النص المفهرس

صفحات 381-400

العشرة وحسن الخلق
٣٨١ :
ما جاء في فضيلة كفالة اليتيم
[٢١] مالك، عن صفوان بن سليم انه بلغه ان النبي ◌َّر قال: أنا وكافل اليتيم له أو
لغيره في الجنة، كهاتين - إذا اتقى - وأشار بإصبعيه الوسطى والتي تلي
الإبهام(١).
هذا الحدیث قد رواه جماعة عن النبي عليه السلام من وجوه صحاح،
وحديث صفوان هذا يتصل من وجوه، ويستند من غير رواية مالك من
حدیث الثقات سفيان بن عيينة، وغيره.
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل،
حدثنا الحميدي، قال حدثني سفيان، قال حدثني صفوان بن سليم عن
امرأة- يقال لها أنيسة، عن أم سعید بنت مرة الفهري، عن أبيها، ان رسول
الله ◌َ﴾ قال: أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين- وأشار بأصبعيه.
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا سعيد بن
عثمان، قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الايلي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
عن صفوان بن سليم، عن أنيسة، عن أم سعيد ابنة مرة الفهري، عن أبيها،
عن النبي ێ قال: کافل اليتيم له أو لغيره انا وهو في الجنة کھاتین، قال
سفيان باصبعيه الوسطى والتي تليها.
(١) هذا الحديث أرسله مالك في ((الموطأ)) عن صفوان بن سليم. وجاء موصولا عن جماعة من
الصحابة منها:
١ - حديث سهل بن سعد الساعدي: خ (٦٠٠٥/٥٣٥/١٠)، و (٥١٥٠/٣٥٦/٥)، ت
(١٩١٨/٢٨٣/٤) قال: هذا حديث حسن صحيح.
٢- حديث أبي هريرة: م (٢٢٨٧/٤/ ٢٩٨٣)، حم (٢/ ٣٧٥).
٣- من طريق صفوان بن سليم عن امرأة - يقال لها أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة الفهري عن
أبيها، أن رسول الله وَله: فذكره. البخاري في الأدب المفرد. (رقم: ١٣٣) وأنيسة هذه لا
تعرف، وأم سعيد مقبولة. كما في التقريب.

فتح البر
=٣٨٢
قال أبو عمر: معنى قوله في هذا الحديث: له أو لغيره -يريد من قرابته
ومن غير قرابته- والله أعلم.
وعند القعنبي، وابن وهب: عن مالك، عن ثور بن زيد- عن أبي الغيث
مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ انه قال: الساعي على الأرملة
والیتیم، كالمجاهد في سبيل الله(١).
(١) خ (٦٠٠٧/٥٣٦/١٠)، م (٤ /٢٢٨٦/ ٢٩٨٢).

العشرة وحسن الخلق
٣٨٣
ما جاء في إصلاح ذات البين
[٢٢] مالك، عن يحيى بن سعيد، انه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ألا أخبركم
بخير من كثير من الصلاة والصدقة والصوم؟ قالوا: بلى، قال: اصلاح ذات
البين، واياكم والبغضاء، فإنها هي الحالقة.
هكذا هذا الحديث موقوفا على سعيد في الموطأ، لم يختلف على مالك فيه
الرواة الا إسحاق بن بشر الكاهلي - وهو ضعيف متروك الحديث- فإنه
رواه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء،
عن النبي ◌ّ﴾ حدثنا بحديثه خلف بن قاسم، قال حدثنا محمد بن عبد الله
ابن أحمد القاضي، قال حدثنا أبي، قال حدثنا الفضل بن سليمان الأشج
بمكة، قال حدثنا إسحاق بن بشر الکاهلي، حدثنا مالك، عن يحيى بن
سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَل:
إياكم والبغضاء، فإنها الحالقة، الا أخبركم بخير من كثير من الصلاة
والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين(١). وقد روي
هذا عن النبي ®# مرفوعا مسندا ومرسلا من حديث يحيى بن سعيد،
حدثناه سلمة بن سعيد بن سلمة، قال حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال
حدثنا محمد بن القاسم بن ز کریاء المحاربي، قال حدثنا أبو کریب محمد بن
العلاء، قال حدثنا حفص بن غياث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيب، قال: قال رسول الله وَله: ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة
والصيام والصدقة؟ إصلاح ذات البين، وإياكم والبغضة، فإنما هي الحالقة.
(١) أخرجهحم: (٤٤٤/٦-٤٤٥)، د(٤٩١٩/٢١٨/٥)، ت(٥٧٢/٤-٢٥٠٩/٥٧٣) وقال:
هذا حديث صحيح. حب: الإحسان (٥٠٩٢/٤٨٩/١١)، البخاري في الأدب المفرد (رقم:
٣٩١) من حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء.

فتح البر
٣٨٤
-
وحدثنا سلمة، قال حدثنا علي، قال حدثنا محمد بن القاسم، قال حدثنا
أبو كريب، قال حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن ابن عيينة، عن يحيى بن
سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء، عن النبي وُّل® مثله.
قال أبو الدرداء: أما اني لا أقول: حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين.
قال أبو الحسن علي بن عمر: تفرد به أبو كريب، وقد روي هذا الحديث
من غير رواية مالك، وسنذكره ان شاء الله. وفيه علة ذكرها علي بن المديني
فقال : - وذلك ما أخبرناه عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن عثمان، حدثنا
إسماعيل، حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا معن بن عيسى، حدثنا مالك،
عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، قال: الا أخبركم بخير
من كثير من الصلاة- وذكر الحديث. قال علي: فقلت لمعن: ان هذا الحديث
لم يسمعه يحيى بن سعيد من سعيد بن المسيب بينهما رجل، فلا تقل فيه
سمعت سعيد بن المسيب، واجعله عن سعيد بن المسيب، فكان لا يقول فيه
إلا عن سعيد بن المسيب. قال علي وقد حدثناه عبدالوهاب، ويزيد بن
هاون، وغيرهما عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد
ابن المسيب- مرفوعا.
وقد روى الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم
الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَ﴾ ألا أدلكم على أفضل من
كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: صلاح ذات
البین(١). ذکرہ البزار قال حدثنا محمد بن المثنی وصالح بن معاذ، قالا حدثنا
أبو معاوية عن الأعمش فذكره.
(١) سبق تخريجه في حديث الباب.

العشرة وحسن الخلق
٣٨٥
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير، عن
الزبير، عن النبي وسلم انه قال: دب اليكم داء الأمم قبلكم: الحسد
والبغضاء، أو قال: العداوة والبغضاء- وهي الحالقة، لا أقول حالقة
الشعر، ولكن حالقة الدين(١).
وقد ذكرنا هذا الخبر من وجوه في كتاب العلم، وفيه مع خبر هذا الباب
أوضح حجة في تحريم العداوة وفضل المؤاخاة وسلامة الصدر من الغل.
(١) ت (٤/ ٢٥١٠/٥٧٣) وقال: ((هذا حديث قد اختلفوا في روايته .. )). حم (١ / ١٦٤ - ١٦٥ -
١٦٧)، قال الهيثمي في المجمع (٣٣/٨) رواه البزار وإسناده جيد. وقال المنذري في الترغيب
والترهيب (٤٢٥/٣-٥٤٨): رواه البزار بإسناد جيد.

٣٨٦
فتح البر
ما جاء في الوعد
[٢٣] مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن انه قال: قدم على أبي بكر الصديق مال من
البحرين، فقال: من كان له عند رسول الله وَليل وأي أو عدة فليأت؟ فجاء جابر
ابن عبد الله، فحفن له ثلاث حفنات(١).
هذا الحديث يتصل من وجوه ثابتة عن جابر، رواه عنه جماعة، منهم:
أبو جعفر محمد بن علي، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن محمد بن عقيل،
وأبو الزبير، والشعبي.
وسنذكر وجوه هذا الحديث، وطرقه بعد الفراغ من القول في معانيه ان
شاء الله.
وفيه من الفقه ان العدة واجب الوفاء بها وجوب سنة، وكرامة، وذلك
من اخلاق أهل الإيمان، وقد جاء في الاثر: وأي المؤمن واجب، أي واجب
في اخلاق المؤمنين، وانما قلنا: ان ذلك ليس بواجب فرضا، لإجماع الجميع
على ان من وعد بمال ما كان لم يضرب به مع الغرماء، كذلك قلنا ايجاب
الوفاء به، حسن في المروءة، ولا يقضي به، ولا أعلم خلافا ان ذلك
مستحسن، يستحق صاحبه الحمد، والشكر على الوفاء به، ويستحق على
الخلف في ذلك الذم، وقد اثنی الله عز وجل على من صدق وعده، ووفى
بنذره، وكفى بهذا مدحا، وبما خالفه ذما، ولم تزل العرب تمدح بالوفاء،
وتذم بالغدر، والخلف وكذلك سائر الأمم -والله أعلم -.
قال سابق بن خدیم:
متى ما يقل حر لطالب حاجة نعم يقضها، والحر للوأي ضامن
(١) سيأتي تخريجه من حديث جابر بن عبد الله في الباب نفسه.

العشرة وحسن الخلق
٣٨٧
والوأي: العدة.
ولما كان هذا من مکارم الاخلاق، وکان رسول الله څټ أولى الناس بها،
وأنذرهم اليها، وكان أبو بكر خليفته أدى ذلك، وقام فيه مقامه، في الموضع
الذي کان رسول الله ێ یقیمه.
وقد اختلف الفقهاء فيما يلزم من العدة، وما لا يلزم منها، وكذلك
اختلفوا في تأخير الدين الحال، هل يلزم، أم لا يلزم، وهو من هذا الباب،
فقال مالك، وأصحابه: من أقرض رجلا مالا، دنانير، أو دراهم، أو شيئا
مما يكال، أو يوزن، وغير ذلك الى أجل، أو منح منحة، أو أعار عارية، أو
أسلف سلفا، كل ذلك الى أجل، ثم اراد الانصراف في ذلك، وأخذه قبل
الأجل لم يكن ذلك له، لأن هذا مما يتقرب به الى الله عز وجل، وهو من
باب الحسبة.
قال أبو عمر:
ومن الحجة لمالك رحمه الله في ذلك عموم قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ
بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: (٣٤)]، وقوله عليه السلام: ((كل معروف صدقة(١))).
وأجمعوا أنه لا يتصرف في الصدقات، وكذلك سائر الهبات.
قال مالك: وأما العدة مثل ان يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة
فيقول له نعم، ثم يبدو له ان لا يفعل، فما أرى ذلك يلزمه، قال مالك: ولو
(١) حديث جابر أخرجه: حم (٣/ ٣٤٤)، خ (٦٠٢١/٥٤٨/١٠)، ت (١٩٧٠/٣٠٦/٤)،
هق (١٠ / ٢٤٢)، حب: الإحسان (٣٣٧٩/١٧٢/٨)، والبغوي في شرح السنة (١٤٢/٦/
١٦٤٢)، قط (٢٨/٣)، من حديث جابر. وأخرجه من حديث حذيفة: حم (٣٨٣/٥-٣٩٧-
٣٩٨-٤٠٥)، م (٢ / ١٠٠٥/٦٩٧ [٥٢])، د (٤٩٤٧/٣٣٥/٥)، حب: الإحسان (١٧٢/٨/
٣٣٧٨)، البخاري في الأدب المفرد (٢٢٤-٣٠٤).

فتح البر
-٣٨٨
كان ذلك في قضاء دين فسأله ان يقضيه عنه، فقال نعم، وثم رجال
یشهدون علیه، فما احراه ان یلزمه إذا شهد علیه اثنان.
وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال اشهدكم اني قد وهبت لهذا، من
أین یؤدي الیکم. فإن هذا یلزمه، واما ان يقول: نعم، انا أفعل، ثم يبدو له،
فلا أرى ذلك علیه.
وقال سحنون: الذي يلزمه من العدة في السلف، والعارية ان يقول
للرجل: اهدم دارك، وأنا أسلفك ما تبنيها به أو اخرج الى الحج، وأنا
أسلفك ما يبلغك، أو اشتر سلعة كذا، أو تزوج وأنا أسلفك ثمن السلعة،
وصداق المرأة، وما أشبهه مما يدخله فيه، وینشبه به، فهذا كله يلزمه، قال:
واما ان يقول: أنا أسلفك، وأنا أعطيك بغير شيء يلزم المأمور نفسه، فإن
هذا لا يلزمه منه شيء.
قال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي، وعبيد الله بن الحسين،
وسائر الفقهاء: اما العدة فلا يلزمه منها شيء، لأنها منافع لم يقبضها في
العارية، لأنها طارئة، وفي غير العارية أشخاص، وأعيان موهوبة، لم تقبض،
ولصاحبها الرجوع فيها.
واما القرض فقال أبو حنيفة وأصحابه، سواء كان القرض الى أجل، أو
الی غیر أجل: له ان یأخذه متی احب، و كذلك العارية، وما كان مثل ذلك
كله، ولا يجوز تأخير القرض البتة بحال، ويجوز عندهم تأخير المغصوب
وقيم المستهلكات، إلا زفر، فإنه قال: لا يجوز التأجيل في القرض ولا في
الغصب واضطرب قول أبي يوسف في هذا الباب.
وقال الشافعي: إذا أخره بدین حال، فله ان يرجع متى شاء، وسواء كان
من قرض، أو غیر قرض، أو من أي وجه كان، وكذلك العارية وغيرها،
لأن ذلك من باب العدة، والهبة غير المقبوضة، وهبة ما لم يخلق.

٣٨٩ =
العشرة وحسن الخلق
قال أبو عمر:
في هذا الحديث أيضا دليل على أن يقضى الانسان عن غيره بغير اذنه،
فيبرأ، وان الميت يسقط عنه ما كان عليه بقضاء من قضى عنه- والله أعلم-
قال أبو عمر:
اما الآثار المتصلة في معنى حديث ربيعة فحدثنا خلف بن قاسم الحافظ
قراءة مني علیه ان أبا أحمد الحسين بن جعفر الزیات حدثھم، قال: حدثنا
یوسف بن یزید القراطیسی، قال: حدثنا حجاج بن إبراهيم، قال: حدثنا
سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله: قال
سفيان: وحدثني عمرو بن دينار، عن محمد بن علي بن جابر بن عبد الله
يزيد أحدهما على الآخر قال: قال لي رسول الله وَّ: لو قدم مال من
البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فما قدم مال من البحرين، حتى
قبض النبي ◌ٍَّ، فلما قدم مال من البحرين، قال أبو بكر: من كان له على
رسول الله ﴿ ﴿ دين، أو عدة، فليأتنا؟ قال جابر: فأتيت أبا بكر، فقلت: ان
رسول الله وّلم وعدني إذا قدم مال من البحرين أعطيتك هكذا، وهكذا،
وهکذا، قال فحثی لي أبو بكر حثية، ثم قال لي: عدها، فاذا هي خمسمائة،
قال: خذ مثلها مرتين، وزاد فيه ابن المنكدر: ثم أتيت أبا بكر بعد ذلك
فردني، فسألته، فردني، فقلت في الثالثة: سألتك مرتين، فلم تعطني، قال:
انك لم تأتني مرة، إلا وأنا أريد أن أعطيك، وأي داء أدوا من البخل(١)؟
اهـ
(١) خ (٢٢٩٦/٥٩٨/٤-٢٥٩٨-٢٦٨٣-٣١٢٧-٣١٦٤ -٤٣٨٣)، م (٤ / ١٨٠٦ / ٢٣١٤
[٦٠-٦١]).

فتح البر
٣٩٠
-
وحدثني أبو عبد الله محمد بن رشيق رحمه الله، قال: حدثنا أبو عبد الله
محمد بن عبد الله الحاكم الخراساني، قال: حدثنا بكر بن محمد بن حمدان،
قال: حدثنا محمد بن الحسین، قال : حدثنا مقاتل بن إبراهيم، قال حدثنا
نوح بن أبي مريم عن أبي الزبير عن جابر، قال: دخلت على النبي ◌َّ، فقال
لو جاءنا مال حثیت لك، ثم حثیت لك، ثم حثیت لك، قال: فقبض
رسول الله﴾﴾، فأتيت أبا بکر فحدثته، فقال: ونحن لو جاءنا مال لحثيت
لك، ثم حثیت لك، ثم حثيت لك، قال: فأتی مال فحثی لي، ثم حثی لي،
ثم حتى لي، ثم قال: ليس لي عليك فيه صدقة حتى يحول الحول، فوزنها
فكانت الفا وخمسمائة درهم(١).
وحدثنا محمد بن إبراهيم، وإبراهيم بن شاکر، قالا: حدثنا محمد بن أحمد
ابن یحیی، قال: حدثنا محمد بن أیوب الرقي، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن
عبد الخالق البزار، قال: حدثنا محمد بن جابر، قال: حدثنا عبد الله بن نمیر،
قال: حدثنا مجالد عن الشعبي، عن جابر، قال: لما قتل أبي دعاني رسول الله
وَّة، فقال: اتحب الدراهم؟ فقلت: نعم، قال: لو جاءني مال لأعطيتك
هكذا، وهكذا، قال: فمات رسول الله وَآل﴾ قبل ان يعطيني، فلما استخلف أبو
بكر أتاه مال من البحرين، فقال: خذ كما قال لك رسول الله وَالتناول،
فأخذت(٢).
ورواه سعيد بن سليمان سعدويه، عن فليح بن سليمان، عن عبد الله بن
محمد بن عقيل، عن جابر، نحوه، بمعناه.
(١) حم (٣٠٧/٣-٣٠٨)، خ (٢٥٩٨/٢٧٧/٥) بلفظ: «لوجاء مال البحرين أعطيتك هكذا
(ثلاثا) فذكره.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

العشرة وحسن الخلق
٣٩١=
وذكر اهل السير ان النبي ◌ّللم وعد عمرو بن العاص حين بعثه الى المنذر
ابن ساوى ان يستعمله على صدقات معد، فلما قدم بعد وفاة رسول الله وَالعقد
استعمله عليها أبو بكر إنفاذا لرأي رسول الله وَله.

٣٩٢٤
=
=
فتح البر
ما جاء في إخلاص العبد لسيده والخادم لمخدومه
[٢٤] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ لو قال: إن العبد إذا نصح
لسيده، وأحسن عبادة ربه، فله أجره مرتين(١).
قال أبو عمر:
معنى هذا الحديث - عندي والله أعلم - ان العبد لما اجتمع عليه أمران
واجبان: طاعة سيده في المعروف، وطاعة ربه، فقام بهما جيمعا، كان له
ضعفا اجر الحر المطيع لربه مثل طاعته، لأنه قد أطاع الله في ما أمره به من
طاعة سيده، ونصحه وأطاعه أيضا فيما افترض عليه، ومن هذا المعنى -
عندهم انه من اجتمع عليه فرضان فأداهما جميعا وقام بهما، كان أفضل ممن
ليس عليه إلا فرض واحد فأداه- والله أعلم، فمن وجبت عليه زكاة
وصلاة، فقام بهما على حسبما يجب فيهما، كان له أجران، ومن لم يجب عليه
زكاة وأدی صلاته، كان له اجر واحد، الا ان الله يوفق من يشاء، ويتفضل
على من يشاء، وعلى حسب هذا يعصى الله تعالى من اجتمعت علیه فروض
من وجوه، فلم يؤد شيئا منها. وعصيانه له أكثر من عصيان من لم يجب عليه
إلا بعض تلك الفروض، وقد سئل عبد الله بن العباس رضي الله عنه- عن
رجل كثير الحسنات، كثير السيئات، أهو أحب اليك، أم رجل قليل
الحسنات قليل السيئات؟ فقال ما أعدل بالسلامة شيئا.
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على ان العبد المتقى لله، المؤدي لحق الله
وحق سيده، افضل من الحر، ويعضد هذا. ما روي عن المسيح عليه السلام
مما قد ذكرناه في هذا الكتاب: قوله مر الدنيا حلو الآخرة، وحلو الدنيا مر
(١) حم (٢٠/٢ - ١٤٢)، م (٣/ ١٦٦٤/١٢٨٤).

العشرة وحسن الخلق
٣٩٣
الآخرة وللعبودية مضاضة ومرارة، لا تضيع عند الله(١) - والله أعلم.
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود،
حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب، قال أخبرني يونس بن یزید، عن ابن
شهاب، قال سمعت سعيد بن المسيب، يقول: قال أبو هريرة قال رسول الله
5* للعبد المصلح أجران، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل
الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوكا(٢).
قال وأخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، انه سمع أبا
هريرة يقول لولا أمران، لأحببت ان أكون عبدا، وذلك ان المملوك لا
يستطيع ان يضع في ماله شيئا ولا يجاهد، وذلك أني سمعت رسول الله وَلآدم
يقول ما خلق الله عبدا يؤدي حق الله عليه، وحق سيده، إلا وفاه الله أجره
مرتین(٣).
(١) حم (٣٤٢/٥)، ك (٤/ ٣١٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي في
التلخيص. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٥٠/١٧٦/٤)،رواه الحاكم، وقال: صحيح
الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٢): رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
(٢) حم (٢/ ٣٣٠)، م (٣/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥ /١٦٦٥).
(٣) حم (٤٤٨/٢-٤٥٣)، م (١٦٦٦/١٢٨٥/٣) هق (٣٢٦/٥)، بلفظ: ((اذا أدى العبد حق الله
و حق موالیہ کان له أجران»

٣٩٤
فتح البر
الأمانة في المواشي وغيرها
[٢٥] مالك، عن نافع عن ابن عمر، ان رسول الله وَلانه قال: لا يحتلبن أحد ماشية أحد
إلا بإذنه. أيحب أحدكم ان تؤتی مشربته فتكسر خرانته فینتقل طعامه، فانما تخزن
لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحتلبن أحد ماشية أحد الا بإذنه(١).
في هذا الحديث النهي عن أن يأكل أحد أو يشرب، أو يأخذ من مال
أخیه شيئا إلا بإذنه. وذلك عند أهل العلم محمول على ما لا تطیب به نفس
صاحبه، قال وَّلين: ((لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه(٢)).
وقال: ((ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام(٣))، يعني من
بعضكم على بعض، وقد مضى في باب إسحاق طرف من هذا المعنى،
وتفسير قول الله عز وجل: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ
(١) خ (١١١/٥- ٢٤٣٥/١١٢)، م (١٧٢٦/١٣٥٢/٣)، د(٢٦٢٣/٩١/٣)، جه
(٢٣٠٢/٧٧٢/٢).
(٢) الحديث ورد عن جماعة من الصحابة منهم عم أبي حرة الرقاشي وأبو حميد الساعدي، وعمرو بن
يثربي، وعبد الله بن عباس. أما حديث أبي حرة الرقاشى عن عمه أن رسول الله وَ طلو قال: فذكره.
فأخرجه: حم (٧٢/٥)، هق (٦ / ١٠٠)، قال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٥)، رواه أبو يعلى وأبو
مرة وثقة أبو داود وضعفه ابن معين. أما حديث أبي حميد فأخرجه: حم (٤٢٥/٥) وبلفظ: ((لا
يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه .... )). هق (٦/ ١٠٠)، حب: الإحسان
(٣١٦/١٣-٥٩٧٨/٣١٧)، قال الهيثمي (١٧٤/٤): رواه أحمد والبزار ورجال الجميع رجال
الصحيح. أما حديث عمروبن يثربي، أخرجه: حم (٣/ ٤٢٣) و(١١٣/٥)، هق (٩٧/٦)، قال
الهيثمي في المجمع (١٧٤/٤ - ١٧٥): ((رواه أحمد وابنه من زياداته أيضا، والطبراني في الكبير
والأوسط ورجال أحمد ثقات)). أما حديث ابن عباس، فأخرجه: هق (٦ / ٩٧).
(٣) هو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي وتلقى: أخرجه: م (٨٨٦/٢/
١٢١٨ [١٤٧])، وأخرجه د (١٩٠٥/٤٥٥/٢)، جه (٣٠٧٤/١٠٢٢/٢)، هق (٧/٥-٩)،
وهو أيضا جزء من حديث أبي بكرة أخرجه: حم: (٣٧/٥-٣٩-٤٠) خ (١ / ١٠٥/٢٦٥)، م
(١٣٠٥/٣-١٦٧٩/١٣٠٦)، د (١٩٤٨/٤٨٥/٢) مختصرا. جه (٢٣٣/٨٥/١). مختصرا،
الدارمي (٢/ ٦٧ - ٦٨).

العشرة وحسن الخلق
٣٩٥
﴾ [النور: (٦١)] ونزيد ههنا بياناً لأخبار عن العلماء،
جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاناً.
وتفسير المراد - إن شاء الله.
وأما المشربة، فقال صاحب العين هي الغرفة، ودليل هذا الحديث يقضي
بأن كل ما يختزن فيه الطعام، فهي مشربة والله أعلم، والخزانة معروفة،
وأصل الخزن الحفظ والستر والملك قال أمرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
ویروی في هذا الحديث في الموطأ وغيره: فینتثل طعامه، فمن روی ینتثل
طعامه، فمعناه یستخرج طعامه، وأصل الانتثال الاستخراج، ومن رواه
ينتقل، فالانتقال معروف، وهو أبين، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أيضا من المعاني ان اللبن يسمى طعاما، وأصل ذلك في
اللغة ان كل ما يطعم جائز ان يسمى طعاما، وقد قال الله تعالى في ماء النهر:
﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: (٢٤٩)] الآية، قال ابن
وهب سمعت مالكا يقول في الرجل يدخل الحائط فيجد الثمر ساقطا، قال
لا يأكل منه الا ان يكون يعلم ان صاحبه طيب النفس بذلك، أو يكون
محتاجا لذلك، فأرجو ان لا يكون عليه شيء- ان شاء الله. قال وسمعت
مالکا یقول في المسافر ینزل بالذمي انه لا يأخذ من ماله شیئا الابإذنه، وعن
طيب نفس منه، فقيل لمالك أرأيت الضيافة التي جعلت عليهم ثلاثة أيام؟
قال کان یومئذ یخفف عنهم بذلك. وروی شعبة عن منصور، قال سمعت
إبراهيم يحدث عن سعيد بن وهب، قال كنت بالشام، وكنت أتقي ان آكل
من الثمار شيئا، فقال لي رجل من الانصار من أصحاب رسول الله وصلة: ان
عمر اشترط على أهل الذمة ان يأكل الرجل المسلم يومه غير مفسد، وقد
فرق قوم بين الثمر المعلق وما كان مثله، وبين سائر الاموال، فأجازوا أكل
الثمار.

فتح البر
١١ = ٣٩٦
أخبرنا خلف بن قاسم، قال أخبرنا عبد الله بن محمد الحصيني، قال
حدثنا بكار بن قتيبة، قال حدثنا أبو عمر الضرير، قال حدثنا عبد الواحد
ابن زياد، وعبد الله بن المبارك، قالا أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي زینب،
قال صحبت عبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك، وأبا برزة في سفر،
فکانوا یصیبون من الثمار، قال بکار: وحدثنا أبو داود الطيالسي، قال حدثنا
يزيد بن إبراهيم، قال سمعت الحسن يقول: يأكل ولا يفسد، ولا يحمل.
وقد يحتمل ان يكون هذا كله في أهل الذمة في ذلك الوقت.
حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا مسلمة، حدثنا محمد بن زیان، حدثنا أبي،
حدثنا الحارث بن مسكين، قل سمعت أشهب بن عبد العزيز يقول: خرجنا
مرابطين الى الاسكندرية، فمررنا بجنان الليث بن سعد، فدخلنا فأكلنا من
الثمر، فلما ان رجعت، ((دعتني نفسي الى أن استحل من الليث، فدخلت
اليه فقلت يا أبا الحارث إنا خرجنا مرابطين، ومررنا بجنانك فأكلنا من
الثمر، وأحببنا ان تجعلنا في حل، فقال لي الليث يا ابن أخي، لقد نسكت
نسكاً أعجمياً، أما سمعت الله عز وجل يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ
عَلَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: ٦١]. فلا بأس أن يأكل
الرجل من مال أخيه الشيء التافه الذي يسره بذلك، وهذا الحديث يسوي بین
اللبن وبين سائر الطعام والمال في التحريم، والله أعلم، فلا فرق بين المضطرإن
شرب اللبن أو غيره من الطعام، إذا لم يجد الميتة، أو وجدها ووجد اللبن أو
غيره من سائر مال المسلم أو الذمي، يستوي فيه المضطر في اللبن وغيره من
جميع المأكول كله، ولا يحل شيء منه الا على الوجوه التي بها تحل الأملاك،
وللمضطر الى مال المسلم ماء كان أو طعاما حكم ليس هذا موضع ذكره.
ولا يحل للمضطر ان يأكل الميتة وهو يجد مال مسلم لايخاف فيه قطعا،
كالثمر المعلق، وحريسة الجبل، ونحو ذلك مما لا يخشى فيه قطعا ولا أذى.

العشرة وحسن الخلق
٣٩٧
وجملة القول في ذلك، ان المسلم إذا تبين عليه رد مهجة المسلم وتوجه
الفرض في ذلك اليه بان لا يكون هناك غيره، قضي عليه بترميق تلك المهجة
الآدمية، وكان للممنوع ما له من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وان أتی
ذلك على نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك الا واحد لا غير،
فحينئذ يتعين عليه الفرض، فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا، كان ذلك
عليهم فرضا على الكفاية، والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم
ویمسكها سواء، الا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على أن رد به
مهجته، ورمق به نفسه، فأوجبها موجبون، وأباها آخرون، ولا خلاف بين
أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف
الذهاب والتلف بالشيء اليسير، الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه
البلغة، وهذه المسألة قد جودها إسماعيل بن إسحاق في الأحكام، وجودها
أيضا غيره ولها موضع من كتابنا غير هذا ان شاء الله، نذكرها ونذكر ما فيها
من الآثار عن السلف وبالله العون.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا بكر بن
حماد، حدثنا مسدد، حدثنا یحیی، عن عبيد الله، قال حدثني نافع، عن عبد
الله بن عمر، قال نهى رسول الله وَ الوان تحلب المواشي بغير اذن أربابها (١).
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد بن
فطیس، قال حدثنا یحیی بن إبراهيم، قال حدثنا أصبغ بن الفرج، قال حدثنا
سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد. قال سمعت رجلا يسأل
ابن عباس، قال ان في حجري یتیما، وان له إبلا ولي إبل، أفاقدم إبلي وأمنح
منها؟ فما يحل لي من إبله؟ فقال ابن عباس ان كنت ترد نادتها، وتلوط
حوضها، وتهنأ جرباها، وتسقي عليها، فاشرب من لبنها، فقال القاسم ما
(١) سبق تخريجه بنحوه عن نفس الصحابي (انظر الحديث الأول في هذا الباب).

فتح البر
:٣٩٨
سمعت فتيا بعد آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله مَ القر أحسن من
فتياه هذه. وروى مالك هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، قال سمعت
القاسم بن محمد يقول: جاء رجل الى عبد الله بن عباس فقال إن لي یتیما
أفأشرب من لبن إبله؟ فقال ابن عباس ان كنت تبغي ضالة إبله، وتهنا
جرباها، وتلوط حوضها، وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضر بنسل،
ولا ناهك في الحلب، ولم يذكر قول القاسم.
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على ان من حلب من ضرع الشاة أو البقرة
أو الناقة بعد أن يكون في حرز ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع، أن عليه
القطع، لأن الحديث قد أفصح بأن الضروع خزائن للطعام، ومعلوم ان من
فتح خزانة غيره، أو كسرها، فاستخرج منها من المال الطعام أو غيره ما يبلغ
ثلاثة دارهم، انه يقطع، فإذا كان القطع يجب على من سرق الشاة نفسها من
مراحها وحرزها ولم تكن حريسة جبل، فاللبن بذلك أولى- والله أعلم،
وقد مضى ذكر معاني الحرز عند العلماء في باب ابن شهاب عند ذكر سرقة
رداء صفوان بن أمية فلا معنى لإعادة ذلك ههنا، إلا أن الشاة إذا لم تكن في
حرز، فلبنها تبع لها.
ومن هذا الباب بيع الشاة اللبون بالطعام، لأن رسول الله بيً ا ﴾ قال في هذا
الحديث، فانما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فجعل اللبن طعاما،
وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن، وبسائر الطعام نقدا، والى
اجل، فذهب مالك وأصحابه الى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن یدا بید ما
لم يكن في ضرعها لبن، فاذا كان في ضرعها لبن، لم يجز يدا بيد باللبن من
أجل المزابنة، ولم يجعله لغوا، لأن الربا لا يجوز قليله ولا كثيره، وليس
كالغرر الذي يجوز قليله ولا يجوز كثيره، ولا يجوز عنده بيع الشاة اللبون
باللبن الى أجل، فان كانت الشاة غير لبون، جاز في ذلك الأجل وغیر

العشرة وحسن الخلق
٣٩٩ =
الاجل، قال مالك ولا بأس بالشاة اللبون بالطعام الى اجل، لأن اللبن من
الشاة، وليس الطعام منها، قال والشاة بالطعام الى اجل إذا لم تكن شاة لحم
جائز- وان أريد بها الذبح، فإن کانت شاة لحم فلا، قال وكذلك السمن الى
أجل بشاة لبون لا يجوز، وان لم يكن فيها لبن جاز، قال ويجوز الجميع يدا
بید.
قال أبو عمر: كان القياس ان الشاة إذا لم يكن في ضرعها لبن وجاز بيعها
باللبن يدا بيد- وان كانت لبونا- ان يجوز بيعها باللبن إلى أجل إذا لم يكن
في ضرعها لبن في حين عقد التبایع، وان كانت اللبون كغير اللبون، فإن
كانت اللبون يراعى اخذها وان لم يكن فيها لبن ويقام مقام اللبن، فغير
جائز ان تباع باللبن، وان لم يكن فيها لبن يدا بيد- والله أعلم.
وقال الأوزاعي يجوز شراء زيتونة فيها زيتون بزيتون، وشاة في ضرعها
لبن بلبن، لأن الزيتون في شجرة، واللبن في الضرع لغو. وقال الشافعي،
وأبو حنيفة، وأصحابهم: لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام الى أجل، ولا
يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن- لا يدا بيد، ولا
الى اجل، ولكل واحد منهم حجج من طريق النظر والاعتبار يطول ذكرها،
والاصل في هذا الباب المزابنة، فما لا يجوز الا مثلا بمثل، لم يجز ان يباع منه
معلوم بمجهول، ومن وقع عليه اسم طعام، فلا يجوز ان يباع منه شيء
بشيء إلى اجل، جاز فيه التفاضل أو لم يجز، لأن رسول الله مَلآ نهى عن
الطعام إلا يدا بيد، فهذا الاصل في هذا الباب لمن وفق وفهم - والله
المستعان.
وقد روى هذا الحديث عن مالك، يزيد بن عبد الله بن الهادي شيخه:
حدثني أحمد بن فتح، قال حدثنا أحمد بن الحسن الرازي، قال حدثنا مقدام
ابن داود، قال حدثني إسحاق بن بكر بن مضر، قال حدثني أبي عن یزید

فتح البر
٤٠٠٠
=
ابن عبد الله بن الهادي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، انه
سمع رسول الله وَ ل﴿ يقول لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم
ان تؤتى مشربته؟ فذكره حرفا بحرف(١).
وفي هذا الحديث أيضا على ما استدل به أصحابنا وغيرهم ما يرد - ما
ذهب اليه من قال إنه جائز للمرتهن الشاة، أو البقرة، أو الدابة، ان يحلب أو
يركب ذلك الرهن، وتكون عليه نفقة الدابة، أو البقرة، أو رعيها، أو رعي
الشاة أو نفقتها، وممن ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه،
وحجتهم حديث الشعبي عن أبي هريرة عن النبي وَّ: الرهن مركوب
ومحلوب(٢)، وبعض رواته يقول فيه: الرهن يركب أو يجلب بقدر نفقته،
وعلى الذي يركب ويحلب نفقته، وهذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده
أصول يجتمع علیھا، وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، وقد أجمعوا ان لیس
الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو من أن يكون احتلاب المرتهن له بإذن
الراهن، أو بغير اذنه، فان كان بغير اذنه، ففي حديث ابن عمر عن النبي
وَالله: لا يحتلبن أحد ماشية أحد الا بإذنه، ما يرده ويقضي بنسخه، مع ما
ذكرنا من تحريم مال المسلم إلا عن طيب نفس. وإن كان بإذنه، ففي
الاصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغرر، وبيع ما ليس عندك،
وبيع ما لم يخلق ما يرد ذلك أيضا، وفيما ذكرنا صحة ما ذهب إليه أصحابنا،
وجمهور الفقهاء في حديث أبي هريرة: الرهن يركب ويحلب بنفقته، انه
منسوخ، وان ذلك كان قبل نزول تحريم الربا- والله أعلم.
(١) سبق تخريجه في حدیث الباب.
(٢) خ (٢٥١١/١٧٩/٥-٢٥١٢)، د(٣٥٢٦/٧٩٨٠٠٠٧٩٥/٣)، ت(١٢٥٤/٥٥٥/٣) جه
(٢٤٤٠/٨١٦/٢).