النص المفهرس

صفحات 161-180

النكاح
١٦١
قال أبو عمر: ليس في حديث مالك في هذا الباب - ذكر بمن كانت
خنساء تحته حین آمت منه، ولا من الذي زوجها منه أبوها فكرهته، ولا الی
من صارت بعد ذلك، وكانت خنساء هذه تحت أنيس بن قتادة فآمت منه،
قتل عنها يوم احد، فزوجها أبوها رجلا من بني عوف، فكرهته وشكت
ذلك الى رسول الله وَ﴾، فرد ذلك التزويج، ونكحت أبا لبابة بن عبد
المنذر.
قرأت على خلف بن القاسم، ان أبا علي سعید بن السكن حدثهم، قال:
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال حدثنا عبد الله بن عمر
ابن أبان الجعفي، قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق،
عن حجاج بن السائب، عن أبيه، عن جدته خنساء بنت خدام أنها كانت
أيما من رجل، فزوجها أبوها رجلا من بني عوف، فحنت الى أبي لبابة بن
عبد المنذر، فارتفع شأنها إلى رسول الله بَ له فأمر رسول الله وَليل أباها ان
يلحقها بهواها، فتزوجت أبا لبابة(١).
وذكر عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن
الحجشي، عن أبي بكر بن محمد، ان رجلا من الانصار يقال له: أنيس بن
قتادة، تزوج خنساء بنت خدام فقتل عنها يوم احد، فأنكهحا أبوها رجلا
من بني عوف، فجاءت الى النبي ◌َّ فقالت: ان أبي انكحني رجلا، وان عم
ولدي احب الي منه، فجعل النبي ◌َّ امرها اليها(١).
قال: وأخبرنا ابن جريج، قال أخبرنا عطاء الخراساني، عن ابن عباس،
ان خداما أبا ودیعة، انکح ابنته رجلا، فأتت النبي ێ فاشتکت الیه انها
انكحت- وهي كارهة، فانتزعها النبي ◌ٍُّ من زوجها، وقال: لا
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
=١٦٢
تکرهوهن، فنکحت بعد ذلك أبا لبابة الانصاري- و کانت ثیبا. قال ابن
جريج: أخبرت انها خنساء ابنة خدام، من أهل قباء(١).
قال عبد الرزاق، وأخبرنا الثوري، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير،
قال: أمت خنساء بنت خدام، فزوجها أبوها- وهي كارهة، فأتت النبي وَل
فقالت: ان أبي زو جني- وأنا کارهة، وقد ملکت أمري، قال: فلا نکاح له،
انكحي من شئت، فرد نكاحه، ونكحت أبا لبابة الانصاري(١).
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

النكاح
١٦٣١ _
الشرط في النكاح إذا خالف كتابا أو سنة فهو باطل
[١٩] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وح لال قال: لا
تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها(١).
في هذا الخبر من الفقه انه لا ينبغي ان تسأل المرأة زوجها ان يطلق ضرتها
لتنفرد به، فإنما لها ما سبق به القدر عليها، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما
جری به القدر لها ولا يزيدها.
وقال الأخفش: كأنه يريد ان تفرغ صحفت تلك من خير الزوج وتأخذه
هي وحدها.
قال أبو عمر: وهذا الحديث من احسن احاديث القدر عند أهل العلم
والسنة، وفيه ان المرء لا یناله الا ما قدر له.
قال الله عز وجل: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا:
[التوبة: (٥١)]. والأمر في هذا واضح لمن هداه الله - والحمد لله.
وفقه هذا الحديث: انه لا يجوز لا مرأة ولا لوليها ان يشترط في عقد
نكاحها طلاق غيرها، ولهذا الحديث وشبهه استدل جماعة من العلماء بأن
شرط المرأة على الرجل عند عقد نكاحها: انها انما تنكحه على أن كل من
يتزوجها عليها من النساء فهي طالق - شرط باطل، وعقد نكاحها على
ذلك فاسد يفسخ قبل الدخول، لأنه شرط فاسد دخل في الصداق المستحل
به الفرج ففسد، لأنه طابق النھي.
(١) خ (١١/ ٦٦٠١/٦٠٤)، د (٦٣٠/٤-٢١٧٦/٦٣١) من طريق مالك عن أبي الزناد عن
الأعرج به، وأخرجه م: (١٠٢٩/٢ - ١٠٣٠/ ١٤٠٨ [٣٨ و٣٩])، ت: (١١٩٠/٤٩٥/٣)،
ن: (٦ / ٣٢٣٩/٣٨١) من طريق عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فتح البر
١٦٤
=
ومن أهل العلم من يرى الشرط باطلا في ذلك كله، والنكاح ثابت
صحيح: وهذا هو الوجه المختار، وعليه أكثر علماء الحجاز، وهم مع ذلك
یکرهونها، ویکرهون عقد النكاح عليها، وحجتهم حديث هذا الباب
وماكان مثله، وحديث عائشة في قصة بريرة يقتضي في مثل هذا جواز
العقود وبطلان الشروط، وهو أولی ما اعتمد عليه في هذا الباب، ومن أراد
ان يصح له هذا الشرط المكروه عند أصحابنا عقده بيمين، فيلزمه الحنث
في تلك اليمين بالطلاق أو بما حلف به، وليس من أفعال الأبرار ولا من
مناكح السلف الأخيار - استباحة النكاح بالأيمان المكروهة ومخالفة السنة.
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا ابن الاعرابي، قال حدثنا سعدان
ابن نصر، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن
عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي رضي الله عنه، قال: شرط
الله قبل شرطها.
قال أبو عمر: یقول ان الله قد أباح ما ترومون المنع منه.
ومنهم من یری ان الشرط صحیح، لحديث عقبة بن عامر.
عن النبي وماحق الشروط ان يوفى به: ما استحللتم به الفروج، حدثناه
عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، اخبرنا أبو داود، حدثنا عيسى بن
حماد المصري، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن
عقبة بن عامر، عن رسول الله ﴾ ﴾ قال: ان احق الشروط ان توفوا به ما
استحللتم به الفروج(١)، وهذا حديث ان كان صحيحا، فإن معناه والله
(١) خ (٥١٥١/٢٧١/٩)، م (٢/ ١٤١٨/١٠٣٦)، د(٢١٣٩/٦٠٤/٢)،
ت (٣/ ١١٢٧/٤٣٤)، ن (٣٢٨١/٤٠٠/٦)، جه (٦٢٨/١ / ١٩٥٤).

النكاح
١٦٥ _
اعلم - احق الشروط ان يوفى به من الشروط الجائزة ما استحللت به
الفروج، فهو احق ما وفى به المرء، واولى ما وقف عنده- والله أعلم.
وقد روى الشاميون في هذا عن عمر: ما حدثناه محمد بن عبد الملك، قال
حدثنا ابن الاعرابي، قال حدثنا سعدان بن نصر، قال حدثنا سفيان بن
عيينة، عن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد
الرحمن بن غنم، قال: شهدت عمر يسأل عنه، فقال: لها دارها، فإن مقاطع
الحقوق عند الشروط قال سعدان: وحدثنا سفيان عن عمرو، عن أبي
الشعثاء، قال: هو بما استحل من فرجها.
قال أبو عمر: معنى حديث عمر وقول أبي الشعثاء: هو فيمن نكح امرأة
وشرط لها ان لا يخرجها من دارها. ونحو هذا مذهب سعد بن أبي وقاص
أيضا.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، حدثنا الحسين بن أحمد بن بزاذ،
حدثنا أبو سعيد بن الاعرابي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا العباس بن
طالب، حدثنا أبو إسحاق الطالقني، عن ابن المبارك، عن داود بن قیس،
قال: حدثتني أمي - وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص- قالت:
رأيت سعدا زوج ابنته رجلا من أهل الشام، وشرط لها ان لا يخرجها:
فأرادت ان تخرج معه، فنهاها سعد وكره خروجها، فأبت إلا ان تخرج،
فقال سعد: اللهم لا تبلغها ما تريد، فأدركها الموت في الطريق فقالت:
تذکرت من یبکي علي فلم اجد من الناس إلا أعبدي وولائدي
والى هذا المعنى ذهب الليث بن سعد، وطائفة الى ان الشرط لازم،
والوجه المختار عندنا ما ذكرنا، وقد روي عن عمر بن الخطاب من رواية

فتح البر
١٦٦٤=
المدنيين خلاف ما تقدم عنه من رواية الشاميين: حدثنا محمد بن عبد الله،
حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا الفضل بن الحباب أبو خليفة، حدثنا أبو
الوليد الطيالسي، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا كثير بن فرقد، عن عبيد بن
السباق، ان رجلا شرط عليه في امرأته عند عقدة النكاح الا يخرجها من
دارها- ولم یذکر عتقا ولا طلاقا، فأراد بها بلدا آخر، فخاصمته الى عمر بن
الخطاب، فقضی عمر ان تتبع زوجها، وانه لا شرط لها. قال: وحدثنا
الليث، حدثنا توبة بن النمر الحضرمي، ان عمر بن عبد العزيز كتب في
ذلك بمثل ذلك.
قال أبو عمر: قد قال رسول الله وي ليه المسلمون عند شروطهم، إلا شرط
احل حراما، أو حرم حلالا(١). وقال: كل شرط ليس في كتاب الله، فهو
باطل(٢) - يعني في حكم الله، كما قال: ((كتاب الله عليكم) يعني حكمه
وقضاءه، فكل شرط ليس في حكم الله وحكم رسوله جوازه، فهو باطل،
وهذا اصح ما في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
والكلام في شروط النكاح وما يلزم منها وما لا يلزم عند العلماء، موضع
غير هذا، وأما قوله: لتستفرغ صحفتها- فكلام عربي، مجاز، ومعناه: لتنفرد
بزوجها- فاعلمه، لا و جه له غیره.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: د(١٩/٤-٣٥٩٤/٢٠)، ت(٦٣٤/٣-١٣٥٢/٦٣٥) وقال:
هذا حديث صحيح. قلت: وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف جدا. وللحديث شواهد عن جمع
من الصحابة فيتقوى بها. انظر («الإرواء)) (١٣٠٣/١٤٢/٥).
(٢) من حديث عائشة في قصة بريرة: خ (٢١٥٥/٤٦٥/٤)، م (٢/ ١٥٠٤/١١٤١)، د
(٢٤٥/٤-٣٩٢٩/٢٤٨)، جه (٢/ ٨٤٢/ ٢٥٢١).

النكاح
١٦٧
المهر في النكاح
[٢٠] مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي ان رسول الله وَل
جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا،
فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها ان لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله
وَطّر: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي الا إزاري هذا، فقال
رسول الله وآله: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا، فقال: ما
أجد شيئا، قال: التمس- ولو خاتما من حدید، فالتمس، فلم يجد شيئا، فقال له
رسول الله وَلير: هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا-
لسور - سماها، فقال رسول الله وَله: قد انكحتكها بما معك من القرآن(١).
روى هذا الحديث عن أبي حازم عن سهل جماعة، وأحسنهم
كلهم له سياقة مالك - رحمه الله، وهذا الحديث يدخل في التفسير
المسند في قوله عز وجل: ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾
[الأحزاب: (٥٠)]. الآية، والموهوبة خص بها رسول الله وَالله وحده دون
سائر أمته وَ ل﴿ قال الله عز وجل: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ قَدْ
عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ﴾ [الأحزاب: (٥٠)]. يعني من الصداق،
فلا بد لكل مسلم من صداق قل أو كثير على حسبما للعلماء في ذلك
من التحديد في قليله دون كثيره على ما نورده في هذا الباب - إن شاء
الله، وخص النبي القول بأن الموهوبة له جائزة دون صداق.
وفي القياس ان كل ما يجوز البدل منه والعوض جازت هبته، إلا أن الله
عز وجل حرم الأبضاع من النساء إلا بالمهور وهي الصدقات المعلومات،
قال الله عز وجل: ﴿ وَءَاتُواْ النِّسَآءُ صَدُ قَئِنَّ فِْلَةٌ ﴾ [النساء: (
(١) خ (٥١٢١/٩-٥١٤٩)، م (١٤٢٥/١٠٤٠/٢[٦٧-٧٧])، ن (٦/ ٣٢٠٠ -٣٢٨٠).

فتح البر
=١٦٨
=
قال أبو عبيدة يعني عن طيب نفس بالفريضة التي فرضها الله من ذلك
دون خير حكومة، قال: وما أخذ بالحكام فلا يقال له نحلة؛ وقد قيل إن
المخاطب بهذه الآية الآباء، لأنهم كانوا يستأثرون بمهور بناتهم التي فرضها
الله لهن؛ وقال الله عز وجل: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاَ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ أَجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: (٥)]. يعني مهورهن.
وقال في الإِماء: ﴿فَاَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ﴾
[النساء: (٢٥)]. يعني مهورهن.
وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له وطؤه دون
رقبته بغير صداق، وأن الموهوبة لا تحل لأحد غير النبي وَليقوم واختلفوا في
عقد النكاح بلفظ الهبة مثل أن يقول الرجل للرجل: قد وهبت لك ابنتي أو
وليتي وسمى صداقا أو لم يسم فقال الشافعي: لا يصح النكاح بلفظ الهبة،
ولا ينعقد حتى يقول: قد أنكحتك أو زوجتك.
وممن أبطل النكاح بلفظ الهبة: ربيعة، والشافعي، ومالك على اختلاف
عنه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وغيرهم. وذهبت طائفة من أصحاب
مالك أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة، لأنه لفظ يصح للتمليك، والاعتبار فيه
بالمعنى لا باللفظ.
وقال ابن القاسم عن مالك: لا تحل الهبة لأحد بعد النبي وَّ، قال: وإن
كانت هبته إياها ليست على نكاح، إنما وهبها له ليحضنها أو ليكفلها، فلا
أری بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن
مالك، وهو عندي جائز كالبيع. قال مالك: من قال أهب لك هذه السلعة
على أن تعطيني كذا وكذا، فهو بيع. وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من

النكاح
١٦٩= ١١
المالكيين البغداديين، وقالوا: إذا قال رجل لرجل: قد وهبت لك ابنتي على
دينار جاز، وكان نكاحا صحيحا قياسا على البيع.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والحسن بن حي: ينعقد النكاح
بلفظ الهبة إذا كان أشهد عليه، ولها المهر المسمى إن كان سمي؛ وإن كان لم
يسم لها مهرا، فلها مهر مثلها. ومما احتج به أصحاب أبي حنيفة في هذا: أن
الطلاق يقع بالتصريح وبالكناية، قالوا: فكذلك النكاح؛ والذي خص به
رسول الله ﴿ تعري البضع من العوض، لا النكاح بلفظ الهبة.
قال أبو عمر:
الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح، كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة
شيء من الأموال، مع ما ورد به التنزيل المحكم في الموهوبة أنها للنبي وَل
خالصة دون المؤمنين؛ فلما لم تصح الهبة في ذلك، لم يصح بلفظها نكاح؛ هذا
هو الصحيح في النظر والله أعلم.
ومن جهة النظر أيضا: أن النكاح مفتقر إلى التصريح، لتقع الشهادة عليه
وهو ضد الطلاق، فكيف يقاس عليه؟ وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد
بقوله: قد أبحت لك، وقد أحللت لك، فكذلك الهبة؛ وقال رسول الله
وَّيلي: استحللتم فروجهن بكلمة الله بمعنى القرآن، وليس في القرآن عقد
النكاح بلفظ الهبة، وإنما فيه التزويج والنكاح؛ وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة
إبطال بعض خصوصية النبي ◌ٍّ﴿ والله أعلم.
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه: إجازة أخذ الأجرة على تعليم القرآن،
وقد اختلف في ذلك العلماء: فكرهه قوم منهم: أبو حنيفة وأصحابه،
وأجازه آخرون منهم: مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد؛ والحجة في

فتح البر
١١ = ١٧٠
جواز ذلك: حديث هذا الباب، وحديث أبي سعيد الخدري عن النبي وَل
أنه بعث سرية فنزلوا بحي، فسألوهم القرى أو الشراء فلم يفعلوا؛ فلدغ
سيد الحي، فقالوا لهم هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا على
ذلك جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من غنم، فأتاهم رجل منهم فقرأ عليه فاتحة
الكتاب فبرأ، فذبحوا وشووا وأكلوا؛ فلما قدموا على رسول الله وَل آل ذكروا
ذلك له، فقال: ومن أين علمت أنها رقية؟ من أخذ برقية باطل، فلقد
أخذت برقية حق، اضربوالي فيها بسهم(١).
رواه أبو المتوكل الناجي، وسليمان بن قنة، وأبو نضرة، عن أبي سعيد
الخدري؛ وروى الشعبي عن خارجة بن الصلت، عن عمه، عن النبي وَل
مثله. وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله: حديث سعد بن طريف، عن
عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي وَلّ قال: معلموا صبيانكم شراركم،
أقلهم رحمة باليتيم، وأغلظهم على المسكين(٢). وحديث علي بن عاصم، عن
حماد بن سلمة، عن أبي جرهم، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، ما
تقول في المعلمين؟ قال: درهمهم حرام، وقوتهم سحت، وكلامهم رياء.
وحديث المغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن
عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة، فأهدی له قوسا، فقال له
رسول الله وَل﴿ إن سرك أن يطوقك الله طوقا من نار فاقبله(٣).
(١) خ (٤ / ٢٢٧٦/٥٧١) و(٥٠٠٧/٦٦/٩)، م (١٧٢٧/٤ / ٢٢٠١ [٦٥])،
د(٣/ ٣٤١٨/٧٠٣)، ت (٢٠٦٣/٣٤٨/٤ -٣٠٦٤)، جه (٢١٥٦/٢٧٩/٢).
(٢) أورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢٢٣/١)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (١٢٧١/٣)،
وقال: « وهذا حديث منكر موضوع)».
(٣) د(٣/ ٣٤١٦/٧٠١)، جه (٢١٥٧/٧٢٩/٢)، هق (١٢٥/٦)، حم (٣١٥/٥)، ك (٢ / ٤٨)،
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: مغيرة بن زياد: صالح الحديث
وقد تركه ابن حبان وقال البيهقي عن ابن المديني في سننه عقب الحديث: «وإسناده كله معروف
إلا الأسود بن ثعلبة فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث.))

النكاح
11
١٧١
وروي من حدیث ابي بن كعب عن النبي آلآل مثله.
وهذه الأحاديث منكرة، لا يصح شيء منها عند أهل العلم بالنقل.
وسعد بن طريف متروك الحديث، وأبو جرهم مجهول لا يعرف، ولم يرو
حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم، وانما رواه عن أبي المهزم وهو
متروك أيضا، وهو حديث لا أصل له. واما المغيرة بن زياد، فمعروف
بحمل العلم، ولکنه له مناکر هذا منها.
وأما حديث القوس، فمعروف عند أهل العلم، لأنه روي عن عبادة من
وجهین، وروي عن أبي بن کعب من حديث موسى بن علي، عن أبيه عن
أبي بن کعب وهو منقطع، وليس في هذا الباب حدیث یجب به حجة من
جهة النقل والله أعلم.
واحتجوا أيضا بقوله وَ اليه: اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا.
وهذا يحتمل التأويل، وكذلك حديث عبادة وأبي يحتمل التأويل أيضا؛ لأنه
جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا، ونحو هذا.
واختلف الفقهاء أيضا في حكم المصلي بأجرة: فروى أشهب عن مالك
أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم بالناس فقال:
أرجوا أن لا یکون به بأس إن کان به بأس فعلیه.
وروى عنه ابن القاسم أنه كرهه وهو أشد كراهية له في الفريضة.
وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور: لا بأس بذلك، ولا بأس بالصلاة
خلفه.
وذكر الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل أم قوما فأخذ
عليه أجرا، فقال: لا صلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه، وهذه المسألة

فتح البر
=١٧٢
معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد، وفي هذه المسألة اعتلالات يطول
ذكرها.
وفيه أيضا من الفقه أن الصداق: كل ما وقع عليه اسم شيء مما يصح
تملكه قل أو كثر، لأن النبي ێ لم يقل له إلتمس ربع دينار فصاعدا، ولا
عشرة دراهم فصاعدا؛ ألا ترى إلى قوله: هل عندك من شيء تصدقها؟ ثم
قال: إلتمس ولو خاتما من حدید. فقال أصحابنا: یرید بقوله: إلتمس شيئا،
وهل عندك من شيء: أي من شيء تقدمه إليها من صداقها، لأن عادتهم
جرت بأن يقدموا من الصداق بعضه.
وقال الشافعي وأصحابه: يريد شيئا تصدقها إياه، فيقتضي أن كل شيء
وجده مما یکون ثمنا لشيء، جاز أن یکون صداقا قل أو كثر؛ وقد مضى
القول في هذا المعنى مجودا في باب حميد من هذا الكتاب.
وأما اختلاف العلماء في مبلغ أقل الصداق، فذهب مالك وأصحابه إلى
أن النكاح لا یکون بأقل من ربع دینار ذهبا، أو ثلاثة دراهم کیلا من ورق،
أو قيمة ذلك من العروض قياسا على قطع اليد؛ لأنه عضو يستباح بمقدر
من المال، فأشبه قطع اليد؛ ولم يكن بد من التقدير في ذلك، لأن الله شرط
عدم الطول في نكاح الإماء، وقلما يعدم الإنسان ما يتمول أو يتملك.
وقد ذكرنا الحجة لهذا القول في باب حميد الطويل من هذا الكتاب.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم قياسا
أيضا على ما تقطع الید فيه عندهم، واحتجوا بحدیث یروی عن جابر، عن
النبي وَلو أنه قال: لا صداق أقل من عشرة دراهم(١). وهو حديث لا
یثبت.
(١) هق (٢٤٠/٧)، قط (٢٤٥/٣)، وابن عدي في الكامل (٤١٧/٦ و٤١٨). قلت: في سند هذا
الحديث، بقية بن الوليد مدلس، ومبشر بن عبيد، قال البخاري: كان منكر الحديث، وقال الإمام
أحمد: أحاديثه بواطيل، وقال الدار قطني: متروك والحجاج بن أرطاة مدلس كذلك.

النكاح
١٧٣ -
وروي عن الشعبي عن علي مثله، ولا يصح أيضا عن علي(١).
وقال ابن شبرمة: أقل المهر خمسة دراهم يعني كيلا، وفي ذلك تقطع الید
عنده أيضا.
وروي عن النخعي ثلاثة أقاويل، أحدها: أنه كره أن يتزوج بأقل من
أربعين درهما، وروي عنه أنه قال: أكره أن يكون مثل مهر البغي، ولكن
العشرة والعشرون.
و کان سعید بن جبیر یستحب أن یکون المهر خمسین درهما.
وقال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، والثوري،
والأوزاعي، وعطاء، وعمرو بن دينار، والشافعي، ومسلم بن خالد
الزنجي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، والليث بن سعد، والحسن
ابن حي، والطبري، وداود: يجوز النكاح بقليل المال وكثيره، إلا أن الحسن
يعجبه أن لا يكون أقل من دینار أو عشرة دراهم، ویجیزه بدرهم.
وقال الأوزاعي: كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاض، قال
والصداق ما تراضی علیه الزوجان من قليل أو كثير.
وقال الشافعي: كل ما كان ثمنا لشيء أو أجرة، جاز أن يكون صداقا.
وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا لحلت.
أخبرنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن شعبان، حدثنا عمران بن موسى بن
زكرياء، حدثنا خشيش بن أصرم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن
(١) هق (٢٤٠/٧)، قط (٢٤٥/٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (٢٦٤/٢)، وقال: قال يحيى:
داود ليس حديثه بشيء. قال ابن حبان: كان داود يقول بالرجعة، ثم إن الشعبي لم يسمع من
علي.

فتح البر
١٧٤
=
الزهري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: النكاح جائز على موزة إذا هي
رضیت.
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن لا توقيت ولا تحديد في أكثر الصداق، وذكر الله
تعالى الصداق في كتابه ولم يجد في أكثره ولا في أقله حدا؛ ولو كان الحد مما
يحتاج في ذلك إليه، لبينه رسول الله وَ له، إذ هو المبين عن الله مراده ◌َله؛ وقد
قال ◌َله: إلتمس ولو خاتما من حديد.(١) والحدود لا تصح إلا بكتاب الله،
أو سنة ثابتة لا معارض لها، أو إجماع يجب التسليم له؛ هذه جملة ما احتج
به من ذهب هذا المذهب.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما يصدقه الرجل امرأته لا يملك
شيئا منه، وأنه للمرأة دونه؛ ألا ترى إلى قوله: إن أعطيتها إزارك جلست لا
إزار لك. وفي هذا ما يدل على أن الصداق لو كان جارية ووطئها الزوج
حد، لأنه وطى ملك غيره، وهذا موضع اختلف فيه السلف والآثار.
وأما فقهاء الأمصار، فعلى ما ذكرت لك وهو الصحيح؛ لقول الله
عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونٌ (٤) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ آَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
[المؤمنون: (٥ _ ٦ - ٧)]، [المعارج: (٢٩ - ٣٠ - ٣١)].
ومن وطىْ جارية قد أمهرها زوجته وملكتها عليه ببضعها، فلم يطأ
ملك یمین و تعدی.
واختلف الفقهاء في المهر المسمى: هل تستحق المرأة جميعه بالعقد أم لا؟
(١) تقدم تخريجه من حديث سهل بن سعد الساعدي (حديث الباب).

النكاح
١٧٥ =
فالظاهر من مذهب مالك، أنه لا تستحق بالعقد إلا نصفه؛ وأما الصداق
إذا كان شيئا بعينه فهلك ثم طلق قبل الدخول، لم يكن له عليها شيء؛ وأنه
لو سلم وطلق قبل الدخول، أخذ نصفه ناميا أو ناقصا؛ والنماء والنقصان
بينهما وقد روي عن مالك، وقال به طائفة من أصحابه: أنها تستحق المهر
كله بالعقد؛ واستدل قائل ذلك بالموت قبل الدخول، وبوجوب الزكاة في
الماشية نفسها عليه؛ وأنه لا يقال للزوج أغرم عليها الزكاة ثم تدخل، وبأنه
لو كانت بينهما لم تجب عليها في أربعين شاة أو خمس ذود زكاة؛ فلما أوجبوا
عليها الزكاة في ذلك، علم أنها كلها على ملكها؛ وبهذا القول قال الشافعي
وأصحابه، واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته و کان معينا في غیر
ذمة الزوج وهلك قبل الدخول، کان منها، و کان له أن يدخل بها بغير
شيء؛ وبأنها لو كان الصداق أباها، عتق عليها عقب العقد قبل الدخول بلا
خلاف.
واحتجوا أيضاً بقول الله عز وجل: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَئِنَّ غِلَّةٌ ؟
[النساء: (٤)]. فأمر بتسليم الصداق إليها، فوجب ملكه لها؛ وشبهوا سقوطه
بالطلاق قبل الدخول بعد وجوبه و ثبوته، بالبائع یرجع إلیه عین ملکه عند
فلس المبتاع منه؛ ولهم في ذلك ضروب من الكلام یکفي منه ما ذكرنا وهو
عينه وعلیه مداره والحمد لله.
وفيه إجازة اتخاذ خاتم الحديد، وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم
الحدید علی ما بینا في باب عبد الله بن دینار والحمد لله.
وفيه أيضا دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا، وهذا موضع
اختلف فيه الفقهاء: فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يكون القرآن
ولا تعليم القرآن مهرا وهو قول الليث. وحجة من ذهب هذا المذهب: أن

فتح البر
=١٧٦
الفروج لا تستباح إلاَّ بالأموال، لذكر الله الطول في النكاح والطول المال،
والقرآن ليس بمال. وقال الله عز وجل: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: (٢٤)].
والقرآن ليس بمال، لأن التعليم من المعلم والمتعلم يختلف ولا يكاد يضبطه،
فأشبه الشيء المجهول؛ قالوا: ومعنى ما روي عن النبي وَلقول أنه قال: قد
أنكحتكها بما معك من القرآن. فإنما هو على جهة التعظيم للقرآن وأصله،
لا علی أنه مهر؛ وإنما زوجه إياها، لكونه من أهل القرآن؛ کما روی أنس أن
النبي ◌َّ- زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، والمهر مسكوت عنه، لأنه
معهود معلوم أنه لا بد منه:
أخبرنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن
عمرو البزار، قال حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال حدثنا يزيد بن
هارون، قال أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، وإسحاق بن عبد الله
ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن
يسلم، فقالت: أتزوج بك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بني فلان؟ إن
أسلمت، تزوجت بك؛ قال: فأسلم أبو طلحة، فتزوجها على إسلامه(١).
يريد لما أسلم، استحل نكاحها وسكت عن المهر؛ وكان أحمد بن حنبل يكره
النكاح على القرآن.
وقال الشافعي وأصحابه: جائز أن يكون تعليم القرآن أو سورة منه
مهرا، قال: فإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف أجر التعليم. هذه
رواية المدني عنه. وذكر الربيع عنه في البويطي أنه إن طلقها قبل الدخول،
رجع عليها بنصف مهر مثلها، لأن تعليم النصف لا يوقف على حده؛ قال:
فإن وقف عليه جعل امرأة تعلمها.
(١) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، أفاده الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٤).

النكاح
ومن الحجة لمذهب الشافعي في ذلك: أن الحدیث الثابت ورد بأن رسول
الله وَل زوج ذلك الرجل تلك المرأة على تعليمه إياها سورا سماها، ولأن
تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه، فجاز أن يكون صداقا؛ قالوا: ولا
وجه لقول من قال: إن ذلك كان من أجل حرمة القرآن، ومن أجل كونه
من أهل القرآن؛ لأن في الحديث ما يبطل هذا التأويل، لأنه قال: إلتمس
شيئا، ثم قال له: إلتمس ولو خاتما من حديد، ثم قال له: هل معك من
القرآن شيء؟ فقال: سورة كذا، فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن -
أي بأن تعلمها تلك السورة من القرآن.
قال أبو عمر:
دعوى التعليم على الحديث دعوى باطل لا يصح، وتأويل الشافعي على
ما ذكرنا في هذا الباب محتمل؛ فأما دعوی الخصوص، فضعيف لا وجه له،
ولا دليل عليه؛ وأكثر أهل العلم لا يجيزون ما قال الشافعي. وأولى ما قيل
به في هذا الباب: قول مالك ومن تابعه - إن شاء الله، والله الموفق
للصواب.
وقد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن عمر بن
لبابة، قال: أخبرنا مالك بن علي القرشي، عن یحیی بن یحیی، أن یحیی بن
مضر حدثه عن مالك بن أنس في الذي أمره النبي ێ ان ینکح بما معه من
القرآن - أن ذلك في أجرته على تعليمها معه.
٠

:١٧٨
فتح البر
باب منه
[٢١] مالك، عن حميد الطويل عن أنس بن مالك: أن عبد الرحمن بن عوف جاء الى
رسول الله وَ ل وبه اثر صفرة فسأله رسول الله وَلقر فأخبره أنه تزوج فقال رسول
الله كم سقت اليها قال زنة نواة من ذهب فقال له رسول الله وَّي أولم ولو
بشاة(١).
وفي هذا الحديث دليل على أن من فعل ما يجوز له فعله دون ان یشاور
السلطان خلیفة کان أو غيره فلا حرج ولا تثریب علیه، ألا ترى ان عبد
الرحمن بن عوف تزوج ولم يشاور رسول الله وَّطاقم ولا أعلمه بذلك ولم يكن
من رسول الله وَ له إنكار ولا عتاب. وكان على خلق عظيم من الحلم
والتجاوز ◌َله.
واما قوله حین اخبره انه تزوج کم سقت الیها قال زنة نواة من ذهب
فالنواة فيما قال أهل العلم اسم لحد من الاوزان وهو خمسة دراهم، كما ان
الأوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما، ولا أعلم في شيء من ذلك
کله خلاف إلا في النواة فالأكثر انها خمسة دراهم وقال أحمد بن حنبل وزن
النواة ثلاثة دراهم وثلث. وقال إسحاق بل وزنها خمسة دراهم. وقد قيل ان
النواة المذكورة في هذا الحديث نواة التمرة واراد وزنها. وهذا عندي لا وجه
له لأن وزنها مجهول. واجمعوا ان الصداق لا یکون إلا معلوما لأنه من باب
المعاوضات. وقال بعض المالكيين وزنة النواة بالمدينة ربع دينار واحتج
بحديث يروى عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن أنس أن عبد الرحمن بن
(١) أخرجه من طرق عن أنس: خ (٢٠٤٨/٣٦١/٤) و(٥٠٧٢/٩ و ٥١٥٣)، م
(١٤٢٧/١٠٤٢/٢ [٧٩ و٨١])، ت (١٩٣٣/٢٨٩/٤)، جه (١٩٠٧/٦١٥/١)، ن
(٣٣٥١/٤٢٩/٦)، هق (٢٥٨/٧).

النكاح
١٧٩ =
عوف تزوج امرأة من الأنصار وأصدقها زنة نواة من ذهب قومت ثلاثة
دارهم وربعا.
وهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده. وأجمع العلماء على
أنه لا تحديد في أكثر الصداق، لقول الله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا﴾
[النساء: ٢٠]. واختلفوا في أقل الصداق، فقال مالك: لا يكون الصداق أقل من ربع
دينار ذهبا، أو ثلاثة دراهم كيلا. واعتل بعض أصحابنا لذلك بأنها أقل ما
بلغه في الصداق فلم يتعده و جعله حدا اذا لم یکن فیه بد من الحد، لأنه لو
ترك الناس وقليل الصداق كما تركوا وكثيره لكان الفلس والدانق ثمنا
للبضع وهذا لا يصلح، لأنه لا يسمى طولا ولا يشبه الطول. قال الله عز
وجل: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ اَلْمُحْصَنَتِ﴾ [النساء: ٢٥].
الآية ولو كان الطول فلساً ونحوه لكان كل أحد مستطيعاً له.
وفي الآية دليل على منع استباحة الفروج باليسير. ثم جاء حديث عبد
الرحمن بن عوف في وزن النواة فجلعه حدا لا يتجاوز لما يعضده من
القياس. لأن الفروج لا تستباح بغير بدل ولم يكن بد من الصداق المقدر
كالنفس التي لا تستباح بغير بدل فقدرت ديتها. وكان أشبه الأشياء بذلك
قطع الید، لأن البضع عضو والید عضو یستباح بمقدر من المال وذلك ربع
دینار. فرد مالك البضع قياسا على الید وقال لا يجوز صداق أقل من ربع
دینار لأن الید لا تقطع عنده من السارق في أقل من ربع دینار.
قال أبو عمر:
قد تقدمه الى هذا أبو حنيفة فقاس الصداق على قطع اليد واليد عنده لا
تقطع الا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا. ولا صداق عنده أقل من
ذلك. وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه، وهو قول أكثر أهل بلده في

فتح البر
١١١ = ١٨٠
قطع اليد لا في أقل الصداق. وقد قال الدراوردي لمالك رحمه الله اذ قال لا
صداق أقل من ربع دينار تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي سلكت فيها سبيل
أهل العراق. وقال جمهور أهل العلم من أهل المدينة وغيرهم لا حد في
قليل الصداق كما لا حد في كثيره. وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والقاسم
ابن محمد وسليمان بن يسار ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد
ويزيد بن قسيط وابن أبي ذئب. وهؤلاء أئمة أهل المدينة. قال سعيد بن
المسيب لو أصدقها سوطا حلت، وانكح ابنته من عبد الله بن وداعة
بدرهمين. وقال ربيعة يجوز النكاح بصداق درهم. وقال أبو الزناد ما
تراضى به الأهلون. وقال يحيى بن سعيد الثوب والسوط والنع لأن صداق
اذا رضيت به، واجاز الصداق بقليل المال وكثيره من غير حد الحسن
البصري وعمرو بن دينار وعثمان البتي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري
والليث بن سعد والاوزاعي والشافعي وأصحابه والحسن بن حي وعبيد
ابن الحسن وجماعة أهل الحديث منهم وكيع ويحيى بن سعيد القطان وعبد
الله بن وهب صاحب مالك كانوا يجيزون النكاح بدرهم ونصف درهم.
وكان ابن شبرمة لا يجيز ان يكون الصداق أقل من خمسة دراهم. ولا تقطع
اليد عنده في أقل من ذلك. قال الشافعي وأصحابه ما جاز ان يكون لشيء
أو ثمنا له جاز ان يكون صداقا قياسا على الإجارات لأنها منافع طارئة على
أعيان باقية وأشبه الأشياء بالإجارات الاستمتاع بالبضع. قالوا وهذا أولى
من قياسه قطع اليد؟ قالوا ولا معنى لمن شبه المهر اليسير بمهر البغي، لأن
مهر البغي لو كان قنطارا لم يجز ولم يحل لأن الزنى ليس على شروط النكاح
بالشهود والولي والصداق المعلوم. وما يجب للزوجات من حقوق العصمة
وأحكام الزوجية.