النص المفهرس

صفحات 301-320

العشرة وحسن الخلق
٣٠١ =
ابن سعيد، وقالا في حديث عفان، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد
ابن يحيى بن حبان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام، قالت: بينما رسول الله
00* قائلا في بيتي، فاستيقظ وهو يضحك، فقلت بأبي أنت أيا رسول الله
وَلّ، مم تضحك؟ قال: عرض عليَّ ناس من أمتي، يركبون ظهر البحر،
كالملوك على الأسرة، فقلت يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، قال:
اللهم اجعلها منهم، ثم نام، فاستيقظ وهو يضحك فقلت بأبي أنت يا
رسول الله، مما تضحك؟ قال: عرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر البحر
كالملوك على الأسرة، فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال : أنت من
الأولين، فغزت مع زوجها عبادة بن الصامت في البحر، فلما قفلوا وقصت
بغلت لها فماتت(١)، هكذا في هذا الحديث فغزت معها زوجها عبادة بن
الصامت، وروى هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس قال: اتكأ
رسول الله ◌َّ عند بنت ملحان فساق هذا الحديث بنحو ما ذكرنا إلا أنه
قال في آخره فنكحت عبادة بن الصامت فركبت مع ابنة قرظة فلما قفلت
وقصت بها دابتها فقتلها فدفنت ثم ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا
حسين بن علي عن زائدة عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس وذكر ابن
وهب عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار هذا
الحديث بمعناه وقال: قال عطاء بن يسار وشهدت أنا تلك الغزوة مع المنذر
ابن الزبير، فكانت معه في غزوتنا فماتت بأرض الروم. وذكر خليفة بن
خياط عن ابن الكلبي وقال وفي سنة ثمان وعشرين غزى معاوية بن أبي
سفيان في البحر ومعه أمرأته فاختة بنت قرظة من بني عبد مناف ومعه
عبادة بن الصامت ومعه امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، فأتى
قبرص فتوفيت أم حرام فقبرها هناك.
(١) تقدم تخريجه: انظر حديث الباب.

فتح البر
٣٠٢٥
قال أبو عمر: لم يختلف أهل السير فيما علمت أن غزاة معاوية هذه
المذكورة في حديث هذا الباب إذ غزت معه أم حرام، كانت في خلافة عثمان
لا في خلافة معاوية قال الزبير بن أبي بكر ركب معاوية البحر غازيا
بالمسلمین في خلافة عثمان بن عفان الی قبرص ومعهه أم حرام بنت ملحان
زوجة عبادة بن الصامت فركبت بغلتها حين خرجت من السفينة فصرعت
عن دابتها فماتت(١).
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.

العشرة وحسن الخلق
٣٠٣ =
11
ما جاء في الاستئذان على الأم ونحوها
[١١] مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ێ سأله رجل
فقال: يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال الرجل: اني معها في
البيت، قال رسول الله وَله: استأذن عليها، فقال الرجل: إني خادمها، فقال له
رسول الله صل: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن
عليها(١).
قال أبو عمر: روی هذا الحدیث ابن جريج عن زیاد بن سعد، عن
صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، مثل حديث مالك سواء. وهذا
الحدیث لا أعلم يستند من وجه صحیح بهذا اللفظ، وهو مرسل صحيح
مجتمع على صحة معناه؛ ولا يجوز عند أهل العلم أن يرى الرجل أمه ولا
ابنته ولا أخته ولا ذات محرم منه عريانة، لأن المرأة عورة فيما عدا وجهها
وكفيها، ولا يحل النظر إلى عورة أحد عند الجميع لا يختلفون في ذلك؛
وتأمل وجه المرأة الحرة وإدمان النظر اليها لشهوة لا يجوز، لانه داع إلى
الفتنة؛ وقد اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِرَ أَوْ ءَابَآيِهِنَ﴾ [النور: (٣١)]. الآية كلها على ما نذكره في
أولى المواضع به إن شاء الله.
ومن ذلك ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثني أبو صالح عبد الله بن
صالح، قال حدثني معمر بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس
في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِرَ﴾ [النور ٣١] الآية. قال: الزينة
(١) هق (٩٧/٧)، وأخرجه من طرق عن حذيفة: ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف
(١٧٦٠٠/٤٢/٤)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٩٤٢١/٣٨٠).

فتح البر
١ = ٣٤
التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالها وخصرها
وجیدها وشعرها، فإنها لا تبدي ذلك إلا لزوجها.
قال أبو عمر: وهو مذهب ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، والشعبي؛
وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن
جریر، قال حدثنا محمد بن المثنی، قال حدثنا حجاج بن منھال، قال حدثنا
حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي وعكرمة في
قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِىّ ءَابَآِهِنَّ وَلَّ أَبْنَابِهِنَ﴾ [الأحزاب: (٥٥)]. الآية.
قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا: لأنهما ينعتاهما لأبنائهما،
وقد قيل إن العم والخال يجريان مجرى الوالدين، لأنهما ذوا محرم،
فاستغنی بذکر من ذکر من ذوي المحارم عن ذكرهما.
وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن
جرير، قال حدثنا علي بن سهل، قال حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان
في المرأة تخرج ثديها من كمها ترضع صبيها بين يدي ذي محرم منها فكرهه.
وقد اختلف العلماء أيضا في هذا الباب، فكان الشعبي وطاوس
والضحاك يكرهون أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وذوات محرمه.
وروي عن جماعة من السلف أنهم کانوا یفلون أمهاتهم، وممن روی ذلك
عنه من العلماء: أبو القاسم محمد بن علي بن الحنيفة، وأبو محمد بن علي بن
الحسين، وطلق بن حبيب، ومورق العجلي؛ وعلى قول هؤلاء ائمة الفتيا
بالأمصار في أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه، وكذلك شعور ذوات
المحارم العجائز دون الشواب ومن يخشى منه الفتنة على ما ذكرت لك.
وذکر سنید قال حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي

العشرة وحسن الخلق
:٣٠٥ =
رباح، قال: قلت لابن عباس: استأذن على أخوتي يتامى في حجري معي في
بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى، قال: أتحب أن
تراهن عراة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن. فراجعته فقال: أتحب أن تطيع الله؟
قلت: نعم. قال: فقال لي سعيد بن جبير: إنك لتردد عليه. قال: قلت:
أردت أن يرخص لي. قال: وحدثنا ابن جريج، قال أخبرني ابن طاوس، عن
أبيه، قال: ما من امرأة أكره الي أن أراها عريانة أو أرى عريتها من ذات
محرم، قال: وكان يشدد في ذلك؛ قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب على
الرجل أن يستأذن على أمه وذوات قرابته؟ قال: نعم، فقلت: بأي وجبت؟
قال: بقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ فَلْيَسْتَعْذِنُواْ﴾
[النور: (٥٩)].
قال سنید: وحدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، قال سمعت
هذيل بن شرحبيل الأزدي الأعمى، انه سمع ابن مسعود يقول: عليكم
إذن على أمهاتکم.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا.
حدثنا عبد الرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن
وهب، قال حدثنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
أنه قال: يستأذن الرجل على أمه، وأنها أنزلت: ((وإذا بلغ الأطفال منكم
الحلم» في ذلك.
قال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي عبد
الرحمن الحبلي، أنه قال: كان رجال من الفقهاء يكرهون أن يلج الرجل على
أمته إذا كانت متزوجة حتى يستأذن عليها.

فتح البر
=٣٠٦
وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سألت ابن
عباس قلت: إن لي اختين أعولهما وأنفق عليهما - وهما معي في البيت،
أفأستأذن عليهما؟ قال: نعم، فأعدت عليه، فقال: أتحب أن تراهما
عریانتین؟ قلت: لا، قال: فاستأذن علیھما.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا القعني، قال حدثنا الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن
عكرمة، أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس، كيف ترى في هذه
الآية التي أمرنا بما أمرنا فيها ولا يعمل بها أحد: قول الله عز وجل:
لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَئِكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوْةٍ
اُلْفَجْرِ﴾ [النور: (٥٨)]. وقرأ القعنبي - إلى عليم حكيم؟
قال ابن عباس: ان الله رحیم بالمؤمنین یحب الستر، و کان الناس لیس
لبيوتهم ستور ولا حجال؛ فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيم الرجل على
أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، ثم جاءهم الله بالستور
والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد(١) .
وذكر ابن وهب قال: أخبرني قرة، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي
مالك، أنه سأل عبد الله بن سويد الحارثي - وكان من أصحاب رسول الله
بيّ عن الإذن في العورات الثلاث، فقال: إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم
يلج عليَّ أحد من الخدم الذين بلغوا الحلم، ولا أحد ممن لم يبلغ الحلم من
الأحرار إلا بإذن، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء، ومن قبل صلاة
الفجر.
(١) د: (٥١٦٢/٣٧٧/٥)، هق: (٧ / ٩٧)

العشرة وحسن الخلق
: ٣٠٧
وقال أبو بكر الأثرم سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل، عن الرجل
ينظر الى شعر أم امرأته أو امرأة ابنه أو امرأة أبيه؟ فقال: هذا في القرآن:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَّبِهِنَّ أَوْ ءَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾
[النور: (٣١)]. وكذا وكذا الآية. قلت: ينظر إلى ساق امرأة أبيه أو ابنه؟
فقال: ما أحب أن يرى ذلك من أخته وأمه، فكيف بغيرهما.
روی حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن إبراهیم، انه کان لا یری بأسا ان
ينظر الرجل إلى شعر أمه وابنته وخالته وعمته، وكره الساقين.
وقال ابن وهب: سئل مالك عن المرأة- لها العبد نصفه حر أيرى
شعرها؟ فقال: لا. فقيل له: فلو كان لها كله أيرى شعرها؟ فقال: أما العبد
الوغد من العبيد، فلا أرى بذلك بأسا، وان كان عبدا فارها، فلا أرى ذلك
لها. قال مالك: والستر أحب الي.
قال أبو عمر: اختلف العلماء في معنى قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾
في الآيتين، أحداهما في سورة النور قوله: ﴿وَلْيَضْرِيِّنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابََّبِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْنَآَبِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِىّ إِخْوَذِهِنَّ أَوْ بَنِىّ أَخَوَتِهِنَّ
أَوْ نِسَاءِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. والأخرى في سورة الأحزاب:
قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىّ ءَابَآبِنَّ وَلَ أَبْنَابِهِنَّ وَلَآَ إِخْوَتِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَنِهِنَّ وَلَّ
أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآَبِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: (٥٥)]. ذكر
إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو
اسامة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن طارق، عن ابن المسيب، قال: لا
تغرنكم هذه الآية: ((أو ما ملكت أيمانكم))، إنما عني بها الآباء ولم يعن بها
العبيد. قال: وأخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا شريك، عن السدي، عن أبي
مالك، عن ابن عباس، قال: لا بأس ان ينظر المملوك إلى شعر مولاته.

فتح البر
٣٠٨
قال أبو عمر: الى هذا ذهب مالك، وأجاز نظر العبد الى شعر مولاته،
وروي مثل ذلك عن بعض أمهات المؤمنين. وقالت به طائفة، وكره ذلك
جماعة من علماء التابعين ومن بعدهم.
وممن كره ذلك: سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، والشعبي،
ومجاهد، وعطاء، قال إسماعيل: حديث نبهان مولى أم سلمة يدل على أنه
يجوز للعبد ان يرى من سيدته ما يراه ذو المحارم منها - مثل الأب والأخ،
لأنه لا يحل له ان يتزوج سيدته ما دام مملوكا، لكنه لا يدخل في المحرم الذي
يحل لها ان تسافر معه، لأن حرمته لا تدوم، وتزول بزوال الرق إذا اعتقته.
قال أبو عمر: هذا يقضي على قوله: لأن من لا تدوم حرمته، لا يكون ذا
محرم مطلقا، واذا لم يكن كذلك، فالاحتياط ان لا يرى العبد شعر مولاته-
وغدا کان أو غیر و غد، وقد يستحسن ويستحب الوغد لأشياء، وقد سوى
الله بين المملوك والحر في هذا المعنى فقال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ
فَلْيَسْتَعْذِفُواْ﴾ [النور: (٥٩)]. وقال: ﴿ لِيَسْتَعْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾ [النور: (٥٨)].
وحديث أم سلمة لم يروه إلَّ نبهان مولاها ـــ وليس بمعروف بحمل
العلم، ولا يعرف إلا بذلك الحديث وآخر، وحديث عائشة معلول أيضا،
وأكثر العلماء يجعلون العبد البالغ كالحر، ولا يجيزون له النظر إلى شعر
سيدته إلا لضرورة، وينظر منها إلى وجهها وكفيها، لأنهما ليسا بعورة منها.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
ابن وضاح، قال حدثنا دحيم، قال حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا
الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد، أن رسول الله وَ لا قال: إنما
جعل الإذن من أجل البصر(١).
(١) خ (٦٢٤١/٢٨/١١)، م (٢١٥٦/١٦٩٨/٣[٤٠-٤١])، ت (٢٧٠٩/٦١/٥)،
ن (٨/ ٤٣١ /٤٨٧٤).

العشرة وحسن الخلق
1
٣٠٩ _
يسلم الراكب على الماشي،
وإذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم
[١٢] مالك، عن زيد بن أسلم، ان رسول الله آل﴾ قال: يسلم الراكب على الماشي، واذا
سلم من القوم واحد أجزأ عنهم (١).
لا خلاف بين رواة الموطأ في ارسال هذا الحديث هكذا.
وفي هذا الباب حدیث على بن أبي طالب مسند، وسنذكره فیه ان شاء
الله. وزعم البزار ان فيه عن أبي هريرة. وهو حديث بين المعنى، مستغن عن
التأويل، الا ان الفقهاء اختلفوا في القول به: فقال مالك والشافعي
وأصحابهما، وهو قول أهل المدينة: إذا سلم رجل على جماعة من الرجال،
فرد عليه واحد منهم، أجزأ عنهم؛ وشبهه الشافعي -رحمه الله- بصلاة
الجماعة، والتفقه في دين الله، وغسل الموتى، ودفنهم، والصلاة عليهم،
وبالسفر الى أرض العدو لقتالهم، قال: هذه كلها فروض على الكفاية، إذا
قام بشيء منها بعض القوم، أجزأ عن غيرهم.
قال أبو عمر:
الحجة في فرض رد السلام قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا حُيِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]. والحجة في أن هذا الفرض لا يتعين في
هذه المسألة، حديث زيد بن أسلم هذا، وقال أبو جعفر الأزدي الطحاوي:
حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، انه كان ينكر الحديث
الذي روى عن النبي ◌َّ انه قال: إذا رد السلام بعض القوم أجزأ عن
(١) عبد الرزاق في المصنف مرسلا (١٩٤٤٣/٣٨٧/١٠).

فتح البر
-٣١٠
1
الجميع، وقال لا يجزئ الا أن يردوا جميعا. قال أبو جعفر: ولا نعلم في هذا
الباب شيئا روى عن النبي ◌َّ و غير حديث مالك عن زيد ابن أسلم، وشيء
روى فيه عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن رسول الله وَله. وكلا
الوجهین لا يحتج به، قال: وحديث زيد بن أسلم، انما فيه إذا سلم من القوم
واحد أجزأ عنهم. قال: وانما هو ابتداء السلام، وابتداء السلام خلاف رد
السلام، لأن السلام المبتدأ تطوع، ورده فريضة. قال: وليس هو من
الفروض التي على الكفاية، لأنه لو كان مع القوم نصراني، فرد النصراني
دون أحد من المسلمين، لم يسقط ذلك عنهم فرض السلام، فدل على أن
فرض السلام من الفروض المتعينة، التي تلزم كل انسان بنفسه.
قال أبو عمر:
أما قوله: ان حدیث زید بن أسلم هذا معناه الابتداء، فغير مسلم له ما
ادعاه من ذلك، وظاهر الحديث يدل على خلاف ما تأول فيه، وذلك قوله:
أجزأ عنهم، لأنه لا يقال اجزأ عنهم، الا فيما قد وجب عليهم، والابتداء
بالسلام لیس بواجب عند الجمیع، ولکنه سنة وخیر وأدب، والرد واجب
عند جميعهم. فاستبان بقوله: اجزأ عنهم، انه أراد بالحديث الرد - والله
أعلم -. هذا وجه الحديث، فبطل ما تأول الطحاوي، وصح ما ذهب اليه
فقهاء الحجاز. وأما قوله: فإنه لا یروی في هذا غیر حدیث زید بن اسلم،
وحديث أبي النضر، وهما منقطعان، فلیس کما قال عندنا، وقد روینا بإسناد
متصل من حديث علي بن أبي طالب عن النبي وَلّ، معنى ما ذهب اليه
مالك، والشافعي، ومن قال بقولهم: حدثنا خلف بن القاسم الحافظ، قال:
حدثنا الحسن بن رشیق، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال:
حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال:

العشرة وحسن الخلق
٣١١=
حدثنا سعيد بن خالد، قال: حدثني عبد الله بن الفضل، عن عبيد الله بن
أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله وَله: يجزى من الجماعة
إذا مرت أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن القعود أن يرد أحدهم(١).
ففى هذا الحدیث بیان موضع الخلاف، وقطع التنازع، لانه سوی بین
الابتداء والرد، وجعل ذلك على الكفاية، وهو حديث حسن لا معارض
له. وسعید بن خالد هذا، هو سعید بن خالد اخزاعي، مدني، لیس بہ باس
عند بعضهم، وقد ضعفه جماعة، ومنهم أبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن
شيبة، وجعلوا حديثه هذا منكرا، لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد. على أن عبد
الله بن الفضل، لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع، بينهما الاعرج في غير ما
حديث - فالله أعلم، وسائر الإسناد، اشهر من ان يحتاج إلى ذكرهم. وذكر
أبو داود هذا الخبر عن الحسن الحلواني، عن عبد الملك بن إبراهيم الجدى،
عن سعيد بن خالد الخزاعي، بإسناده مثله(١).
وقد روى ابن جريج هذا الخبر عن زيد بن أسلم بهذا المعنى مكشوفا:
حدثنیه عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
ابن وضاح، قال: حدثنا یوسف بن عدی، قال: حدثني عیسی بن یونس،
عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله وتلقى: اذا مر القوم
على المجلس فسلم منهم رجل، أجزأ ذلك عنهم، واذا رد من أهل المجلس
رجل، أجزأ ذلك عنهم(١).
(١) د(٥/ ٥٢١٠/٣٨٧)، أبو يعلى في مسنده (٤٤١/٣٤٥/١)، ابن السني (٢٢٠)، وفي إسناده
سعيد بن خالد الخزاعي المدني. قال الحافظ في التقريب ضعيف وقد حسن الشيخ ناصر إسناده
في الإرواء (٧٧٨/٢٤٢/٣).

فتح البر
= ٣١٢
قال أبو عمر:
روى في هذا الباب عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي
وَ يّ، ولا يصح بهذا المعنى فيه شيء غير ما ذكرنا- والله أعلم: حدثنا أحمد
ابن قاسم، وعبد الوارث، قالا: حدثنا قاسم، حدثنا الحارث بن أبي أسامة،
حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، قال: حدثنا الوليد انه سمع جابر
ابن عبد الله يقول: قال رسول الله وقيل: يسلم الراكب على الماشي، والماشي
على القاعد، والماشيان أيهما بدأ بالسلام فهو أفضل(١). وبهذا الإسناد عن
ابن جريج قال: أخبرني زياد، أن ثابتا مولى عبد الرحمن بن زيد، أخبره أنه
سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله و لا يسلم الراكب على الماشي، والماشي
على القاعد، والقليل على الكثير(٢).
ومعنى قوله أجزأ: في الابتداء أي أجزا في السنة المندوب اليها - كما يقال
من أتی الوليمة، أجزأه التبریك والدعاء- إذا كان صائما. وانما قلنا هذا،
بدليل اجماعهم على ان الابتداء بالسلام سنة، وان الرد فرض على ما ذكرنا
من اختلافهم في تعيينه وكفايته، والابتداء ليس كذلك عند جميعهم: أخبرنا
عبد الرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن وهب،
قال: حدثني جرير بن حازم، عن سلمان بن مهران، عن زيد بن وهب،
عن ابن مسعود، قال: السلام اسم من اسماء الله عز وجل، وضعه في
الأرض، فافشوه بینکم، فإن الرجل إذا سلم على القوم فردوا علیه، كان له
(١) البخاري في الأدب المفرد (١٤٣ و١٤٤ و١٤٥)، حب: (الإحسان (٤٩٨/٢٥١/٢))، وفيه
ابن جريج وأبو الزبير وهما مدلسان وقد صرحا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسهما لذلك قال
الحافظ في الفتح (( سنده صحيح)).
(٢) حم (٣٢٥/٢ - ٥١٠)، خ (١١ / ١٧ / ٦٢٣٢-٦٢٣٣)، وفي الأدب المفرد (١٤٤ - ١٤٥)، م
(٤/ ٢١٦٠/١٧٠٣)، د(٥١٩٩/٣٨١/٥).

العشرة وحسن الخلق
٣١٣ -
علیهم فضل درجة، لأنه ذکرهم، فان لم يردوا عليه، رد عليه من هو خير
منهم وأطيب. قال: وأخبرني أسامة بن زيد، عن نافع قال: كنت أساير
رجلا من فقهاء الشام، يقال له عبد الله بن أبي زكرياء، فحبستني دابتي
تبول، ثم أدركته ولم أسلم، فقال: ألا تسلم؟ فقلت: انما كنت معك آنفا،
فقال: وإن، لقد كان أصحاب رسول الله وَ 38 يتسايرون فتفرق بينهم
الشجرة، فاذا التقوا، سلم بعضهم على بعض. وقال ابن عباس وابن عمر:
انتهى السلام إلى البركة، كما ذكر الله عز وجل عن صالح عباده:
﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: (٧٣)]. وكانا يكرهان أن يزيد
أحد في السلام على قوله: وبركاته، والله الموفق للصواب.

٣١٤
فتح البر
صفة رد السلام على اليهود والنصارى ونحوهما
[١٣] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ◌َالآن : ان
اليهود إذا سلم عليكم أحدهم، فانما يقول: السام عليكم، فقل: عليك(١).
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: عليك، على لفظ الواحد،
وتابعه قوم، وقال القعنبي وغيره فيه عن مالك: عليكم، على لفظ الجماعة،
ولم يدخل واحد منهم فیه الواو عن مالك، وكذلك رواه الدراوردي، عن
عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّة: ان اليهود إذا سلم
عليكم أحدهم فانما يقول: السام عليكم، فقولوا عليكم - بلا واو أيضا كما
قال مالك(١).
ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي ◌َّ مثله،
فقال فيه: وعليكم - بالواو؛ وكذلك في حديث قتادة عن أنس: وعليكم.
قال أبو داود: وكذلك رواية عائشة، وأبي عبد الرحمن الجهني، وأبي
بصرة الغفاري.
قال أبو عمر: في هذا الحديث بيان ما عليه اليهود من العداوة للمسلمين،
وبذلك كانوا يضعون موضع السلام على المسلمين الدعاء عليهم بالموت،
والسام الموت في هذا الموضع، وهو معروف في لسان العرب.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا عبد الله بن روح، قال: حدثنا شبابة بن سوار الفزاري،
(١) خ (٦٢٥٧/٥٠/١١)، م (٢١٦٤/١٧٠٦/٤[٨])، د(٥٢٠٦/٣٨٤/٥) وقال: وكذلك رواه
مالك عن عبد الله بن دينار ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، قال فيه: ((وعلیکم))، ت
(٤/ ١٣٢/ ١٦٠٣).

العشرة وحسن الخلق
٣١٥
قال: حدثنا الحسام بن مصك، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة
الأسلمي، قال: قال رسول الله ويلقي: عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها
شفاء من كل داء إلا السام - والسام: الموت (١) - وذكر تمام الحديث في
تفسير استعمال الحبة السوداء، وهو الشونيز.
وروى مثل هذا الحديث عن النبي ◌َ* أبو هريرة من حديث الزهري عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة (٢)، ومن حديث العلماء، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على وجوب رد السلام على كل من سلم
بمثل سلامه، إلا أن تكون تحية طيبة، فيجوز أن يرد المحيا أفضل مما حيي به
أو مثله، لا ينقص منه، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا خُيِّيْثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
◌ِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: (٨٦)] ولم يخص مسلماً من ذمي.
وفي قوله عز وجل: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآَ﴾ دليل على أنه أراد التحية
الحسنة؛ وأما التحية السيئة، فليس على سامعها أن يحيي بأحسن منها؛ وإن
فعل فقد أخذ بالفضل؛ وعليه أن يرد مثلها؛ بدليل هذا الحديث: قوله وَله:
فقل: وعليك؛ وقد سلف القول في معنى وجوب السلام ورده للجماعة
والواحد، في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا، فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا أشهل بن حاتم، عن ابن عون،
(١) حم (٣٤٦/٥ -٣٥٤)، قال: ثنا أسود بن عامر ثنا زهير واصل بن حبان البجلي ثني عبد الله بن
بريدة عن أبيه عن النبي وَليفر. قال الهيثمي في المجمع (٨٧/٥): رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح، الا أن الإمام أحمد قال سمع زهير بن واصل بن حبان، وصالح بن حبان فجعلهما
واصلان، قلت: واصل ثقة، وصالح بن حبان ضعيف. وهذا الحديث من رواية واصل في
الظاهر، والله أعلم.
(٢) خ: (٥٦٨٨/١٧٦/١٠)، م: (٢٢١٥/١٧٣٥/٤)، ت: (٢٠٤/٣٣٧/٤)، جه:
(١١٤/٢/ ٣٤٤٧).

فتح البر
قال: أنبأني حمید بن زاذویه، عن أنس، قال: أمرنا أو نهينا ان لا نزيد أهل
الکتاب علی: وعليكم(١).
وحدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا عبد الله
ابن روح المدائني، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن
عون، فذكره بإسناده- سواء.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا أبو
داود، قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن
أنس، ان أصحاب النبي وَل قالوا للنبي ◌ّر: ان أهل الكتاب يسلمون
علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: قولوا: وعليكم(٢).
وأما ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقد اختلف فيه السلف ومن بعدهم،
فكره طائفة ان يبتدأ أحد منهم بالسلام لحديث سهيل بن أبي صالح، عن
أبيه، عن أبي هريرة، ان رسول الله وَ ﴿ قال: لا تبدؤوهم بالسلام، واذا
لقيتموهم في طريق فاضطروهم الى أضيقه(٣). وقال أحمد بن حنبل: المصير
الى هذا الحديث أولى مما خالفه.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد
الألهاني وشر حبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، انه كان لا يمر بمسلم
ولا يهودي ولا نصراني، الا بدأ بالسلام.
وروى عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وفضالة بن عبيد، انهم كانوا
يبدأون أهل الذمة بالسلام، وعن ابن مسعود، انه كتب الى رجل من أهل
الكتاب: السلام عليكم.
(١) حم (١١٣/٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٤١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) م (٤ /٢١٦٣/١٧٠٥[٧])، د (٥٢٠٧/٣٨٥/٥)، جه (٣٦٩٧/١٢١٩/٢).
(٣) حم (٢/ ٢٦٣ -٢٦٦)، م (٤ / ١٧٠٧ / ٢١٦٧ [١٣])، د (٥ / ٣٨٣ / ٥٢٠٥)،
ت (٢٧٠٠/٦٠/٥)، هق: (٩/ ٢٠٣).

العشرة وحسن الخلق
٣١٧-
وعنه أيضا انه قال: لو قال لي فرعون خيرا، لرددت عليه مثله.
وروى الوليد بن مسلم، عن عروة بن رويم قال: رأيت أبا أمامة الباهلي
يسلم على كل من لقي من مسلم وذمي، ويقول: هي تحية لأهل ملتنا،
وأمان لأهل ذمتنا، و اسم من أسماء الله نفشیه بيننا.
وقيل لمحمد بن كعب القرظي: ان عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء
أهل الذمة؟ فقال: نرد عليهم ولا نبدأهم، فقال: أما أنا، فلا أرى بأسا ان
نبدأهم بالسلام، قيل له: لم؟ قال: لقول الله عز وجل: ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ
وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: (٨٩)].
ومذهب مالك في ذلك کمذهب عمر بن عبد العزيز، وأجاز ذلك ابن
وهب، وقد يحتمل -عندي- حديث سهيل ان يكون معنى قوله: لا
تبدؤوهم، أي لیس علیکم ان تبدؤوهم کما تصنعون بالمسلمین، واذا حمل
على هذا، ارتفع الاختلاف.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا إسماعيل بن إسحاق، وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد
ابن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قالا جميعا: حدثنا حفص بن عمر الحوضي،
قال: حدثنا شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، قال: خرجت مع أبي الى الشام،
قال: فجعلوا يمرون بصوامع فيها نصارى، فيسلمون عليهم، فقال أبي: لا
تبدؤوهم بالسلام، فإن أبا هريرة حدثنا عن رسول الله و لو قال: لا
تبدؤوهم بالسلام، واذا لقيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيق
الطريق (١).
(١) تقدم في الباب نفسه.

=٣١٨
فتح البر
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان: قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهیر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن نمير عبد الله، عن
محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله الیزني، عن
أبي عبد الرحمن الجهني، قال: سمعت النبي وَلم يقول: إني راكب غدا الى
يهود، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم(١).
قال أبو عمر: فهذا الوجه المعمول به في السلام على أهل الذمة والرد
عليهم، ولا أعلم في ذلك خلافا- والله المستعان.
وقد روی سفيان بن عیینة، عن زمعة بن صالح قال: سمعت ابن طاوس
يقول: اذا سلم عليك اليهودي أو النصراني فقل: علاك السلام - أي ارتفع
عنك السلام.
قال أبو عمر: هذا لا وجه له مع ما ثبت عن النبي ◌َّةٍ ولو جاز مخالفة
الحديث الى الرأي في مثل هذا، لا تسع في ذلك القول، وكثرت المعاني: ومثل
قول ابن طاوس، في هذا الباب، قول من قال: يرد على أهل الكتاب: عليك
السلام - بكسر السن- يعني الحجارة، وهذا غاية في ضعف المعنى، ولم يبح
لنا ان نشتمهم ابتداء وحسبنا ان نرد عليهم بمثل ما يقولون في قول:
وعليك، مع امتثال السنة التي فيها النجاة لمن تبعها- وبالله التوفيق.
وقد ذكرنا في باب ابن شهاب حكم من سب النبي ◌ّ من أهل الذمة،
لأن بعض الفقهاء جعل قول اليهود -ههنا - من باب السب: قوله: السام
علیکم، وهذا -عندي- لا وجه له، والله أعلم.
(١) حم (٤/ ٢٣٣)، جه (٢ /٣٦٩٩/١٢١٩)، وابن أبي شيبة (٢٥٧٦١/٢٥٠/٥)، قال
البوصيري في الزوائد: في إسناده ابن إسحاق وهو مدلس. قلت: ولكن صرح بالتحديث عند
الإمام أحمد (٢٣٣/٤) وبذلك تزول شبهة تدليسه.

العشرة وحسن الخلق
٣١٩ =
فضيلة المصافحة
[١٤] مالك، عن عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: قال رسول الله وَله: تصافحوا
يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء (١).
وهذا يتصل من وجوه شتی حسان کلها:
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء المقدسي،
قال: حدثنا جعفر بن محمد بن حماد، قال حدثنا آدم بن أبي إیاس، حدثنا
سليمان بن حيان، حدثنا الأجلح، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: قال
رسول الله وَطلقة: ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان، إلا غفر لهما قبل أن
يفترقا(٢).
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو خالد الأحمر، وابن نمير،
عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: قال رسول الله وَ﴾﴾. فذكره
حرفابحرف.
(١) قال المنذري في الترغيب والترهيب (١٤/٣٣٤/٣): ((رواه مالك هكذا معضلا، وقد أسند من
طرق فيها مقال)). قلت: وأخرجه موصولا من حديث أبي هريرة: البخاري في الأدب المفرد
(٥٩٤)، وابن عدي في الكامل (١٠٤/٤)، هق (١٦٩/٦)، من طرق عن ضمام بن إسماعيل
قال: سمعت موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعا به. قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٧٠):
إسناده حسن. وأخرجه من حديث عائشة بلفظ: ((تهادوا تزدادوا حبا)) ابن عساكر، والطبراني في
المعجم الأوسط والقضاعي (٢/ ٥٥) من طريق المثنى أبي حاتم عن عبيد الله بن العيزار عن
القاسم بن محمد بن أبي بكر عنها. قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٧٠): ((وفي إسناده نظر)) وذكره
الهيثمي في المجمع (١٤٩/٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المثنى أبو حاتم ولم أجد من
ترجمه و کذلك عبيد الله العیزار.
(٢) حم: (٢٨٩/٤ و٣٠٣)، د(٥٢١١/٣٨٨/٥-٥٢١٢)، ت (٢٧٢٧/٧٠/٥)، وقال: هذا
حديث حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء. جه (٢/ ١٢٢٠/ ٣٧٠٣)، وفي إسناده
الأجلح وهو يحيى بن عبد الله أبو حجية الكوفي الشيعي، فيه مقال. لكن للحديث شواهد يتقوى
بها. انظر الصحیحة (٥٢٥/٤٤/٢).

== ٣٢٠
سـ
فتح البر
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي
قال حدثنا عامر بن محمد بن عبد الرحمن القرمطي، قال حدثنا حميد بن
مسعدة، حدثنا عمر بن حمزة، حدثنا المنذر بن ثعلبة، عن أبي العلاء بن
الشخير، عن البراء بن عازب، قال: لقيت رسول الله صل ﴾ فأخذ بيدي،
فقلت يا رسول الله، ان كنت لأحسب ان المصافحة للأعاجم، فقال: نحن
أحق بالمصافحة منهم، ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه
مودة بينهما ونصيحة، إلا ألقيت ذنوبهما بينهما(١).
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو
یحیی بن أبي مسرة، قال حدثنا إسماعيل بن عيسى بن سليم البصري.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أبو قلابة، حدثنا عمر
ابن عامر أبو حفص، قالا حدثنا عبيد الله بن الحسن القاضي بالبصرة، قال
حدثنا سعید الجریري، عن أبي عثمان النهدي، قال إسماعيل بن عيسى، عن
عمر بن الخطاب، وقال عمر بن عامر: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال
رسول الله ﴾﴾: إذا التقى المسلمان، فتصافحا، أنزل الله عليهما مائة رحمة،
تسعون منها للذي بدأ بالمصافحة، وعشر للذي صوفح، وكان أحبهما الى
الله أحسنهما بشرا بصاحبه(٢).
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
الديبلي، حدثنا عامر بن محمد، حدثنا أبو صالح حمزة بن مالك الأسلمي،
(١) قال الحافظ في الفتح (٦٥/١١): أخرجه أبو بكر الروياني في مسنده.
(٢) ذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٤٠) وقال: ((رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم)). وأخرجه الحكيم
وأبو الشيخ والبزار، ورمز اليه السيوطي بعلامة الحسن، وتعقبه المناوي في الفيض (١/ ٣٠١)
بعد أن ساق كلام الهيثمي السابق، بقول: (( فرمز المصنف لحسنه غير حسن الا أن يريد لاعتضاده
فقد رواه الطبراني بسند أحسن من هذا، بلفظ: إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا الى أخره)).