النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
النكاح
وتزوجت وحملت من الثاني فاللبن منهما جميعا أبدا حتى يتبين انقطاعه من
الأول.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: اللبن من الاول في هذه المسألة
حتى تضع فیکون من الآخر. وهو قول ابن شهاب، وقد روي عن
الشافعي انه منهما حتى تضع فیکون من الثاني.
وقد مضى القول في لبن الفحل في باب ابن شهاب عن عروة، والحمد
لله.

٥٣ - كتاب العشرة
وحسن الخلق

٢٤٥
العشرة وحسن الخلق
ما جاء في توقير الزوج والاعتراف له بالجميل
[١] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس انه قال:
خسفت الشمس وصلى رسول الله وَل﴿ والناس معه فقام قياما طويلا قال: نحوا
من سورة البقرة، قال: ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه من الركوع فقام قياما
طویلا، وهو دون القیام الأول، ثم رکع ر کوعا طويلا وهو دون الر کوع الأول ثم
سجد، ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو
دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم رفع فقام
قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع
الأول ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال: ان الشمس والقمر آيتان من
آيات الله، لا يخسفان لموت أحد، ولا حیاته، فاذا رأیتم ذلك فاذكروا الله، قالوا یا
رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت فقال: اني
رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت
النار فلم أر كاليوم منظرا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا ولم يا رسول الله؟
قال لكفرهن قالوا: أيكفرن بالله؟ قال يكفرن العشير، ويكفرن الاحسان، لو
أحسنت إلى أحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا
قط (١).
وأما قوله يكفرن العشير، ويكفرن الاحسان، فالعشير في هذا الموضع
عند أهل العلم الزوج. والمعنى عندهم في ذلك كفر النساء لحسن معاشرة
الزوج، ثم عطف على ذلك كفرهن بالاحسان جملة في الزوج وغيره، وقال
أهل اللغة: العشير المخالط من المعاشرة. ومنه قول الله عز وجل:
لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِفْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: (١٣)].
(١) خ (٢/ ١٠٥٢/٦٨٦)، م (٢/ ٩٠٧/٦٢٦)، د (١١٨٩/٧٠٢/١)، ن (١٦٢/٣ /١٤٩٢).

فتح البر
١ ٢٤٦
=
قال الشاعر:
وتلك التي لم يشكها في خليقة عشير وهل يشكو الكريم عشير
وقالآخر:
سلا هل قلاني من عشير صحبته وهل ذم رحلي في الرفاق دخیل
حدثني سعيد بن نصر قراءة عليه: أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال:
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال:
حدثنا منصور، قال: حدثنا ذر الهمداني، عن وائل بن مهانة، عن عبد الله بن
مسعود، قال: قال رسول الله وَله: تصدقن يا معشر النساء، ولو من
حليكن، فإنكن من أكثر أهل النار، فقامت أمرأة ليست من علية النساء
فقالت لم يا رسول الله؟ فقال: لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير. ثم قال
عبد الله بن مسعود: ما وجد من ناقص العقل، والدين أغلب للرجال ذوي
الرأي على أمورهم من النساء، قال: فقيل يا أبا عبد الرحمن: فما نقصان
عقلها ودينها؟ فقال: أما نقصان عقلها فجعل الله شهادة أمرأتين كشهادة
رجل، واما نقصان دينها فإنها تمكث كذا وكذا يوما لا تصلي لله فيه
سجدة (١).
قال أبو عمر:
رواه شعبة، عن الحكم عن وائل بن مهانة عن عبد الله، عن النبي وَلـ
نحوه قال: وقال عبد الله: وما رأيت من ناقصات الدين والعقل أغلب
للرجال ذوي الأمر منهن، ثم ذكره إلى آخره. ورواه المسعودي عن الحكم،
عن ذر، عن وائل بن مهانة عن عبد الله موقوفا. والصواب فيه رواية
منصور عن ذر. والله أعلم.
(١) أخرج نحوه عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود: خ (١٤٦٦/٤١٨/٣)، م (١٠٠٠/٦٩٤/٢).

العشرة وحسن الخلق
٢٤٧
وقد روى كلام ابن مسعود هذا مرفوعا وقد ذكرناه من حديث المغيرة
عن أبي هريرة عن النبي ◌ٍّ﴾. ورواه الدراوردي، عن سهيل، عن أبي
صالح، عن أبيه عن أبي هريرة ان رسول الله ﴿ خطب فوعظ ثم قال: يا
معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت له امرأة ولم ذلك
يا رسول الله؟ قال بكثرة لعنکن و کفر کن العشير، وما رأیت ناقصات عقل
ودين أغلب لألباب ذوي الرأي منكن، فقالت امرأة يا رسول الله وما
نقصان عقولنا وديننا؟ فقال: شهادة أمرأتين منكن شهادة رجل، ونقصان
دينهن الحيضة تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي(١).
وروى الليث بن سعد وبكر بن مضر، عن ابن الهادي، عن عبد الله بن
دينار، وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ لآل قال: يا معشر النساء تصدقن
وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار. قالت امرأة منهن ...
وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما
رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت يا رسول الله
وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل
شهادة رجل فهذا من نقصان العقل وتمكث ليالي ما تصلي وتفطر في
رمضان فهذا نقصان الدین(٢).
هذا الحديث يدل أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تدفع ألا ترى
أن الله جبلهن على ما يكون نقصاً فيهن قال الله عز وجل: ﴿اَلْرِّجَالُ
قَوَّاهُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: (٣٤)]. وقد
فضل الله أيضاً بعض الرجال على بعض وبعض النساء على بعض
وبعض الأنبياء على بعض لا يسأل عما يفعل وهو الحكيم العليم.
(١) م (١ / ٨٠/٨٧)، ت (١١/٥/ ٢٦١٣).
(٢) م (١ / ٨٦/ ٧٩)، د (٥ /٤٦٧٩/٥٩)

فتح البر
=٢٤٨
وحدثنا خلف بن سعيد قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن
خالد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن خالد قال:
حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قال:
أخبرنا عمران القطان عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن
عمرو(*) قال: قال رسول الله وَلفيه: ((لا ينظر الله عز وجل يوم القيامة إلى
أمرأة لا تشکر لزوجها وهي لا تستغني عنه(١)» و کذلك رواه سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة، عن سعيد المسيب عن عبد الله بن عمرو(*)، قال: قال
رسول الله وَّي: ((لا ينظر الله إلى أمرأة لا تعرف حق زوجها وهي لا تستغني
عنه(١)، رواه شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو
موقوفا.
حدثناه عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا
أحمد بن زهير قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: حدثنا شعبة عن قتادة
عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو، قال: لا ينظر الله إلى أمرأة لا
تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه(٢).
وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء ببيت
المقدس، قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن الفرج، قال: حدثنا علي بن
(*) وقع في التمهيد ((عبد الله بن عمر)) والصواب ما أثبتناه.
(١) ن في الكبرى (٩١٣٥/٣٥٤/٥-٩١٣٦)، ك (١٩٠/٢) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه ووافقه الذهبي. و (١٧٤/٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال
المنذري في الترغيب (٥٨/٣): رواه النسائي والبزار بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح، وقال
الحاكم: صحيح الإسناد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣١٢) وقال: رواه البزار بإسنادين
والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح. تنبيه: وقع عند من أخرج الحديث عبد
الله بن عمرو وبنفس الطرق التي ذكرها ابن عبد البر عن ابن عمر، والصواب ما أثبته غيره.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

العشرة وحسن الخلق
٢٤٩ -
المدیني، قال: حدثنا هشام بن یوسف، قال: حدثنا القاسم بن فیاض عن
خلاد بن عبد الرحمن بن جعدة عن سعيد بن المسيب: انه سمع ابن عباس
يقول: ان أمرأة قالت يا رسول الله ما خير ما أعدت المرأة؟ قال: الطاعة
للزوج والاعتراف بحقه (١).
(١) في سند المصنف القاسم بن فياض وهو مجهول كما في التقريب. وفي الترغيب والترهيب
(٥٣/٣) وذكر المنذري بمعناه حديثا طويلا لكن بصيغة التمريض.

-
٢٥٠
فتح البر
فضيلة الخلق الحسن
[٢] مالك، عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن المرء، ليدرك بحسن خلقه درجة
القائم بالليل الظامىْ بالهواجر(١).
وهذا لا يجوز أن يكون رأيا ولا يكون مثله إلا توقيفا وقد روى مرفوعا
عن النبي ◌ّ﴾ مسندا من وجوه حسان من حديث يحيى بن سعيد هذا
وغیرہ؛ حدثناه خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن رشیق، قال حدثنا
إسحاق بن إبراهيم بن يونس، حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، حدثنا
اليمان بن عدي، عن زهير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة،
عن النبي ◌َّ قال: إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الساهر بالليل،
الظامى بالهواجر(٢).
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا سهل بن إبراهيم بن
سهل، قال حدثنا محمد بن فطيس، قال أخبرنا إبراهيم بن الهيثم الجزري
البلدي الزهري أبو إسحاق، قال حدثنا أبو اليمان، قال حدثنا عفير بن
معدان الحمصي، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله
وَله: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه أجر الساهر بالليل الظامى" بالهواجر(٣).
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا علي بن محمد، حدثنا أحمد بن أبي
سليمان، حدثنا سحنون بن سعيد، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن
(١) هذا حديث مرسل، وسيأتي تخريجه موصولا من وجوه من حديث عائشة وأبي أمامة وأبي هريرة
وعبد الله بن عمرو.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٤٩/١)، وقال: لا أعلم يرويه عن زهير غیر یمان.
(٣) أخرجه البغوي في شرح السنة (١٣/ ٣٤٩٩/٨٠)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢٨/٨) وقال:
رواه الطبراني وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف.

العشرة وحسن الخلق
٢٥١ -
لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حجيرة، قال: سمعت عبد الله بن
عمرو قال: سمعت رسول الله وَلويقول: إن المسلم المسدد ليدرك درجة
الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته(١).
أخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير،
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن
ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله وَ له: اتق الله حيث
كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن (٢).
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن صالح المقرئ، حدثنا محمد
ابن محمود، حدثنا جعفر بن هشام، حدثنا العباس بن بكار، حدثنا يحيى بن
سعيد التميمي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَل
قال: إن الله عز وجل ليدخل العبد المسلم بطلاقة وجهه، وحسن بشره،
وحسن خلقه الجنة حتى ينال الدرجات العلى مع الصائم القائم المخبت(٣).
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال أخبرنا يوسف بن أحمد، قال
حدثنا محمد بن عمرو الذهیلي، قال أخبرنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا
علي بن عبد الله بن جعفر بن نجیح المدیني قال: حدثنا فضيل بن سليمان
النميري عن صالح بن خوات بن صالح بن خوات بن جبير، عن محمد بن
(١) أخرجه من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ابن حجيرة عنه
مرفوعا به: حم (٢/ ٢٢٠). وذكره الهيثمي في المجمع (٢٥/٨) وقال: رواه أحمد والطبراني في
الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) حم (١٥٣/٥-١٧٧)، ت (٤ /١٩٨٧/٣١٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. الدارمي
(٣٢٣/٢)، ك (١٢١/١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي.
(٣) في سنده العباس بن بكار. قال الدار قطني: كذاب [انظر: الميزان] (٣٨٢/٢).

فتح البر
احد ٢٥٢
يحيى بن حبان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله چټ إن
المرء ليدرك بحسن خلقه درجات القائم بالليل الظامى بالهواجر(١).
حدثنا عبد الرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن
وهب قال أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو مولى المطلب عن
المطلب عن عائشة زوج النبي و القر أن رسول الله وَ لقول قال: إن المؤمن ليدرك
بحسن خلقه درجة الصائم القائم(٢).
وحدثنا سلمة بن سعید بن سلمة، قال حدثني علي بن عمر بن أحمد بن
مهدي الحافظ البغدادي بمصر، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسین،
قال حدثنا حماد بن الحسن أبو عبد الله، قال حدثنا أبو عاصم عن أبي
العطوف عن عبد الملك بن عمير عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: سمعت
كعب الأحبار يقول: إن في كتاب الله المنزل: إذا أراد الله بعبد خيرا حسن
خلقه وخلقه.
(١) ك (٦٠/١)، خ في التاريخ الكبير (٢٧٦/٤) وفي الأدب المفرد: (٢٨٤). قال المنذري في
الترغيب والترهيب (٤٠٤/٣): رواه الطبراني في الأوسط وقال: صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه الحاكم (١٢٨/١) من طريق إبراهيم بن المستم العروقي عن حبان بن هلال عن حماد
ابن سلمة عن بدير عن عطاء عنه به. وقال : صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
والعروقي لیس من رجاله.
(٢) حم (٦/ ١٣٣)، د(٤٧٩٨/١٤٩/٥)، والغوي في شرح السنة (٣٥٠١/٨١/١٣)، كلاهما من
طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب عن عائشة به. وأخرجه من
طرق عن عمرو مولى المطلب عن المطلب عن عائشة. حم (١٨٧/٦)، ك (٦٠/١) وقال: هذا
حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والبغوي في شرح السنة
(٣٥٠٠/٨١/١٣)، حب: الإحسان (٤٨٠/٢٢٨/٢).

العشرة وحسن الخلق
٢٥٣ -
الوصية بحسن الخلق
[٣] مالك أنه بلغه أن معاذ بن جبل قال: آخر ما أوصاني به رسول الله وَآل حين
وضعت رجلي في الغرز: أن قال: أحسن خلقك للناس يامعاذ بن جبل(١).
هكذا روی یحیی هذا الحديث وتابعه ابن القاسم، والقعنبي، ورواه ابن
بكير عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن جبل؛ وهو مع هذا
منقطع جدا، ولا يوجد مسندا عن النبي ◌ّالقو من حديث معاذ ولا غيره بهذا
اللفظ والله أعلم.
قال البزار: لا أحفظ في هذا مسندا عن النبي وَله.
قال أبو عمر:
يريد بهذا اللفظ، لأنه قد تبث عنه وَ ﴿ من حديث أنس، قال: بعث النبي
423* معاذ بن جبل الى اليمن فقال: يا معاذاتق الله وخالق الناس بخلق
حسن، واذا عملت سيئة فأتبعها حسنة قال: قلت: يا رسول الله، لا اله الا
الله من الحسنات؟ قال: هي من أكبر الحسنات(٢). رواه حماد بن سلمة، عن
ثابت عن أنس، وقد ذكرناه في باب زیاد بن أبي زیاد.
وقد حدثنا خلف بن القاسم قال: حدثنا محمد بن الحسين الآجوري،
قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا سعيد بن حفص خال
النفيلي، قال أخبرنا موسى بن أعين عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت،
عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله،
(١) سيأتي موصولا من وجوه عن معاذ بن جبل.
(٢) سيأتي تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٥٤
علمني ما ينفعني، قال: اتق الله حيث كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها
وخالق الناس بخلق حسن(١).
قوله ﴿ خالق الناس بخلق حسن، أو حسن خلقك للناس، معنى
واحدا لا يختلف والحمد لله؛ وقد روي من وجوه عن معاذ بن جبل انه
قال: آخر ما أوصاني به رسول الله وَّي أن قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر
الله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبيد
ابن عبد الواحد، قال حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا الوليد بن مسلم،
حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مکحول، عن جبير بن نفیر، عن مالك بن
يخامر، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: ان آخر كلمة فارقت عليها رسول
الله وَّه قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: لا يزال لسانك رطبا
من ذكر الله(٢).
وحدثنا سلمة بن سعيد، قال: حدثنا علي بن عمر، قال: حدثنا أحمد بن
عيسى بن السكين الباري، قال: حدثنا أبو عمرو الزبير بن محمد بن الزبير
الرهاوي، قال حدثنا قتادة بن الفضيل الجرشي، عن ثور بن يزيد، عن خالد
معدان، عن معاذ بن جبل، قال: ان آخر شيء فارقت عليه رسول الله مَلآ،
(١) ت (١٩٨٧/٣١٢/٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، حم (٢٢٨/٥)، هق في شعب
الإيمان (٨٠٢٥/٢٤٤/٦)، قال المناوي في فيض القدير (١٢١/١): قال الذهبي في المهذب:
إسناده حسن.
(٢) حب: الإحسان (٨١٨/٩٩/٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم ٢)، طب في الكبير
(٢١٢/٢٠-٢١٣-١٨١)، وذكره الهيثمي في المجمع (٧٤٧/١٠) وقال: رواه الطبراني بأسانيد،
وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وضعفه جماعة ووثقه أبو زرعة
الدمشقي وغيره وبقية رجاله ثقات، ورواه البزار من غير طريقه الا أنه قال: أخبرني بأفضل
الأعمال وأقربه إلى الله، وإسناده حسن.

العشرة وحسن الخلق
٢٥٥
قلت: يا رسول الله، أي شيء أنجى لابن آدم من عذاب الله؟ قال: أن
يموت ولسانه رطب من ذكر الله عز وجل(١).
وفي حسن الخلق عن النبي ◌ّ # كثيرة، وقد مضى منها في باب یحیی بن
سعید قوله عليه السلام: ان الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل
الظامىّ بالهواجر. وسيأتي قوله عليه السلام: إنما بعثت لأتمم محاسن
الأخلاق في موضعه من بلاغات مالك في هذا الكتاب ان شاء الله، ومنها
قوله عليه السلام: اكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا.
وحدثنا خلف بن سعید قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن
خالد قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا عتيق بن يعقوب الزبيري
قال حدثنا عقبة بن علي مولى آل الزبير، عن عبيد بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر، عن رسول الله ◌َ ﴾ قال: أنا زعیم ببيت في ربض الجنة، وبيت في
وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، ولمن ترك
الكذب وإن كان لاعبا، ولمن حسنت مخالطته للناس(٢).
قال أبو عمر:
الغرز موضع الرکاب من موضع البعیر کرکاب السرج، وفي أمر رسول
الله ګ﴾ معاذا بتحسین خلقه إذ بعثه الی الیمن، أمر بالرفق بالناس، وكذلك
يلزم الخليفة إذا بعث عاملا، أي يوصيه بذلك وبمثله تأسيا برسول الله
(١) تقدم تخريجه من طريق أخرى عن معاذ في الباب نفسه.
(٢) ذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عقبة بن علي وهو
ضعيف.

- ٢٥٦
فتح البر
بعث النبي ◌َ ليتهم محاسن الأخلاق
[٤] مالك انه بلغه ان رسول الله وَ ل﴿ قال: انما بعثت لأتمم حسن الأخلاق(١).
وهذا الحديث يتصل من طرق صحاح، عن أبي هريرة وغيره، عن النبي
حدثنا أحمد بن قاسم بن عیسی المقرئ، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن
إسحاق بن حبابة البزاز ببغداد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبدالعزيز
البغوي، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: حدثنا عبدالعزيز
ابن محمد الدراوردي، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حکیم، عن أبي
صالح السمان، عن أبي هريرة أن رسول الله ( * قال: انما بعثت لأتمم صالح
الاخلاق(٢).
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا إسماعيل
ابن إسحاق القاضي، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، حدثنا عبد
العزيز بن محمد، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح،
عن أبي هريرة أن رسول الله و سلم قال: انما بعثت لأتمم صالح الاخلاق(٣)،
وهذا حديث مدني صحيح، ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله،
والدين والفضل والمروءة والاحسان والعدل؛ فبذلك بعث ليتممه پټ وقد
قالت العلماء: إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الاخلاق قوله عز وجل:
(١) سيأتي تخريجه موصولا من طرق عن أبي هريرة وغيره.
(٢) حم (٢/ ٣٨١)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٨٨/٨) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
ك (٢/ ٦٧٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، هق
(١٠ / ١٩٢).
(٣) تقدم تخریه في الباب نفسه.

٢٥٧
العشرة وحسن الخلق
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكْرُونَ﴾ [النحل: (٩٠)].
وروينا عن عائشة ذكره ابن وهب وغيره أنها قالت: مكارم الأخلاق
صدق الحديث، وصدق الناس، وإعطاء السائل، والمكافأة، وحفظ الأمانة،
وصلة الرحم، والتدمم للصاحب، وقري الضيف، والحياء رأسها؛ قالت:
وقد تكون مکارم الاخلاق في الرجل ولا تكون في ابنه، وتكون في ابنه ولا
تكون فيه؛ وقد تكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب.
وقد أحسن أبو العتاهية في قوله.
وليس الدين إلا مكارم الأخلاق
ليس دنيا إلا بدين
إنما المكر والخديعة في النا رهما من فروع أهل النفاق
حدثنا أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن البزاز، قال حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا يزيد بن هارون،
قال أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
حسین، عن مکحول، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، أن رسول
الله وَّه قال: إنما بعثت على تمام محاسن الاخلاق. قال يزيد بن هارون: لا
أعلمه إلا قال عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن
جبل(١).
(١) في سنده شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الأوهام والإرسال كما قال الحافظ في التقريب.

=
= ٢٥٨
فتح البر
أيسر الأمور أفضلها ما لم يكن إثما
٥- مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: ما خير رسول
الله ټ، في أمرین قط إلا اخذ ایسرهما ما لم یکن اثها، فإن كان اثما كان أبعد الناس
منه. وما انتقم رسول الله وَ ليل لنفسه الا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها(١).
في هذا الحديث دليل على ان المرء ينبغي له ترك ما عسر عليه من أمور
الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه، إذا لم يضطر اليه، والميل إلى اليسر أبدا،
فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله وإلى رسوله، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ اٌلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: (١٨٥)]، وفي معنى هذا، الأخذ
برخص الله تعالى، ورخص رسوله، وَلي، والأخذ برخص العلماء، ما لم يكن
القول خطأ بينا، وقد تقدم من القول في هذا المعنى في باب الفطر في السفر،
في حديث حميد الطويل، وفي باب القبلة للصائم، في باب زيد بن أسلم من
کتابنا هذا ما فيه کفایة.
روينا عن محمد بن يحيى بن سلام، عن أبيه قال: ينبغي للعالم أن يحمل
الناس على الرخصة والسعة، ما لم يخف المأثم.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد بن أحمد بن عبد ربه وأحمد
ابن مطرف قالا: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى،
قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، قال: انما العلم ان تسمع بالرخصة
من ثقة، فاما التشدید فيحسنه کل واحد.
وفي هذا الحديث دليل على أن على العالم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه،
(١) خ (٦١٢٦/٦٤٣/١٠) و(٣٥٦٠/٧٠٢/٦) و(٦٧٨٦/١٠٢/١٢)،
م (٤ / ١٨١٣ / ٣٢٧ ٢ [٧٧])، د (٥ / ١٤٢ / ٨٥ ٤٧).

العشرة وحسن الخلق
٢٥٩
ويعفو، ويأخذ بالفضل إن أحب أن يتأسى بنبيه وَّله، وإن لم يطق كلا
فبعضاً. وكذلك السلطان قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[القلم: (٤)]. قال المفسرون: كان خلقه ما قال الله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: (١٩٩)]. وعلى العالم أن يغضب عند
المنكر ويغيره، إذا لم يكن لنفسه، وفي معنى هذا الحديث أن لا يقضي
الإنسان لنفسه، ولا يحكم لها، ولا لمن في ولايته. وهذا ما لا خلاف فيه،
والله أعلم. وهذا الحديث مما رواه منصور بن المعتمر عن ابن شهاب:
اخبرني عبد الرحمن بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا
عبدالملك بن بحر، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا العباس بن
الوليد، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن محمد بن شهاب
الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله وَله منتصرا من
ظلامة ظلمها قط، الا ان ينتهك شيء من محارم الله، فإذا انتهك من محارم
الله شيء كان أشدهم في ذلك، وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما (١).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا الفضيل بن
عياض عن منصور بن المعتمر، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة
قالت: ما رأيت رسول الله وَ ﴿ منتصرا من مظلمة قط ما لم ينتهك من محارم
الله شيء، فاذا انتهك من محارم الله شيء، كان أشدهم في ذلك غضبا، وما
خير بين أمرين إلا اختار ايسر هما، ما لم يكن اثها(١).
وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أبو الاحوص محمد
ابن الهيثم، قال: حدثنا دحيم الدمشقي، قال: حدثنا مؤمل عن سفيان
(١) تقدم تخريجها في حديث الباب.

فتح البر
=٢٦٠
الثوري عن منصور، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ما رأيت
رسول الله وَلا ينتصر لنفسه من مظلمة ظلمها إلا أن تنتهك محارم الله
فيكون لله ينتصر، وما خير بين أمرين إلا اختار ايسر هما ما لم يكن اثما(١).
وأما رواية ابن إسحاق فحدثنا عبد الوارث قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا مضر بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب، قال:
حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة عن
عائشة قالت: ما خير رسول الله صل﴿ بين أمرين قط إلا اختار ايسرهما ما لم
يكن حراما، فإن كان حراما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله وَلاقه
لنفسه من شيء يصاب به، إلا أن تصاب حرمة الله فينتقم لله بها(١).
(١) تقدم تخريجها في حديث الباب.