النص المفهرس

صفحات 321-340

كتاب الأطعمة
٣٢١
قال: ((أنهر الدم، أو أنزل الدم بما شئت، واذكر اسم الله(١))). والمروة:
فلقة الحجر لا خلاف في ذلك.
وحديث رافع بن خديج عن النبي عليه السلام: ((ما أنهر الدم وذكر
اسم الله عليه فكلوا ما خلا السن والعظم)). الحديث(٢).
وقد أجمعوا على أن ما مر مرور الحديد ولم يثرد، فجائز الذكاة
به؛ وأجمعوا على أن الظفر إذا لم يكن منزوعا، وكذلك السن، فلا
يجوز الذكاة به؛ لانه خنق، وهذا أصل الباب والحمد لله.
وأولى ما قيل به في ذلك عندنا، ما أخبرناه عبدالله بن محمد بن
يوسف، قال: أخبرنا يوسف بن أحمد، قال حدثنا محمد بن عمرو
العقیلي، قال حدثنا يوسف بن موسى، قال حدثنا حسين بن عیسی،
قال حدثنا أصرم بن حوشب الهمداني، عن الحسن بن عطاء، عن
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول
الله وَله: ((من لم يدرك احد الثلاثة فلا زكاة له: ان تطرف بعين، أو
تركض برجل، أو تمصع بالذنب)). وهذا الحديث وان كان اسناده لا
تقوم به حجة، فان قول جمهور العلماء بمعناه على ما ذكرنا في باب
زيد بن أسلم يوجب السكون اليه؛ واستدل جماعة من أهل العلم بهذا
الحديث على صحة ما ذهب اليه فقهاء الامصار، وهم: مالك، وأبو
حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، والثوري من جواز أكل ما ذبح بغير
اذن مالكه؛ وردوا به على من أبى من أكل ذبيحة السارق ومن أشبهه:
(١) د (٢٤٩/٣ - ٢٨٢٤/٢٥٠)، ن (٧ / ٤٣١٥/٢٢٠) و(٤٤١٣/٢٥٨/٧)،
جه (٢ / ٣١٧٧/١٠٦٠).
(٢) خ (٣٠٧٥/٢٣١/٦)، م (١٩٦٨/١٥٥٨/٣)، د (٢٨٢١/٢٤٧/٣)،
ت (٦٨/٤ -٦٩ /١٤٩١)، ن (٤٤١٥/٢٥٩/٧).

فتح البر
٣٢٢
داود، وإسحاق، وتقدمهم إلى ذلك عكرمة وهو قول شاذ عند أهل
العلم لم يعرج عليه فقهاء الأمصار لحديث نافع هذا.
وقد ذكر ابن وهب في موطئه بإثر حديث مالك عن نافع هذا، قال
ابن وهب، وأخبرني اسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب، عن
عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، انه سأل رسول الله وَالاله
عنها فلم ير بها بأسا. ومما يؤكد هذا المذهب، حديث عاصم بن كليب
الحرمي، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، عن النبي وَّ في الشاة
التي ذبحت بغير اذن ربها، فقال رسول الله وَله: ((أطعموها
الاسارى(١)). وهم ممن تجوز عليهم الصدقة بمثلها، ولو لم تكن ذكية
ما أطعمها رسول الله وَ له .
(١) حم (٢٩٤/٥)، د (٦٢٧/٣-٦٢٨ /٣٣٢٢)، ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (١٦٨/٤)
وقال: هذا سند صحيح. وذكره أيضا الحافظ في "الفتح" (٩/ ٧٩٠) وقال: أخرجه أحمد
وأبو داود بسند قوي.

كتاب الأطعمة
٣٢٣
أكل ما لم يسم عليه
[٣] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: سئل رسول الله والفر فقيل له:
یا رسول الله، إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري هل سموا
الله عليها أم لا، فقال رسول الله وَطي: ((سموا الله عليها ثم كلوا(١)).
لم يختلف عن مالك -فيما علمت- في إرسال هذا الحديث، وقد
أسنده جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
حدثنا عبدالله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن السكن، قال
حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا محمد بن
عبيد الله، قال حدثنا أسامة بن حفص المدني، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة أن قوما قالوا للنبي وَيُله: إن قوما يأتوننا باللحم
لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: (( سموا الله ثم كلوا». قال:
وكانوا حديثي العهد بالكفر، قال البخاري: تابعه علي عن
الدراوردي، وتابعه أبو خالد والطفاوي(١).
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث مرسلا - كما رواه مالك - جماعة، منهم: ابن
عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، ورواه مسندا جماعة، منهم هؤلاء
الذين ذكر البخاري، وغيرهم.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
(١) هذا حديث مرسل أخرجه: د (٢٨٢٩/٢٥٤/٣)،
عبد الرزاق (٤/ ٨٥٤٢/٤٨٠)، هق (٢٣٩/٩). وقد روي موصولا من حديث عائشة
أخرجه: خ (٩/ ٥٥٠٧/٧٩١)، د (٢٨٢٩/٢٥٤/٣)، ن (٤٤٤٨/٢٧٢/٣)، جه
(٣١٧٤/١٠٥٩/٢).

فتح البر
٣٢٤١
أصبغ قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال
حدثنا عبدالرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة أم المومنين، أن قوما قالوا: يارسول الله، إن قوما يأتوننا بلحم
لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: ((سموا أنتم عليه وكلوا))،
وكانوا حديث عهد بالكفر(١).
وحدثنا محمد بن ابراهيم وابراهيم بن شاكر قالا حدثنا محمد بن
أحمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن
عمرو البزار، قال حدثنا حوثرة بن محمد، قال حدثنا أبو أسامة، عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره.
في هذا الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سمى
الله عليه أم لا، أنه لا بأس بأكله، وهو محمول على أنه قد سمى،
والمؤمن لا يظن به إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدا محمول على
السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه، وقد
قيل في معنى هذا الحديث أن النبي وَّ إنما أمرهم بأكلها في أول
الإِسلام قبل أن ينزل عليه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾
[الأنعام: (١٢١)]. وهذا قول ضعيف لا دليل على صحته، ولا يعرف وجه
ما قال قائله. وفي الحديث نفسه ما يرده، لأنه أمرهم فيه بتسمية الله
على الأكل، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه. ومما يدل أيضا
على بطلان ذلك القول: أن هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل باديتها
إليهم أشير بالذكر في ذلك الحديث. ولا يختلف العلماء أن قوله عز
وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾، نزل في سورة
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

كتاب الأطعمة
٣٢٥
الأنعام بمكة، وأن الأنعام مكية، فهذا يوضح لك أن الآية قد كانت
نزلت عليه بخلاف ظن من ظن ذلك -والله أعلم -.
وقد أجمع العلماء على أن التسمية على الأكل إنما معناها التبرك لا
مدخل فيها للذكاة بوجه من الوجوه، لأن الميت لا تدركه ذكاة.
وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة
ليست بواجبة بهذا الحديث، وقالوا: لو كانت التسمية واجبة فرضا
على الذبيحة لما أمرهم رسول الله وَخلّ بأكل لحم ذبحته الأعراب
بالبادية، إذ ممكن أن يسموا، وممكن أن لا يسموا الله لجهلهم؛ ولو كان
الأصل ألا يؤكل من ذبائح المسلمين الا ما صحت التسمية عليه، لم
يجز استباحة شيء من ذلك الا بيقين من التسمية، إذ الفرائض لا
تؤدى الا بيقين، وإذ الشك والإمكان لا يستباح به المحرمات؛ قالوا:
وأما قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ،
فإنما خرج على تحريم الميتة، وتحريم ما ذبح للنصب وأهل به لغير الله؛
وفي ذلك نزلت الآية حين خاصم المشركون النبي وَلاّ في ذلك.
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن غالب التمتام، قال حدثنا أمية بن بسطام العيشي؛
وأخبرنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا عمران بن عيينة،
قال حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
قال: خاصمت اليهود النبي وَلّ قالوا: نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل
الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١).
(١) د (٢٨١٩/٢٤٦/٣)، ت (٣٠٦٩/٢٤٦/٥) وقال: حسن غريب.

فتح البر
٣٢٦
هكذا في هذا الحديث: خاصمته اليهود، وإنما هو خاصمه المشركون،
لأن اليهود لا يأكلون الميتة.
أخبرنا عبدالله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال
حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى
ابن سعيد، قال حدثنا سفيان، قال حدثني هارون بن أبي وكيع، عن
أبيه، عن ابن عباس، في قوله ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
قال: خاصمهم المشركون فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلوه، وما ذبحتم
أنتم أكلتموه(١).
قال أبو عمر :
المخاصمة التي ذكر ابن عباس هي التي قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ
[الأنعام: (١٢١)]
لَفِسْقٌّ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمَّ
يريد قولهم: ما قتل الله لستم تأكلونه. واختلف العلماء فيمن ترك
التسمية على الذبيحة والصيد ناسيا أو عامدا، فقال مالك والثوري وأبو
حنيفة وأصحابه، والحسن بن حي: إن تركها عمدا لم تؤكل الذبيحة
ولا الصيد، فإن نسي التسمية عند الذبيحة وعند الإرسال على الصيد
أكلت، وهو قول إسحاق، ورواية عن أحمد بن حنبل؛ ومن حجة من
ذهب إلى ذلك: أن تارك التسمية عمدا متلاعب بإخراج النفس على
غير شريطتها، وقد أجمعوا أن من شرائط الذبيحة والصيد: التسمية،
فمن استباح ذلك على غير شريطته عامدا دخل في الفسق الذي قال
الله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ .
(١) ن (٧/ ٤٤٤٩/٢٧٢)، ك (٢٣٣/٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

كتاب الأطعمة
٣٢٧٣
هذا معنى ما احتجوا به، وقال الشافعي وأصحابه: تؤكل الذبيحة
والصيد في الوجهين جميعا تعمد ذلك أو نسیه، وهو قول ابن عباس
وأبي هريرة.
وروي عن ابن عباس، وأبي وائل، قالا: إنما ذبحت بدينك.
واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال: لما كان المجوسي لا ينتفع
بتسميته إن سمى وتعمد ذلك وقصد إليه، فكذلك لا يضر المسلم ترك
التسمية، لأنه إنما ذبح بدينه.
وقال أبو ثور وداود بن علي: من ترك التسمية عامدا أو ناسيا لم
تؤكل ذبيحته ولا صيده.
قال أبو عمر:
ما أعلم أحدا من السلف روي عنه هذا المذهب إلا محمد بن سيرين
والشعبي، ونافعا مولى ابن عمر. وأما جمهور العلماء فعلى قول
مالك والثوري وأبي حنيفة، وعلى قول الشافعي، على هذين القولين
الناس.
وقد روي عن الشعبي خلاف ما حکیناه عنه. ذکر بقي قال حدثنا
يحيى بن عبدالحميد، قال حدثنا خالد بن عبدالله، عن عطاء بن
السائب، عن عامر في رجل ذبح ونسي أن يسمي، قال: يأكل؛ وعن
يحيى بن عبدالحميد الجماني عن ابن المبارك عن سعيد، عن قتادة، عن
سعيد بن المسيب، والحسن في رجل ذبح ونسي أن يسمي الله قالا :
یأکل.

فتح البر
٣٢٨
وروى إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن
سعيد بن المسيب والحسن قالا: إذا نسي الرجل أن يسمي عن ذبح
فليأكل وليذكر اسم الله في قلبه، وهذا هو الصحيح عن الحسن وسعيد
ابن المسيب.
وروى أشعث بن سوار، وعمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: من
نسي التسمية إذا ذبح فليأكل، ومن تركها متعمدا فلا يأكل. وسفيان
عن مغيرة، عن ابراهيم، مثله.
وروى ابن أبي غنية، ومسعد، عن الحكم بن عتبة، عن عبدالرحمن
ابن أبي ليلى، قال: إذا ذبح ونسي أن يسمي فكل، فإنما ذبح بملته،
وإنما هي الملة، ذكاة كل قوم ملتهم؛ ألا ترى أن المجوسي لو ذبح
فسمی الله لم یأکل.
وذكر وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كميل، عن أبي مالك في
الرجل يذبح وينسى أن يسمي قال: لا بأس به، قلت: فأين قول الله:
﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: إنما ذبحت بدينك، وإنما
هذا في ذبائح المشرکین .
وعن ابن عباس من طرق شتى مثل ذلك.

كتاب الأطعمة
٣٢٩.
أكل كل ذي ناب من السباع حرام
[٤] مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن
أبي هريرة أن رسول الله وَ ي، قال: (( أكل كل ذي ناب من السباع
حرام(١)».
عبيدة بن سفيان هذا من تابعي أهل المدينة، ثقة حجة فيما نقل،
سمع من أبي هريرة وأبي الجعد الضمري، روی عنه محمد بن عمرو،
وبكير بن الاشج، وإسماعيل بن أبي حكيم، وهذا حديث ثابت
صحیح، مجتمع على صحته.
وفيه من الفقه ان النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي
تحريم، لا نهي أدب وإرشاد، ولو لم يأت هذا اللفظ عن النبي وَل،
لكان الواجب في النظر، أن يكون نهيه وَلّ عن أكل كل ذي ناب من
السباع نهي تحريم، فكيف وقد جاء مفسرا في هذا الخبر، لأن النهي
حقيقته الإبعاد، والزجر، والانتهاء، وهذا غاية التحريم، لأن التحريم
في كلام العرب الحرمان والمنع، قال الله عز وجل: ﴿﴿وَحَرَّمْنَاعَلَيْهِ
اَلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: (١٢)]، أي حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن،
ولم يكن ممن تجرى عليه عبادة في ذلك الوقت لطفولته، والنهي
يقتضي معنی المنع کله.
وتقول العرب حرمت عليك دخول داري، أي منعتك من ذلك،
وهذا القول عندهم في معنى لا تدخل الدار، كل ذلك منع وتحريم،
ونھي وحرمان.
(١) م (٣/ ١٥٣٤/ ١٩٣٣)، ن (٢٢٧/٧-٤٣٣٥/٢٢٨)، جه (٣٢٣٣/١٠٧٧/٢)، حب:
الإحسان (٥٢٧٨/٨٣/١٢)، هق (٣١٥/٩)، البغوي (٢٣٣/١١-٢٧٩٤/٢٣٤).

فتح البر
٣٣٠
قال أبو عمر:
اختلف الفقهاء في معنى قول رسول الله وَجيو («أكل كل ذي ناب من
السباع حرام»، فقال منهم قائلون انما أراد رسول الله وَله بقوله هذا ما
كان يعدو على الناس، مثل الأسد والذئب، والنمر والكلب العادي،
وما أشبه ذلك مما الأغلب في طبعه أن يعدو، وما كان الأغلب من
طبعه أنه لا يعدو فليس مما عناه رسول الله وَخلال بقوله هذا، وإذا لم
یکن یعدو فلا بأس بأکله.
واحتجوا بحديث الضبع في اباحة أكله، وهي سبع، وهو حديث
انفرد به عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عمار، وقد وثقه جماعة من
أئمة أهل الحديث، ورووا عنه حديثه هذا واحتجوا به، قال علي بن
المديني: عبدالرحمن بن أبي عمار، ثقة مكي. حدثنا عبدالوارث بن
سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو
إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا ابن أبي مريم
قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا إسماعيل بن امية وابن
جريج، وجرير بن حازم، أن عبدالله بن عبيد بن عمير حدثهم، قال:
أخبرني عبدالرحمن بن أبي عمار أنه سأل جابر بن عبدالله، عن الضبع
فقال أآكلها؟ فقال نعم، قال أصيد هي؟ قال: نعم، قال سمعت ذلك
من رسول الله وَ﴾؟ قال: نعم!(١) وحدثنا سعيد بن نصر، قال:
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن جرير بن حازم، عن
عبدالله بن عبيد بن عمير، عن عبدالرحمن بن أبي عمار، عن جابر،
(١) حم (٣١٨/٣-٣٢٢) و(٢٩٧/٣)، ت (٢٠٧/٣-٨٥١/٢٠٨) وقال: حديث حسن
صحيح. جه (٣٢٣٦/١٠٧٨/٢)، حب: الإحسان (٣٩٦٥/٢٧٨/٩)، الدارمي (٧٤/٢).

كتاب الأطعمة
٣٣١
قال: جعل رسول الله وَج18 الضبع من الصيد وجعل فيه إذا اصابه
المحرم كبشا(١)، واحتجوا ايضا بما ذكره ابن وهب، وعبدالرزاق،
جميعا، قالا أخبرنا ابن جريج أن نافعا أخبره، أن رجلا أخبر عبدالله
ابن عمر، أن سعد بن أبي وقاص، كان يأكل الضباع، فلم ينكره
عبدالله بن عمر، وقال ابن وهب عن ابن لهيعة، عن أبي الاسود
محمد بن عبدالرحمن، أنه سمع عروة بن الزبير، يقول ما زالت
العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها باسا. قالوا: والضبع سبع لا
يختلف في ذلك، فلما أجاز رسول الله وَله وأصحابه أكلها، علمنا ان
نھیه عن أکل کل ذي ناب من السباع، ليس من جنس ما أباحه، وانما
هو نوع آخر والله أعلم. وهو ما الأغلب فيه العداء على الناس، هذا
قول الشافعي ومن تابعه. قال الشافعي: ذو الناب المحرم أكله، هو
الذي يعدو على الناس، كالاسد، والنمر، والذئب، قال: ويؤكل
الضبع والثعلب، وهو قول الليث بن سعد، وقال مالك وأصحابه: لا
يؤكل شيء من سباع الوحوش كلها، ولا الهر الوحشي، ولا الاهلي،
لأنه سبع، قال: ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب والضرب، ولا شيء من
سباع الوحش، ولا بأس بأكل سباع الطير، زاد ابن عبدالحكم في
حكايته قول مالك، قال : وكل ما يفترس ويأكل اللحم ، ولا يرعى
الكلأ ، فهو سبع لا يؤكل، وهذا يشبه السباع التي نهى رسول الله
وَ له عن أكلها.
(١) د (٤ / ١٥٨ / ٣٨٠١)، جه (٢ / ٣٠٨٥/١٠٣٠)، ك (١ / ٤٥٢- ٤٥٣) وقال: صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه. قط (٢٤٦/٢)، الدارمي (٧٤/٢)،
حب: الإحسان (٣٩٦٤/٢٧٧/٩).

فتح البر
٣٣٢٠
وروي عن أشهب عن عبدالعزيز، أنه قال: لا بأس بأكل الفيل إذا
ذكى، وقال ابن وهب: وقال لي مالك، لم أسمع أحدا من أهل
العلم قديما ولا حديثا بأرضنا ينهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير،
قال: وسمعت مالكا يقول: لا يؤكل كل ذي ناب من السباع، قال ابن
وهب وكان الليث بن سعد يقول: يؤكل الهر والثعلب.
قال أبو عمر:
اما اختلاف العلماء في أكل كل ذي مخلب من الطير، وما يأكل
منه الجيف، فسنذكره في باب نافع، عن ابن عمر، من كتابنا هذا إن
شاء الله عند قول رسول الله وَله ((خمس فواسق يقتلن في الحل
والحرم(١)) فذكر منها الغراب والحدأة، وذلك أولى المواضع بذكره
وبالله العون لا شريك له.
واما الآثار المرفوعة في النهي عن أكل كل ذي ناب مخلب من
الطير، فأكثرها معلومة، وسنذكرها في باب نافع ان شاء الله، والحجة
لمالك وأصحابه في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، عموم النهي
عن ذلك، ولم يخص رسول الله وَّخلال سبعا من سبع، فكل ما وقع
عليه اسم سبع، فهو داخل تحت النهي على ما يوجبه الخطاب، وتعرفه
العرب من لسانها في مخاطباتها، وليس حديث الضبع مما يعارض به
حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، لأنه حديث انفرد به
عبدالرحمن بن أبي عمار، وليس بمشهور بنقل العلم، ولا ممن يحتج
به، إذا خالفه من هو أثبت منه، وقد روي النهي عن أکل کل ذي ناب
(١) حم (٣٣/٦-٨٧-٢٥٩)، خ (٤/ ١٨٢٩/٤٢)، ت (١٩٧/٣ / ٨٣٧)،
ن (٢٨٨١/٢٢٨/٥)، جه (٣٠٨٧/١٠٣١/٢).

كتاب الأطعمة
٣٣٣
من السباع من طرق متواترة عن أبي هريرة وأبي ثعلبة وغيرهما عن
النبي وَاللّه، روى ذلك جماعة من الأئمة الثقات، الذين تسكن النفس
إلى ما نقلوه، ومحال أن يعارضوا بحديث ابن أبي عمار.
ذكر عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال: الثعلب سبع لا يؤكل،
قال معمر وقال قتادة ليس بسبع، ورخص في أكله طاوس وعطاء من
أجل أنه يؤذى. واما العراقيون أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: ذو الناب
من السباع المنهي عن أكله، الأسد، والذئب، والنمر، والفهد،
والثعلب، والضبع، والكلب، والسنور البري، والأهلي، والوبر
قالوا: وابن عرس سبع من سباع الهوام، وكذلك الفيل والدب
والضب واليربوع.
قال أبو يوسف: فأما الوبر، فلا أحفظ فيه شيئا عن أبي حنيفة،
وهو عندي مثل الأرنب لا بأس بأكله، لأنه يعتلف البقول والنبات،
وقال أبو يوسف في السنجاب والفنك والسنور كل ذلك سبع مثل
الثعلب وابن عرس.
قال أبو عمر: أما الضب فقد ثبت عن النبي وَلّ اجازة أكله، وفي
ذلك ما يدل على أنه ليس بسبع يفترس، والله أعلم. ذكر عبدالرزاق
قال: أخبرني رجل من ولد سعيد بن المسيب قال: أخبرني يحيى بن
سعيد، قال: كنت عند سعيد بن المسيب فجاءه رجل من غطفان،
فسأله عن الورل، فقال لا بأس به، وإن كان معكم منه شيء فأطعمونا
منه، قال عبدالرزاق: والورل شبه الضب، وأجاز الشعبي أكل الأسد،
والفيل، وتلا: ﴿ قُل لََّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية، وقد كره أكل
الكلب والتداوي به وهذا خلاف منه واضطراب، وكره الحسن

فتح البر
٣٣٤٠
وغيره أكل الفيل، لأنه ذو ناب، وهم للأسد أشد كراهية، وكره عطاء
ومجاهد وعكرمة أكل الكلب. وروى عن النبي ◌َّ في الكلب، قال:
((طعمة جاهلية، وقد أغنى الله عنها(١))). وذكر ابن عيينة عن سهيل بن
أبي صالح، عن يزيد بن عبدالله السعدي، قال: سألت ابن المسيب
عن أكل الضبع فقال: ان أكلها لا يصلح. ومعمر عن هشام بن عروة
عن أبيه، أنه سئل عن أكل اليربوع فلم ير به بأسا، قال معمر وسألت
عطاء الخراساني عن اليربوع فلم ير به بأسا، قال وأخبرنا ابن طاوس،
عن أبيه أنه سئل عن أكل الوبر، فلم ير به بأسا، وقال ابن وهب:
أخبرني عبدالعزيز بن محمد المدني، قال بلغني عن عامر الشعبي قال:
نهى رسول الله وَله عن أكل لحم القرد.
قال أبو عمر: وكرهه ابن عمر، وعطاء، ومكحول والحسن ولم
يجيزوا بيعه، وقال عبدالرزاق عن معمر عن أيوب سئل مجاهد عن
أكل القرد، فقال: ليس من بهيمة الأنعام.
قال أبو عمر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافا أن القرد لا يؤكل،
ولا يجوز بيعه، لأنه مما لا منفعة فيه وما علمنا أحدا ارخص في
أكله، والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثله، والحجة في قول
رسول الله وَل*، لا في قول غيره، وما يحتاج القرد ومثله ان ينهى
عنه، لأنه ينهى عن نفسه بزجر الطباع والنفوس لنا عنه، ولم يبلغنا
عن العرب، ولا عن غيرهم أكله، وقد زعم ناس أنه لم يكن في
العرب من يأكل الكلب، الا قوم، منهم نفر من فقعس، وفي أحدهم
قال الشاعر الأسدي:
(١) طب في الكبير (٦٣/٣٦/٢٥)، من رواية ميمونة بنت سعد. وذكره الهيثمي في المجمع
(٩٥/٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده ضعيف وفيه من لا يعرف.

ڪتاب الأطعمة
٣٣٥.
يافقعسي لم أكلته لمه
لو خافك الله عليه حرمه
فما أكلت لحمه ولا دمه
قال أبو عمر:
يعني قوله لو خافك الله عليه حرمه أي أن الكلب عنده كان مما لا
يأكله أحد، ولا يخاف أحدا على أكله، الا المضطر، والله عز وجل لا
يخاف أحدا على شيء، ولا على غير شيء، ولا يلحقه الخوف جل
وتعالى عن ذلك، واظن الشعر لأعرابي لا يقف على مثل هذا من
المعنى والله أعلم، حدثنا أحمد بن عبدالله قال: حدثني أبي، قال
حدثنا عبدالله بن يونس، قال حدثنا بقي بن مخلد قال: حدثنا أبوبكر
ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، قال سئل
الشعبي عن رجل يتداوى بلحم كلب، قال ان تداوى به، فلا شفاه
الله، قال: وحدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا اسرائيل، عن مغيرة، عن
أبي معشر، عن إبراهيم أنه أصابه حمى ربع، فنعت له جنب ثعلب
فأبى أن يأكله. قال: وحدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا هشام، عن
الحسن، قال: الثعلب من السباع.
قال أبو عمر:
من رخص في الثعلب والهر ونحوهما، فإنما رخص في ذلك لأنها
ليست عنده من السباع المحرمة على لسان رسول الله وَ﴾، وقد ذكرنا
وجه التأويل في ذلك، وذكرنا ما جاء عن النبي وَلّ من الرخصة في
أكل الضبع، وقد جاء عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي بن طالب،
وابن عباس، وسعد، في الضبع، أنها صيد يفديها المحرم بكبش،

فتح البر
٣٣٦٠
ومعلوم أنها ذات ناب وقال عبدالرزاق: أخبرنا الثوري، عن سهيل بن
أبي صالح، قال جاء رجل من أهل الشام، فسأل سعيد بن المسيب عن
أكل الضبع فنهاه، فقال له إن قومك يأكلونها، فقال: ان قومي لا
يعلمون، قال سفيان: هذا القول أحب الي، فقلت لسفيان فأين ما
جاء عن عمر وعلي وغيرهما؟ فقال أليس قد نهى رسول الله وَلآ،
عن أكل كل ذي ناب من السباع؟ فتركها أحب إلي، وبه نأخذ.
قال أبو عمر:
ليس أحد من خلق الله إلا وهو يؤخذ من قوله، ويترك، إلا النبي
وَّله، فإنه لا يترك من قوله، إلا ما تركه هو ونسخه، قولا أو عملا،
والحجة فيما قال وَجله، وليس في قول غيره حجة، ومن ترك قول
عائشة، في رضاع الكبير، وفي لبن الفحل، وترك قول ابن عباس في
العول، والمتعة، وغير ذلك من أقاويله، وترك قول عمر في تضعيف
القيمة على المزني، وفي تبديئه المدعى عليهم باليمين في القسامة، وفي
ان الجنب لا يتيمم، وغير ذلك من قوله كثير، وترك قول ابن عمر،
في أن الزوج لا يهدم التطليقة والتطليقتين، وكراهية الوضوء من ماء
البحر وسؤر الجنب والحائض، وغير ذلك كثير، وترك قول علي في
أن المحدث في الصلاة يبنى على ما مضى منها، وفي أن بنى تغلب لا
تؤكل ذبائحهم وغير ذلك مما روى عنه، كيف يتوحش من مفارقة
واحد منهم، ومعه السنة الثابتة عن النبي وَّ، وهي الملجأ عند
الاختلاف، وغير نكير أن يخفى على الصاحب والصاحبين والثلاثة
السنة المأثورة عن رسول الله وَلاته، الا ترى ان عمر في سعة علمه،
وكثرة لزومه لرسول الله وَله، قد خفى عليه من توريث المرأة من دية
زوجها، وحديث دية الجنين، وحديث الاستئذان ما علمه غيره،

كتاب الأطعمة
٣٣٧
وخفى على أبي بكر حديث توريث الجدة، فغيرهما أحرى أن تخفی
عليه السنة في خواص الأحكام، وليس شيء من هذا أيضا بضائرهم
رضي الله عنهم، وقد كان ابن شهاب يقول وهو حبر عظيم من أحبار
هذا الدين، ما سمعت بالنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع حتى
دخلت الشام، والعلم الخاص لا ينكر أن يخفى على العالم حينا.
حدثنا يونس بن عبدالله قال: حدثنا محمد بن معاوية قال: حدثنا
جعفر بن محمد الفريابي قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا
سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي
ثعلبة الخشني، أن النبي ◌َّ، نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع،
قال سفيان: قال الزهري: ولم أسمع هذا حتى أتيت الشام.
قال أبو عمر:
روي عن خزيمة بن جزى رجل من الصحابة انه قال: قدمت المدينة
فأتيت رسول الله وَّله، فقلت جئت أسالك عن أحفاش الارض،
قال: ((سل عما شئت))، فسألته عن الضب، فقال: ((لا آكله ولا
أحرمه))، فقلت انى آكل ما لم تحرم، قال: ((إنها فقدت أمة وإني رأيت
خلقا رابني))، قال وسألته عن الأرنب فقال: ((لا آكله ولا أحرمه))،
قال انى آكل ما لم تحرم، قال: ((إنها تدمى))، قال وسألت عن
الثعلب، فقال: (( ومن يأكل الثعلب؟)) وسألت عن الضبع فقال: (( ومن
يأكل الضبع؟)) قال وسألته عن الذئب، فقال: أو يأكل الذئب
أحد؟(١))) .
(١) جه (٣٢٤٥/١٠٨١/٢) و(١٠٧٧/٢-٣٢٣٥/١٠٧٨)، قال البوصيري في الزوائد
(ص٤١٩): هذا حديث ليس إسناده بالقوي لا نعرفه الا من حديث إسماعيل بن عبدالکریم،
وقد تكلم بعض أهل العلم في إسماعيل وعبدالكريم بن أمية.

فتح البر
٣٣٨
وهذا حديث قد جاء، إلا أنه لا يحتج بمثله لضعف اسناده، ولا
يعرج عليه لأنه يدور على عبدالكريم بن أبي المخارق، وليس يرويه
غيره، وهو ضعيف متروك الحديث، وقد روى من حديث عبدالرحمن
ابن معقل صاحب الدثنية وهو رجل يعد في الصحابة نحو هذا
الحديث قال قلت يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: ((لا آكله، ولا
أنھی عنه))، قال قلت ما لم تنه عنه فإني آكله، قال: قلت: يا رسول
الله، فما تقول في الضب؟ قال: ((لا آكله ولا أنهى عنه))، قال: قلت
ما لم تنه عنه فانى آكله، قال وقلت ما تقول في الأرنب؟ قال: ((لا
آکلها، ولا أحرمها))، قال: قلت ما لم تحرمه فانی آکله، قال قلت يا
رسول الله ما تقول في الذئب؟ قال: أ((و يأكل ذلك أحد؟)) قال قلت
يا رسول الله ما تقول في الثعلب؟ قال: «أو ياكل ذلك أحد؟)).
وهو أيضا حديث ضعيف، واسناده ليس بالقائم عند أهل العلم،
وهو يدور على أبي محمد رجل مجهول، وهو حديث لا يصح
عندهم، وعبدالرحمن بن معقل لا يعرف الا بهذا الحديث، ولا تصح
صحبته، وانما ذكرت هذا الحديث والذي قبله ليوقف عليهما ولرواية
الناس لهما، ولتبيين العلة فيهما. واما جلود السباع المذكاة لجلودها،
فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أن السباع
إذا ذكيت لجلودها حل بيعها، ولباسها، والصلاة عليها .
قال أبو عمر:
الذكاة عنده في السباع لجلودها، أكمل طهارة في هذه الرواية، من
الدباغ في جلود الميتة، وهو قول ابن القاسم، وقال ابن القاسم في
المدونة لا يصلى على جلد الحمار وان ذكي، وقوله ان الحمار الأهلي

كتاب الأطعمة
٣٣٩
لا تعمل فيه الذكاة وقال ابن حبيب في كتابه إنما ذلك في السباع
المختلف فيها، فأما المتفق عليها فلا يجوز بيعها، ولا لبسها، ولا
الصلاة بها، ولا بأس بالانتفاع بها إذا ذكيت، كجلد الميتة المدبوغ، قال
ابن حبيب ولو أن الدواب الحمير والبغال، ذكيت لجلودها، لما حل
بيعها ولا الانتفاع بها، ولا الصلاة فيها، الا الفرس، فانه لو ذكي لحل
بيع جلده، والانتفاع به للصلاة وغيرها، لاختلاف الناس في تحريمه،
وقال أشهب أكره بيع جلود السباع وإن ذكيت، ما لم تدبغ، قال وأرى
أن يفسخ البيع فيها، ويفسخ ارتهانها، وأرى أن يؤدب فاعل ذلك، الا
أن يعذر بالجهالة، لأن النبي ◌َ ◌ّل حرم أكل كل ذي ناب من السباع،
فالذكاة فيها ليست بذكاة، وروى أشهب عن مالك في كتاب
الضحايا، من المستخرجة، أن ما لا يؤكل لحمه، فلا يطهر جلده
بالدباغ، وهذه المسألة في سماع أشهب وابن نافع، وسئل مالك أترى
ما دبغ من جلود الدواب طاهرا؟ فقال: انما يقال هذا في جلود
الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه، فكيف يكون جلده طاهرا إذا
دبغ وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل لحمه؟ .
قال أبو عمر :
لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بما رواه أشهب عن مالك، في جلد
ما لا يؤكل لحمه، أنه لا يطهر بالدباغ، الا ابا ثور ابراهيم بن خالد
الكلبي، فانه قال في كتابه في جلود الميتة: كل ما كان مما لو ذكى حل
أکله فمات، لم يتوضأ في جلده، ولم ينتفع بشىء منه، حتى يدبغ،
فإذا دبغ فقد طهر، قال: وما لا يؤكل لو ذكى لم يتوضأ في جلده،
وان دبغ، قال: وذلك أن النبي وَّ، قال في جلد شاة ماتت: ((ألا

فتح البر
٣٤٠٠
دبغتم جلدها فانتفعتم به(١)؟)) ونهى عن جلود السباع، قال: فلما روي
الخبران أخذنا بهما جميعا، لأن الكلامين جميعا لو كانا في مجلس
واحد كان كلاما صحيحا، ولم يكن فيه تناقض، قال: ولا أعلم
خلافا، أنه لا يتوضأ في جلد خنزير وان دبغ، فلما كان الخنزير حراما
لا يحل أكله وان ذكي، وكانت السباع لا يحل أكلها وان ذكيت، كان
حراما أن ينتفع بجلودها وإن دبغت، وأن يتوضأ فيها، قياسا على ما
أجمعوا عليه من الخنزير، اذ كانت العلة واحدة.
وذكر عن هشيم، عن منصور عن الحسن، أن عليا كره الصلاة في
جلود البغال.
قال أبو عمر:
ما قاله أبو ثور صحيح في الذكاة، أنها لا تعمل فيما لا يحل أكله،
إلا أن قوله {وَجّ ((كل إهاب دبغ فقد طهر(٢))، قد دخل فيه كل جلد،
إلا أن جمهور السلف اجمعوا على أن جلد الخنزير لا يدخل في
ذلك، فخرج بإجماعهم هذا، إن صح أن للخنزير جلدا يوصل اليه
ويستعمل، وان كان أصحابنا قد اختلفوا في ذلك، على ما سنذكره
ونوضحه، في باب حديث زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن
عباس عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((كل إهاب دبغ فقد طهر (٢)) إن شاء الله.
والحديث الذي ذكر أبو ثور، في النهي عن جلود السباع حدثناه
جماعة، منهم عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
(١) خ (١٤٩٢/٤٥٣/٣)، م (٣٦٣/٢٧٦/١)، د (٣٦٥/٤ -٣٦٦ /٣١٢٠)،
جه (٢/ ٣٦١٠/١١٩٣).
(٢) حم (٢٧٩/١ - ٢٨٠)، م (١ / ٣٦٦/٢٧٧)، الدارمي (٨٦/٢)،
البغوي (٣٠٣/٩٧/٢)، حب: الإحسان (١٢٨٧/١٠٣/٤).