النص المفهرس
صفحات 421-440
كتاب الأطعمة ٤٢١ سلمان الأغر، عن عطاء بن يسار، عن جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الاسلام، فحضروا مع رسول الله وَخلال المغرب، فلما سلم، قال: ((ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه)). قال: فلم يبق في المسجد غير رسول الله وَ له وغيري؛ وكنت رجلا عظيما طوالا، لا يقدم علي أحد؛ فذهب بي رسول الله وَّ إلى منزله، فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب لي سبعة أعنز، فأتيت عليها وذكر الحديث. وفيه: فلما أسلمت دعاني رسول الله وَيخلو إلى منزله، فحلب لي عنزا فرويت وشبعت، فقالت أم أيمن: يا رسول الله، أليس هذا ضيفنا؟ ((فقال: بلى، ولكنه أكل في معى مؤمن الليلة، وأكل قبل ذلك في معى كافر؛ والكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معى واحد(١))). قال أبو عمر: وهذا أيضا لفظ عموم، والمراد به الخصوص؛ فكأنه قال هذا إذا كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء، فلما آمن، عوفي وبورك له في نفسه، فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه إذ كان كافرا خصوصا له والله أعلم؛ فكان قوله وَّ في هذا الحديث: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء)) إشارة إليه، كأنه قال هذا الكافر، وكذلك المؤمن يأكل في معى واحد يعني هذا المؤمن والله أعلم. وقد قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: (١٧٣)] وهو يريد رجلاً فيما قال أهل (١) طب (٢١٥٢/٢٧٤/٢)، أبو يعلى (٩١٦/٢١٨/٢)، ذكره الهيثمي في المجمع (٣٤/٥-٣٥) وقال: رواه الطبراني واللفظ له والبزار وأبو يعلى وفيه موسى بن عبيد الربذي وهو ضعيف. فتح البر ٤٢٢ العلم بتأويل القرآن، وقيل رجلان؛ ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَّكُمْ﴾ يعني قريشاً، فجاء بلفظ عموم، ومعناه الخصوص؛ ومثله ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىٍّ ﴾ [الأحقاف: (٢٥)] ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ﴾ [الذاريات: (٤٢)]، كل هذا عموم يراد به الخصوص؛ ومثل هذا كثير في القرآن ولسان العرب. وفي هذا الحديث دليل على ذم الأكول الذي لا يشبع، وأنها خلة مذمومة، وصفة غير محمودة، وأن القلة من الاكل أحمد وأفضل، وصاحبها عليها ممدوح وإن كان الأمر كله لله، وبيده وخلقه وصنعه، لا شريك له والحمد لله رب العالمين. كتاب الأطعمة ٤٢٣ باب منه [١٧] مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلّ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله بشاة، فحلبت فشرب حلابها؛ ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه؛ ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله مَل﴿ بشاة فحلبت، فشرب حلابها؛ ثم أمر بأخرى، فلم يستتمها؛ فقال رسول الله وَلي: ((إن المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء(١)). هذا الحديث ظاهره العموم والمراد به الخصوص، وهو خبر خرج على رجل بعينه كافر ضاف رسول الله وَ 18 فعرض له معه ما ذكر في هذا الحديث، فأخبر رسول الله وَّ ل عنه بأنه إذا كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء؛ ولما أسلم، أكل في معى واحد؛ والمعنى في ذلك: أنه كان إذا كان كافرا رجلا أكولا أجوف لا يقوم به شيء في أكله، فلما أسلم بورك له في إسلامه؛ فنزع الله من جوفه ما كان فيه من الكلب والجوع وشدة القوة على الأكل، فانصرفت حاله إلى سبع ما كان يأكل إذ كان كافرا؛ فكأنه إذا كان كافرا يأكل سبعة أمثال ما كان يأكل بعد ذلك إذا أسلم والله أعلم. وقد روي أن هذا الرجل الذي أضاف رسول الله وَّله وعرض له معه ما ذكر في هذا الحديث هو: جهجاه بن سعيد الغفاري، وقد ذكرناه وذكرنا خبره في كتاب الصحابة. ومن طرق حديثه: ما حدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا زيد بن الحباب، (١) حم (٣٧٥/٢)، م (٢٠٦٣/١٦٣٢/٣)، ت (١٨١٩/٢٣٥/٤). فتح البر ٤٢٤ قال حدثنا موسى بن عبيدة، قال حدثنا عبيد الله بن أبي عبدالله الأغر، عن عطاء بن يسار، عن جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله وَل المغرب؛ فلما سلم، قال: يأخذ كل رجل منكم بيد جليسه؛ فلم يبق في المسجد غير رسول الله وَّ﴾ وغيري، وكنت رجلا عظيما طوالا لا يقدم علي أحد؛ فذهب بي رسول الله وَّ إلى منزله، فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب لي سبعة أعنز فأتيت عليها؛ ثم أتيت بصيغ برمته، فأتيت عليها؛ فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله وَخلال هذه الليلة. فقال: ((مه يا أم أيمن، أكل رزقه ورزقنا على الله))؛ فأصبحوا قعودا، فاجتمع هو وأصحابه فجعل الرجل يخبر بما أتى عليه؛ فقال جهجاه: حلبت لي سبعة أعنز، فأتيت عليها؛ وصبيغ برمته، فأتيت عليها؛ فصلوا مع رسول الله وَّجله المغرب، فقال: (( ليأخذ كل رجل منكم جليسه)). فلم يبق في المسجد غير رسول الله وَجله وغيري، وكنت رجلا عظيما طويلا لا يقدم علي أحد، فذهب بي رسول الله وَله إلى منزله، فحلبت لي عنز فترويت وشبعت؛ فقالت أم أيمن: يا رسول الله، أليس هذا ضيفنا؟ قال: بلى. فقال رسول الله وَظله: ((إنه أكل في معى مؤمن الليلة، وأكل قبل ذلك في معى كافر؛ والكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد(١))). (١) طب (٢١٥٢/٢٧٤/٢)، أبو يعلى (٩١٦/٢١٨/٢)، ذكره الهيثمي في المجمع (٣٤/٥-٣٥) وقال: رواه الطبراني واللفظ له والبزار وأبو يعلى وفيه موسى بن عبيد الربذي وهو ضعيف. كتاب الأطعمة ٤٢٥ قال أبو عمر: يحتمل أن الإشارة بالألف واللام في الكافر والمؤمن في هذا الحديث إلى ذلك الرجل بعينه، وإنما يحملنا على هذا التأويل، لأن المعاينة وهي أصح علوم الحواس تدفع أن يكون ذا عموما في كل كافر ومؤمن: ومعروف من كلام العرب الإتيان بلفظ العموم والمراد به الخصوص، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَّكُمْ﴾ وهذه الإِشارة في الناس إنما هي إلى رجل واحد أخبر أصحاب محمد ول# أن قريشاً جمعت لهم؛ وجاء اللفظ كما ترى على العموم. ومثله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾؛ ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات: (٤٢)]. ومثل هذا كثير لا يجهله إلاّ من لا عناية له بالعلم، وقد قيل إنه في كل كافر، وإنه لموضع التسمية يقل أكله؛ وهذا تدفعه المشاهدة وعلم الضرورة، فلا وجه له. وأما قوله في هذا الاسناد: عبيد الله الأغر، فليس عبيد الله يعرف بالأغر، وإنما يعرف بالأغر أبوه وهو عبيد الله بن سلمان الأغر، وهو عبيد الله بن أبي عبدالله الأغر، وأبو عبدالله الأغر اسمه سلمان والله المستعان . فتح البر ٤٢٦ ما جاء فى تغطية الإناء وإطفاء المصباح وإغلاق الباب [١٨] مالك، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله وَ لقال قال: ((أغلقوا الباب، وأوكئوا السقاء، وخمروا الإناء، وأكفئوا الاناء، واطفئوا المصباح، فان الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم(١)». هكذا قال يحيى في هذا الحديث: تضرم على الناس بيتهم وتابعه ابن القاسم، وابن وهب، وقال ابن بكير بيوتهم، وقال القعنبي بيتهم أو بيوتهم على الشك؛ والفويسقة الفأرة سماها رسول الله وَ له فاسقة في هذا الحديث وغيره. وقال ◌َله: خمس فواسق تقتل في الحل والحرم- فذكر منهن الفأرة(٢)، وكل من أذى مسلما اذا تابع ذلك وكثر منه، وعرف به، فهو فاسق، والفأرة أذاها كثير؛ واصل الفسق الخروج عن طاعة الله، ومن الخروج عن طاعة الله أذى المسلم، والفأرة مؤذية، فلذلك سميت فاسقة وفويسقة؛ والرجل الظالم الفاجر فاسق، والمؤذي بيده ولسانه وفعله وسعيه فاسق؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَئًا وَإِثْمَا قُبِينًا﴾ [الأحزاب: (٥٨)]. وقوله: تضرم، أي تشعل وتحرق. وقال ابن وهب: أما قوله: الفويسقة تضرم على الناس بيتهم، فإنما تحمل الفتيلة وهي تتقد حتى تجعلها في السقف. (١) م (٣/ ٢٠١٢/١٥٩٤)، د (٤ / ١١٧/ ٢٧٣٢)، ت (٢٣١/٤/ ١٨١٢). (٢) حم (٢٥٩/٦-٣٣-٨٧) وغيرها. خ (١٨٢٩/٤٢/٤)، م (٢ / ٨٥٦ / ١٩٨ ١ [٦٧])، ت (١٩٧/٣/ ٨٣٧)، جه (٣٠٨٧/١٠٣١/٢). كتاب الأطعمة ٤٢٧ وقال أحمد بن عمران الأخفش: الفويسقة الفأرة. وقوله تضرم على الناس بيتهم: تشعل البيت عليهم بالنار، وذلك انها إذا تناولت طرف الفتيلة وفيها النار، فلعلها تمر بثياب، أو بحطب فتشعل النار فيها، فيلتهب البيت على أهله، وقد أصاب ذلك أهل بيت بالمدينة، فذكر ذلك لرسول الله وَ له من الغد، فقال: ((إن هذه النار عدو لكم، فاذا نمتم فأطفئوها عنكم(١)). قال: حدثنا بذلك أبو أسامة عن يزيد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي وَلَّه. قال أبو عمر: ثبت عن النبي وَل من حديث ابن عمر وغيره، انه قال: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون(٢))، وكان رسول الله مَله بالمؤمنين رؤوفا رحیما . حدثنا سعيد بن نصر، حدثني قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الترمذي، قال حدثنا الحميدي وحدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد ابن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن حنبل. وحدثنا أحمد بن محمد، حدثنا وهب بن مسرة، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالوا حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي وَل قال: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون(٢)). وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد (١) حم (٣٩٩/٤)، خ (٦٢٩٤/١٠١/١١)، م (١٥٩٦/٣ - ٢٠١٦/١٥٩٧)، جه (٣٧٧٠/١٢٣٩/٢). (٢) حم (٧/٢-٨-٤٤)، خ (١١/ ١٠١/ ٦٢٩٣)، م (٢٠١٥/١٥٩٦/٣)، د (٥/ ٥٢٤٦/٤٠٧)، ت (١٨١٣/٢٣٢/٤)، جه (٣٧٦٩/١٢٣٩/٢). فتح البر ٤٢٨ ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: الفأرة فويسقة، قيل له: لم قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن النبي وَجُلّ استيقظ وقد اخذت فتيلة لتحرق بها البيت . أخبرنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا سليمان بن عبدالرحمن، حدثنا عمرو بن طلحة، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله وَطله على الخمرة التي كان قاعدا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال: ((إذا نمتم فأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم(١)». وأما قوله في هذا الحديث: وأوكئوا السقاء، فالسقاء القربة وشبهها، والوكاء الخيط الذي تشد به، فكأنه قال عليه السلام: اربطوا فم الاناء إذا كان مما يربط مثله، وشدوه بالخيط. وأما قوله: أكفئوا الاناء، فإنه يريد: اقلبوه وكبوه وحولوه إذا كان فارغا، لا تدعوه مفتوحا ضاحيا، يقال: كفأت الإناء، اذا قلبته، وهي كلمة مهموزة، وانا اكفؤه، قال ابن هرمة: أملؤها مرة وأكفؤها عندي لهذا الزمان آنية وكذلك قوله: أطفئوا المصباح - مهموز أيضاً، قال الله عز وجل : كُلَّمَا أَوْقَدُ واْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ أَلْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: (٦٤)]. (١) خ في الأدب المفرد (ح١٢٢٢)، د (٤٠٨/٥-٥٢٤٧/٤٠٩)، ك (٢٨٤/٤-٢٨٥) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. كتاب الأطعمة ٤٢٩ وقال الشاعر : موقد نار الوغی ومطفؤها برزت في غايتي وشايعني وقال غيره: وعادلة هبت تلوم ولومها لنيران شوقي موقد غير مطفئ وأما قوله: وخمروا الإناء، فالتخمير ههنا التغطية، وما خمرته فقد غطيته، وإنما يكفأ من الاواني ما لا يمكن تغطيته وتخميره. وقوله في حديث مالك خمروا الاناء، أو أكفؤا الاناء، يحتمل من القوة أن يكون التخيير في تخمير الإناء وتحويله، ويحتمل أن يكون شكا من المحدث. وفي هذا الحديث من العلم أيضا أن الشيطان لم يعط مع ما به من القوة أن يفتح غلقا ولا يحل وكاء، ولا يكشف اناء، رحمة من الله تعالی بعباده ورفقا بهم. حدثنا عبدالرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن وهب، قال أخبرني ابن لهيعة، والليث، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبدالله، أن أبا حميد الساعدي أتى رسول الله وَّ له بقدح لبن من البقيع لم يخمره، فقال رسول الله وَله: ((هلا خمرته ولو بعود تعرضه عليه(١))). حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن عبدالسلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا - (١) حم (٤٢٥/٥) و(٢٩٤/٣)، خ (٥٦٠٥/٨٦/١٠)، م (٢٠١٠/١٥٩٣/٣). فتح البر ٤٣٠ يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن النبي وَالله قال: ((أطفيء مصباحك واذكر اسم الله، وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه، واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله(١)). وبه عن يحيى، قال: حدثنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله وَله: ((إياكم والسمر بعد هدأة الرجل، فإن احدكم لا يدري ما يبث الله من خلقه، وأغلقوا الأبواب، وأوكئوا السقاء، وخمروا الاناء والآنية، وأطفئوا المصباح(٢)). قال أبو عمر: هدأة الرجل مهموزة، قال الشاعر: يؤرقني ذكراك في كل ليلة كأني قد أقسمت في ترك مهدئي أعاذل أن العذل مما يزيدني ولوعا بشوقي فاترك العذل واهدئي وأنشد أبو یزید : بدار ما أريد بها مقاما ونار قد حضات بعید هدئي أكالئها مخافة ان تناما سوى ترحيل راحلة وعين وقال ابراهيم بن هرمة: اذا تلاقی العیون مهدؤها خود تعاطیك بعد رقدتها (١) حم (٣١٩/٣)، خ (٥٦٢٣/١٠٩/١٠)، م (٢٠١٢/١٥٩٥/٣ [٩٧])، د (٤ / ١١٧ / ٣٧٣١). (٢) خ في الأدب المفرد (ح ١٢٣٠). ك (٢٨٤/٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. كتاب الأطعمة ٤٣١ حدثنا عبدالرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن وهب، اخبرني حيوة بن شريح، وابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن رسول الله وَّ جله قال: ((إذا سمعتم النداء وأحدكم على فراشه أو أينما كان فاهدؤوا، فإن الشياطين إذا سمعت النداء اجتمعوا وعشوا)). قال: وحدثنا حيوة بن شريح، عن عقيل، عن ابن شهاب، ان رسول الله وَ لاّ قال: ((إذا جنح الليل، فاحبسوا أولادكم، فانه يبث في الليل ما لا يبث في النهار)). وقال عقيل: يتقى على المرأة أن تتوضأ عند ذلك. وروى الليث بن سعد عن يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي، عن يحيى بن سعيد، عن يحيى بن عبدالله بن الحكم، عن القعقاع بن حكيم، عن جابر، قال: سمعت رسول الله وَ له قال: ((غطوا الاناء وأوكئوا السقاء، فان في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر باناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، الا نزل فيه ذلك الوباء، ووقع فيه من ذلك الداء(١)). قال الليث: والاعاجم يتقون ذلك في كانون الاول. وروى أبو عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: دخل رسول الله وَّل المخرج، ثم خرج، فاذا بتور مغطى فقال: ((من صنع هذا؟)) فقال عبدالله: انا، فقال رسول الله وَلجيه: ((اللهم علمه تأويل القرآن (٢)). (١) حم (٣٥٥/٣)، م (٢٠١٤/١٥٩٦/٣). (٢) ك (٥٣٧/٣) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: شبيب بن بشر فيه لين. طب (١١/ ١٢٠٢٢/٣٦٢)، وذكره الحافظ في الفتح (١٢٦/٧) وعزاه للبزار. فتح البر ٤٣٢ أخبرنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا عبدالحميد بن أحمد، قال حدثنا الخضر بن داود، قال حدثنا أبو بكر الأثرم، قال سمعت أحمد ابن حنبل سئل عن الرجل يضع الوضوء بالليل غير مخمر، فقال: لا يعجبني إلا أن يخمر، لأن رسول الله وَخيله قال: ((خمروا الآنية)). وقال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: الماء المكشوف يتوضأ به، قال: انما أمر النبي وَ يُّ أن يغطى الاناء ولم يقل لا تتوضؤوا به. حدثنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفیان، قالا حدثنا قاسم، حدثنا محمد، حدثنا أبو بكر، حدثنا عبدالاعلى بن عبدالأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عطاء بن يسار، عن جابر بن عبدالله، قال: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((إذا سمعتم نباح الكلاب، أو نهاق الحمير، فتعوذوا بالله من الشياطين، فانهم يرون ما لا ترون، وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، فإن الله ببث من خلقه في ليله ما شاء، وأجيفوا الابواب، واذكروا اسم الله عليها، فان الشيطان لا يفتح بابا أجيف، وذكر اسم الله عليه، وغطوا الجرار، واكفئوا الآنية، وأوكئوا القرب(١)). وحدثنا سعید وعبدالوارث، قالا حدثنا قاسم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، حدثنا اسامة، حدثنا أبو يزيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله وَله: ((إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها(٢)). (١) حم (٣٠٦/٣)، خ في الأدب المفرد (ح ١٢٣٤). د (٥١٠٣/٣٣٢/٥). (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه. ڪتاب الأطعمة ٤٣٣ حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن مهران، قال حدثنا محمد بن محمد بن بدر بن النفاح أبو الحسن الباهلي، قال حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل، قال حدثنا حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((خمروا الآنية، وأوكئوا الاسقية، وأجيفوا الأبواب، وكفوا صبيانكم عند المساء، فان للجن انتشارا وخطفة (١)). قال أبو عمر: في معنى قوله هذا وخطفة، ما قد ذكره ابن أبي الدنيا، قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال حدثنا خالد بن الحارث الهجيمي، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، أن رجلا من قومه خرج ليصلي مع قومه صلاة العشاء ففقد، فانطلقت امرأته إلى عمر بن الخطاب فحدثته بذلك، فسأل عن ذلك قومها فصدقوها، فأمرها أن تتربص أربع سنين، فتربصت، ثم أتت عمر فأخبرته بذلك، فسأل عن ذلك قومها فصدقوها، فأمرها ان تتزوج، ثم أن زوجها الأول قدم، فارتفعوا الى عمر بن الخطاب، فقال عمر: يغيب أحدكم الزمان الطويل لا يعلم أهله حياته؟ قال: ان لي عذرا، قال: فما عذرك؟ قال: خرجت أصلي مع قومي صلاة العشاء، فسبتني الجن، أو قال: اصابتني الجن؟ فكنت فيهم زمانا، فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم، فظهروا عليهم ، وأصابوا لهم سبايا، فكنت فيمن أصابوا، فقالوا ما دينك؟ قلت: مسلم، قالوا: انت على ديننا، لا يحل لنا سبيك، فخيروني بين المقام وبين القفول، فاخترت القفول، فاقبلوا معي بالليل يسير يحدو بي (١) حم (٣٨٨/٣)، خ (٣٣١٦/٤٣٧/٦)، د (١١٨/٤/ ٣٧٣٣). فتح البر ٤٣٤ وبالنهار- إعصار ريح اتبعها، قال: فما كان طعامك؟ قال: الفول. وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما كان شرابك؟ قال: الجدف، قال قتادة: الجدف ما لم يخمر من الشراب، قال: فخيره عمر بين المرأة والصداق . قال أبو عمر: هذا خبر صحيح من رواية العراقيين والمكيين مشهور، وقد روى معناه المدنيون في المفقود، الا أنهم لم يذكروا معنى اختطاف الجن للرجل، ولا ذكروا تخيير المفقود بين المرأة والصداق، وانما ذكرناه ههنا من أجل تخمير أواني الشراب والطعام، وهي لفظة لم أرها في هذا الحديث في غير هذا الإسناد، وقد ذكرنا هذا الخبر باسناده من غير رواية قتادة في باب صيفي - والحمد لله. قال أبو عمر: يروى هذا الجدف في هذا الحديث الجدف - بالدال. وقال أبو عبيد: هو كما جاء في الحديث ما لا يغطى من الشراب، قال وقد قيل هو نبات باليمن لا يحتاج أكله إلى شرب الماء، وانكر ابن قتيبة هذا، وزعم انه زبد الشراب، ورغوة اللبن، قال: وسمي جدفا لانه يقطع ويرمى عن الشراب، قال: وقد يجوز أن يقال لما لا يغطى من الشراب جدف، كأن غطاه جدف أي قطع. ٥١- كتاب الأشربة كتاب الأشربة ٤٣٧ تحريم الخمر [١] مالك عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة الانصاري، وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر، قال: فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاکسرها، فقال: فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها باسفله، حتى تكسرت(١). هذا الحديث، وما كان مثله، يدخل في المسند، عند الجميع، فأما قوله فيه شرابا من فضيخ، فقد اختلف في الفضيخ، فقال أكثر أهل العلم، الفضيخ نبيذ البسر، وقال أبو عبيد الفضيخ ما افتضخ من البسر، من غير أن تمسه النار، قال: وفيه روى عن ابن عمر، ليس بالفضیخ، ولكنه الفضوخ، قال أبو عبيد، فان كان مع البسر تمر، فهو الخلیطان، وکذلك إن كان زبيبا فهو مثله. قال أبو عمر: في هذا الحديث دليل واضح، على أن نبيذ التمر، إذا أسكر خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه لان الصحابة رحمهم الله، هم أهل اللسان، وقد عقلوا ان شرابهم ذلك خمر، بل لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره، أخبرني أحمد بن عبدالله الباجي، ان أباه أخبره قال: أخبرنا محمد بن فطيس، قال: أخبرنا يحيى بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن دينار عن ابن القاسم، عن مالك، قال: نزل تحريم الخمر وما بالمدينة خمر من عنب، وروى شعبة عن محارب بن دينار عن جابر قال: حرمت الخمر (١) خ (٥٥٨٢/٤٥/١٠)، م (١٥٧٢/٣/ ١٩٨٠). فتح البر ٤٣٨ يوم حرمت، وما كان شراب الناس الا البسر والتمر، وقال الحكمى: لنا خمر، وليست خمر كرم، ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا وفات ثمارها ايدي الجناة وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر، على ألفاظ قريبة المعاني، متداخلة، كلها موجودة المعنى، في الخمر. فقال بعضهم، انما سميت الخمر خمرا، لانها تخمر العقل، أي تغطيه وتستره، وكل شيء غطى شيئا، فقد خمره، ومنه حديث أبي حميد الساعدي انه جاء بقدح من لبن، فقال له رسول الله وَلام ((الا خمرته، ولو ان تعرض عليه عودا(١)))، ومن ذلك خمار المرأة، سمى خمارا، لأنه يغطي رأسها، ومن ذلك الشجر الملتف، يقال له الخمر، لأنه يغطي ما تحته ويخمره. وقال آخرون منهم، إنما سميت الخمر خمرا، لانها تركت حتى أدركت، كما يقال خمر الرأي واختمر، أي ترك حتى تبين فيه الوجه، ويقال قد اختمر العجين أي بلغ إدراكه. وقال بعضهم، انما سميت الخمر خمرا، لانها اشتقت من المخامرة، التي هي المخالطة، لانها تخالط العقل، وهذا مأخوذ من قولهم، دخلت في خمار الناس، أي اختلطت بهم، وهذا الوجه يقرب من المعنى الاول. والثلاثة الاوجه كلها موجودة في الخمر، لانها تركت حتى أدركت الغليان، وحد الاسكار، وهي مخالطة للعقل، وربما غلبت عليه (١) حم (٤٢٥/٥) و(٢٩٤/٣)، خ (٥٦٠٥/٨٦/١٠)، م (٢٠١٠/١٥٩٣/٣). كتاب الأشربة ٤٣٩ وغطته، وقد روينا عن عمر بن الخطاب انه قال: الخمر ما خمرته. حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يوسف بن عدى، قال: حدثنا أبوالأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن عمر قال: الخمر من خمسة: من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خمرته(١). وقد أجمع علماء المسلمين في كل عصر، وبكل مصر، فيما بلغنا، وصح عندنا، ان عصير العنب، إذا رمى بالزبد، وهدأ، وأسكر الكثير منه أو القليل، انه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام، كالميتة والدم ولحم الخنزير، رجس نجس كالبول، إلا ما روى عن ربيعة، في نقط من الخمر، شيء لم أر لذكره وجها، لانه خلاف اجماعهم، وقد جاء عنه في مثل رؤوس الابر، من نقط البول، نحو ذلك. والذي عليه عامة العلماء، في خمر العنب، ما ذكرت لك عنهم، من تحريم قليلها وكثيرها، وأنها عندهم رجس كسائر النجاسات، الا ان تحريمها عندهم لعلة الشدة والاسكار، وليس كذلك تحريم الميتة، وما جرى مجراها، مما حرم لذاته وعينه، ولهذا ما اختلف العلماء في تحليل الخمر، وفي طيبها، عند زوال العلة المذكورة عنها، وسنذكر اختلافهم في تحليل الخمر، في آخر هذا الباب إن شاء الله. وكخمر العنب عندهم نقيع الزبيب، إذا غلا واسكر، وقليله وكثيره في التحريم سواء، لأنه عندهم ميت أحيى. (١) لم أجده من طريق أبي بريدة عن أبيه وقد أخرجه من طريق الشعبي عن ابن عمر عن عمر: خ (٥٥٨٩/٥٦/١٠)، م (٣٠٣٢/٢٣٢٢/٤)، د (٣٦٦٩/٧٨/٤)، ت (٦٩٣/٨/ ٥٥٩٤-٥٥٩٥). فتح البر ٤٤٠ واختلف العلماء في سائر الانبذة المسكرة، فقال العراقيون انما الحرام منها السكر، وهو فعل الشارب، وأما النبيذ في نفسه، فليس بحرام ولا نجس، لأن الخمر العنب لا غيره، بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنِّ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: (٣٦)] يعني عنباً. قال أبو عمر : ليس في هذا دليل على أن الخمر ما عصر من العنب لا غير، لما قدمنا ذكره، من أن الخمر المعروفة عند العرب، ما خمر العقل، وخامره، وذلك اسم جامع للمسكر، من عصير العنب وغيره، وقال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز، وعامة أهل الحديث وأئمتهم، ان كل مسكر خمر، حكمه حكم خمر العنب في التحريم والحد، على من شرب شيئا من ذلك كله، كما هو عند الجميع منهم على شارب خمر العنب. ومن الحجة لهم، ان القرآن قد ورد بتحريم الخمر مطلقا، ولم يخص خمر العنب من غيرها، فكل ما وقع عليه اسم خمر من الاشربة، فهو داخل في التحريم، بظاهر الخطاب، والدليل على ذلك ان الخمر نزل تحريمها بالمدينة، وليس بها شيء من خمر العنب. قال أبو عمر: لا خلاف بين علماء المسلمين، ان سورة المائدة، نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية، من آخر ما نزل بالمدينة، وذلك قول الله عز وجل يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَاَلْمَّيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فنھی عنها، فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: (٩٠)]، ثم قال: ﴿فَهَلَ أَنْثُم مُّْتَهُونَ (﴾﴾