النص المفهرس

صفحات 301-320

كتاب العقيقة
٣٠١
وكذلك انفرد الحسن وقتادة أيضا بأن الصبي يمس رأسه بقطنة قد
غمست في دم العقيقة.
قال أبو عمر:
أما حلق رأس الصبي عند العقيقة، فان العلماء كانوا يستحبون
ذلك، وقد ثبت عن النبي ◌َّل أنه قال في حديث العقيقة: ((يحلق
رأسه ويسمى)).
وقال بعضهم في هذا الحديث وهو حديث سمرة: يحلق رأسه
ويدمى. ولا أعلم أحدا من أهل العلم قال: يدمى رأس الصبي، إلا
الحسن وقتادة، فإنهما قالا: يطلى رأس الصبي بدم العقيقة، وأنكر
ذلك سائر أهل العلم وكرهوه.
وحجتهم في كراهيته قول رسول الله وَّخلّ في حديث سلمان بن
عامر الضبي: وأميطوا عنه الاذى. فكيف يجوز أن يؤمر بإماطة الأذى
عنه، وأن يحمل على رأسه الأذى؟ وقوله وَظله: أميطوا عنه الأذى،
ناسخ لما كان عليه أهل الجاهلية من تخضيب رأس الصبي بدم العقيقة.
روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان أهل الجاهلية إذا
حلقوا رأس الصبي، وضعوا دم العقيقة على رأسه بقطنة مغموسة في
الدم، فأمرهم رسول الله وَجُلّر أن يجعلوا مكان الدم خلوقا(١).
وروي عن بريدة الأسلمي نحو ما روى عن عائشة في ذلك:
حدثناه عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا
أبو داود، قال حدثنا أحمد بن ثابت، قال حدثنا علي بن الحسين،
(١) عبد الرزاق (٣٣٠/٤-٧٩٦٣/٣٣١)، هق (٣٠٣/٩)،
حب: الإحسان (٥٣٠٨/١٢٤/١٢).

فتح البر
٣٠٢٠
قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبدالله بن بريدة، قال: سمعت أبي
بريدة يقول: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام، ذبح شاة، ولطخ
رأسه بدمها؛ فلما جاء الله بالإسلام، كنا نذبح شاة ونحلق رأسه،
ونلطخه بالزعفران(١).
قال أبو عمر: لا أعلم أحدا قال في حديث سمرة: ويدمى مكان
ویسمی إلا هماما:
أخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال: حدثنا محمد بن بكر
ابن عبدالرزاق التمار بالبصرة، قال: حدثنا أبو داود، قال حدثنا
حفص بن عمر النمري، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة عن
الحسن، عن سمرة عن النبي وَ خلال قال: ((كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح
عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويدمى)). فكان قتادة إذا سئل عن الدم
كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة، واستقبلت
بها أوداجها، ثم توضع على يا فوخ الصبي على رأسه، ثم يغسل
رأسه بعد ويحلق.
قال أبو داود: وقوله: ويدمى وهم من همام، وجاء تفسيره عن
قتادة وهو منسوخ.
وأما تسمية الصبي، فان مالكا رحمه الله قال: يسمى يوم السابع،
وهو قول الحسن البصري.
والحجة لهذا القول، حديث سمرة وقد ذكرناه، وهو قوله يذبح عنه
يوم سابعه ویسمی، یرید - والله أعلم ۔ ویسمی يومئذ.
(١) د (٢٦٣/٣-٢٨٤٣/٢٦٤)، ك (٢٣٨/٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
ووافقه الذهبي. هق (٣٠٣/٩).

كتاب العقيقة
٠٣٠٣
قال مالك: إن لم يستهل صارخا لم يسم. وقال ابن سيرين،
وقتادة، والأوزاعي: إذا ولد وقد تم خلقه، سمي في الوقت إن شاء.
ويجوز أن يحتج لمن قال بهذا القول بما روى عن النبي وَلّ أنه قال:
((ولد لي الليلة غلام فسميته بإبراهيم(١)).
وعند مالك والشافعي وأصحابهما - وهو قول أبي ثور - يتقى في
العقيقة من العيوب ما يتقى في الضحايا، يسلك بها مسلك الضحايا:
يؤكل منها ويتصدق، ويهدى إلى الجيران. وروى مثل ذلك عن
عائشة، وعليه جمهور العلماء.
قال عطاء: إذا ذبحت العقيقة فقل: باسم الله، هذه عقيقة فلان،
قال: وتطبخ وتقطع قطعا، ولا يكسر لها عظم، وهو قول الشافعي
في أن لا يكسر لها عظم.
وقد روى عن عائشة أنها قالت: لا تكسر عظام العقيقة .
وقال مالك وابن شهاب: لا بأس بكسر عظامها. وقال ابن جريج:
تطبخ بماء وملح أعضاء، أو قال: آرابا، وتهدى في الجيران والصديق،
ولا يتصدق منها بشيء.
(١) حم (١٩٤/٣)، م (٤ / ٢٣١٥/١٨٠٧)، د (٣١٢٦/٤٩٣/٣)، هق (٦٩/٤)،
البغوي (٢٦٩/١١)، حب: الإحسان (٢٩٠٢/١٦٢/٧) كلهم من طريق أنس رضي الله عنه.

٥٠ - كتاب الأطعمة

كتاب الأطعمة
٬٣٠٧
ما جاء فى الذكاة
[١] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رجلا من الأنصار من
بني حارثة، كان يرعى لقحة بأحد، فأصابها الموت، فذكاها بشظاظ، فسئل
رسول الله وَلّر عن ذلك؟ فقال: ((ليس بها بأس فكلوها(١))).
هكذا رواه جماعة رواة الموطأ مرسلا، ومعناه متصل من وجوه ثابتة
عن النبي ◌َّ، ولا أعلم أحدا أسنده عن زيد بن أسلم، إلا جرير بن
حازم، عن أيوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي
سعيد الخدري(٢).
ذكره البزار قال: حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا حبان بن
هلال، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب. وذكره أبو العباس
محمد بن إسحاق السراج في تاريخه، قال: حدثنا أحمد بن الحسن
ابن خراش، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا جرير بن حازم،
قال: حدثنا أيوب، عن زيد بن أسلم، فلقيت زيد بن أسلم، فحدثني
عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: كانت لرجل من
الانصار ناقة ترعى في قبل أحد، فنحرها بوتد، فقلت لزيد: وتد من
حديد أو خشب؟ قال: لا. بل من خشب، وأتى النبي وَّ فسأله،
فأمره بأكلها(٢).
(١) هذا حديث مرسل وقد ذكر موصولا من طريق أبي سعيد الخدري انظر تخريجه في الذي
بعده. أخرجه مرسلا: د (٢٨٢٣/٢٤٩/٣)،
عبد الرزاق (٧٦٢٦/٤٩٧/٤)، هق (٢٨١/٩).
(٢) ن (٧ /٢٥٨/ ٤٤١٤).

فتح البر
٣٠٨
قال أبو عمر:
واللقحة: الناقة ذات اللبن، وقد تقدم تفسير ذلك فيما سلف من
كتابنا هذا، والشظاظ: العود الحديد الطرف، كذا قال أهل اللغة.
وقال يعقوب بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار في هذا
الحديث: فأخذها الموت، فلم يجد شيئا ينحرها به، فأخذ وتدا فوجأ
به في لبتها حتى أهراق دمها، ثم جاء إلى رسول الله وَ طل فأخبره
ʻ
بذلك، فأمره بأكلها. فعلى هذا الحديث، الشظاظ: الوتد، وذلك كله
معنى متقارب. وقال ابن حبيب الشظاظ: هو العود الذي يجمع به بين
عروتى الغرارتين على ظهر الدابة، واستشهد بقول أمية بن أبي
الصلت: بحال العروتين من الشظاظ.
قال أبو عمر: وقال عنترة:
إذا ضربوها ساعة بدمائها وحل عن الكوماء عقد شظاظها.
قال الخليل: الظررة والظرر: حجر له حد، قال: والشظاظ: خشبة
عقفاء محدودة الطرف، والليط: قشر القصب.
والتذكية بالشظاظ، انما تكون فيما ينحر لا فيما يذبح، والناقة الشأن
فيها النحر، وهو ذكاتها، والشظاظ لا يمكن به الذبح، لانه كطرف
السنان، وقد يمكن الذبح بفلقة العود، لان لها جانبا رقيقا، وذلك
يسمى الشطير. وفلقة الحجر الرقيقة التي يمكن الذكاة بها تسمى
الظرر، وهذان يذبح بهما ولا يمكن النحر بهما، وأما القصبة فيمكن
بها الذبح والنحر، وفلقة القصبة تسمى الليطة. وروى عن سعيد بن
المسيب أنه قال: ما ذبح بالليطة والشطير والظرر، فحل ذكى.

كتاب الأطعمة
٣٠٩
قال أبو عمر:
وفي هذا الحديث اباحة تذكية ما نزل به الموت من الحيوان المباح
أكله، كانت البهيمة في حال ترجى حياتها، أو لا ترجى، إذا كانت
حية في وقت الذكاة، لأن رسول الله وَله لم يسأل مذكيها عن حالها،
ولم ينكر عليه، بل قال: ليس بها بأس فكلوها، وقد قيل له: أصابها
الموت. فعلى ظاهر هذا الحديث، إذا سلم موضع الذكاة من الآفة،
وكانت الحياة موجودة في المذکی، جاز تذکیته.
أخبرني خلف بن القاسم، قال: حدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد
ابن عبدالمؤمن، قال: حدثنا المفضل بن محمد، قال: حدثنا علي بن
زياد، قال: حدثنا أبو قرة، قال: سألت مالكا عن المتردية والمفروسة
تدرك ذكاتها وهي تتحرك؟ قال لا بأس، إذا لم يكن قطع رأسها أو نثر
بطنها. قال: وسمعت مالكا يقول: إذا غير ما بين المنحر إلى المذبح،
لم تؤكل.
واختلف العلماء في قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ
وَاُلْمُتَرَدِّيَةُ وَاَلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْثُمْ﴾ [المائدة: (٣)]. فقال
قوم: هذا الاستثناء راجع على كل ما أدرك ذكاته مما ينخنق ويوقذ
ويتردى وينطح وأكيلة السبع، فمتى أدرك شيئا من هذه المذكورات وفيه
حياة، كانت الذكاة عاملة فيه، لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفا
إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم
له، وممن روى عنه هذا المعنى علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وابن
عباس، وجماعة من التابعين، ومن فقهاء المسلمين.
روى ابن عيينة، وشريك وجرير، عن الركين بن الربيع، عن أبي

فتح البر
٣١٠٠
طلحة الأسدى، قال: سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق
بطنها حتى انتثر قصبها فأدركت ذكاتها فذكيتها، فقال: كل، وما انتثر
من قصبها فلا تأكل. وروى حماد بن سلمة عن قتادة وحميد، عن
الحسن أنه قال فيما أكل السبع: إذا كانت تطرف بعينها، أو تركض
برجلها، أو تمصع بذنبها، فذك وكل. وذكر ابن أبي شيبة عن ابن
فضيل، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْثُ﴾: قال
الحسن: أي هذه الخمس أدركت ذكاته، فكل، فقلت أيا أبا سعيد
كيف أعرف ذلك؟ قال: إذا طرفت بعينها، أو ضربت برجلها. وعن
قتادة، والضحاك بن مزاحم، مثل ذلك. وإلى هذا ذهب ابن حبيب،
وذكره عن أصحاب مالك عنه، قال ابن حبيب: إذا كانت الذبيحة
تطرف، فهي ذكية، ولو طرفت بأحد أطرافها بعين أو رجل أو ذنب أو
يد، مع مجرى النفس، فهي ذكية، قال: وهكذا فسره لي أصحاب
مالك عنه. وذكر ابن عبدالحکم عن مالك نحوه.
وقال الليث بن سعد: إذا كانت حية وقد أخرج السبع جوفها،
أكلت، الا ما بان منها، وهو قول ابن وهب، والاشهر من مذهب
الشافعي، وقد تقدم هذا من قول ابن عباس. وقال المزنى عن الشافعي
في السبع إذا شق بطن شاة، واستيقن أنها تموت ان لم تذك فذكيت -:
فلا بأس بأكلها. قال المزنى: وأحفظ له قولا آخر أنها لا تؤكل، إذا
بلغ منها السبع أو التردى إلى ما لا حياة معه، قال المزنى: وهو قول
المدنيين. قال: وهو عندى أقيس على أصل الشافعي، لأن قوله في
صيد البر: إذا لم يبلغ منه السلاح مبلغ الذبح، وأمكنت ذكاته فلم
يذكه، أنه لا يأكله. قال وفي هذا دليل أنه لو بلغ ما يبلغ الذبح،
أكله، قال المزنى: ودليل آخر من قوله أيضا قال في كتاب الدماء: لو

كتاب الأطعمة
٣١١.
قطع حلقوم رجل ومريئه، أو قطع حشوته، فأبانها من جوفه، أو
صيره في حال المذبوح، ثم ضرب آخر عنقه، فالاول قاتل، دون
الآخر. قال: ففي هذا من قوله دلالة على ما وصفت لك أنه أصح
في القياس من قوله الآخر.
قال أبو عمر:
أكثر أصحاب الشافعي على قوله الآخر، على خلاف ما اختار
المزنى، واحتج منهم أبو القاسم القزويني بقول الله تعالى- بعد ذكر
المنخنقة وما ذكر معها إلى قوله ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْثُمْ﴾ قال: فمعنى الآية:
أكل المنخنقة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إذا ذكي وفيه
الحياة، كان التردى وأكل السبع بلغ منها ما فيه البقاء، أو ما لا بقاء
معه، إذا كان فيها من الحياة ما يعلم به أنها لم تمت، قال: والزاعم أن
المتردية وما أكل السبع وفيها الحياة إذا ذكيت، تؤكل في حال دون
حال، مدع على الكتاب ما لم يأت به الكتاب.
قال أبو عمر:
وهذا أيضا مذهب أبي حنيفة في هذه الآية، وفي كل ما تدرك
ذکاته وفيه الحياة ما كانت الحياة، فانه ذكي، ومتی ذکیت وأدركت قبل
أن تموت، أكلت عنده. قال الطحاوي: وروي عن أبي يوسف في
الاملاء: إذا بلغ بها ذلك حالا لا تعيش من مثله، لم تؤكل، قال:
وذكر ابن سماعة عن محمد أنه قال: إذا بلغ بها ذلك حالا لا تعيش
معه اليوم ونحوه، والساعتين والثلاث ونحوها، فذكاها، حلت، وان
كانت لا تبقى الا بقاء المذبوح، لم تؤكل وان ذبحت، قال: واحتج
محمد بن الحسن بأن عمر بن الخطاب كانت جراحاته متلفة، وصحت
٠

فتح البر
٣١٢
عهوده وأوامره، ولو قتله قاتل، كان عليه القود، وإلى هذا ذهب
الطحاوي، وزعم انهم لم يختلفوا في الانعام إذا أصابتها الأمراض
المتلفة التي قد تعيش معها مدة قصيرة أو طويلة، أنها تذكى، وأنها لو
صارت في حال النزوع والاضطراب للموت، أنه لا ذكاة فيها،
فكذلك القياس ينبغي أن يكون حكم المتردية ونحوها. وقال
الاوزاعي: إذا كان فيها حياة فذبحت، أكلت.
قال أبو عمر:
وذهب قوم من العلماء إلى أن الاستثناء في قوله عز وجل: ﴿ إِلَّامَا
ذَكَّيْثُمْ﴾ منقطع مما قبله، غير عائد على شيء من المذكورات، قالوا:
وذلك مشهور من كلام العرب، يجعلون إلاَّ بمعنى لكن، ومن ذلك
قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَّ﴾
[النساء: (٩٢)] يريد وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً البتة، ثم قال: إلاَّ خطأ
أي لكن ان قتله خطأ. فالاستثناء ههنا ليس من الأول، وهذا مذهب
الخليل وسيبويه والفراء، كلهم يجعلون إلا ههنا بمعنى لكن، وأنشد
بعضهم لابی خراش:
أمسی سقام خلاء لا أنیس به
إلا السباع ومر الريح بالغرف
أراد إلا أن يكون به السباع، أو لكن به السباع وطرد الريح.
وسقام: واد لهذیل.
ومثل هذا أيضا قول الشاعر:
إلا اليعافير والا العيس
وبلدة لیس بھا أنیس

كتاب الأطعمة
٣١٣
أراد لكن بها اليعافير، وبها العيس، وليس بها أنيس مع هذا.
وقال متمم بن نويرة:
وبعض الرجال نخلة لا جنى لها ولا ظل الا أن تعد من النخل
يريد لكن تعد من النخل.
وقد يكون قوله: لا أنيس به الا السباع، وليس بها أنيس، ولا
اليعافير، ولا السباع، فتكون الا بمعنى الواو، كما قيل في قول الله عز
وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: (١٥٠)] أي
ولا الذين ظلموا.
وكما قال الشاعر:
ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروان
أي الا دار الخليفة ودار مروان. هذا كله قد قيل كما وصفنا في
معنى ما ذكرنا، وحقيقة الا أن تحمل على صريح الاستثناء، اما متصلا
ردا للاول على الآخر، مخرجا له من جملته، واما منقطعا قد فصل
الأول من الآخر، كما قال النابغة:
وارى لايا ما أبينها
وما بالربع من أحد إلا الأ
ومن هذا الباب أیضا ۔ وهو کثیر جدا ومن أبدعه ــ قول جرير:
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ
علی الأرض إلا ذیل برد مرجل
فكأنه قال: لم تطأ على الارض، إلا أن تطأ ذيل البرد، والترجيل:
وشي في حاشية البرد.

فتح البر
٣١٤
وقد قيل في معنى قوله عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ أي
لكن الذين ظلموا منهم فانهم يحاجونكم، وقيل الا على الذين
ظلموا. فعلى هذا يكون معنى الآية، أن الله عز وجل حرم الميتة والدم
ولحم الخنزير، والميتة ههنا التي تموت حتف أنفها، وحرم التي تموت
منخنقة، وموقوذة ومتردية، ومنطوحة، وأكيلة السبع، فعم بهذا
أجناس الميتة التي كانوا يأكلون، وأحل لهم ما ذكوا من بهيمة الأنعام،
فكأنه قال بعد أن ذكر ما حرم من الميتات ولحم الخنزير: لكن ما ذكيتم
وذبحتم من بهيمة الأنعام، فحل لكم. هذا معنى قوله عندهم، وإلى
هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق القاضي، وجماعة المالكيين البغدادیین،
وهو أحد قولى الشافعي، ويروى نحو هذا المذهب عن زيد بن ثابت،
ذكره مالك في موطئه. وذكر حماد بن سلمة، عن يوسف بن سعد،
عن يزيد مولى عقيل بن أبي طالب، قال: كانت لي عناق كريمة،
فكرهت أن أذبحها، فلم ألبث أن تردت، فأمررت الشفرة على
أوداجها، فركضت برجلها، فسألت زيد بن ثابت، فقال: ان الميت
ليتحرك بعد موته، فلا تأكلها.
قال أبو عمر:
يزيد مولى عقيل هذا، هو أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب،
وهذا الخبر قد رواه مالك عن يحيى بن سعيد، عن أبي مرة مولى
عقيل بن أبي طالب بمعنى واحد، وألفاظ مختلفة، ولا أعلم احدا من
الصحابة روى عنه مثل قول زيد بن ثابت هذا والله أعلم. وقد خالفه
أبو هريرة وابن عباس، وعلى قولهما أكثر الناس. وقال محمد بن
مسلمة إذا قطع السبع حلقوم الشاة، أو قسم صلبها، أو شق بطنها

كتاب الأطعمة
٣١٥-
فأخرج معاها، أو قطع عنقها، لم تذك وفي سائر ذلك كله تذكى إذا
كان فيها حياة. وقال غيره من أصحابنا: تذكى التي شق بطنها، نحو
قول ابن حبيب. واختلف أصحاب داود في هذا الاستثناء أيضا على
قولين: فذهب منهم قوم أنه منقطع كما وصفنا. وذهب منهم آخرون
إلى ان الاستثناء متصل بما قبله، عائد عليه، مخرج لجملة ما ذكى من
المذكورات إذا كانت فيه حياة من جملة المحرمات في الآية. وما ذهب
اليه إسماعيل في ذكر المتردية وما ذكر معها، يروى عن قتادة، وعن
الضحاك بن مزاحم، الا أنهما قالا بتذكية ما أدركت فيه حياة من
ذلك: روى سعيد بن أبي عروبة ومعمر، عن قتادة في قول الله عز
وجل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ - الآية. قال: كان أهل الجاهلية يخنقون
الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها، والموقوذة كان أهل الجاهلية يضربونها
بالعصا، حتى إذا ماتت أكلوها، والمتردية كانت تتردى في البئر
فتموت، فيأكلونها، والنطيحة كبشان يتناطحان، فيموت أحدهما
فيأكلونه، وما أكل السبع، كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئا من
هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقي، فقال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُ﴾
فكل ما ذكر الله ههنا -ما خلا الخنزير - إذا أدركت منه عينا تطرف، أو
ذنبا يتحرك، أو قائمة تركض، فذكيته، فقد أحل الله لك ذلك. وعن
الضحاك بن مزاحم مثل قول قتادة هذا، كله سواء، قال الضحاك: فان
لم تطرف له عين، ولم تتحرك له قائمة ولا ذنب، فهي ميتة. وروى
الشعبي عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية
والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها. وهو قول الشعبي،
وإبراهيم، وعطاء، وطاوس، ولم يصرح إسماعيل برد هذا ونكب
عنه .

فتح البر
٣١٦,
قال أبو عمر:
قول علي، وابن عباس، وأبي هريرة، والتابعين الذين ذكرنا
قولهم، ومن تابعهم من فقهاء الأمصار، أولى ما قيل به في هذا
الباب، وهو ظاهر الكتاب. وفي المستخرجة لمالك وابن القاسم، أن ما
فيه الحياة وان كان لا يعيش ولا يرجى له بالعيش- يذكى ويؤكل.
أخبرنا أحمد بن محمد، وعبيد بن محمد، قالا: حدثنا الحسن بن
سلمة، قال حدثنا ابن الجارود، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال:
سمعت إسحاق بن راهويه قال: وأما الشاة يعدو عليها الذئب، فيبقر
بطنها ويخرج المصارين، حتى يعلم أنه لا يعيش مثلها، فان السنة في
ذلك ما وصف ابن عباس، لانه - وان خرجت مصارينها- فإنها حية
بعد، وموضع الذكاة منها سالم، وانما ينظر عند الذبح أحية هي أم
ميتة، ولا ينظر إلى هل يعيش مثلها. وكذلك المريضة التي لا يشك أنه
مرض موت، جائز ذكاتها إذا أدركت فيها حياة، وما دام الروح فيها
فله ان يذكيها. قال إسحاق: ومن قال خلاف هذا، فقد خالف السنة
من جمهور الصحابة وعامة العلماء.
قال أبو عمر: يعضد ذلك حديث زيد بن أسلم المذكور فيه:
فأصابها الموت - وبالله التوفيق.
وهو حديث حسن، أخرجه أبو داود وغيره.
وفيه أيضا من الفقه أن كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فهو من
آلات الذكاة، وجائز أن يذكى به، ما خلا السن والعظم، وعلى هذا
تواترت الاثار، وقال به فقهاء الأمصار، على ما نبينه إن شاء الله
تعالى: أخبرني سعيد بن نصر -قراءة مني عليه- أن قاسم بن أصبغ

كتاب الأطعمة
٣١٧
حدثهم قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
قال: حدثنا أبو الاحوص، عن عاصم، عن الشعبي، عن محمد بن
صيفي، قال: ذبحت أرنبين بمروة، فأتيت بهما النبي بَّ ، فأمرني
بأكلهما (١). كذا قال أبو الاحوص، وقال حماد بن سلمة، وعبدالواحد
ابن زياد، عن عاصم، عن الشعبي، عن محمد بن صفوان، أو
صفوان بن محمد: اصطدت أرنبين فذبحتهما بمروة(٢)- وذكر الحديث.
وقال حماد بن سلمة أيضا، عن داود، عن الشعبي، عن صفوان بن
محمد- ولم يشك.
وأخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال أخبرنا محمد بن
بکر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمد بن اسماعيل، قال:
حدثنا حماد، عن سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن عدي
ابن حاتم، قال: قلت يا رسول الله، أرأيت ان أصاب أحدنا صيدا
وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشق العصا؟ فقال: (( أنزل الدم بما
شئت، واذكر اسم الله(٣)). والمروة: فلقة الحجر.
وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد بن مسرهد، قال: حدثنا
أبوالاحوص، قال: حدثنا سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن
رافع، عن أبيه، عن جده، رافع بن خديج، قال: أتيت رسول الله وَالخلال
فقلت: يا رسول الله، انا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى؟ فقال
(١) جه (٢ / ٣١٧٥/١٠٦٠).
(٢) حم (٤٧١/٣)، د (٢٨٢٢/٢٤٩/٣)، ن (٧ / ٤٣٢٤/٢٢٤)، جه (٢ / ٣٢٤٤/١٠٨٠)، ك
(٢٣٥/٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) حم (٢٥٨/٤)، ن (٢٥٨/٧/ ٤٤١٣)، د (٣/ ٢٨٢٤/٢٥٠)،
جه (٢/ ٣١٧٧/١٠٦٠)، ك (٤ /٢٤٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

فتح البر
٣١٨
رسول الله وَلّ: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا- ما لم يكن
سن أو ظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر
فمدى الحبشة، وذكر الحديث(١)). فإذا جازت التذكية بغير الحديد،
جازت بكل شيء، الا ان يجتمع على شيء، فيكون مخصوصا،
وعلى هذا مذهب مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي
وأصحابه. والسن والظفر المنهي عن التذكية بهما عندهم هما غير
المنزوعين، لأن ذلك يصير خنقا، وكذلك قال ابن عباس -رضي الله
عنه -: ذلك الخنق. فأما السن والظفر المنزوعان إذا فريا الأوداج،
فجائز الذكاة بهما عندهم. وقد كره قوم السن والظفر والعظم على كل
حال: منزوعة وغير منزوعة، منهم: إبراهيم، والحسن بن حي،
والليث بن سعد، وروى ذلك أيضا عن الشافعي. وحجتهم ظاهر
حديث رافع بن خديج المذكور في هذا الباب، وبالله التوفيق.
(١) خ (٩/ ٥٥٤٣/٨٣٧)، م (١٥٥٨/١٩٦٨/٣)، د (٢٨٢١/٢٤٧/٣)،
ت (٤ /١٤٩١/٦٨)، ن (٤٤١٥/٢٥٩/٧)، جه (٣١٧٨/١٠٦١/٢).

كتاب الأطعمة
٣١٩
باب منه
[٢] مالك، عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن سعد بن معاذ، أو معاذ بن
سعد، أنه أخبره أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع،
فأصيبت منها شاة، فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل رسول الله وَلقول عن
ذلك، فقال: ((لا بأس بها فكلوها(١))).
قال أبو عمر :
قد روي هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، وليس بشيء، وهو
خطأ، والصواب رواية مالك ومن تابعه على هذا الإسناد.
وأما الاختلاف فيه عن نافع، فرواه مالك كما ترى لم يختلف عليه
فيه عن نافع، عن رجل من الانصار، عن معاذ بن سعد، أو سعد بن
معاذ.
ورواه موسى بن عقبة، وجرير بن حازم، ومحمد بن إسحاق،
والليث بن سعد، كلهم عن نافع، انه سمع رجلا من الانصار يحدث
عن ابن عمر، ان جارية أو امة لكعب بن مالك الحديث.
ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، ان كعب بن مالك سأل النبي
وَخَلّ عن مملوكة ذبحت شاة بمروة، فأمره النبي وَّ بأكلها(٢).
ورواه يحيى بن سعيد الانصاري، وصخر بن جويرية جميعا عن
نافع، عن ابن عمر، وهو وهم عند اهل العلم، والحديث لنافع عن
رجل من الأنصار لا عن ابن عمر والله الموفق للصواب. واما قوله
(١) خ (٩/ ٥٥٠٥/٧٨٨).
(٢) خ (٥٥٠٤/٧٨٨/٩)، جه (٣١٨٢/١٠٦٢/٢).

فتح البر
٣٢٠
ترعى غنما بسلع، فسلع موضع، وإياه أراد الشاعر بقوله:
إن بالشعب الذي جنب سلع
لقتيلا دمه ما يطل
وفي هذا الحديث من الفقه: إجازة ذبيحة المرأة، وعلى اجازة ذلك
جمهور العلماء والفقهاء بالحجاز والعراق؛ وقد روي عن بعضهم ان
ذلك لا يجوز منها إلا على حال الضرورة، وأكثرهم يجيزون ذلك وإن
لم تكن ضرورة إذا أحسنت الذبح؛ وكذلك الصبي إذا أطاق الذبح
وأحسنه. وهذا كله قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم،
والثوري، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق،
وأبي ثور، وروي ذلك عن ابن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس،
ومجاهد، والنخعي.
وأما التذكية بالحجر، فمجتمع أيضا عليها إذا فرى الاوداج، وأنهر
الدم؛ وقد مضى القول مستوعبا فيما يذكى به وما لا يجوز الذكاة به،
وفیما یذکی من الحيوان الذي قد ادركه الموت، وما لا یذکی منه؛ وما
للعلماء في ذلك كله من المذاهب، وتأويل قول الله عز وجل: ﴿إِلَّامَا
ذَكَّيْتُمْ﴾ مستوعباً ذلك كله، ممهداً مهذباً في باب زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار من كتابنا هذا، فلا وجه لاعادة ذلك ههنا. وقد
مضى هناك حديث الشعبي عن محمد بن صفوان، أو صيفي، قال:
اصطدت ارنبين فذكيتهما بمروة، فأتيت بهما النبي وَلّ فأمرني
بأكلهما(١). وحديث عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله، أرأيت
إن أصاب أحدنا صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وبشق العصا؟
(١) جه (٢ / ٣١٧٥/١٠٦٠).