النص المفهرس

صفحات 361-380

كتاب الأطعمة
٣٦١
ابن شميل، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، قال سمعت سعيد بن المسيب
يحدث عن عائشة، عن رسول الله وَ ال قال: ((خمس فواسق يقتلن في
الحل والحرم: الحية، والكلب العقور، والغراب الابقع، والحدية
والفأرة(١))).
أخبرنا عبدالله بن محمد بن يوسف، قال أخبرنا عبدالله بن محمد
ابن علي، قال حدثنا عمر بن حفص بن أبي تمام، قال حدثنا محمد
ابن عبدالله بن عبدالحكم، قال حدثنا أنس بن عياض، عن هشام بن
عروة، عن أبيه أنه قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله وَاه
فاسقا؟ والله ما هو من الطيبات.
وذکر عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري، قال: کره رجال من اهل
العلم أكل الحدأة والغراب حيث سماهما رسول الله وَ له من فواسق
الدواب التي تقتل في الحرم.
قال أبو عمر: من كره أكل الغراب والفأرة وسائر ما سماه رسول
الله وَلَه فاسقا، جعل ذلك من باب أمره بقتل الوزغ، تسميته له
فويسقا؛ والوزغ مجتمع على تحريم أكله:
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعیب، قال أخبرنا محمد بن عبدالله بن یزید، قال حدثنا
سفيان، قال حدثنا عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن سعيد بن
المسيب، عن أم شريك، قالت: أمرني رسول الله وَخلول بقتل الأوزاغ(٢).
(١) م (٢ / ٨٥٦ / ١١٩٨ [٦٧])، ن (٢٨٢٩/٢٠٧/٥).
(٢) حم (٤٦٢/٦)، خ (٣٣٠٧/٤٣٢/٦)، م (٤ / ١٧٥٧/ ٢٢٣٧)،
ن (٢٢٩/٥ - ٢٨٨٥/٢٣٠)، جه (٣٢٢٨/١٠٧٦/٢)، الحميدي (٣٥٠/١٧٠/١).

فتح البر
٣٦٢
وحدثنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال
حدثنا سفيان، قال حدثني عبدالحميد بن جبير بن شيبة الحجبي أنه
سمع ابن المسيب يقول: أخبرتني أم شريك أن رسول الله وَل أمر بقتل
الأوزاغ(١) .
وحدثنا خلف بن القاسم، قال أخبرني الحسن بن الخضر
الأسيوطي، قال حدثنا أبو الطاهر القاسم بن عبدالله بن مهدي، قال
حدثني أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، قال حدثنا عبدالرزاق،
عن معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي عليه
السلام أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا(٢).
وأخبرنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا اسماعيل بن
أبي أويس، قال حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة، أن رسول الله وَل قال للوزغ فويسق ولم أسمعه أمر
بقتله(٣).
ورواه ابن وهب عن مالك، ويونس، عن ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة، أن رسول الله وَله قال للوزغ الفويسق لم يزد(٤).
قال أبو عمر: وليس قول من قال: لم أسمع الامر بقتل الوزغ
بشهادة، والقول قول من شهد أن رسول الله وَلا أمر بقتل الوزغ، وقد
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم (١٧٦/١)، م (٢٢٣٨/١٧٥٨/٤)، د (٤١٦/٥ /٥٢٦٢).
(٣) خ (٤ / ١٨٣١/٤٢)، ن (٥/ ٢٣٠/ ٢٨٨٦).
(٤) م (٤ /١٧٥٨/ ٢٢٣٩)، حب: الإحسان (٣٩٦٣/٢٧٦/٩).

كتاب الأطعمة
٣٦٣
أجمعوا أن الوزغ ليس بصيد، وأنه ليس مما أبيح أكله.
حدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا احمد بن حنبل، قال حدثنا عبدالرزاق، قال أخبرنا
معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: أمر رسول
الله عليه السلام بقتل الوزغ وسماه فويسقا (١). والآثار في قتل الوزغ
كثيرة جدا، وأما الآثار في قتل الحيات جملة في الحل وغيره، فلها
مواضع من كتابنا في حديث نافع وغيره، وستأتي إن شاء الله.
أخبرنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، قال حدثنا محمد بن فضيل.
وحدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا
أبو داود، قال حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة، قال حدثنا مسلم بن
قتيبة جميعا، عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي
طلحة، عن أنس بن مالك، قال: أتي النبي بَُّلّ بتمر عتيق فجعل
یفتشه ويخرج السوس منه وينقيه(٢).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) د (٤ / ١٧٤ / ٣٨٣٢)، جه (٢ / ١١٠٦/ ٣٣٣٣).

٣٦٤
فتح البر
ما جاء فى الفأرة تقع فى السمن
[٧] مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن
عباس، عن ميمونة زوج النبي ◌َّة، أن رسول الله وَلقال سئل عن الفأرة تقع
في السمن، فقال: ((انزعوها، وما حولها فاطرحوه(١))).
هكذا روى يحيى هذا الحديث فجود إسناده وأتقنه: عن مالك، عن
ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. وتابعه
جماعة من الحفاظ منهم عبدالرحمن بن مهدي، وعبدالله بن نافع،
والشافعي، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن أبي مريم وزيد بن
يحيى بن عبيد الدمشقي، وأشهب بن عبدالعزيز، وإبراهيم بن
طهمان، وزياد بن يونس، ومطرف بن عبدالله، وسعيد بن داود
الزبيري، وإسحاق بن عيسى الطباع، وعبيد بن حيان، كل هؤلاء
يروونه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله، عن ابن
عباس، عن ميمونة، عن النبي رَله .
ورواه ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن
میمونة لم یذکر ابن عباس.
هكذا رواه عن ابن وهب يونس بن عبدالأعلى، وأبو الطاهر،
والحارث بن مسكين. ورواه القعنبي، والتنيسي، وعثمان بن عمر،
ومعن بن عيسى، وإسحاق بن سليمان الرازي، وخالد بن مخلد،
ومحمد بن الحسن، وأبو قرة موسى بن طارق، وإسحاق بن محمد
الفروي، كل هؤلاء رووه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله،
(١) حم (٣٣٥/٦)، خ (٢٣٥/٤٥٣/١) و(٥٥٤٠/٨٣٣/٩)، ن (١٧٨/٧ / ٤٢٧٠).

كتاب الأطعمة
٣٦٥
عن ابن عباس، عن النبي وَّ لم يذكروا ميمونة. ورواه يحيى
القطان، وجويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله،
عن ابن عباس، أن ميمونة استفتت النبي وَل .
ورواه ابن بكير، أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن
عبيد الله، عن النبي وَلّ مقطوعا. وهذا اضطراب شديد عن مالك في
إسناد هذا الحديث والله أعلم. والصواب فيه ما قاله يحيى ومن تابعه
والله أعلم.
واختلف في هذا الحديث أيضا أصحاب ابن شهاب، فرواه ابن
عيينة، ومعمر، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن
ميمونة كما روى يحيى. وعنه معمر خاصة من بين أصحاب ابن
شهاب في هذا الحديث إسناد آخر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة، عن النبي وَّه، أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: ((إن
كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه (١))).
قال عبدالرزاق في هذا الحديث بهذا الاسناد: وإن كان مائعا فلا
تقربوه. وقال عنه عبدالواحد بن يزيد، وإن كان ذائبا أو مائعا
فاستصبحوا به أو قال: انتفعوا به، وروى الأوزاعي هذا الحديث عن
ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي وَلو لم يذكر
ميمونة بنحو حديث مالك وتابعه على هذا الإسناد ، عبدالرحمن بن
إسحاق عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس لم يذكر
ميمونة. ورواه عقيل عن ابن شهاب، عن عبيد الله، أن رسول الله وع له
(١) حم (٢٦٥/٢)، د (٤ /٣٨٤٢/١٨١)، ت تعليقا (٢٢٦/٤) وقال: وهو حديث غير
محفوظ. هق (٣٥٣/٩)، حب: الإحسان (١٣٩٣/٢٣٧/٤)،
البغوي (٢٨١٢/٢٥٧/١١)، عبد الرزاق (٢٧٨/٨٤/١).

فتح البر
٣٦٦
استفتي في فأرة وقعت في سمن -مقطوعا- لم يذكر ابن عباس، ولا
ميمونة. والصحيح في إسناد هذا الحديث، ماقاله مالك في رواية
یحیی ومن تابعه کما ذكرنا.
قال محمد بن یحیی النيسابوري: وحديث معمر أيضا عن الزهري،
عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي وَّ محفوظ. قال: والطريقان
عندنا محفوظان إن شاء الله. قال: لكن المشهور حديث ابن شهاب،
عن عبيد الله قال: وصوابه عن ابن عباس، عن ميمونة كما قال مالك
وابن عيينة .
وقال البخاري: حديث عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري عن ابن
المسيب عن أبي هريرة في هذا غير محفوظ. قال محمد بن يحيى:
ورواه عبدالجبار بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله عن
عبدالله بن عمر، أنه كان عند رسول الله وَ لاول حين جاءه رجل، فسأله
عن فأرة وقعت في ودك لهم. قال: وهذا الإسناد عندنا غير محفوظ،
وهو خطأ، ولا يعرف هذا الحديث من حديث سالم، وعبدالجبار
ضعيف جدا.
قال أبو عمر:
حديث ابن عمر هذا ذكره ابن وهب في موطئه عن عبدالجبار بن
عمر بإسناده هذا. فأما رواية ابن عيينة لهذا الحديث، فحدثنا سعيد بن
نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل
الترمذي، قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا
الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، أنه سمع ابن
عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل

كتاب الأطعمة
٣٦٧
رسول الله وَّجله فقال: ((ألقوها وما حولها وكلوا(١))). هذا مثل اسناد
يحيى عن مالك في هذا الحديث سواء.
وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين
العسكري، حدثنا ابراهيم بن أبي داود البرلسي، حدثنا سعيد بن أبي
مريم، عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن الزهري، عن
عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن فأرة وقعت في
سمن، فقال النبي وَطلال: ((ألقوها وما حولها، وكلوه(١)).
وحدثنا خلف، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدثنا يونس
ابن عبدالأعلى، حدثنا أشهب بن عبدالعزيز، حدثنا مالك، حدثني
ابن شهاب عن عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس، عن ميمونة،
قالت: سئل رسول الله وَجُل عن فأرة وقعت في سمن، فقال:
((خذوها، وما حولها فألقوه(١))).
وأما رواية معمر، فأخبرنا خلف بن سعيد، أخبرنا عبدالله بن
محمد، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا عبدالرزاق، قال: أخبرنا معمر،
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله وَالخالد
سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: ((إن كان جامدا فخذوها، وما
حولها فألقوه، وان كان مائعا فلا تقربوه(١)).
وأخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال: حدثنا محمد بن
بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح والحسن بن
علي، وهذا لفظ الحسن، قال: حدثنا عبدالرزاق، قال: أخبرنا معمر،
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٣٦٨٠,
الله وَله: ((إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا فألقوه وما
حولها، وان كان مائعا فلا تقربوه(١))).
قال الحسن: قال عبدالرزاق: وربما حدث به معمر عن الزهري، عن
عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي
قال أبو داود: وحدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبدالرزاق، قال:
حدثنا عبدالرحمن بن بوذوية عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله
ابن عبدالله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي وَّ بمثل حديث
الزهري عن سعيد بن المسيب. هكذا قال عبدالرزاق عن معمر، عن
سعيد، عن أبي هريرة بهذا الإسناد: وان كان مائعا فلا تقربوه.
وقال فيه عبدالواحد بن زياد، عن معمر أيضا بهذا الإسناد، عن
الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر: وان كان ذائبا أو
قال مائعا، لم يؤكل. هذه رواية مسدد عن عبدالواحد:
حدثنا بذلك عبدالوارث، حدثنا قاسم، حدثنا بكر، حدثنا مسدد،
حدثنا عبدالواحد، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله وَ له عن فأرة وقعت
في سمن فقال: ((إن كان جامدا ألقيت وما حولها، وإن كان ذائبا، أو
مائعا لم يؤكل(١))).
وغير مسدد يقول فيه عن عبدالواحد، عن معمر بهذا الإسناد: وان
كان مائعا، فانتفعوا به واستصبحوا. وقد يحتمل ان يكون المعنى في
رواية مسدد وغيره عن عبدالواحد في ذلك سواء. ويحمل قوله لم
يؤكل في رواية مسدد على تخصيص الأكل، كأنه قال: لم يؤكل
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

كتاب الأطعمة
٣٦٩
ولكنه يستصبح به وينتفع، فلا تتعارض الرواية عنه في ذلك.
وأما عبدالأعلى، فرواه عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن
أبي هريرة، أن رسول الله وَّل سئل عن فأرة وقعت في سمن، فأمر
بها أن تؤخذ وما حولها فتطرح هكذا قال لم يذكر حكم المائع بشيء،
وكل هؤلاء ليس عنده عن معمر في هذا الحديث الا هذا الإسناد: عن
الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وقال محمد بن يحيى النيسابوري بعد ذكره هذا الحديث، قال:
وحدثنا عبدالرزاق، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن بوذوية -وكان من
مثبتيهم - ان معمرا كان يرويه أيضا عن الزهري، عن عبيد الله بن
عبدالله، عن ابن عباس، عن ميمونة. قال محمد بن يحيى: ومما
يصحح حديث معمر عن الزهري عن سعيد أن عبدالله بن صالح،
حدثني قال: حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد
ابن أبي هلال، عن ابن شهاب قال: قال ابن المسيب بلغنا أن رسول
الله وَله، سئل عن فأرة وقعت في سمن. قال محمد بن يحيى: فقد
وجدنا ذكر سعيد بن المسيب في هذا الحديث من غير رواية معمر،
فالحدیثان محفوظان.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث معان من الفقه، منها ما اجتمع عليه، ومنها ما
اختلف فيه، فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك، أن الفأرة ومثلها
من الحيوان كله يموت في سمن جامد، أو ما كان مثله من الجامدات،
أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد، ويؤكل سائره إذا استيقن أنه لم
تصل الميتة الیه، وکذلك أجمعوا أن السمن وما کان مثله إذا كان مائعا

فتح البر
٣٧٠
ذائبا فماتت فيه فأرة، أو وقعت -وهي ميتة- انه قد نجس كله، وسواء
وقعت فيه ميتة أو حية فماتت، يتنجس بذلك قليلا كان أو كثيرا. هذا
قول جمهور الفقهاء، وجماعة العلماء.
وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء، ولا وجه للاشتغال بشذوذهم
في ذلك، ولا هم عند أهل العلم ممن يعد خلافا، وسلك داود بن
علي سبيلهم في ذلك، الا في السمن الجامد والذائب، فانه قال فيه
بظاهر حديث هذا الباب، وخالف معناه في العسل والخل والمري
والزيت، وسائر المائعات، فجعلها كالماء في لحوق النجاسة اياها بما
ظهر منها فيها. فشذ أيضا ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة، كما لم يتعد
السمن والحية قوله وقول بعض أصحابه، ويلزمهم أيضا الا يعتبروا
القاءها في السمن حتى تكون هي تقع بنفسها، وكفى بقول يؤول إلى
هذا قود أصله قبحا وفسادا.
وأما سائر العلماء وجماعة أئمة الامصار في الفتوى، فالفأرة
والوزغة، والدجاجة، وما يؤكل وما لا يؤكل عندهم سواء إذا مات
في السمن، أو الزيت أو وقع فيه وهو میت إذا كان له دم، ولم يكن
کالبعوض الذي لا دم له والدود وشبه ذلك.
وأجمعوا أن المائعات كلها من الاطعمة والاشربة ما خلا الماء سواء
إذا وقعت فيها الميتة نجست المائع كله، ولم يجز أكله ولا شربه عند
الجميع، الا فرقة شذت على ما ذكرنا منهم داود.
واختلفوا في الزيت تقع فيه الميتة بعد اجماعهم على نجاسته، هل
يستصبح به؟ وهل يباع وينتفع به في غير الأكل؟ فقالت طائفة من
العلماء لا يستصبح به ولا يباع، ولا ينتفع بشيء منه.

ڪتاب الأطعمة
٣٧١
وممن قال ذلك منهم: الحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، ومن
حجة من ذهب هذا المذهب قوله ◌َ# في السمن تقع فيه الفأرة:
(خذوها، وما حولها فألقوه، وان كان مائعا فلا تقربوه)). قالوا: فلما
أمر بالقاء الجامد، وحكم له بحكم الفأرة الميتة، وجب أن يلقى أبدا،
ولا ينتفع به في شيء كما لا ينتفع بالفأرة، ولو كان بينهما فرق، لبينه
رسول الله وَلا، ولما أمر بالقاء شيء يمكن الانتفاع به .
قالوا: وكذلك المائع يلقى أيضا كله ولا يقرب ولا ينتفع بشيء منه،
هذا لو لم يكن في المائع نص، فكيف وقد قال عبدالرزاق في هذا
الحديث: وان كان مائعا فلا تقربوه.
واحتجوا أيضا بعموم تحريم الميتة في الكتاب والسنة، فمن ذلك ما
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا مطلب بن شعيب، قال: حدثنا عبدالله بن صالح، قال: حدثني
الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح:
سمعت جابر بن عبدالله يقول: قال رسول الله وَخلال عام الفتح بمكة:
((ان الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام))، قيل
له: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فانه يدهن بها السفن والجلود،
ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هي حرام))، ثم قال رسول الله وَ لخلقه:
((قاتل الله اليهود، لما حرم عليهم الشحم جملوه فباعوه وأكلوا ثمنه(١)))،
فحذر أمته أن يفعلوا مثل ذلك. وذكره البخاري قال: حدثنا قتيبة،
قال حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
(١) حم (٣٢٦/٣)، خ (٢٢٣٦/٥٣٣/٤)، م (١٢٠٧/٣/ ١٥٨١)،
د (٣٤٨٦/٧٥٦/٣)، ت (١٢٩٧/٥٩١/٣)، ن (٤٦٨٢/٣٥٥/٧)، جه
(٢/ ٢١٦٧/٧٣٢).

فتح البر
٣٧٢
عن جابر بن عبدالله، عن النبي وَ له مثله(١).
وذكره ابن أبي شيبة عن أبي أسامة، عن عبدالحميد بن جعفر، عن
يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن جابر، مرفوعا مثله. وقال آخرون
يجوز الاستصباح بالزيت تقع فيه الميتة، وينتفع به في الصابون
وشبهه، وفي كل شيء ما لم يبع ولم يؤكل، فانه لا يجوز بيعه ولا
أكله بحال. وممن قال ذلك مالك، والشافعي، وأصحابهما، والثوري.
قال أبو عمر:
أما أكله فمجتمع على تحريمه، إلا الشذوذ الذي ذكرنا.
وأما الاستصباح به فقد روي عن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن
عمر اجازة ذلك. روى الحارث عن علي قال: استنفع به للسراج، ولا
تأكله. وروى سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن
صفية بنت أبي عبيد، أن فأرة وقعت في أفران زيت لآل عبدالله بن
عمر، فأمرهم ابن عمر أن يستصبحوا به ويدهنوا به الأدم. وروى ابن
عيينة، والثوري، ومعمر، عن أيوب السختياني، عن نافع عن ابن
عمر مثله.
وروى ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد عن نافع أن امرأة
عبدالله بن عمر أخبرته أنه كان لعبدالله بن عمر جرة ضخمة ملأى
سمنا، فوجد فيها فأرة ميتة، فأبى أن يأكل منها، ومنع أهله، وأمرهم
أن یستصبحوا به، وأن یدهنوا به أدما كان لهم.
(١) تقدم تخريجه في الذي قبله.

كتاب الأطعمة
٣٧٣
قال ابن وهب: وأخبرني أنس بن عياض، عن عبدالله بن محمد بن
أبي مريم الثقفي، أنه قال: سألت سعيد بن المسيب، عن جرتين
وقعت فيهما فأرتان، فأما الواحدة فأخرجنا منها الفأرة حية، فقال
سعيد: لا بأس بزيتها فكلوه. وأما الأخرى فعالجنا بالفأرة التي فيها
حتى ماتت، فقال: لا تأكلوا ما خرج روحها فيها.
ومن حجة هؤلاء في تحريم بيعه، ما حدثنا خلف بن سعيد، حدثنا
عبدالله بن محمد، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا علي بن عبدالعزيز،
حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن خالد يعني الحذاء،
عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَظله: ((لعن
الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا
حرم أكل شيء حرم ثمنه(١)).
واحتجوا أيضا بحديث زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن
عباس، عن النبي بَّ قوله في الخمر: ((ان الذي حرم شربها، حرم
بيعها)). وقد مضى هذا الحديث بطرقه في باب زيد من كتابنا هذا
والحمد لله.
قالوا: فهذه نصوص صحاح في أنه لا يجوز بيع شيء لا يحل أكله
من الطعام والشراب.
وقال آخرون: ينتفع بالزيت الذي تقع فيه الميتة بالبيع، وبكل شيء
ما عدا الأكل، فانه لا يؤكل، قالوا: وجائز أن يبيعه ويبين له، وممن
قال ذلك: أبو حنيفة وأصحابه، واللیث بن سعد، وقد روي عن أبي
(١) حم (٣٢٢/١)، خ (٢٢٢٣/٥٢١/٤)، م (٣ /١٢٠٧ / ١٥٨٢)
من طريق طاووس عن ابن عباس. د (٣٤٨٨/٧٥٨/٣).

فتح البر
٣٧٤٠
موسى الأشعري قال: لا تأكلوه وبيعوه، وبينوا لمن تبيعونه منه، ولا
تبيعوه من المسلمين.
وعن القاسم وسالم یبیعونه ویبینون له ولا يؤكل.
ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة، وحيوة بن شريح، عن خالد بن أبي
عمران، أنه قال: سألت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفأرة،
هل يصلح أن يؤكل منه؟ فقالا: لا ، قلت: أفيبيعه؟ قالا: نعم، ثم
كلوا ثمنه، وبينوا لمن يشتريه ما وقع، ومن حجة من ذهب إلى هذا
المذهب ما ذكره عبدالواحد، عن معمر عن الزهري عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة، عن النبي وَ ل في الفأرة تقع في السمن، قال:
((إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وان كان مائعا فاستصحبوا به
وانتفعوا(١)). قالوا: والبيع من باب الانتفاع، قالوا: واما قوله في
حديث عبدالرزاق: ((إن كان مائعا فلا تقربوه)). فانه يحتمل أن يريد:
لا تقربوه للأكل، قالوا وقد أجرى رسول الله وَل التحريم في شحوم
الميتة في كل وجه، ومنع من الانتفاع بشيء منها.
وذكروا حديث يزيد بن أبي حبيب عن عطاء، عن جابر المذكور.
قالوا وأباح رسول الله وَخلالهفي السمن تقع فيه الميتة الانتفاع به، فدل
على جواز وجوه سائر الانتفاع غير الأكل، قالوا والبيع من الانتفاع،
قالوا: والنظر يدل على ذلك، لأن شحوم الميتة محرمة العين والذات.
وأما الزيت تقع فيه الميتة، فانما تنجس بالمجاورة، وما تنجس
بالمجاورة فبيعه جائز، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره. وفرقوا
بينه وبين أمهات الأولاد بأن الزيت النجس تجوز هبته والصدقة به،
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

كتاب الأطعمة
٣٧٥
وليس يجوز ذلك في أمهات الأولاد، قالوا: وما جاز تمليكه، جاز
البيع فيه، قالوا: وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((ان الله إذا حرم أكل
شيء حرم ثمنه))، فإنما هو كلام خرج على شحوم الميتة التي حرم
أكلها، ولم يبح الانتفاع بشيء منها. كذلك الخمر، والمعنى في ذلك
أن الله تعالى إذا حرم اكل شىء، ولم يبح الانتفاع به، حرم ثمنه. وأما
ما أباح الانتفاع به، فليس مما عنى بقوله: ان الله إذا حرم أكل شيء
حرم ثمنه، بدليل إجماعهم على بيع الهر والسباع والفهود المتخذة
للصيد والحمر الأهلية، قالوا: وكل ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه.
قال أبو عمر:
أجاز بعض أصحابنا - وهو عبدالله بن نافع فيما ذكر عنه- غسل
البان تقع فيه الميتة، ومثله الزيت تقع فيه الميتة. وقد روى عن مالك
أيضا مثل ذلك، وذلك أن يعمد إلى قصاع ثلاث أو أكثر فيجعل
الزيت النجس في واحد منها حتى يكون نصفها أو نحو ذلك، ثم
يصب عليها الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من على الماء، ثم يجعل
في أخرى، ويعمل به كذلك، ثم في ثالثة، ويعمل به كذلك.
حكيت لنا هذه الصفة في غسل الزيت عن محمد بن أحمد العتبي،
وهو قول ليس لقائله سلف، ولا تسكن إليه النفس، لأنه لو كان
جائزا ما خفي على المتقدمين، ولعملوا به، مع أنه لا يصح غسل ما لا
يرى عند أولي النهى. وقد روي عن عطاء بن أبي رباح في شحوم
الميتة قول لم يقله أحد من علماء المسلمين غيره فيما علمت.
ذكر عبدالرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: ذكروا
أنه يستفيد بشحوم الميتة، ويدهن به السفن ولا يمس، ولكن يؤخذ

فتح البر
٣٧٦٠
بعود، فقلت فيدهن به غير السفن؟ قال: لم أعلم، قلت: وأين يدهن
به من السفن؟ قال: ظهورها، ولا يدهن بطونها. قلت: فلا بد أن
يمس ودكها بالمصباح فتناله اليد. قال: فليغسل يده إذا مسه.
قال أبو عمر:
قول عطاء هذا شذوذ، وخروج عن تأويل العلماء، لا يصح به
أثر، ولا مدخل له في النظر، لأن الله حرم الميتة تحريما مطلقا،
فصارت نجسة الذات، محرمة العين، لا يجوز الانتفاع بشيء منها، الا
ما خصت السنة من الإهاب بعد الدباغ، ولا فرق بين الشحم واللحم
في قياس ولا أثر.
وقد روي عن النبي وَ ل خلاف قول عطاء نصا من حديثه عن
جابر، وقد تقدم ذكره في هذا الباب. وما أدري كيف جاز له الفتوى
بخلاف ما روى، إلا أنهم يقولون ان يزيد بن أبي حبيب لم يسمع
حديثه ذلك من عطاء، وقد حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا
أبو نعيم، قال حدثنا زمعة بن صالح، قال حدثنا أبو الزبير، قال:
سمعت جابر بن عبدالله يقول: كنت عند رسول الله وَلا جالسا فجاءه
أناس من أهل البحرين، فقالوا: يا رسول الله، انا نعمل في البحر،
ولنا سفينة قد احتاجت إلى الدهن، وقد وجدنا ناقة ميتة كثيرة
الشحم، وقد أردنا أن ندهن به سفينتنا، فانما هو عود، وانما تجري في
البحر، فقال رسول الله وَ له: ((لا تنتفعوا بشحم الميتة، أو قال: بشيء
من الميتة(١)).
(١) الطحاوي (٤٦٨/١). ذكره الزيلعي في نصب الراية (١٢٢/١) وقال: رواه ابن وهب في
مسنده عن زمعة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله قال: فذكره وزمعة فيه
مقال. قال الحافظ في "التقريب" (٣١٥/١): ((زمعة ضعيف)).

كتاب الأطعمة
٣٧٧
ما جاء فى أكل الضب
[٧] مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبدالله بن
عباس، عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله وَير، بيت ميمونة زوج
النبي ◌َّ، فأتي رسول الله وَل بضب محنوذ، فأهوى اليه رسول الله وله
بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله وَلي بما
یرید أن یأکل منه، فقالوا: هو ضب یا رسول الله فرفع رسول الله (ێ یده،
فقلت: أحرام هو یا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي
فأجدني أعافه)). قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله وَل ينظر(١).
هكذا قال يحيى بن يحيى: عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد،
وتابعه القعنبي، وابن القاسم، وجماعة من أصحاب مالك. وقال ابن
بكير عن ابن عباس، وخالد بن الوليد: انهما دخلا مع رسول الله
وَله بيت ميمونة. وتابعه قوم. وكذلك رواه معمر عن الزهري أن
ابن عباس وخالدا شهدا هذه القصة، بنحو رواية ابن بكير. ولم
تختلف نسخ الموطأ في اسناد هذا الحديث عن مالك، عن ابن شهاب،
عن أبي أمامة، عن ابن عباس. ورواه عثمان بن عمر فأخطأ في
اسناده، جعله عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن
عباس(١):
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا علي بن حسن بن علان، ومحمد
ابن عبدالله القاضي، قالا: حدثنا عبدالله بن سليمان، حدثنا عباد بن
(١) هذا حديث مرسل وقد روي موصولا من طريق ابن عباس وخالد بن الوليد أخرجه: حم
(٨٨/٤-٨٩)، خ (٦٦٧/٩ /٥٣٩١)، م (١٩٤٥/١٥٤٣/٣)،
د (٤ / ١٥٣ / ٣٧٩٤)، ن (٧ / ٢٢٥ / ٤٣٢٧)، جه (٢ / ١٠٨٠/ ٣٢٤١).

فتح البر
٣٧٨
زياد الساجي، حدثا عثمان بن عمر، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب،
عن عبيد الله بن عبدبن عتبة، عن ابن عباس قال: دخلت مع رسول
الله وَجُلّه بيت ميمونة، ومعه خالد بن الوليد، فأتي بضب، فأهوى
رسول الله وَل* بيده، فقال بعض النسوة: انه ضب، فرفع يده.
فقيل له: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكنه لم یکن بأرض
قومي، فأجدني أعافه)). قال: فأما خالد فأكله ورسول الله وَ الاله
ينظر(١).
وذكره الدارقطني عن محمد بن سليمان المالكي القاضي بالبصرة،
عن بندار، عن عثمان بن عمر.
وذكره الدارقطني أيضا عن إسماعيل بن محمد الصفار عن أبي داود
السجستاني، عن عباد بن زياد، عن عثمان بن عمر - مثله سواء.
والضب دويبة معروفة بأرض اليمن، وليس موجودا بمكة، لقول
رسول الله وَخير: ((لم يكن بأرض قومي)) - وأظنه بالحجاز كله غير
مأكول أيضا عندهم ولا موجودا، ألا ترى إلى ما نقله جماعة أهل
الاخبار، أن مدنيا سأل أعرابيا فقال: أتأكلون الضب؟ فقال: نعم،
قال واليربوع؟ قال: نعم، قال: والقنفذ؟ قال: نعم، قال: والورل؟
قال: نعم، قال فتأكلون أم حبين؟ قال: لا، قال: فليهنئ أم حبين
العافية. ومما يدلك على أن الضب لا يوجد الا في بعض أرض العرب
قول بعض بني تميم:
ليالي فر من أرض الضباب
لکسری کان أعقل من تميم
(١) خ (٥٣٩١/٦٦٧/٩)، م (١٩٤٥/١٥٤٣/٣-١٩٤٦).

كتاب الأطعمة
٣٧٩
وقال غيره:
بلاد تكون الخيم أظلال أهلها
إذا حضروا بالقیظ والضب نونها
وقد ذكرنا صفته بما لا يشكل من كلام العرب وأشعارها، في باب
عبدالله بن دينار من هذا الكتاب، وذكرنا هناك أيضا من الآثار المنقولة
في مسخه ما فيه كفاية وبيان- والحمد لله.
والمحنوذ: المشوي في الارض، وذلك ان العرب كانت تحفر حفرة
وتوقد فيها النار، فإذا حميت وضع ذلك الشيء الذي يشوى في
الحفيرة ودفن، فهو الحنيذ عندهم، وقد قيل: انما يوضع في التنور إذا
غطى وطين عليه حنيذ أيضا، يقال: حنيذ، ومحنوذ، مثل قتيل
ومقتول .
وفي هذا الحديث أن رسول الله وَخلقه، كان يؤاكل أصحابه، فجائز
للرئيس أن يؤاکل أصحابه، وحسن جميل به ذلك.
وفيه أن رسول الله وَلّه كان يأكل اللحم. وفيه أنه كان وَل لا
يعلم الغيب، وإنما كان يعلم منه ما يظهره الله عليه. وفيه أن النفوس
تعاف ما لم تعهد.
وفيه ان أكل الضب حلال، وان من الحلال ما تعافه النفوس.
وفيه دليل على أن التحليل والتحريم، ليس مردودا إلى الطباع، ولا
إلى ما يقع في النفس، وانما الحرام ما حرمه الكتاب والسنة، أو يكون
في معنى ما حرمه أحدهما ونص عليه.

فتح البر
٣٨٠
وفيه دليل على خطأ من روى عن النبي وَُّلّ في الضب لست بمحله
ولا بمحرمه، وهذا ليس بشيء، وقد رده ابن عباس رضي الله عنه،
وقال: لم يبعث رسول الله وَّل إلا آمرا أو ناهيا أو محلا أو محرما،
ولو کان حراما لم یؤکل على مائدته.
وأما دخول خالد بن الوليد، وعبدالله بن عباس، بيت رسول
الله وَّلة، وفيه ميمونة مع النسوة اللاتي قال بعضهن: أخبروا رسول
الله وَله، بما يريد ان يأكل منه(١)، فانما كان ذلك قبل نزول الحجاب-
والله أعلم. وليس الضب ذا ناب- والله أعلم؛ للفرق الذي ورد بين
حكمه وحكم كل ذي ناب في الاكل، وبالله التوفيق.
وقد سلف القول منا في أكل كل ذي ناب من السباع في باب
إسماعيل بن أبي حكيم من كتابنا هذا مستوعبا كاملا، فأغنى عن
إعادته ههنا. وسيأتي من ذكر الآثار في الضب بما فيه شفاء في باب
عبدالله بن دینار، عن ابن عمر من كتابنا هذا- إن شاء الله.
(١) خ (٩/ ٥٣٩١/٦٦٧).