النص المفهرس
صفحات 261-280
العشرة وحسن الخلق ٢٦١ ما جاء في الاستئذان [٦] مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير وأحد من علمائهم: أن أبا موسى الأشعري جاء يستأذن على عمر بن الخطاب، فاستأذن ثلاثا، ثم رجع فأرسل عمر ابن الخطاب في إثره، فقال مالك لم تدخل؟ فقال أبو موسى: سمعت رسول الله وَلّ يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل، وإلا فارجع، فقال عمر ابن الخطاب: ومن يعلم هذا؟ لئن لم تأت بمن يعلم ذلك لأفعلن بك كذا وكذا، فخرج أبو موسى حتى جاء مجلسا في المسجد يقال له مجلس الأنصار، فقال: إني أخبرت عمر بن الخطاب أني سمعت رسول الله وَ لا يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل، وإلا فارجع، فقال: لئن لم تأت بمن يعلم هذا لأفعلن بك كذا وكذا، فإن كان سمع ذلك أحد منكم فليقم معي، فقالوا لأبي سعيد الخدري: قم معه، وكان أبو سعيد أصغرهم، فقام معه فأخبر ذلك عمر بن الخطاب، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله وَلِيمُ (١). قال أبو عمر: روي هذا الحدیث متصلا، مسندا، عن النبي گڑ من وجوه: من حديث أبي موسى، وحديث أبي بن كعب، وحديث أبي سعيد الخدري. قال بعضهم في هذا الحدیث کلنا سمعه. وقد روی قوم هذا الحديث عن أبي سعيد، عن أبي موسى، وإنما هذا من النقلة باختلاط الحدیث علیهم، ودخول قصة أبي سعيد مع أبي موسى في ذلك، والله أعلم كأنهم يقولون: عن أبي سعيد عن قصة أبي موسى على نحو (١) سيأتي تخريجه من طرق عن أبي موسى في الباب نفسه. فتح البر ٢٦٢٤ رواية عمر بن سلمة، عن البهزي، يريد: عن قصة البهزي، وقد أوضحنا هذا المعنى عند ذکر حديث البهزي في باب حدیث یحیی بن سعيد من کتابنا هذا والحمد لله. ومن أحسن طرق أبي سعيد الخدري في هذه القصة ما حدثناه أبو زيد عبد الرحمن بن یحیی، قال: حدثنا علي بن محمد بن مسرور، قال: حدثنا أحمد بن أبي سلیمان، قال: حدثنا سحنون، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمر بن الحارث، عن بكير بن الأشج أن بسر بن سعيد حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا في مجلس أبي بن كعب فأتى أبو موسى مغضبا حتى وقف، وقال: أنشدكم الله، هل سمع أحد منكم رسول الله وَلآت يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع؟ قال أبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئت اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثا، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو استأذنت حتى يؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت رسول الله وَآلآل، فقال: والله لأوجعن ظهرك، وبطنك، أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي: والله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا، الذي يجيبك، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله وَ له يقول هذا(١). قال ابن وهب، وقال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليه، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع، قال: وقال مالك: الاسئناس فيما نرى - والله أعلم - الاستئذان. (١) خ (٦٢٤٥/٣١/١١)، م (٢١٥٣/١٦٩٤/٣[٣٤-٣٥])، د (٥١٨٠/٣٧٠/٥)، ت (٥/ ٢٦٩٠/٥١) وقال: حديث حسن. العشرة وحسن الخلق ٢٦٣ = حدثني أحمد بن قاسم بن عیسی، قال: حدثني عبيد الله بن محمد ببغداد قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعيب، عن سعيد الجريري، أنه سمع أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: «جاء أبو موسی فاستأذن على عمر ثلاثا، فلم يؤذن له، فرجع، فقال عمر: لئن لم تأتني ببينة، أو لأفعلن بك، فأتى الأنصار فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله پڼ قال: إذا استأذن أحدکم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، قال: فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، قال أبو سعيد: فأتيت فشهدت له(١)». قال علي: وأخبرنا شعبة، عن أبي سلمة سعيد بن يزيد، سمع أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد مثل ذلك. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: إن أبا موسی استأذن على عمر، قال: واحدة، ثنتين، ثلاثا، ثم رجع أبو موسى، فقال له عمر: لتأتين على هذا ببينة أو لأفعلن بك، كأنه يقول: اجعله نكالا في الآفاق، قال: فانطلق أبو موسى إلى مجلس فيه الأنصار، فذكر ذلك لهم، فقال: ألم تعلموا أن رسول الله وَ ﴿ قال: إذا استأذن أحدکم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع؟ قالوا: بلى، لا يقوم معك إلا أصغرنا، قال: فقام أبو سعيد الخدري إلى عمر، فقال: هذا أبو سعيد، فخلى عنه(١). (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ٢٦٤ قال أبو عمر: رواه معمر عن الجريري بإسناده، فلم يأت بالقصة بتمامها، ورواه عن أبي نضرة أيضا داود بن أبي هند، ورواية أبي سلمة أحسن سياقة، وأتم معنى. حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد ابن مروان، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: استأذن أبو موسى على عمر ثلاثا، فلم يؤذن له فرجع، فلقيه عمر، فقال: ما شأنك رجعت؟ فقال: سمعت رسول الله پټ یقول: من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال: لتأتين ببينة أو لأفعلن وأفعلن، فأتى مجلس قومي فناشدهم الله، فقلت: أنا أشهد معك فشهدت بذلك فخلی سبيله(١). وأما رواية من روى هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري، فحدثني عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، عن أبي موسی، قال: قال رسول الله قال(: المستأذن ثلاثا، فلم يؤذن له، فلیرجع. وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو داود، عن طلحة، عن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنه أتى عمر فاستأذن ثلاثا، فقال: استأذن أبو موسى، استأذن الأشعري، استأذن عبد الله بن قیس، فلم يؤذن له، فرجع فبعث إليه عمر (١) تقدم تخرجه في الباب نفسه. العشرة وحسن الخلق ٢٦٥ _ فقال: ما ردك؟ فقال: قال رسول الله وَله: ليستأذن أحدكم ثلاثا، فإن أذن له، وإلا فليرجع، قال: أنتني ببينة على هذا، فقال: هذا أبي، فانطلقنا إلى عمر، فقال: نعم يا عمر، لا تكن عذابا على أصحاب رسول الله، فقال عمر: لا أكون عذابا على أصحاب رسول الله وَلَ﴾(١). وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بکر بن حماد، قال: حدثنا مسدد. اهـ. وحدثنا عبد الله بن محمد بن یحیی، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن عبيد بن عمير ((أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ قالوا: بلى، قال: فاطلبوه، قال: فدعي، قال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: استأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، فرجعت کما کنا نؤمر بهذا، فقال: لتأتين عليه بالبينة أو لأفعلن، فأتى مجلس أو مسجد الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد، فشهد له، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله وَلة، ألهاني عنه الصفق بالأسواق. واللفظ لحديث عبد الله والمعنى سواء(٢). قال أبو عمر: في هذا الحديث من الفقه إيجاب الاستئذان وهو يخرج في تفسير قول الله عز وجل: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَا﴾ [النور: (٢٧)]. والاستئناس في هذا الموضع هو (١) م (٣/ ١٦٩٦/ ٢١٥٤ [٣٧])، د (٥١٨١/٣٧١/٥). (٢) خ (٤ / ٢٠٦٢/٣٧٤) و(٧٣٥٣/٣٩٦/١٣)، م (٢١٥٣/١٦٩٥/٣ [٣٦])، د (٥ / ٣٧١ / ٥١٨٢). فتح البر = ٢٦٦ مِ الاستئذان، كذلك قال أهل التفسير، وكذلك في قراءة أبي، وابن عباس تستأذنوا، وتسلموا على أهلها . أخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل أبو جعفر الصائغ، قال: حدثنا عفان: قال حدثني ثابت ابن يزيد قال: حدثنا عاصم الأحول، عن عكرمة، قال في قراءة أبي بن کعب: حتى تسلموا، أو تستأذنوا، قال: وتعلم منه ابن عباس. وفيه أن السنة في الاستئذان ثلاث مرات، لا يزاد عليها، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الإباحة والتخفيف على المستأذن، فمن استأذن أكثر من ثلاث مرات لم يحرج - والله أعلم -. وقال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاث مرات مأخوذ من قول الله عز وجل: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْعُلُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ﴾ [النور: (٥٨)]. قال يريد ثلاث دفعان، فورد القرآن في الممالك، والصبيان، وسنة رسول الله وَّر في الجميع. قال أبو عمر: ما قاله من هذا فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله فيها ثلاث مرات أي في ثلاثة أوقات، يدل على صحة هذا القول ذكره فيها: ﴿مِّن قَبْلِ صَلَوْةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِنَ الَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْمِشَاءِ﴾ [النور: (٥٨)]. وللكلام في هذه الآية موضع غير هذا، وجاء في هذا الحديث عن أبي موسى أنه قال: استئذانه يومئذ بأن قال: يستأذن عبد الله بن قيس، يستأذن أبو موسى، ونحو هذا. العشرة وحسن الخلق ٢٦٧ قال أبو عمر: وفيه أن الرجل العالم الحبر قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده من العلم إذا كان طريق ذلك العلم السمع، وإذا جاز مثل هذا على عمر على موضعه في العلم، فما ظنك بغيره بعده. وروی وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو أن علم عمر وضع في كفة، ووضع علم أحياء الأرض في كفة أخرى لرجح علم عمر بعلمهم. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: لا تعجب من هذا، فقد قال عبد الله: إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر. وجاء عن حذيفة مثل قول عبد الله. قال أبو عمر: زعم قوم أن في هذا الحديث دليلا على أن مذهب عمر أن لا يقبل خبر الواحد، ولیس كما زعموا، لأن عمر رضي الله عنه قد ثبت عنه استعمال خبر الواحد وقبوله، وإيجاب الحكم به، أليس هو الذي ناشد الناس بمنى: من كان عنده علم رسول الله وَّ في الدية فليخبرنا؟ وكان رأيه أن المرأة لا ترث من دية زوجها، لأنها ليست من عصبته الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي، فقال ((كتب إلي رسول الله وَ لهم أن أورث أمرأة أشيم الضبابي من دية زوجها(١)) وكذلك ناشد الناس في دية الجنين: من عنده فيه عن رسول الله وَليه؟ فأخبره حمل بن مالك بن النابغة ((أن رسول الله ◌َ له قضى فيه بغرة عبد أو أمة، فقضى به عمر(٢)) ولا يشك ذو لب، (١) د (٢٩٢٧/٣٢٩/٣)، ت (٢١١٠/٣٧١/٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح. جه (٢٦٤٢/٨٨٣/٢)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢٣٣/٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. (٢) د(٤٥٧٢/٦٩٨/٤)، ن(٨/ ٤٧٥٣-٤٨٣١)، جہ(٢/ ٨٨٢/ ٢٦٤١)، وصححه ابن حبان : الإحسان (١٣ /٦٠٢١/٣٧٨). ك (٦٦٦/٦٦٥/٣) وصححه ووافقه الذهبي. فتح البر ٢٦٨ = ومن له أقل منزلة في العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام، ومكانه من الفقه والدين، أجل من أن يرد خبره، ويقبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي، وحمل بن مالك الأعرابي، وكلاهما لا يقاس به في حال، وقد قال له عمر في حديث ربيعة هذا: أما إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله وَ﴾، فدل على اجتهاد كان من عمر رحمه الله في ذلك الوقت لمعنى الله أعلم به، وقد يحتمل أن یکون عمر رحمه الله کان عنده في ذلك الحين من لم يصحب رسول الله وَ﴿ من أهل العراق، وأهل الشام، لأن الله فتح عليه أرض فارس، والروم ودخل في الإسلام كثير ممن يجوز عليهم الكذب، لأن الإیمان لم یستحکم في قلوب جماعة منهم، وليس هذه صفة أصحاب رسول الله وَ لفر لأن الله قد أخبر أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وأثنى عليهم في غير موضع من کتابه. وإذا جاز الكذب، وأمكن في الداخلين إلى الإسلام فيمكن أن يكون عمر مع احتياطه في الدين يخشى أن يختلقوا الكذب على رسول الله وَالقوم عند الرهبة، والرغبة، أو طلبا للحجة، وفرارا إلى الملجأ، والمخرج مما دخلوا فيه، لقلة علمهم بما في ذلك عليهم، فأراد عمر أن يريهم أن من فعل شيئا ينكر علیه، ففزع إلى الخبر عن رسول الله پێ فیه، ليثبت له بذلك فعله، وجب التثبت فيما جاء به إذا لم تعرف حاله حتى يصح قوله، فأراهم ذلك، ووافق أبا موسى، وإن كان عنده معروفا بالعدالة غیر متهم، لیکون ذلك أصلا عندهم، وللحاكم أن يجتهد بما أمكنه إذا أراد به الخير، ولم يخرج عما أبيح له، والله أعلم بما أراد عمر بقوله ذلك لأبي موسى، وعلى هذا قول طاوس قال كان الرجل إذا حدث عن رسول الله ﴿ ﴿ أخذ حتى يجيء ببينة، وإلا عوقب العشرة وحسن الخلق ٢٦٩ _ يعني ممن ليس بمعروف بالعدالة ولا مشهود بالعلم، والثقة. ألا ترى إلى اجماع المسلمين أن العالم إذا حدث عن رسول الله وَ لته، وكان مشهورا بالعلم، أخذ ذلك عنه، ولم ينكر عليه، ولم يحتج إلى بينة ومن نحو قول طاوس هذا قول سعد بن إبراهيم رحمه الله لا يحدث عن رسول الله وَ ل و إلا الثقات أي كل من إذا وقف أحال على مخرج صحيح، وعلم ثابت، وكان مستورا لم تظهر منه كبيرة. وأما قول من قال: ان عمر لم يعرف أبا موسى فقول خرج عن غير روية ولا تدبر. ومنزلة أبي موسى عند عمر مشهورة، وقد عمل له، وبعثه رسول الله ◌َ﴿ عاملا، وساعيا، على بعض الصدقات، وهذه منزلة رفيعة، في الثقة، والأمانة. وفي قول عمر رحمه الله في حديث عبيد بن عمير الذي ذكرناه في هذا الباب خفي على هذا من أمر رسول الله وَلقر: ألهاني عنه الصفق في الأسواق، اعتراف منه بجهل ما لم يعلم، وإنصاف صحيح وهكذا يجب علی کل مؤمن. وفي قوله: ألهاني عنه الصفق بالأسواق دليل على أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وأن كل ما ازداد المرء طلبا لها ازداد جهلا، وقل عمله، والله أعلم. ومن هذا قول أبي هريرة: أما إخواننا المهاجرون، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وأما إخواننا من الأنصار فشغلتهم حوائطهم، ولزمت رسول الله صلي على شبع بطني. هذا وكان القوم عربا في طبعهم الحفظ، وقلة نسيان، فكيف اليوم؟ وإذا كان القرآن الميسر للذكر ((كالإبل المعقلة، من تعاهدها أمسكها))(١)، فكيف بسائر العلوم؟. (١) أخرجه من حديث ابن عمر: خ (٥٠٣١/٩٧/٩)، م (٧٨٩/٥٤٣/١ [٢٢٦]). فتح البر ٢٧٠٤ والله أسأله علما نافعا، وعملا متقبلا، ورزقا واسعا، لا شريك له. ومن أحسن حدیث یروی في كيفية الاستئذان: ما حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفیان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أبيه، عن سلمة بن کھیل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: استأذن عمر على النبي وَّ، فقال: السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر (١)؟ وروی منصور عن ربعی بن حراش، عن رجل من بنی عامر: أن رسول الله ◌َلّ قال له: قل: السلام. آدخل(٢)؟ وقد ذكر ابن وهب قال: أخبرني عمر بن الحارث، عن أبي الزبير عن عمر مولى آل عمر أنه حدثه أنه دخل على عبد الله بن عمر بمكة، قال: وقفت على الباب فقلت: السلام عليكم. ثم دخلت فنظر في وجهي ثم قال: اخرج، ثم قلت: السلام عليكم آدخل؟ قال: ادخل الآن، من أنت؟ قلت: رجل من مصر، قال: وقال ابن جريح: قلت لعطاء كان يقال: إذا استأذن الرجل، ولم يسلم، فلا يوذن له، حتى يأتي بمفتاح قلت: السلام؟ قال: نعم. قال أبو عمر: تهذيب هذه الآثار كلها على ما جاء في حديث ابن عباس: السلام عليكم أيدخل عمر؟ فمن سلم، ولم يقل آدخل، أو يدخل فلان، أو قال ادخل أو يدخل فلان، ولم يسلم، فليس بإذن يستحق به أن يؤذن له، والله أعلم. (١) حم (١/ ٣٠٣ -٣٢٥)، وذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٤٧) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. (٢) د(٥١٧٧/٥-٥١٧٨-٥١٧٩)، هق (٣٤٠/٨). العشرة وحسن الخلق ٢٧١ وقد أخبرنا ابن عباس أن الاستئذان ترك العمل به الناس، وأظن ذلك لقرع الأبواب اليوم، والله أعلم. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((كان الناس ليس لبيوتهم ستور، ولا حجال فأمرهم الله بالاستئذان، ثم جاءهم الله بالستور، والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد(١). وقد أوضحنا هذا المعنى في باب صفوان بن سليم والحمد لله. وأنكر رسول الله وَله على جابر، حين دق على رسول الله وَيه الباب فقال له رسول الله وقالله: من؟ فقال جابر: أنا، فأنكر ذلك عليه رسول الله وَ له، وقال: أنا، أنا ــ مرتين، أو ثلاثا، إنكار لذلك. ورواه شعبة، وغيره، عن محمد بن المكندر، عن جابر بن عبد الله: ((أنه ذهب إلى النبي ◌َّ في دين أبيه، قال: فدققت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أنا، قال: أنا، أنا، فكرهه(٢). (١) د (٥/ ٣٧٧/ ٥١٦٢)، هق (٧ / ٩٧). (٢) خ (١١/ ٦٢٥٠/٤٢)، م (٢١٥٥/١٦٩٧/٣[٣٨-٣٩])، د (٥١٨٧/٣٧٤/٥)، ت (٢٧١١/٦٢/٥)، هق (٣٤٠/٨). ٢٧٢ فتح البر باب منه [٧] مالك، عن الثقة عنده، عن بکیر بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري، عن أبي موسى الأشعري انه قال: قال رسول الله وَله: الاستئذان ثلاث، فإن اذن لك فادخل، والا فارجع(١). يقال: إن الثقة ههنا عن بكير هو مخرمة بن بكير، ويقال: بل وجده مالك في كتب بكير، أخذها من مخرمة. وقال عباس عن يحيى بن معين: مخرمة بن بکیر ثقة، وبکیر ثقة ثبت. وقال ابن البرقي: قال لي يحيى بن معين: كان مخرمة ثبتا، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لابيه لم يسمع منه، قال: وبلغني ان مالكا كان یستعیر کتب بکیر فینظر فيها ويحدث عنها. وتوفي بکیر في زمان هشام، وکان یکنی أبا المسور. وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب ربيعة من هذا الكتاب -والحمد الله - وهذا الاسناد من أحسن أسانيد هذا الحديث. وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: سلم عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري على عمر ابن الخطاب- ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع فأرسل عمر في إثره: لم رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله آل ويقول: اذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يوجب فليرجع(١). (١) انظر باب ما جاء في الاستئذان العشرة وحسن الخلق ٢٧٣ = وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن جعفر، قال حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال، قال حدثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال أحمد بن حنبل: وحدثنا یزید بن هارون، قال حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: استأذن أبو موسى على عمر ثلاثا فلم يأذن له فرجع، فلقيه عمر فقال: ما شأنك رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول: من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال: لتأتين على هذا ببينة أو لأفعلن وأفعلن؛ فأتى مجلس قومه فناشدهم: فقلت: أنا معك، فقام رجلان فشهدا له، فخلى عنه (١)- وهذا لفظ حدیث داود. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حفص بن غياث، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله و يقول: اذا استأذن المستأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع(١). قال أبو عمر: قد سمع أبو سعيد الخدري هذا الحدیث من النبي گآ﴾ وقد بان ذلك في غير ما اسناد، وقد ذكرنا بعض طرقها في باب ربيعة، فكان أبو سعيد مرة يرويه عن أبي موسى، عن النبي ◌ُّ ومرة عن النبي وَّر. وإنما هي حكاية عن قصة أبي موسى، فإذا قال عن أبي موسى، فإنه يريد بذلك على حسبما ذكره موسى بن هارون في حديث عمر بن سلمة، عن البهزي - في الحمار الوحشي، وقد ذكرنا ذلك في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا- والحمد لله. وقد ذكرنا معاني هذا الباب في باب ربيعة. (١) سبق تخريجه في ما جاء في الاستئذان. فتح البر ٢٧٤ وظاهر هذا الحديث يوجب ألا يستأذن الإنسان أكثر من ثلاث، فإن أذن له وإلا رجع، وهو قول أكثر العلماء، والی هذا ذهب ابن نافع. وقال غيره: ان لم يسمع فلا بأس ان يزيد، والاستئذان أن يقول: السلام عليكم أدخل؟. وقال بعضهم: المرة الأولى من الاستئذان: استئذان، والمرة الثانية: مشورة هل يؤذن له في الدخول أم لا؟ والثالثة علامة الرجوع- ولا يزيد على الثلاث. العشرة وحسن الخلق ٢٧٥ الواصفون للنساء لا يدخلون عليهن [٨] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن مخنثا كان عند أم سلمة زوج النبي ◌َّل فقال لعبد الله بن أبي أمية ورسول الله وَالير يسمع: يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف غدا: فإني أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله ◌َّ لا يدخل هؤلاء عليكم (١). هكذا روی هذا الحديث جمهور الرواة عن مالك مرسلا، ورواه سعيد ابن أبي مريم عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة، والصواب عن مالك ما في الموطأ ولم يسمعه عروة من أم سلمة، وإنما رواه عن زينب ابنتها عنها، كذلك قال ابن عيينة، وأبو معاوية عن هشام، فأما حدیث ابن أبي مريم عن مالك، فحدثناه أحمد بن محمد بن أحمد، قال حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا يحيى بن أيوب، قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال أخبرنا مالك، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة أن النبي * * كان عندها، وکان مخنث عندهم جالسا، فقال المخنث لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة: إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فأنا أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله ودالقول: لا تدخلن هؤلاء علیکم(١). وأما حديث ابن عيينة، فحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب بنت أبي (١) أخرجه من طرق عنه به: حم (٢٩٠/٦). خ (٥٢٣٥/٤١٧/٩)، م (٤ / ١٧١٥/ ٢١٨٠[٣٢])، من حديث مرسل. وسيأتي موصولا من طريق زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة به. فتح البر ١ - ٢٧٦ سلمة، عن أمها أم سلمة، قالت: دخل علي رسول الله مَ طلال وعندي مخنث، فسمعه يقول لعبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله، أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، قالت: فقال رسول الله وَل﴾: لا تدخلن هؤلاء عليكم(١)، قال سفيان: قال ابن جريح: اسمه هیت یعني المخنث. وأخبرنا محمد بن إبراهيم، وإبراهيم بن شاكر، قالا حدثنا محمد بن أحمد ابن یجیی، قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب الرقي، قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، قال حدثنا أبو كريب، قال حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة فذكرا الحديث بتمامه(١). قال أبو عمر: ذکر عبد الملك بن حبیب، عن حبیب کاتب مالك: قلت لمالك: إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان أن مخنثا يقال له هيت وليس في كتابك هيت، فقال مالك: صدق وهو كذلك. وكان النبي وَّ غربه إلى الحمى، وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها؛ قال حبيب: وقلت المالك: قال سفيان في الحدیث: إذا قعدت تثنت، وإذا تکلمت تغنت؛ قال مالك: صدق كذلك هو في الحدیث. قال: وقلت لمالك: قال سفيان في تفسير تقبل بأربع وتدبر بثمان يعني مظلة الأعراب مقدمها أربع، ومدبرها ثمان؛ فقال مالك: لم تصنع شيئا، إنما هي عکن أربع إذا أقبلت، وثمان إذا أدبرت، وذلك أن الظهر لا تنكسر فيه العكن. (١) حم: (٢٩٠/٦)، خ: (٥٢٣٥/٤١٧/٩)، م: (١٧١٥/٤)، ٢١٨١[٣٢]). ٢٧٧ العشرة وحسن الخلق قال أبو عمر: كل ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان بن عيينة أنه قال في الحديث یعني حديث هشام بن عروة هذا فغير معروف فیه عند أحد من رواته عن هشام لا ابن عيينة ولا غيره، ولم يقل سفیان في نسق الحدیث أن مخنثا يدعی هيت، وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث على ما ذكرناه عن الحميدي عنه، وهو أثبت الناس في ابن عيينة؛ وكذلك قوله عن سفيان أنه كان يقول في الحديث: إذا قعدت تثنت وإذا تكلمت تغنت، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره فيما علمت في حديث هشام بن عروة، وهذا اللفظ لا يحفظ إلا من رواية الواقدي؛ والعجب أنه يحكيه عن سفيان، ويحكي عن مالك أنه كذلك؛ فصارت رواية عن مالك، ولم يرو ذلك عن مالك أحد غير حبيب، ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا والله أعلم؛ وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جمیعهم لا یکتب حديثه ولا يلتفت إلى ما جيء به. أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى، قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الجبار العطاردي، قال حدثنا يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة قالت: كان عندي مخنث فقال لعبد الله أخي: إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإني أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فسمع رسول الله وَ ل قوله فقال: لا يدخلن هؤلاء عليكم(١). (١) تقدم تخريجه في حديث الباب فتح البر = ٢٧٨ قال: وحدثنا يونس بن بکیر، عن أبي إسحاق قال: وقد كان مع رسول الله څ مولی خالته فاخته ابنة عمرو بن عائذ مخنث یقال له مائع، يدخل على نساء رسول الله وَ له ويكون في بيته، ولا يرى رسول الله وَل ل أنه يفطن لشيء من أمر النساء مما يفطن إليه الرجال، ولا يرى أن له في ذلك أربا؛ فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد، إن فتح رسول الله وَل الطائف، فلا تنفلتن منك بادية ابنة غيلان بن سلمة، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان؛ فقال رسول الله ولل حين سمع هذا منه: الا أرى الخبيث يفطن لما أسمع، ثم قال لنسائه: لا يدخل عليكم، فحجب عن بيت رسول الله وكلآدم. وفي هذا الحديث من الفقه إباحة دخول المخنثين من الرجال على النساء وإن لم يكونوا منهن بمحرم، والمخنث الذي لا بأس بدخوله على النساء هو المعروف عندنا اليوم بالمؤنث، وهو الذي لا أرب له في النساء ولا يهتدي إلى شيء من أمورهن؛ فهذا هو المؤنث المخنث الذي لا بأس بدخوله على النساء، فأما إذا فهم معاني النساء والرجال كما فهم هذا المخنث وهو المذكور في هذا الحديث، لم يجز للنساء أن يدخل عليهن، ولا جاز له الدخول عليهن بوجه من الوجوه، لأنه حينئذ ليس من الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿غَيْرِ أَوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١]. وليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة وتنسب إليه، وإنما المخنث شدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه المرأة في اللين والكلام والنظر والنغمة، وفي العقل والفعل؛ وسواء كانت فيه عاهة الفاحشة أم لم تكن، وأصل التخنث التكسر واللين؛ فإذا كان كما وصفنا لك ولم يكن له في النساء أرب، وكان ضعيف العقل لا يفطن لأمور الناس أبله؛ فحينئذ يكون من غير أولي الإربة الذين أبيح لهم الدخول على النساء، ألا ترى أن ذلك المخنث لما فهم من أمور العشرة وحسن الخلق ٢٧٩ - النساء قصة بنت غيلان، نهى رسول الله وَّله حينئذ عن دخوله على النساء، ونفاه إلى الحمى فيما روي. واختلف العلماء في معنى قوله عز وجل: ﴿أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى اُلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: (٣١)]. اختلافاً متقارب المعنی لمن تدبر. ذكر ابن أبي شيبة، قال حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: (٣١)]. قال: هم قوم طبعوا على التخنيث، فكان الرجل منهم يتبع الرجل يخدمه ليطعمه وينفق عليه، لا يستطيعون غشيان النساء ولا يشتهونه. قال: وحدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿ غيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: (٣١)]. قال: هو الأبله الذي لا يعرف أمر النساء. قال: وأخبرنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: هو الذي لم يبلغ أربه أن يطلع على عورات النساء. وذكر محمد بن ثور، وعبد الرزاق جميعا عن معمر عن قتادة ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ اُلْإِرْبَةِ﴾ [النور: (٣١)]. قال: هو التابع الذي يتبعك فيصيب من طعامك غير أولي الإِربة، يقول: لا أرب له ليس له في النساء حاجة. وعن علقمة قال: هو الأحمق الذي لا يريد النساء ولا يردنه. وعن طاوس وعكرمة مثله. وعن سعيد بن جبير: هو الأحمق الضعيف العقل. وعن عكرمة أيضا: هو العنین. ووکیع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هو الذي یرید الطعام ولا یرید النساء، ليس له هم إلا بطنه. فتح البر ٢٨٠ = وعن الشعبي أيضا وعطاء، مثله. وعن الضحاك: هو الأبله. وقال الزهري: هو الأحمق الذي لا همة له في النساء ولا أرب. وقيل: كل من لا حاجة له في النساء من الأتباع نحو الشيخ والهرم والمجبوب والطفل والمعتوه والعنين. قال أبو عمر: هذه أقاويل متقاربة المعنى، ويجتمع في أنه لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء، وبهذه الصفة كان ذلك المخنث عند رسول الله صَلقة، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن النساء، أمر بالاحتجاب منه. وذکر معمر، عن الزهري، وهشام بن عروة، عن عائشة، قالت: کان رجل يدخل على أزواج النبي وَلير مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل علينا النبي ◌َّم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت أمرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال: لأرى هذا يعلم ما ههنا، لا يدخلن هذا عليكم، فحجبوه(١). أما قوله: تقبل بأربع وتدبر بثمان، فالذي ذکر حبيب عن مالك هو كذلك أو قريب منه؛ وإنما وصف أمرأة لها في بطنها أربع عكن، فإذا بلغت خصريها صارت أطراف العكن ثمانيا، أربع من ههنا، وأربعا من ههنا؛ فإذا أقبلت إليك واستقبلتك ببطنها، رأيت لها أربعا، فإذا أدبرت عنك صارت تلك الأربع ثمانيا من جهة الأطراف المجتمعة؛ وهكذا فسره کل من تكلم في هذا الحديث، واستشهد عليه بعضهم بقول النابغة في قوائم ناقته: (١) حم (٦/ ١٥٢)، م (٤ / ١٧١٦ / ٢١٨١[٣٣])، د (٤/ ٤١٠٧ -٤١٠٨ -٤١٠٩).