النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب فضائل المدينة
وقال أبو عمر:
وأشبه ما قيل في ذلك بأصول سنته، وَلآ ، انه كان يأتي مسجد
قباء للصلاة فيه، والله أعلم، وهو أكثر ما روى في ذلك، وأعلى ما
قیل فیه.
وقد اختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى، فقيل:
مسجد قباء، وقيل: مسجد النبي وَلّه، وقد استدل من قال: أن
مسجد قباء هو المسجد الذي أسس على التقوى بقول من قال من أهل
العلم: إِن هذه الآية نزلت في أهل مسجد قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: (١٠٨)] وذكر وكيع عن طلحة ابن
عمرو وعن عطاء قال: أحدث قوم من أهل قباء الوضوء: وضوء
الاستنجاء، فأنزل الله فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَعَهَرُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُ
الْمُطَّهِرِينَ﴾.
وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَجلال كان يأتي
مسجد قباء(١). وحدثنا خلف بن سعيد قال: حدثنا عبدالله بن
محمد، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا علي بن عبدالعزيز
وحدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد: حدثني أبي: حدثنا عمر بن
حفص بن أبي تمام: حدثنا إبراهيم بن أبي مرزوق، قالا: حدثنا عارم
أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن نافع قال كان
عبدالله بن عمر يأتي مسجد قباء في كل سبت إذا صلى الغداة، وكان
يكره ان يخرج منه، حتى يصلي فيه، وقال: كان رسول الله ێے ،
يأتيه راكبا وماشيا، ففي هذا الحديث انه كان يأتي قباء يصلي في
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٤٢٠
مسجدها، وهو أصح ما روي في ذلك وأوضحه. فعلى هذا يكون
إعمال المطى إلى الثلاثة مساجد يعنى به الرحلة والكلفة والمؤونة
والمشقة، لئلا تتعارض الأحاديث، وقد روي عن النبي وَيقول: ان قصد
مسجد قباء والصلاة فيه يعدل عمرة باسناد فيه لين من حديث أهل
المدينة. حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن أبي مسرة، قال: حدثني مطرف،
قال: حدثني ابن أبي الموالي، عن شيخ قديم، من الأنصار، عن أبي
أمامة بن سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله وَله: ((من توضأ
فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا الى مسجد قباء لا يخرجه إلا الصلاة
فيه كان بمنزلة عمرة(١)).
قال أبو عمر:
الشيخ من الأنصار المذكور في هذا الإسناد هو محمد بن سليمان
الكرماني سمعه من أبي أمامة .
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد
ابن زهير، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الاسود، قال: حدثنا أحمد بن
الاسود، قال حدثنا محمد بن سليمان الكرماني، قال: سمعت أبا
أمامة بن سهل بن حنيف، يقول: قال رسول الله وَخلاله: ((من تطهر في
بيته ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه، فله أجر عمرة(١)))، وقد روى من
حديث اسيد بن ظهير: صلاة في مسجد قباء تعدل عمرة(٢)، من
(١) حم (٤٨٧/٣)، ن (٣٦٧/٢ -٦٩٨/٣٦٨)، جه (١٤١٢/٤٥٣/١)، ك (١٢/٣) وقال:
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) جه (١٤١١/٤٥٢/١)، ك (٤٨٧/١) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه إلا أن أبا
الأبرد مجهول، ووافقه الذهبي.

كتاب فضائل المدينة
٢٤٣
حديث عبدالحميد بن جعفر، عن أبي الأبرد مولى بني خطمة، عن
أسيد بن ظهير، وروى من حديث أهل المدينة وهو حديث لا تقوم به
حجة عن المسور بن مخرمة سمع عمر بن الخطاب يقول: الحمد لله
الذي قرب منا مسجد قباء، ولو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد
الابل، وروى ابن نافع عن مالك، انه سئل عن اتيان مسجد قباء راكبا
احب اليك، أو ماشيا؟ وفي أي يوم ترى ذلك؟ قال مالك لا أبالي في
أي يوم جئت، ولا أبالي مشيت اليه أو ركبت، وليس اتيانه بواجب،
ولا أرى به بأسا.
قال أبو عمر:
وقد جاء عن طائفة من العلماء انهم كانوا يستحبون اتيانه وقصده
في سبت للصلاة فيه على ما جاء في ذلك.
قال أبو عمر:
اختلف في الفئة الذين بنوا مسجد الضرار بقباء وفي الذين بنوا
المسجد الذي أسس على التقوى فيه ان كان هو ذلك. فذكر معمر،
عن أيوب، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا﴾ الآية، قال هم حي من الأنصار يقال لهم: ((بنو غنم)) قال:
والذين بنوا المسجد الذي أسس على التقوى بنو عمرو بن عوف، وقال
ابن جريج: بنو عمرو بن عوف استأذنوا النبي ◌َّ، في بنيانه، فاذن
لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فصلوا فيه يوم الجمعة ويوم السبت،
ويوم الاحد، وانهار يوم الاثنين في نار جهنم.

فتح البر
٢٤٤
قال أبو عمر:
كلام ابن جريج لا أدري ما هو؟ والذي انهار في نار جهنم مسجد
المنافقين. لا يختلف العلماء في ذلك، ولست أدري ابنو عمرو بن
عوف هم أم بنو غنم؟.
وقول سعيد بن جبير في هذا مخالف لما قال ابن جريج، وسعيد بن
جبير اجل. ومعلوم أن المسجد الذي كان يأتيه رسول الله وَ له بقباء،
ليس المسجد الذي انهار في نار جهنم.
: فإن أهل التفسير قالوا: إنه
وأما قول الله عز وجل : ﴿ فِ نَارِ
١
کان یحفر ذلك الموضع الذي انهار فیخرج منه دخان.
وقال بعضهم كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل
فيخرجها سوداء محترقة، وروى عاصم بن أبي النجود، عن زر بن
حبيش عن ابن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا: ﴿ فَانَهَارَ بِهِ،
فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ .
قال أبو عمر:
لا يختلفون أن مسجد الضرار بقباء، واختلفوا في المسجد الذي
أسس على التقوى. وقد روى عن النبي ◌َّ في المسجد الذي اسس
على التقوى أنه مسجده، وَ لّه وهو أثبت من جهة الإسناد عنه من قول
من قال: انه مسجد قباء، وجائز أن يكونا جميعا أسسا على تقوى الله
ورضوان، بل معلوم إن ذلك كان كذلك إن شاء الله .

كتاب فضائل المدينة
٢٤٥
روى أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا صالح بن
حسان، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة في قول الله عز وجل: ﴿ فِي
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُمْ﴾ [النور: (٣٦)] إنما هي أربعة
مساجد لم يبنهن إلا نبي: الكعبة، بناها إبراهيم وإسماعيل ، وبيت
اريحا ببيت المقدس، بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة ومسجد قباء،
الذي أسس على التقوى بناهما رسول الله وَ له. حدثنا أحمد بن
محمد بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن سلمة بن المعلي، وحدثنا
عبدالله بن محمد، قال أخبرنا حمزة بن محمد، قالا حدثنا أحمد بن
شعيب، قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أخبرنا الليث عن عمر بن
أبي انس عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري انه قال:
تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال
رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله وَظله فقال:
رسول الله وَله: ((هو مسجدي(١))). وأخبرنا عبدالله قال: حدثنا
حمزة، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرني زکریا بن يحيى،
قال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن
خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: المسجد الذي أسس على التقوى
مسجد رسول الله
(١) حم (٨/٣-٨٩-٩١)، ت (٣٠٩٩/٢٨٠/٥) وقال: حديث حسن صحيح غريب.
ن (٦٩٦/٣٦٦/٢)، ك (١ / ٤٨٧) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه،
ووافقه الذهبي. هق (٢٤٦/٥).

٢٤٦
فتح البر
ما جاء فى فضل وادى السرر
[٢١] مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمران الأنصاري،
عن أبيه، انه قال: عدل إلي عبدالله بن عمر، وأنا نازل تحت سرحة بطريق
مكة، فقال: ما أنزلك تحت هذه السرحة؟ فقلت: أردت ظلها! فقال: هل
غير ذلك؟ فقلت: لا. ما أنزلني إلا ذلك. فقال ابن عمر: قال رسول الله
وَل: ((إذا كنت بين الاخشبين من منى ونفخ بيده نحو المشرق، فان هناك
واديا يقال له السرر به شجرة سر تحتها سبعون نبيا(١))).
قال أبو عمر: لا أعرف محمد بن عمران هذا إلا بهذا الحديث،
وإن لم يكن أبوه عمران بن حبان الأنصاري، أو عمران بن سوادة،
فلا أدري من هو؟ وحديثه هذا مدني، وحسبك بذكر مالك له في
كتابه، وأما قوله: وأنا نازل تحت سرحة، فالسرحة الشجرة، قال
الخليل: السرح الشجر الطوال الذي له شعب وظل، واحدتها سرحة،
قال حميد بن ثور: أبى الله إلا أن سرحتة مالك على كل افنان العضاه
تروق وقد ذكره أبو ذؤيب الهذلي في شعره فقال:
الکني إليها وخيرا لرسو
ل اعلمهم بنواحي الخبر
بآية ما وقفت والركا
ب بین الحجون وبین السرر
فقال تبررت في أمرنا
وما كنت فينا حديثا ببر
(١) حم (١٣٨/٢)، ن (٢٧٤/٥-٢٩٩٥/٢٧٥)، هق (١٣٩/٥)،
حب: الإحسان (١٤/ ٦٢٤٤/١٣٧).

كتاب فضائل المدينة
٢٤٧
قال الأصمعي: السرر على أربعة أميال من مكة عن يمين الجبل،
كان عبدالصمد بن علي قد بنى عليه مسجدا. وأما قوله: نفخ بيده،
فالنفخ ههنا الاشارة بيده كأنه يقول: رمى بيده نحو المشرق، أي مدها
وأشار بها، والسرر: اسم الوادي، والاخشبان: الجبلان.
قال ابن وهب في قوله: إذا كنت بين الاخشبين من منى، قال:
يعني الجبلين اللذين تحت العقبة بمنى فوق المسجد.
قال أبو عمر:
الاخاشب الجبال. أنشد ابن هشام لابي قيسر بن الاسلت:
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا
بأركان هذا البيت بين الاخاشب
ويقال: ان الاخاشب اسم لجبال مكة ومنى خاصة، قال الخليل قال
إسماعيل بن يسار النسائي :
ولعمر من حبس الهدى له بالاخشبين صبيحة النحر
وقال العامري في بيعة ابن الزبير:
يبايع بين الأخشبين وإنما يد الله بين الأخشبين تبايع
وأما قوله: سر تحتها سبعون نبيا: ففيه قولان: أحدهما: انهم
بشروا تحتها بما سرهم واحدا بعد واحد، أو مجتمعين أو نبئوا تحتها،
فسروا من السرور، والقول الآخر: انها قطعت تحتها سررهم، يعني
ولدوا تحتها يقال: قد سر الطفل إذا قطعت سرته.

فتح البر
٢٤٨
وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الانبياء والصالحين
ومقاماتهم ومساكنهم إلى هذا قصد عبدالله بن عمر بحديثه هذا. والله
أعلم.
وليس في هذا الحديث حكم من الأحكام.
وفيه الحديث عن بني إسرائيل، والخبر من الماضين، وإباحة الخوض
في أخبارهم، والتحدث بها.

٤٨ - كتاب الأضاحى

كتاب الأضاحى
٢٥١,
من ضحي بجذع فلا أضحية له
[١] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أن أبا بردة بن نیار ذبح
أضحيته قبل أن يذبح رسول الله وَ لخير يوم الأضحى، فزعم أن رسول الله اله
أمره أن يعود لضحية أخرى، فقال: أبو بردة: لا أجد إلا جذعا، قال:
«فاذبح(١)».
أبو بردة بن نيار اسمه هانئ بن نيار، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة
بما يغني عن ذكره ههنا، ويقال إن بشير بن يسار لم يسمع من أبي
بردة، وقد رواه معن بن عيسى عن مالك، عن يحيى بن سعيد عن
بشير بن يسار، عن أبي بردة بن نيار أنه ذبح قبل أن يذبح رسول الله
وَاخ فذكر الحديث. هكذا ذكره إسماعيل بن إسحاق عن علي بن
المديني، عن معن .
وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى بن سعيد،
عن بشير بن يسار، عن أبي بردة بن نيار أنه ذبح فذكر الحديث مثله.
وقصة أبي بردة هذه محفوظة من حديث البراء بن عازب: حدثنا
عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن
حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا أبو الأحوص، قال حدثنا المنصور
ابن المعتمر، عن الشعبي، عن البراء بن عازب، قال خطبنا رسول الله
وَلّ يوم النحر بعد الصلاة فقال: ((من صلی صلاتنا، ونسك نسكنا،
فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم)). فقام
(١) حم (٤٦٦/٣)، ن (٤٤٠٩/٢٥٦/٧)، هق (٢٦٣/٩)، الدارمي (٢/ ٨٠)،
حب: الإحسان (٥٩٠٥/٢٢٦/١٣).

فتح البر
٢٥٢
ـسـ
أبوبردة بن نيار فقال: والله يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج
إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فعجلت وأكلت، ثم
أطعمت أهلي وجيراني. فقال رسول الله وَجله: (تلك شاة لحم)). قال:
فإن عندي عناقا جذعة هي خير من شاتي لحم، فهل تجزي عني؟
قال: ((نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك(١)).
ورواه داود بن أبي هند، ومطرف بن طريف، وعامر الأحول،
وسيار، عن الشعبي عن البراء مثله بمعناه. ومن رواه عن الشعبي عن
جابر فقد أخطأ .
وفي حديث مالك من الفقه أن الذبح لا يجوز قبل ذبح الإمام، لأن
رسول الله * أمر الذي ذبح قبل أن يذبح بالإعادة، وقد أمرنا الله
بالتأسي به وحذرنا من مخالفة أمره، ولم يخبرنا رسول الله وَ جله أن
ذلك خصوص له، فالواجب في ذلك استعمال عمومه؛ وقد أجمع
العلماء على أن الأضحى مؤقت بوقت لا يتقدم، إلا أنهم اختلفوا في
تعيين ذلك الوقت على ما نورده عنهم في هذا الباب إن شاء الله،
وأجمعوا على أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة، لقوله
وَ له: ((ومن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم)). وأما الذبح بعد الصلاة
وقبل ذبح الإمام، فموضع اختلف فيه العلماء لاختلاف الآثار في
ذلك، فذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، والأوزاعي إلى أنه لا
يجوز لأحد أن يذبح أضحيته قبل ذبح الإمام. وحجتهم حديث مالك
هذا، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أن رسول الله وَ ظله أمر
(١) حم (٣٠٣/٤)، خ (٩٥١/٥٦٦/٢) و(٩٨٣/٥٩٨/٢)،
م (١٥٥٣/٣-١٩٦١/١٥٥٤[٧])، د (٢٣٣/٣- ٢٨٠٠/٢٣٤)،
ت (٤ /٧٨-١٥٠٨/٧٩)، ن (١٥٦٩/٢٠٥/٣) و(١٥٨٠/٢١١/٣)،
حب: الإحسان (٥٩١٠/٢٣١/١٣).

كتاب الأضاحى
٢٥٣
أبا بردة بن نيار لما ذبح أضحيته قبل ذبح رسول الله وَّ ل أن يعيد
بضحية أخرى(١).
وروى ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي بَطُلاّ صلى
يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن رسول الله وَخاله قد
نحر، فأمر من كان نحر قبله أن يعيد بذبح آخر، ولا ينحر حتى ينحر
النبي وَ﴾(٢). ذكره سنيد عن حجاج، عن ابن جريج. ففي هذين
الحديثين أن النحر لا يجوز قبل نحر الإمام.
وقال معمر عن الحسن في قول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا
نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: (١)] نزلت في قوم ذبحوا قبل أن
ينحر النبي ◌َ﴾، أو قبل أن يصلي النبي ولو، فأمرهم النبي وَلقر أن
یعیدوا .
قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والليث بن سعد: لا يجوز
ذبح الأضحية قبل الصلاة، ويجوز بعد الصلاة قبل أن يذبح الإمام؛
وحجتهم حديث الشعبي عن البراء أن رسول الله وَ له قال: ((من نسك
قبل الصلاة، فإنما هي شاة لحم)). وقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم
من هذا الباب.
وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زياد أبو جعفر البزاز ببغداد، قال حدثنا زكريا بن
عدي، قال حدثنا حفص، عن داود وعاصم، عن الشعبي، عن البراء
قال: قال رسول الله وَله في خطبته يوم النحر: ((من ذبح قبل الصلاة
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) الطحاوي (١٧١/٤).

فتح البر
٢٥٤
فليعد)) .
وحدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
أحمد بن عمرو؛ وحدثنا محمد بن عبدالملك، وعبيد بن محمد، قالا
حدثنا عبدالله بن مسرور، قال حدثنا عيسى بن مسكين، قالا حدثنا
ابن سنجر، قال حدثنا هشام بن عبدالملك، قال حدثنا شعبة، عن
زبيد، عن الشعبي، عن البراء بن عازب، عن النبي وَخلال أنه قال:
((أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل ذلك، فقد
أصاب سنتنا، من تعجل، فإنما هو لحم قدمه لأهله)). وكان أبوبردة بن
نيار ذبح قبل الصلاة فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة خيرا من
مسنة، فقال: ((اجعلها مكانه، ولن تجزئ أو توفي عن أحد بعدك(١))).
وذكر الطحاوي حديث ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر المذكور
في هذا الباب وقال: لا حجة فيه، لأنه قد خالفه حماد بن سلمة،
فرواه عن أبي الزبير، عن جابر أن رجلا ذبح قبل أن يصلي النبي وَ لّه
عتودا جذعا، فقال النبي وَطلو: ((لا تجزئ عن أحد بعدك(٢))، ونهى أن
يذبحوا قبل أن يصلي. فجعل ذبح أبي بردة كان قبل الصلاة لا قبل
ذبح الإمام بعد الصلاة كما قال ابن جريج. ومن حجتهم أيضا: ما
حدثناه سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا سليمان بن
حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين،
عن أنس بن مالك وقفه مرة ورفعه أخرى أن رسول الله وَ ل صلى ثم
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم ( ٣٦٤/٣)، وذكره الهيثمي (٢٧/٤) وقال: أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال
الصحيح. حب: الإحسان (٢٣٠/١٣-٥٩٠٩/٢٣١)، الطحاوي (١٧٢/٤)

كتاب الأضاحى
٢٥٥
خطب فقال: ((من ذبح قبل الصلاة أعاد ذبحا))، فقام رجل من
الأنصار فقال: يا رسول الله، إن جيراني إما قال: بهم حاجة، أو
قال: فاقة، فذبحت قبل الصلاة، وعندي عناق لهي أحب إلي من
شاتي لحم، قال: فرخص له، فإن کانت رخصته عدت ذلك الرجل،
فلا علم لي، ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وتفرق الناس إلى
غنيمة فتجزعوها(١).
وحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسحاق
ابن الحسن الحربي، حدثنا موسى بن داود، حدثنا سفيان الثوري عن
الأسود بن قيس عن جندب قال: خرجنا مع النبي ◌َّاللّه يوم أضحى،
فرأى قوما قد ذبحوا، وقوما لم يذبحوا فقال: ((من كان ذبح قبل
صلاتنا فليعد، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله(٢)).
وذكره الشافعي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال حدثنا الأسود بن
قيس، قال سمعت جندب بن عبدالله البجلي قال: شهدت العيد مع
النبي وَّ وأن ناسا ذبحوا قبل الصلاة فقال: ((من كان منكم ذبح قبل
الصلاة فليعد ذبيحته، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله(٢)).
قالوا: فهذه الآثار كلها تدل على اعتبار الصلاة ومراعاتها دون ما
سواها .
وأما قوله في حديث مالك: لا أجد إلا جذعا، فإن الجذع الذي
أراد أبو بردة كان عناقا أو عتودا، وقد بان ذلك في الأحاديث التي
ذكرنا من غير رواية مالك، وهو أمر مجتمع عليه عند أهل العلم: أن
(١) حم (١١٣/٣-١١٧)، خ (٥٥٦١/٢٤/١٠)، م (٣/ ١٥٥٤/ ١٩٦٢[١٠]).
(٢) حم (٣١٣/٤)، خ (٩٨٥/٥٩٩/٢)، م (١٩٦٠/١٥٥١/٣)، ن (٢٤٤/٧/ ٤٣٨٠)، جه
(٣١٥٢/١٠٥٣/٢)، حب: الإحسان (٢٣٤/١٣-٥٩١٣/٢٣٥).

فتح البر
٢٥٦٠
الجذع المذكور في حديث أبي بردة هذا كان عناقا أو عتودا على ما جاء
في حديث البراء وحديث جابر وأنس بن مالك، والعناق والعتود
والجفرة لا تكون إلا من ولد المعز خاصة، ولا تكون من ولد الضأن؛
وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، وفيها قال رسول الله وَجُلّ لأبي
بردة: ((لا تجزئ عن أحد بعدك)) وهو أمر مجتمع عليه عند العلماء أن
الجذع من المعز لا تجزئ اليوم عن أحد، لأن أبا بردة خص بذلك.
قال أهل اللغة: الجفر والجفرة والعريض والعتود: هذه كلها لا
يكون إلا في أولاد المعز خاصة، وهي كلها أسماء تقع على الجدي،
والجدي الذكر، والأنثى عناق من أولاد المعز خاصة، والجفرة منها ما
كان يرضع وينال من الكلأ، فيجتمع فيه الرعي واللبن، واختلف في
سن الجذع من الضأن فقيل: ابن سبعة أشهر أو ثمانية، وقيل: ابن
عشرة، وقيل ما بين الستة أشهر إلى العشرة أشهر، وقيل: مابين ثمانية
أشهر إلى سنة، وأول سن تقع من البهائم فهو جذع، والسن الثانية إذا
وقعت فهو ثني، والسن الثالثة إذا وقعت فهو رباع، فإذا استوت
أسنانه، فهو قارح من ذوات الحافر، ومن الإبل بازل، ومن الغنم
ضالع.
قالوا: وأما أولاد الضأن فهي الخروف، والبذح، والحمل، ويقال:
رخل؛ فإذا أتى عليه الحول، فالذكر كبش والأنثى نعجة وضانية، وإذا
أتى على ولد المعز الحول، فالذكر تيس، والأنثى عنز، والسخلة
والبهمة، يقال في أولادهما جميعا.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن إسحاق القاضي،
قال حدثنا أحمد بن مسعود الزبيري، قال حدثنا محمد بن عبدالله بن

كتاب الأضاحى
٢٥٧
الحكم؛ وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة
الحسيني، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي،
قال حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قالا حدثنا محمد بن إدريس
الشافعي، قال أخبرنا عبدالوهاب بن عبدالمجيد، عن داود بن ابي
هند، عن عامر الشعبي، عن البراء بن عازب، أن رسول الله وَله قام
يوم النحر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((لا يذبحن أحد
حتى نصلي))، قال: فقام خالي فقال: يا رسول الله، هذا يوم اللحم
فيه معدوم، وإني ذبحت نسيكتي فأطعمت أهلي وجيراني، فقال له
النبي وَجُلّ: ((متى فعلت؟)) قال: قبل الصلاة، قال: ((فأعد ذبحا آخر)).
فقال: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم، فقال: ((هي خير
نسيكتيك، ولن تجزئ جذعة عن أحد بعدك(١))).
قال عبدالوهاب: أظن أنها ماعز، قال الشافعي: هي ماعزة، كما
قال عبدالوهاب، إنما يقال للضانية رخل.
قال الشافعي: وقول النبي ◌َُّلّ في هذا الحديث هي خير نسيكتيك
لأنك ذبحتهما تنوي نسيكتين، فلما ذبحت الأولى قبل وقت الذبح،
كانت الأخرى هي النسيكة، والأولى غير نسيكة وإن نويت بها
النسيكة. وقوله: ((لن تجزئ عن أحد بعدك)) أنها له خاصة. وقوله:
عناق لبن، يعني عناقا تقتنى للبن.
وأخبرنا إبراهيم بن شاکر، قال حدثنا محمد بن أحمد بن یحیی،
قال: قال أخبرنا أحمد بن بهزاد بن مهران السيرافي، قال حدثنا الربيع
ابن سليمان في كتاب البويطي - عن الشافعي قال - قال الشافعي: ولا
(١) حم (٤/ ٢٨٢-٢٨٣)، م (٣/ ١٩٦١/١٥٥٢[٥])، ن (٧ / ٤٤٠٦/٢٥٤).

فتح البر
٢٥٨
يذبح أحد حتى يذبح الإمام، إلا أن يكون ممن لا يذبح؛ فإذا صلى
وفرغ من الخطبة، حل الذبح، قال: وينبغي للإمام أن يحضر ضحيته
المصلى فيذبح حين يفرغ من الخطبة، فإن لم يفعل، فليتوخ الناس قدر
انصرافه وذبحه، ومن ذبح قبل الإمام، فلا ضحية له، وأحب له أن
يضحي بغيرها، فإن لم يفعل، فلا شيء عليه ولا ضحية له.
قال أبو عمر:
ومثل قول الشافعي في هذا كله قول مالك، وقال أحمد بن
حنبل: إذا انصرف الإمام فاذبح، وهو قول إبراهيم. وقال إسحاق: إذا
فرغ الإمام من الخطبة فاذبح، واعتبر الطبري قدر مضى وقت صلاة
النبي وَ له وخطبته بعد ارتفاع الشمس، وحكى المزني نحوه عن الشافعي.
قال أبو عمر:
لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل
المصر أنه غير مضح، وكذلك لا أعلم خلافا أن الجذع من المعز ومن
كل شيء يضحى به غير الضأن لا يجوز، وإنما يجوز من ذلك كله
الثني فصاعدا؛ ويجوز الجذع من الضأن بالسنة المسنونة، والذي
يضحى به بإجماع من المسلمين: الأزواج الثمانية، وهي الضأن،
والمعز، والإبل، والبقر؛ وقد اختلف الفقهاء في الأفضل من ذلك،
وقد ذكرنا ذلك في باب سمي من هذا الكتاب.
وأما حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ◌َّ أنه قال:
((إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني (١))، فهذا إنما هو في الضأن بدليل
(١) د (٢٧٩٩/٢٣٣/٣)، ن (٧ / ٤٣٩٥/٢٥٠)، جه (٣١٤٠/١٠٤٩/٢)،
هق (٩/ ٢٧٠)، ك (٢٢٦/٤) وقال: صحيح ولم يخرجاه.

كتاب الأضاحى
٢٥٩
حديث البراء وغيره في قصة أبي بردة بن نيار أن رسول الله وعَظله قال
له في العناق وهي من المعز أنها لن تجزئ عن أحد بعدك. وأما
الأضحية بالجذع من الضأن فمجتمع عليها عند جماعة الفقهاء.
وأخبرنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا سحنون، قال حدثنا ابن وهب، قال
أخبرني عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أن معاذ بن خبيب
حدثه عن عقبة بن عامر الجهني، قال: ضحينا مع رسول الله وَاجله
بجذع من الضأن(١).
وأما قوله في حديث مالك: فأمره أن يعيد بضحية أخرى، فبهذا
احتج من ذهب إلى أن الضحية واجبة فرضا، لأن ما لم يكن واجبا
فرضا لم يؤمر فيه بالإعادة؛ وهذا موضع اختلف العلماء فيه، فقال أبو
حنيفة: الضحية واجبة، وقال أبو يوسف: ليست بواجبة، وقال محمد
ابن الحسن: الأضحى واجب على كل مقيم في الأمصار إذا كان
موسرا هكذا ذكره الطحاوي عنهم في كتاب الخلاف، وذكر عنهم في
مختصره: قال أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من
أهل الامصار وغيرهم، ولا تجب على المسافرين؛ قال: ويجب على
الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه عن
نفسه، قال: وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا: ليست الأضحية
بواجبة، ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها،
قال: وبه نأخذ.
(١) ن (٣٤٩٤/٢٥٠/٧)، هق (٩ /٢٧٠).

فتح البر
٢٦٠٠
وقال إبراهيم النخعي: الأضحى واجب على أهل الأمصار ما خلا
الحاج، وحجة من ذهب إلى إيجابه: أمر رسول الله وَلا أبا بردة بن
نيار بأن يعيد الضحية إذ أفسدها قبل وقتها، وقال له في الجذعة:
((العناق لا يجزئ عن أحد بعدك))، ومثل هذا إنما يقال في الفرائض
الواجبة لا في التطوع.
وقال الطحاوي: فإن قيل: لأنه كان أوجبها فأتلفها، فأوجب عليه
إعادتها؛ قيل له: لو أراد هذا، لتعرف قيمة المتلفة ليأمره بمثلها؛ فلما
لم يعتبر ذلك، دل على أنه لم يقصد إلى ما ذكرت. واحتجوا أيضا
بما حدثناه سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
قال حدثنا زید بن الحباب، قال حدثنا عبدالله بن عياش، قال حدثني
عبدالرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من
كان له سعة فلم يضح فلا يشهد مصلانا(١)).
وحدثنا عبدالوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أبو يحيى بن أبي
ميسرة، قال حدثنا عبدالله بن يزيد المقرئ، قال حدثنا عبدالله بن
عياش بن عباس القتباني، قال حدثنا عبدالرحمن بن هرمز الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاَ فذكر مثله. قالوا: وهذه
غاية في تأكيدها ووجوبها .
(١) جه (٣١٢٣/١٠٤٤/٢)، قال البوصيري في الزوائد (٤١٠): هذا إسناد فيه مقال عبدالله
ابن عياش ضعفه أبو داود والنسائي وقال أبو حاتم صدوق من أهل لهيعة. وقال ابن يونس:
منكر الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وإن روى له مسلم فإنما خرج له في المتابعات.
ك (٢٣٢/٤) وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.