النص المفهرس

صفحات 121-140

النكاح
=
١٢١
باب منه
[١٦] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَالقول، قال: لا يخطب أحدكم على
خطبة أخيه(١).
قال أبو عمر: هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة، ورواه ايوب، عن
نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ* قال: لا يبع احدكم على بيع أخيه، ولا
يخطب على خطبة أخيه، الا ان یأذن له(١)، وروی صخر بن جويرية، عن
نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ، لا يخطب احدكم على خطبة أخيه الا ان
يترك، أو يأذن له(١).
وقد مضى القول في معنی هذا الحدیث بما يجب في ذلك موجودا في باب
محمد بن يحيى بن حبان، من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ها هنا.
وخطبة النكاح بالكسر، والخطبة في الجمعة وما كان مثلها بالضم.
(١) حم: (١٢٦/٢ و١٤٢ و١٥٣)، خ (٥١٤٢/٢٤٨/٩) مطول. م (١٠٣٢/٢ /١٤١٢[٥٠])،
د (٢ / ٥٦٥/ ٢٠٨١)، ت (١٢٩٢/٥٨٧/٣) ن (٣٢٣٨/٦-٣٢٤٣)، جه (١٨٦٨/٦٠٠/١).

١٢٢
فتح البر
الأيم أحق بنفسها من وليها، وإذن البكر صماتها
[١٧] مالك، عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن
عباس، ان رسول الله وَ له قال: الأيم احق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في
نفسها، وإذنها صمتها(١).
نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف احد الاشراف
التابعین الثقات، و کان ذا فصاحة وبیان، و کان فیه زهو فيما ذکروا وتجبر
وإعجاب، توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك.
قال أبو عمر: هذا حديث رفيع، أصل من أصول الاحكام، رواه عن
مالك جماعة من الجلة، منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، ويحیی
ابن سعيد القطان، وقيل انه قد رواه أبو حنيفة عن مالك وفي ذلك نظر ولا
يصح.
فأما حديث الثوري عن مالك في ذلك، فحدثنا خلف بن قاسم، قال
أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الله القاضي بمصر،
حدثنا عبد الله بن الحسين بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، وحدثنا خلف،
قال حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله القاضي، حدثنا يوسف بن
يعقوب القاضي، قالا جميعا حدثنا محمد بن كثير، قال حدثنا سفيان الثوري،
عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم،
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: الأيم احق بنفسها من وليها،
(١) أخرجه من طرق عن ابن عباس: حم (٢١٩/١-٢٤١-٢٤٢ -٢٦١ -٢٧٤)
.م (١٠٣٧/٢ /١٤٢١ [٦٦-٦٧ -٦٨])، د (٢ / ٥٧٧ - ٥٧٩ / ٢٠٩٨ .. ٢١٠٠)،
ت (١١٠٨/٤١٦/٣)، ن (٣٢٦٠/٣٩٣/٦-٣٢٦٣ -٣٢٦٤)، جه (١/ ٦٠١ /١٨٧٠).

النكاح
١٢٣٤ -
والبكر تستأذن وإذنها صماتها(١).
وأما حديث شعبة، فحدثنا خلف بن سعید، قال حدثنا عبد الله بن
محمد، قال حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا علي بن عبد العزیز، قال حدثنا
مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا شعبة، قال حدثنا مالك، عن عبد الله بن
الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، ان رسول الله وسلم قال: الثيب
احق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها(١).
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن سليمان الرملي، حدثنا أبو مسلم
إبراهيم بن عبد الله البصري، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة بن
الحجاج، حدثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير،
عن ابن عباس، أن رسول الله وَ الله قال: الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر
تستأذن وإذنها صماتها. هكذا يقول شعبة: والثيب احق بنفسها(١).
وحدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله،
حدثنا الربيع بن سليمان، اخبرنا الشافعي، اخبرنا مالك، عن عبد الله بن
الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله
وَل ـ: الأيم احق بنفسها من وليها، والبكر رضاها صماتها (١).
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن مالك.
وأخبرنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة،
قال حدثنا مطرف بن عبد الله، قال حدثنا مالك، عن عبد الله بن الفضل،
عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، ان رسول الله وسلم قال: الأيم أحق
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
=
١٢٤
بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها (١)- كذا قال:
تستأمر لفظ مطرف، وعامة رواة الموطأ يقولون: تستأذن.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، وحدثنا عبد الله
ابن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن
حنبل، قالا جمیعا حدثنا سفيان، قال حدثنا زياد بن سعد، عن عبد الله بن
الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، ان رسول الله وس # قال: الثیب
أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، فصمتها اقرارها. هذا لفظ
حديث الحميدي، وقال أحمد بن حنبل حدثنا سفيان، عن زياد بن سعد
باسناده، فقال: الثيب احق بنفسها من وليها، والبكر يستأمرها أبوها،
وصمتها اقرارها(١).
قال أبو عمر:
وهكذا قال ابن عيينة عن زياد في هذا الحديث: الثيب احق بنفسها. ولو
صحت هذه اللفظة، کان الولي المراد بهذا الحدیث الاب دون غيره على ما
ذهبت اليه طائفة من أهل العلم في ذلك، وسترى ذلك وغيره في هذا الباب
ان شاء الله.
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، قال حدثنا أبو الحسين محمد بن العباس
الحلبي، قال حدثنا أبو عروبة الحسین بن محمد، قال حدثنا محمد بن زنبور
المكي، قال حدثنا فضيل بن عياض، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن
الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، ان النبي ◌َّ م قال: الأيم احق
بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها(١).
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

النكاح
١٢٥ -
قال أبو عمر:
اختلف في لفظ هذا الحديث كما ترى: فبعضهم يقول: الأيم، وبعضهم
يقول: الثيب، والذي في الموطأ: الأیم، وقد یمکن ان یکون من قال الثيب
جاء به على المعنى - عنده، وهذا موضع اختلف فيه العلماء وأهل اللغة:
فقال قائلون: الأيم هي التي أمت من زوجها بموته أو طلاقه- وهي
الثيب.
واحتجوا بقول شاعر:
نقاتل حتى أنزل الله نصره وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس منهن أیم
قالوا: يعني ليس منهن من قتل زوجها، وهذا الشعر لرجل من بني أسد
قاله يوم القادسية حين كان سعد بن أبي وقاص عليلا مقيما في القصر، لم
يقدر على النزول ولم يشرف على القتال. وقال يزيد بن الحكم الثقفي:
كل امرىء ستثيم من العرس أو منها يئم
یرید سیموت عنها أو تموت عنه فتصير أيما وذكروا ما حدثنا عبد
الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر،
قل حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب من ولد عباد بن تميم بن أوس
الداري، قال حدثنا سعيد بن هاشم بن صالح المخزومي مسكنه الفيوم،
قال حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب انه سمع سالم بن عبد الله يحدث
عن أبيه، ان عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة ابنته من خنيس بن
حذافة السهمي - فذكر الحديث. ورواه الدراوردي عن ابن أخي الزهري،
عن عمه، عن سالم، عن أبيه، قال: امت حفصة من خنيس بن حذافة

فتح البر
== ١٢٦
١٢٦
السهمي وذكره. قالوا: فالأيم هي الثيب التي يموت عنها زوجها أو
يطلقها، فتخلو منه بعد ان كانت زوجة، قالوا: وقد تقول العرب لكل من
لا زوج لها من النساء: أيم على الاتساع، ولكن قوله ويّ: الأيم احق بنفسها
من وليها انما اراد الثيب التي قد خلت من زوجها، بدلیل رواية من روی في
هذا الحديث: الثيب احق من نفسها، فكانت رواية مفسرة، ورواية من
روى الأيم مجملة، والمصير الى المفسر - أبدا - أولى بأهل العلم.
وذکروا ما حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفیان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، قال حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن وهب،
قال حدثنا نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله
وَله: الثيب أولى بأمرها من وليها، والبكر تستأمر، وصمتها اقرارها(١).
قالوا: ففي هذا الحديث ومثله ما يدل على ان الأيم المذكورة في هذا
الحديث، المراد بها: الثيب دون غيرها، قالوا: ودليل آخر - وهو ذكر البكر
بعدها بالواو الفاصلة، فدل على أن الأيم غير البكر، واذا كانت غير البكر،
فهي الثيب، قالوا: ولو كانت الأيم في هذا الحديث: كل من لا زوج لها من
النساء، لبطل قوله ويثير: لا نكاح الا بولي(٢)، ولكانت كل امرأة احق بنفسها
من وليها، وهذا ترده السنة الثابتة في ان لا نكاح إلا بولي، ويرده القرآن في
قوله عز وجل مخاطباً للأولياء: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَاَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: (٢٣٢)]. قالوا: ولما قال رسول الله
وسلم: الأيم أحق بنفسها من وليها، دل على أن الأيم وهي الثيب أحق
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) سيأتي تخريجه من رواية أبي موسى من الباب نفسه.

النكاح
١٢٧
بنفسها، وان لوليها مع ذلك أيضا حقا، لأنه لا يقال: فلان احق من فلان
بکذا، إلا ولذاك فیه حق لیس کحق الذي هو احق به منه، و دل أيضا على
أن لولي البکر علیها حقا فوق ذلك الحق، والفرق بينهما ان ذلك الولي لا
ینکح الثيب إلا بأمرها، وله ان ینکح البکر بغير أمرها، والولي عندهم ههنا
هو الاب خاصة.
قالوا: ولما كان للاب ان ینکح البکر من بناته بغیر امرها، وليس له ذلك
في الثيب الا بأمرها، علمنا ان ذلك ليس من باب التهمة في شيء، لأن البکر
والثيب في ذلك سواء، لأنهما بنتاه لا يتهم على واحدة منهما، وممن قال في
هذا الحديث بمعنى ما ذكرنا: الشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه، واحتجوا بضروب من الحجج معناها ما وصفنا.
وذكر المزني وغيره عن الشافعي قال: وفي قول النبي ◌ُّ: الأيم احق
بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها، دلالة على الفرق
بين الثيب والبكر في أمرين، احدهما: ان إذن البكر الصمت، والتي تخالفها
الكلام، والآخر ان أمرهما في ولاية أنفسهما مختلف، فولاية الثيب انها أحق
من الولي، قال: والولي ههنا الاب -والله أعلم - دون سائر الاولياء، ألا
تری أن سائر الأولياء غیر الاب ليس له ان يزوج الصغيرة، ولا له ان يزوج
الكبيرة البكر وغيرها إلا بإذنها، وذلك للاب في الأبكار من بناته بوالغ
وغير بوالغ، ولم تفترق البكر والثيب إلا في الأب خاصة، لأن الأب هو
الولي الكامل الذي لا ولاية لأحد معه، وإنما يستحق غيره من الاولياء
الولاية بسببه عند فقده، وهم قد يشتركون في الولاية- وهو ينفرد بها،
فلذلك وجب له اسم الولي مطلقا، وذکر حدیث خنساء حین أنكحها
أبوها- وهي ثيب بغير رضاها، فرد رسول الله وَ لا نكاحها، قال: والبكر

فتح البر
:١٢٨
مخالفة لها لاختلافهما في لفظ النبي وَطقة، ولو كانتا سواء، كان لفظ النبي عليه
السلام انهما احق بأنفسهما. قال: وتزوج رسول الله وَ ل قول عائشة وهي
صغيرة، زوجها أبوها وهي لا إذن لها، ولو كانت ممن يحتاج الى إذنها، ما
زوجت حتی تکون في حال من له الأذن بعد البلوغ، ولکن لما زوجها أبوها
-وهي صغيرة - كان له ان يزوجها بعد البلوغ كذلك بغير امرها ما لم تكن
ثيبا، قال: وأما الاستثمار للبكر، فعلى استطابة النفس، قال الله عز وجل لنبيه
عليه السلام: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: (١٥٩)]. لا على أن لأحد
رد ما رأى رسول الله وَله، ولكن لاستطابة أنفسهم، وليقتدى بسنته
فيهم. قال: وقد أمر رسول الله وَ ﴾ نعيماً أن يؤامر أم ابنته.
قال أبو عمر:
وذكر من ذهب هذا المذهب أيضا- ما رواه معمر، والاوزاعي، وهشام
الدستوائي، وغيرهم، عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة، قال:
كان النبي ◌ّل﴾ يستأمر بناته اذا أنكحهن. قال: كان يجلس عند خدر
المخطوبة فيقول: ان فلانا يذكر فلانة، فان حركت الخدر لم يزوجها، وإن
سكتت زوجها(١).
وذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء
مرسلا - مثله سواء.
وروی الثوري، ومعمر، عن عبد الکریم الجزري، عن ابن المسيب، قال:
قال رسول الله وَله: استأمروا الأبكار في أنفسهن، فإنهن يستحيين، فإذا
سكتت، فهو رضاها(٢). هذا لفط الثوري، قال الشافعي: وهذا في الآباء
(١) عبد الرزاق (٦/ ١٠٢٧٧/١٤١-١٠٢٧٨)، هق (١٢٣/٧). وهذا حديث منقطع وفيه المهاجر
ابن عكرمة قال فيه الحافظ ابن حجر: مقبول.
(٢) عبد الرزاق (١٠٢٨٠/١٤٢/٦-١٠٢٨١).

النكاح
١٢٩ -
على استطابة النفس ممن له ان ينكحها، كما أمر نعيما أن يشاور ام ابنته،
ومعلوم انها لا امر لها معه في ابنته، ولما عسی ان يكون عندها مما يخفى عليه
من ذلك. وقال آخرون: الأيم كل امرأة لا زوج لها- بكرا كانت أم ثيبا،
واستشهدوا بقول الشاعر:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم - أنأيم
قال أبو عمر:
ومن هذا قول الشماخ:
يقر بعيني ان أنبأ أنها وإن لم أنلها- أيم لم تزوج
وأبين من هذا، قول أمية بن أبي الصلت:
أيم منهم وناكح
لله در بني علي
شعواء تحجر كل نائح
ان لم يغيروا غارة
قالوا: فالأيم كل من لازوج لها من النساء، قالوا: وكذلك كل رجل لا
امرأة له أيم أيضا، الرجل أيم اذا كان لا زوجة له، والمرأة أيم اذا كانت لا
زوجها.
واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال، آمت حفصة
ابنة عمر من زوجها، وآم عثمان من رقية بنت رسول الله ◌َ﴾، فمر عمر
بعثمان فقال: هل لك في حفصة؟ فلم يحر اليه شيئا، فأتى عمر النبي وتلا
فقال ألم تر الى عثمان، عرضت عليه حفصة فأعرض عني، ولم يحر الي شيئا؟
فقال النبي قال: فخير من ذلك أتزوج أنا حفصة، وأزوج عثمان أم كلثوم

فتح البر
-= ١٣٠
فتزوج النبي ◌ّ حفصة، وزوج عثمان أم كلثوم(١)، الا ترى ان في هذا
الحديث آمت حفصة وآم عثمان، قالوا: ففي ذلك دليل على ان من لا زوج
له فهو أيم، ثيبا كان أو بكرا، رجلا كان أو امرأة.
قال أبو عمر:
ذهب الى هذا القول طائفة ممن قال: لا نكاح الا بولي، وكل من قال:
النكاح جائز بغير ولي، وسنبين اختلاف العلماء في النكاح بغير ولي بعد هذا
ان شاء الله.
ومعنى قوله وله: الأيم احق بنفسها من وليها عند هذه الطائفة القائلة:
لانكاح الا بولي، انه من عدا الأب من الأولياء، وان الاب لم يرد بذلك،
وممن قال بهذا: مالك وأصحابه، وجماعة.
قال إسماعيل بن إسحاق: إنكاح غير الأب لا يجوز إلا بأمر المرأة، قال:
وأما الاب، فيجوز إنكاح ابنته البكر بغير امرها، لأنه غير متهم في ولده، كما
لا يتهم في نفسه وماله، لأن ولده هبة له كسائر ماله. قال الله عز وجل:
﴿ هَبْ لِ مِن لَُّنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: (٣٨)]. قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُهُ إِسْحَقَ﴾
[الأنعام: (٨٤)]. وليس غير الأب من الأولياء كذلك، فلا يجوز لغير الأب
أن يزوج وليته إلَّ بأمرها، قال ◌َله: الأيم أحق بنفسها من وليها.
قال إسماعيل: والأيم: التي لا زوج لها - بالغا كانت أو غير بالغ، بكرا
كانت أو ثيبا، قال: ولم يدخل الاب في جملة الاولياء، لأن امره في ولده اجل
من أن يدخل مع الاولياء الذين لا يشبهونه، وليست لهم احكامه، ولو
(١) حم (١٢/١) خ (٧/ ٤٠٢ /٤٠٠٥) و(٥١٢٢/٢١٨/٩)، ن (٣٢٤٨/٣٨٦/٦-٣٢٥٩)،
من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر أن عمر يحدث حين تأيمت.

النكاح
١٣١
دخل في جملة الاولياء، لما جاز له ان ينكح ابنته الصغيرة، ثم لا يكون لها
خيار عند بلوغ ولا غيره. قال: وقد توهم قوم ان الأيم في هذا الحديث:
الثیب- وهو غلط شدید، وانما توهموا ذلك حین خصت البکر بأن إذنها
صماتها، فظنوا ان الأيم هي الثيب، ولو كان الامر كما توهموا، لكانت الثيب
احق بنفسها من ولیھا، و کانت البکر ليست بأحق بنفسها، وکان الاستثمار
لها انما هو على الترغيب في ذلك لا على الايجاب - اذا كانت ليست بأحق
بنفسها من وليها، وهذا الحديث انما جاء في الأيامى جملة، وكأنه -والله
أعلم- اعلام للناس اذا أمروا بإنكاح الأيامى في القرآن مع ما أمروا به من
إنكاح العبيد والإماء - أنهن لسن بمنزلة العبيد والإماء، وانهن انما
ينكحهن الاولياء بأمرهن، وأنهن أحق بأنفسهن، ولولا ذلك لكان للأولياء
أن ینکحوهن بغیر أمرهن کما ینکح السید أمته وعبده بغیر امرهما، اذ كان
ظاهر القرآن في اللفظ قد أجرين فيه مجرى واحدا. قال الله تبارك وتعالى:
﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّابِكُمْ﴾ [النور: (٣٢)]. فأمروا
بإنكاح من لا زوج له وهن الأيامى، ولم يؤمروا بإنكاح الثيب دون
البكر .
وذكر حديث سعيد بن المسيب، قال: آمت حفصة من زوجها، وآم
عثمان من رقية- الحديث. وذكر حديث ابن أخي الزهري عن عمه، عن
سالم، عن أبيه، عن عمر، قال: آمت حفصة من خنيس بن حذافة السهمي -
الحديث. ثم قال حدثنا الحوضي، وسليمان بن حرب، قالا حدثنا شعبة، عن
أبي إسحاق، عن هانى بن هانئٌ، قال: رأيت امرأة جاءت الى علي رضوان
الله عليه- ذات شارة، فقالت: هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات بعل - وذكر
الحديث. قال: وإنما يقال: آمت منه زوجته، أي صارت غير ذات زوج،

فتح البر
١٣٢
ولیس انها صارت ثيبا بموته أو بفراقه، وإنما تصير أيما بموته أو بفراقه اذا
صارت غير ذات زوج، قال: ويقال للرجل أيضا أيم اذا لم تكن له زوجة،
وأنشد قول الشاعر:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم - أتأيم
وأنشد أيضا بيتي الاسدي يوم القادسية - وقد تقدم ذكرنا لهما، ثم قال:
ويقال في بعض الحديث- وأحسبه مرفوعا - أعوذ بالله من بوار الأيم. قال:
وهذا في اللغة أشهر من ان يحتاج فيه الى إكثار، ثم قال: وإنما كان في الحديث
معنیان، احدهما: ان الأيامى كلهن احق بأنفسهن من أوليائهن- وهم من
عدا الاب من الأولياء، والمعنى الآخر تعليم الناس كيف تستأذن البكر،
وان إذنها صماتها، لأنها تستحيي ان تجيب بلسانها، قال إسماعيل:
فهذا معنی الحدیث عند مالك: ان الأیم احق بنفسها من وليها، انما هو
لسائر الأولياء دون الاب، وان الاب أقوى امرا من ان يدخل في هذه
الجملة، ولو كان داخلا فيها، لما جاز له ان يزوج ابنته الصغيرة، لأنها داخلة
في جملة الأيامى، ولو كانت احق بنفسها، لم يجز له ان يزوجها حتى تبلغ
وتستأمر - اذا کان التزويج امرا يلزمها في نفسها لا حيلة لها فیه، كما ان غير
الاب من الأولياء لا يجوز له ان يزوج صغيرة، والاب له ان يزوج الصغيرة
بإجماع من المسلمين ثم يلزمها ذلك، ولا يكون لها في نفسها خيار - اذا
بلغت، هذا كله كلام إسماعيل بن إسحاق.
قال أبو عمر: فحصل ان الولي المذکور في هذا الحدیث، هو الاب عند
الشافعي، وعند مالك في غير الاب من سائر الأولياء، وهو عند الكوفيين:
الأب وغير الأب من سائر الاولياء کلھم في النكاح، وسيأتي مذهبهم في
ذلك ملخصا في هذا الباب بعد - ان شاء الله.

النكاح
٤ ١٣٣ -
قال أبو عمر:
في قول رسول الله ويتلقى: الأيم أحق بنفسها من وليها، دليل على أن للولي
حقا في انكاح وليته - على ما مضى في هذا الباب من القول على الفرق بين
الثيب والبكر، وعلى الجمع بينهما في المعنى المراد بالولي المذكور في الحديث
على حسبما وصفنا، وقد اختلف العلماء في هذا المعنى: فقال منهم قائلون:
لا نكاح إلا بولي، ولا يجوز للمرأة ان تباشر عقد نكاحها بنفسها دون
وليها، ولا ان تعقد نكاح غيرها. وممن قال هذا: مالك والشافعي، وسفيان،
والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله بن الحسن،
واحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري. وروي ذلك عن عمر،
وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وهو قول سعيد بن المسيب،
والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، وخالف هؤلاء
أهل الرأي من الكوفيين، وطائفة من التابعين، وسنذكر قولهم ههنا ان شاء
الله، بعونه وفضله، و کلھم یقول: لا ينبغي ان ينعقد نكاح بغير ولي.
قال أبو عمر:
حجة من قال: لا نكاح إلَّ بولي، أن رسول الله وَ لخيول قد ثبت عنه أنه
قال: لا نكاح إلَّ بولي. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: (٢٣٢)]. وهذه الآية نزلت
في معقل ابن يسار إذ عضل اخته عن مراجعة زوجها، ولولا أن له حقاً
في الإِنكاح ما نهي عن العضل.
وأما افتتاح هذه الآية بذكر الأزواج ثم الميل إلى الأولياء، فذلك
معروف في لسان العرب كما قال: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾

فتح البر
١٣٤ :
[البقرة: (٢٨٢)]. فخاطب المتبايعين ثم قال: ممن ترضون من
الشهداء(١)، فخاطب الحكام وهذا كثير؛ والرواية الثابتة في معقل بن
يسار تبين ما قلنا، وسنذكرها إن شاء الله.
وروينا عن أبي هريرة أنه قال: البغايا اللائي ينكحن أنفسهن بغير ولي(٢).
وعن عائشة أنها كانت إذا أنكحت رجلا من قرابتها امرأة منهم ولم يبق إلا
العقد، قالت: اعقدوا، فإن النساء لا يعقدن وأمرت رجلا فأنكح:
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد بن بكر، عن
عبد الرزاق، قال حدثنا سليمان بن الأشعث، قال حدثنا محمد بن کثیر، قال
أخبرنا سفيان، قال حدثنا ابن جريج، عن سلیمان بن موسى، عن الزهري،
عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَسية: أيما امرأة نكحت بغير
إذن وليها، فنكاحها باطل، ثلاث مرات، فإن دخل بها، فالمهر لها بما أصاب
منها؛ فإن تشاجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له (٣).
وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان وعبد الله بن رجاء المزني، قالا حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن
موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكره سواء (٣).
(١) سبق تخريجه.
(٢) جه (١٨٨٢/٦٠٥/١)، قط (٢٢٧/٣)، قال البوصيري في الزوائد: «في إسناده جميل بن
الحسن العتكي)). قال فيه الحافظ في التقريب (١٦٥/١): ((صدوق يخطيء أفرط فيه عبدان)).
(٣) د (٢٠٨٣/٥٦٦/٢)، ت (١١٠٢/٤٠٧/٣) وقال: هذا حديث حسن. جه
(١٨٧٩/٦٠٥/١)، ك (١٦٨/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وصححه ابن حبان: الإحسان (٩/ ٣٨٤/ ٤٠٧٤).

النكاح
1
: ١٣٥
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث إسماعيل بن علية، عن ابن جريج، عن سليمان بن
موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما رواه غيره. وزاد عن ابن
جريج قال: فسألت عنه الزهري فلم يعرفه ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج
غير ابن علية، وقد رواه عنه جماعة لم يذكروا ذلك؛ ولو ثبت هذا عن
الزهري، لم یکن في ذلك حجة، لأنه قد نقله عنه ثقات، منهم: سليمان بن
موسى وهو فقيه ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، والحجاج بن أرطاة؛ فلو نسيه
الزهري، لم يضره ذلك شيء، لأن النسیان لا یعصم منه إنسان؛ قال رسول
الله ◌َلّى : نسي آدم فنسيت ذريته(١). وإذا كان رسول الله ينسى فمن سواه
أحرى أن ينسى؛ ومن حفظ، فهو حجة على من نسي؛ فإذا روى الخبر ثقة
عن ثقة، فلا يضره نسيان من نسيه؛ هذا لو صح ما حكى ابن علية، عن ابن
جريج؛ فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليه؟
وقد ذكرنا هذا المعنى بأوضح من ذكرنا له ههنا في باب جعفر بن محمد من
كتابنا هذا في حدیث اليمين مع الشاهد: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الاحوص، قال حدثنا
عبد الغفار بن داود، قال حدثنا ابن لهيعة وسمعه منه عن جعفر بن ربيعة
ابن شرحبيل بن حسنة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبي
وَالتّ قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، ثلاث مرات؛
فإن وطئها، فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي
من لا ولي له(٢).
(١) ت (٣٠٧٦/٢٤٩/٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة
عن النبي وَلقر. ك (٣٢٥/٢) وقال: هذا حديث صحيح مسلم على شرط مسلم ولم يخرجاه،
ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
=١٣٦
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا القعنبي، قال حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي وَ الوَ فذكره(١).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
شاذان، قال حدثنا المعلی بن منصور، قال حدثنا ابن هیعة، قال حدثنا جعفر
ابن ربيعة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌َّ فذكره سواء
إلا في قوله: فإن وطئها فلها المهر فإنه لم يذكره(١).
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا إسحاق بن عيسى، قال
حدثنا هشيم، عن الحجاج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت:
قال رسول الله وير: لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له(٢).
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا محمد بن قدامة بن أعین، قال حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن يونس
وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي وَل
قال: لا نكاح إلا بولي(٣) قال أبو داود يونس لقي أبا بردة:
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم (١/ ٢٥٠-٢٥١)، جه (١٨٨٠/٦٠٥/١)، هق (١٠٦/٧-١٠٧)، قال البوصيري في
الزوائد: (( في إسناده الحجاج وهو ابن أرطاة مدلس وقد رواه بالعنعنة ... ولم يسمع حجاج من
الزهري قاله عباد بن الزهري)». ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف (١٥٩٣٣/٤٥٥/٣).
(٣) د(٢٠٨٥/٥٦٨/٢)، ت (١١٠١/٤٠٧/٣)، وذكر فيه الاختلاف. جه (١٨٨١/٦٠٥/١)،
ك (٢/ ١٨٥) وصححه. حب: الإحسان (٤٠٧٨/٣٩١/٩)، قال المناوي في الفيض
(٤٣٧/٦): ((وأطال الحاكم في تخريج طرقه ثم قال: وفي الباب عن علي ثم عد ثلاثين صحابيا
وقد أفرد الدمياطي طرقه بتأليف، قال المصنف - يعني السيوطي - : وهو متواتر)).

النكاح
١٣٧-
حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا الحارث، قال حدثنا
إسحاق بن عیسی؛ وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا
محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قالا جميعا: أخبرنا أبو عوانة،
عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله وَلفنه:
لا نكاح إلا بولي(١).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال
حدثنا المعلى بن منصور، قال حدثنا ابن أبي زائدة، قال حدثني إسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّ:
لا نكاح إلا بولي(١).
وحدثنا سعید بن نصر، قال حدثنا ابن ابي دلیم؛ وحدثنا عبدالوارث بن
سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قالا حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا
موسی بن معاویة، قال حدثنا و کیع، عن إسرائیل وسفیان، عن أبي
إسحاق، عن أبي بردة بن ابي موسى، عن أبيه، عن النبي ◌ّ قال: لا نكاح
إلا بولي. وليس في الحديث سفيان عن أبيه(١).
قال أبو عمر:
روی هذا الحدیث شعبة والثوري، عن ابي إسحاق، عن أبي بردة، عن
النبي الآ مرسلا؛ فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله، وقد مضى في صدر هذا
الديوان ذكر من يقبلها ويحتج بها من العلماء، ومن يأبى من قبولها. وأما من
لا يقبل المراسيل، فيلزمه أيضا قبول حديث أبي بردة هذا، لأن الذين
وصلوه من أهل الحفظ والثقة، وإسرائيل ومن تابعه حفاظ، والحافظ تقبل
زيادته؛ وهذه زیادة تعضدها أصول صحاح، وقد روي من حدیث یزید بن
(١) انظر الذي قبله.

فتح البر
١٣٨ !
زريع، عن شعبة؛ ومن حديث بشر بن منصور، عن الثوري هذا الحديث
مسندا، ولکن الصحیح عنهما إرساله.
وقد روي عن النبي ټګ: لا نكاح إلا بولي وشاهدین عدلین، من حديث
ابن عباس(١)، وحديث أبي هريرة (٢)، وحديث ابن عمر (٣)، إلا أن في نقلة
ذلك ضعفا، فلذلك لم أذكره.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا محمد بن المثنی، قال حدثنا أبو عامر، قال حدثنا عباد بن راشد،
عن الحسن، قال حدثنا معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي،
فأتاني ابن عم لي فأنکحتها إياه، ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تر کها حتى
انقضت عدتها؛ فلما خطبت، أتاني يخطبها، فقلت: والله لا أنكحتكها أبدا؛
قال: ففي نزلت: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ
أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: (٢٣٢)]. قال: فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه(٤).
وذكر البخاري، قال حدثنا عبيد الله بن سعید، قال حدثنا أبو عامر
العقدي قال حدثنا عباد بن راشد، قال حدثنا الحسن، قال حدثني معقل بن
يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي فذكر الحديث. قال البخاري وأخبرنا
(١) جه (١ /١٨٨٠/٦٠٥)، هق (١٠٩/٧- ١١٠)، حم (١ / ٢٥٠) كلهم من طريق الحجاج عن
عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. قال في الزوائد: ((في إسناده الحجاج، وهو ابن أرطاة مدلس وقد
رواه بالعنعنة، وأيضا لم يسمع عن عكرمة)). وذكره الهيثمي في المجمع (٢٨٩/٤) وقال: ((رواه
الطبراني وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات)).
(٢) هق (١٢٥/٧-١٤٣)، وابن عدي (٣٥٨/٦). قال الحافظ في التلخيص (١٦٣/٣): ((روي
مرفوعا وموقوفا، البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا، وفي إسناده المغيرة بن موسى البصري،
قال البخاري: إنه منكر الحديث)).
(٣) قط (٢٢٥/٣)، ابن عدي (٩٥/٢) وفي سنده ثابت بن زهير وهو منكر الحديث. قاله
البخاري.
(٤) خ (٨/ ٤٥٢٩/٢٤٣) و(٥٣٣٠/٩-٥٣٣١)، و (٢٠٨٧/٥٦٩/٢)، ت (٢٩٨١/٢٠١/٥).

التكلم
١٣٩ =
أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن أن أخت معقل بن
يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها فأبى معقل،
فنزلت هذه الآية: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: (٢٣٢)].
قال البخاري: وقال إبراهيم: عن يونس، عن الحسن، حدثني
معقل بن يسار(١).
قال أبو عمر:
هذا أصح شيء وأوضحه في أن للولي حقا في الانكاح، ولا نكاح إلا به،
لأنه لولا ذلك ما نهي عن العضل، ولا استغني عنه. وقال مجاهد،
وعكرمة، وابن جريج: نزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
[البقرة: (٢٣٢)]. في أخت معقل بن يسار. قال ابن جريج: أخته حمل
بنت يسار، كانت تحت أبي البداح فطلقها وانقضت عدتها؛ فرغب
فيها وخطبها، فعضلها معقل بن يسار، فنزلت هذه الآية.
قال أبو عمر:
فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي، فلا معنى لما خالفهما؛
ألا ترى أن الولي نهي عن العضل، فقد أمر بخلاف العضل وهو التزويج،
كما أن الذي نهي عن أن يبخس الناس قد أمر بأن يوفي الكيل والوزن، وهذا
بین کثیر، وبالله التوفيق.
وقد كان الزهري والشعبي يقولان: إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها
كفؤا فهو جائز، وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا
بشاهدین، فذلك نكاح جائز صحيح، وهو قول زفر؛ وإن زوجت نفسها
غیر کفء فالنکاح جائز، وللأولیاء أن یفرقوا بينهما.
(١) سبق تخريجه.

فتح البر
=١٤٠
وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلا بولي، فإن سلم الولي جاز، وإن أبى
أن يسلم والزوج كفء أجازه القاضي؛ وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه
القاضي، وهو قول محمد بن الحسن؛ وقد كان محمد بن الحسن يقول: يأمر
القاضي الولي بإجازته، فإن لم يفعل استأنفا عقدا.
قال أبو عمر:
في اتفاقهم على أن للولي فسخ نکاح وليته إذا تزوجت غير كفء بغیر
إذنه، دليل على أن له حقا في الإنكاح بالكفء وغير الكفء، لأن الكفء
وغير الكفء في ذلك سواء والله أعلم. ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه
أنه إذا أذن لها وليها، فعقدت النكاح لنفسها جاز. وقال الأوزاعي: إذا
ولت أمرها رجلا فزوجها کفؤا فالنكاح جائز، وليس للولي أن يفرق بينهما،
إلا أن تكون عربية تزوجت مولى؛ وحمل القائلون بمذهب الزهري،
والشعبي، وأبي حنيفة، والأوزاعي قوله تيشير: لا نكاح إلا بولي، على الكمال
لا على الوجوب، كما قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد(١)، ولا حظ
في الإسلام لمن ترك الصلاة، ونحو هذا. وهذا ليس بشيء، لأن النهي حقه
أن يمتثل الانتهاء عنه، ومعناه الزجر والإبعاد؛ والوجوب لا يخرج عن
ذلك إلا بدليل لا معارض له، ولولا ذلك لم تصح عبادة ولا فريضة، وقد
أوضحنا هذا الباب في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله.
قال مالك فيما ذكر ابن القاسم وغيره عنه: إذا كانت المرأة معتقة أو
مسكينة دنية لا خطب لها، أو المرأة تكون في قرية لا سلطان فيها، فلا بأس
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: ك: (٢٤٦/١،) قط: (١/ ٤٢٠،) هق: (٥٧/٣)، كلهم من طريق
سليمان بن داود اليماني عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه. وفي السند سليمان بن داود اليماني
قال فيه البخاري ((منكر الحديث)) وتقدم الحديث في صفة الصلاة باب ما جاء في تارك الصلاة.