواز وقوع أكثر من واحدة بقوله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم
مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وهذا، فيمن قيل فيهن في أول السورة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَ﴾ [الطلاق: (١)] ثم قال: ﴿ وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِتُضَّقُواْ عَلَيْهِنٌّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ
ج
حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: (٦)]. وهذا لا يكون إلاّ في
المبتوتات، لأن غير المبتوتة ممن عليها الرجعة، ينفق عليها حاملاً
وغير حامل، فعلم بهذا أن قوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا﴾ [الطلاق: (١)] راجع إلى بعض ما انتظمه الكلام، وهي التي لم يبلغ
بطلاقها ثلاثاً، كما أن قوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُّوْءٍ﴾
[البقرة: (٢٢٨)] قد عم المطلقات ذوات الأقراء. وقوله في نسق الآية:
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ﴾ [الطلاق: (٢)] راجع إلى من لم يبلغ بطلاقها
الثلاث، وفي ذلك إباحة إيقاع ما شاء المطلق من الطلاق، وظاهر حديث
ابن عمر يشهد بهذا، لأن النبي وَّلو أقره ان يراجع امرأته، ثم يمهلها حتى
تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ان شاء طلق، وان شاء أمسك، ولم يحظر
طلاقا من طلاق، ولا عددا من عدد في الطلاق، قالوا: فله ان يطلق كم شاء
إذا كانت مدخولا بها، وإن كانت غير مدخول بها طلقها كم شاء ومتى
شاء، طاهرا وحائضا، لأنه لا عدة عليها. ومما احتجوا به أيضا: ان
العجلاني طلق امرأته بعد اللعان- ثلاثا. فلم ينكره رسول الله وص له وان
رفاعة بن سموءل طلق امرأته ثلاثا، فلم ينكر عليه رسول الله (پڼ وان
ركانة طلق امرأته ألبتة، فقال له رسول الله وَ له: ما أردت بها(١)؟ فلو أراد
ثلاثا، لكانت ثلاثا- ولم ينكر ذلك عليه رسول الله وَ لهم
(١) ت (٣/ ٤٨٠ /١١٧٧) وقال: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسألت محمدا عن هذا
الحديث فقال: فيه اضطراب. ويروى عن عكرمة عن ابن عباس، أن ركانة طلق امرأته ثلاثا . =