النص المفهرس
صفحات 181-200
كتاب فضائل المدينة ١٨١ وكذلك حدثنا خلف بن قاسم أيضا، قال: حدثنا أبو بكر أحمد ابن محمد بن أبي الموت، حدثنا علي بن عبدالعزيز، حدثنا محمد بن عبدالله الرقاشي البصري أبو عبدالله، حدثنا مالك بن أنس، عن قطن ابن وهب، عن يحنس مولى الزبير أنه أخبره عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَالله: ((لا يصبر على لأوائها - يعني المدينة - وشدتها - أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة(١)). قال أبو عمر: قوله على لأوائها وشدتها - يعني المدينة، والشدة: الجوع، واللأواء تعذر المكسب وسوء الحال. وأما قوله: لكع، فإنه أراد ضعيفة الرأي، وأصل هذه اللفظة: الخسة والدناءة والضعف، ويقال للرجل: لكع، وللمرأة أيضا: لكع، وقد يقال للمرأة لكاع مبني على الكسر مثل حذام وقطام. وروي عن النبي وَ لاّ أنه قال: ((يأتي على الناس زمان أسعد الناس فیه بالدنیا لکی بن لكع)). وفي هذا الحديث فضل المدينة، وفضلها غير مجهول، ومخرج حديث ابن عمر هذا يعم الأوقات كلها. وقد قيل إن ذلك إنما ورد فيمن صبر على لأوائها وشدتها ذلك الوقت مع رسول الله وَلا بدليل خروج الصحابة عنها بعده، وقد بينا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله. وقد أخبرنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن دحیم؛ وحدثنا عبدالرحمن بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قالا حدثنا محمد ابن إبراهيم الديبلي قال حدثنا أبو عبيد الله المخزومي سعيد بن (١) تقدم تخريجه في الذي قبله. فتح البر ١٨٢٠ عبدالرحمن، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا موسى بن أبي عيسى أنه سمع أبا عبدالله القراظ يقول: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله وَجله: ((ايما جبار أراد أهل المدينة بسوء، أذابه الله كما يذوب الملح في الماء، ولا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة(١))). والقول في هذا الحديث كالقول في حديث قطن بن وهب، وقد تقدم فضل المدينة في مواضع من هذا الكتاب والحمد لله. وقد روى أبو معشر المدني عن عبدالسلام بن محمد بن أبي الجنوب، عن الحسن، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله وَله : ((المدينة مهاجري ومضجعي من الأرض، وحق على أمتي أن يكرموا جيراني ما اجتنبوا الكبائر، فمن لم يفعل سقاه الله من طينة الخبال: عصارة أهل النار(٢))). وهذا إسناد فيه لين وضعف ليس مما يحتج به، والفضائل يتسامح فيها قديما والله المستعان. حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا عبدالله بن جعفر بن الورد، وعبدالله بن محمد بن إسحاق، قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا مالك، عن قطن بن وهب ابن عويمر بن الأجدع أن يحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالسا عند عبدالله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت: يا أبا عبدالرحمن، إني أردت الخروج، اشتد علينا الزمن، فقال لها: اقعدي لكع، فإني سمعت رسول الله وَ ظله يقول: ((لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة(٣)). (١) حم (٢٧٩/٢) و(٣٥٧/٢)، م (١٣٨٦/١٠٠٧/٢)، جه (٣١١٤/١٠٣٩/٢). (٢) طب (٤٧٠/٢٠٥/٢٠)، وذكره الهيثمي (٣١٣/٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبدالسلام بن أبي الجنوب وهو متروك والله أعلم. (٣) تقدم تخريجه في حديث الباب. كتاب فضائل المدينة ١٨٣ باب منه [٧] مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَالتر: ((أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد(١)). هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة، ورواه إسحاق بن عيسى الطباع عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة وهو خطأ، والصواب فيه: مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار أبي الحباب كما في الموطأ والله أعلم. وأبو الحباب هذا: سعيد بن يسار مولى الحسن بن علي، وقيل مولى شميسة امرأة نصرانية، أسلمت بالمدينة على يدي الحسن بن علي، وقيل: أبو الحباب سعيد بن يسار مولى شقران مولى النبي وَالو؛ وكان أبو الحباب أحد الثقات من التابعين بالمدينة، وبها توفي سنة سبع عشرة ومائة . وأما قوله: تأكل القرى فروي عن مالك أنه قال: معناه: تفتح القرى، وتفتح منها القرى؛ لأن من المدينة افتتحت المدائن كلها بالإسلام، وفي هذا الحديث دليل علي كراهية تسمية المدينة بيثرب على ما كانت تسمى في الجاهلية؛ وأما القرآن، فنزل بذكر يثرب على ما كانوا يعرفون في جاهليتهم؛ ولعل تسمية رسول الله وَجالا إياها بطيبة، كان بعد ذلك وهو الأغلب في ذلك. وأما قوله: تنفي الناس فإنه أراد شرار الناس، ألا ترى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكير في الحديد؛ والكير إنما ينفي رديء الحديد وخبثه، ولا ينفي جيده؛ وهذا (١) حم (٢٣٧/٢)، خ (٤/ ١٠٧/ ١٨٧١)، م (٢ / ١٠٠٦ / ١٣٨٢ [٤٨٨])، حب: الإحسان (٣٧٢٣/٣٩/٩). البغوي (٧/ ٢٠١٦/٣٢٠). ١٨٤ فتح البر عندي والله اعلم إنما كان في حياة رسول الله وَ لا؛ فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه. وأما بعد وفاته، فقد خرج منها الخيار الفضلاء الأبرار، وأما الكير فهو موضع نار الحداد والصائغ، وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرا. هكذا قال أهل العلم باللغة، ومن هذا حديث أبي أمامة وأبي ريحانة عن النبي وَلّ أنه قال: ((الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار(١))). حدثنا خلف بن أحمد، حدثنا أحمد بن مطرف، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا علي بن معبد، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن أبي الحصين، عن أبي صالح الأشعري عن أبي أمامة عن النبي وَجُلا قال: ((الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار(٢)) - والله أعلم -. ۔ (١) ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة (٤٣٨/٤) تحت الحديث (رقم ١٨٢٢) وعزاه للبخاري في التاريخ ولابن عساكر في تاريخ دمشق وقال: هذا إسناد حسن في الشواهد. (٢) حم (٢٥٢/٥)، طب (٧٤٦٨/١١٠/٨)، ذكره الهيثمي (٣٠٨/٢) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه أبو الحصين الفلسطيني ولم أر له راويا غير محمد بن مطرف. كتاب فضائل المدينة ١٨٥ باب منه [٨] مالك، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله، أن اعرابيا بابع رسول الله ◌َ﴿ على الإسلام، فأصاب الاعرابي ((وعك)) بالمدينة، فأتى النبي ◌َّ- فقال: يا رسول الله! أقلني بيعتي، فأبى؛ ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى؛ ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى؛ فخرج الأعرابي، فقال رسول الله والتن : ((إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها(١)). هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت بهذا اللفظ إلا عبدالله بن إدريس، فإنه قال فيه عن مالك باسناده: انها طيبة تنفي الخبث. وقوله في الحديث طيبة غريب لم يقله فيه غيره والله أعلم. قال أبو عمر: في هذا الحديث من العلم، أن رسول الله وَل# كان يبايع الناس على حدود الإسلام، ومعنى ذلك أنه كان يبايعهم على شروط الإسلام ومعالمه، وهذا معروف في غير ما حديث، وكان ذلك الوقت من حدود الإسلام وفرائضه، البيعة على هجرة الأوطان، والبقاء مع النبي وَّة؛ ولذلك كان قطع الله ولاية المؤمنين المهاجرين ممن لم يهاجرٍ منهم فقال: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن ج شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: (٧٢)]. وقال رسول الله وَله: («أنا بريء من كل مسلم باق مع مشرك(٢)). (١) حم (٣٠٦/٣)، خ (٧٢٠٩/٢٤٧/١٣) و(٧٢١١/٢٤٩/١٣) و(٧٣٢٢/٣٧٤/١٣)، م (١٣٨٣/١٠٠٦/٢)، ت (٣٩٢٠/٦٧٧/٥)، ن (٧/ ٤١٦٦/١٧٠)، حب: الإحسان (٤٩/٩- ٣٧٣٢/٥٠). (٢) د (١٠٤/٣-٢٦٤٥/١٠٥)، ت (٤ / ١٣٢ -١٦٠٤/١٣٣)، هق (١٣١/٨)، والبغوي (٣٧٣/١٠) من طريق جرير بن عبد الله البجلي. وأخرجه: ن (٨/ ٤٠٤ -٥ ٤٠ /٤٧٩٤) عن قيس. طب (٣٨٣٦/١١٤/٤) من طريق خالد بن الوليد. فتح البر ١٨٦٠ وكان يشترط عليهم السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط، والمكره، إلى أشياء كثيرة، كان يشترطها، قد ورد في الآثار ذكرها، كبيعته للنساء وغيرها. وقد ورد بالنص بيعته للنساء المهاجرات، وسكت عن الرجال لدخولهم فى المعنى، كدخول من أحصن من الرجال في قوله وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: (٤)]، ومثل هذا كثير. وقد ذكر جرير أنه اشترط عليهم النصح لكل مسلم. ومعنى هذه المبايعة - والله أعلم - الإعلام بحدود الإسلام، وشرائعه، وآدابه. وقال الشافعي رحمه الله: أما بيعة النساء فلم يشترط فيها السمع والطاعة، لأنهن ليس عليهن جهاد كافر، ولا باغ، وإنما كانت بيعتهن على الإسلام وحدوده. قال أبو عمر: قد كانت البيعة على وجوه، منها: أنها كانت أولا على القتال، وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم؛ وعلى نحو ذلك كانت بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة؛ ثم لما هاجر رسول الله وستا إلى المدينة، بايع الناس على الهجرة، وقال: ((أنا بريء من كل مسلم مع مشرك(١)). فكان على الناس فرضا أن ينتقلوا إلى المدينة، إذ لم يكن للإسلام دار ذلك الوقت غيرها، ويدعوا دار الكفر؛ وعلى هذا - والله أعلم - كانت بيعة هذا الاعرابي المذكور في هذا الحديث عن الإسلام والهجرة، فلما لحقه من الوعك ما لحقه، تشاءم بالمدينة، وخرج عنها منصرفا إلى وطنه من أهل الكفر، ولم يكن ممن رسخ (١) د (٢٦٤٥/١٠٤/٣)، ت (١٣٢/٤ - ١٦٠٤/١٣٣) وصححه. كتاب فضائل المدينة ١٨٧ الإِيمان في قلبه، وربما كان من جنس الأعراب الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿ اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ( ولما فتحت مكة، لم يبايع رسول الله وَجل أحدا على الهجرة، وإنما كانت البيعة على الإقامة بدار الهجرة قبل أن يفتح الله على رسوله مكة، وكان المعنى في البيعة على الهجرة الإقامة بدار الهجرة وهي المدينة مع رسول الله وَّ في حياته، حتى يصرفهم فيما يحتاج اليه من غزو الكفار، وحفظ المدينة، وسائر ما يحتاج اليه؛ وكان خروجهم راجعين إلى دار أعرابيتهم حراما عليهم، لانهم كانوا يكونون بذلك مرتدين إلى الأعرابية من الهجرة، ومن فعل ذلك كان ملعونا على لسان رسول الله وَله. ألا ترى إلى حديث شعبة والثوري عن الأعمش عن عبدالله بن مرة، عن الحارث بن عبدالله، عن عبدالله بن مسعود، قال: آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهداه إذا علموا به، والواشمة والمستوشمة للحسن، ولاوى الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد هجرته، ملعونون على لسان محمد رَخلال يوم القيامة (١). وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال: بلغني قدوم النبي ◌َّ- المدينة، وأنا في غنيمة لي فرفضتها ثم أتيته، فقلت: جئت أبايعك، فقال: بيعة أعرابية، أو بيعة هجرة؟ قلت: بيعة هجرة؛ قال: فبايعته وأقمت. (١) حم (٤٠٩/١ - ٤٣٠-٤٦٤-٤٦٥)، ن (٨/ ٥٢٤-٥١١٧/٥٢٥)، خزيمة (٨/٤-٢٢٥٠/٩)، حب: الإحسان (٣٢٥٢/٤٤/٨)، ك (١/ ٣٨٧-٣٨٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بيحيى بن عيسى الرملي ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. فتح البر ١٨٨ قال أبو عمر: ففي قول عقبة في هذا الحديث: فبايعته وأقمت، دليل على أن البيعة على الهجرة توجب الإقامة بالمدينة، وأن البيعة الأعرابية تخالفها، لا توجب الإقامة بالمدينة على أهلها؛ ويدلك على ذلك أن مالك بن الحويرث وغيره من الاعراب، بايعوا رسول الله وَالجنة، وأقاموا عنده أياما، ثم رجعوا إلى بلادهم وقال لهم رسول الله وَالله: ((ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي(١)). وهذا الاعرابي المذكور في حديث مالك، كان -والله أعلم- ممن بايع رسول الله وَخّ على المقام بدار الهجرة، فمن هنا أبى رسول الله 1440 من إقالة بيعته، وفي إباء رسول الله وَل من إقالة البيعة، دليل على أن من العقود عقودا الى المرء عقدها وليس له حلها ولا نقضها، وذلك أن من عقد عقدا يجب عقده ولا يحل نقضه، لم يجز له أن ينقضه ولم يحل له فسخه، وإن كان الامر كان اليه في العقد، فليس اليه ذلك في النقض، وليس كل ما للانسان عقده، له فسخه، ولم يكن لرسول الله وَ خلاله أن يقيله بيعته، لان الهجرة كانت مفترضة يومئذ، كما لم يكن له أن يبيح له شيئا حظرته عليه الشريعة - إذا دخل فيها، ولزمته أحكامها، إلا بوحي من الله، وأما من بعده فليس ذلك حكمه بوجه من الوجوه، لأن الوحي بعده قد انقطع وَلاه . وفي هذا الحديث بيان فضل المدينة، وأنها بقعة مباركة لا يستوطنها إلا المرضي من الناس. (١) حم (٤٣٦/٣)، خ (١٣/ ٧٢٤٦/٢٨٧)، م (٤٦٥/١- ٤٦٦ /٦٧٤)، ن (٦٣٤/٣٣٦/٢)، الدارمي (٢٨٦/١). كتاب فضائل المدينة ١٨٩ وهذا عندي إنما كان بالنبي وَ لّ منذ نزلها، وقد كانت قبله كسائر ديار الكفر، ولما توفي رسول الله وَل بقي فضل قبره ومسجده، والمدينة لا ينكر فضلها. وأما قوله: تنفى خبثها وينصع طيبها، فمعناه: انها تنفى حثالة الناس ورذالتهم، ولا يبقى فيها إلا الطيب الذي اختاره الله عز وجل لصحبة نبيه وَله، والخبث رذالة الحديد ووسخه الذي لا يثبت عند النار . وأما قوله: وينصع فانه يعنى يبقى، ويثبت، ويظهر، وأصل النصوع في الألوان البياض، يقال: أبيض ناصع ويقق، كما يقال: أحمر قانيء، وأسود حالك، وأصفر فاقع، والمراد بهذه الكلمات الثبوت، والصحة، والناصع: الخالص السالم، قال النابغة الذبياني: أتاك بقول هلهل النسج كاذب ولم يأت بالحق الذي هو ناصع أي خالص سالم من الاختلاف، وأما الخبث فلا يثبت، وما لا يثبت فليس ظهوره بظهور. وشبه رسول الله وَله المدينة في ذلك الوقت بالكير والنار، الذي لا يبقى على عمله إلا طيبه، ويدفع الخبث. وكذلك كانت المدينة، لا يبقى فيها ولا يثبت إلا الطيب من الناس لصحبته وَخلة، وللفهم عنه، فلما مات، خرج عنها كثير من جلة أصحابه، لنشر علمه والتبليغ لدينه وَلعقود. فتح البر ١٩٠ فإن قيل: إن عمر بن عبدالعزيز، قد خشي أن يكون ممن نفت المدينة، وليس ذلك في المعنى الذي ذكرت، من صحبة رسول الله وَخلقه، والأخذ عنه، بل ذلك لفضل المدينة الباقي إلى يوم القيامة. قيل له: لا ينكر فضل المدينة عالم، ولكن قوله: تنفي خبثها، وينصع طيبها، ليس إلا على ما قلنا، بدليل خروج الفضلاء الصحابة الطيبين منها الى الشام والعراق، ولا يجوز أن يقال في واحد منهم: إنهم كانوا خبثاء رضي الله عنهم. وقد يقول العالم القول على الاشفاق على نفسه، فلا يكون في ذلك حجة على غيره. قال أبو عمر: كان خروج عمر بن عبدالعزيز من المدينة حين قال هذا القول - فيما ذكر أهل السير - في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين، وذلك أن الحجاج كتب إلى الوليد - فيما ذكروا - أن عمر بن عبدالعزيز بالمدينة كهف للمنافقين، فجاوبه الوليد: إني أعزله، فعزله وولى عثمان بن حيان المري، وذلك في شهر رمضان المذكور، فلما صار عمر بالسويداء، قال لمزاحم: يا مزاحم، أتخاف أن تكون ممن نفت المدينة؟ . وقال ميمون بن مهران: ما رأيت ثلاثة في بيت خيرا من عمر بن عبدالعزيز، وابنه عبدالملك، ومولاه مزاحم. حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا ابن كتاب فضائل المدينة ١٩١ وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي شهاب، ان عمرو بن عبدالرحمن بن أمية، حدثه أن أباه أخبره أن يعلى بن أمية، قال: جئت رسول الله وسلّم بأبي أمية يوم فتح، فقلت: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة، فقال: أبايعه على الجهاد - وقد انقطعت الهجرة(١). وأخبرنا عبدالوارث، قال: حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا محمد بن الصباح، قال حدثنا إسماعيل بن زکریا، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: حدثني مجاشع بن مسعود، قال: أتيت النبي وَلاّ الأبايعه على الهجرة، قال: ((قد مضت الهجرة لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير(٢)). وذكر البخاري: حدثنا إسحاق بن يزيد، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، قال: زرت عائشة مع عبيد ابن عمير، فسألتها عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله عز وجل، واإى رسوله وَ له مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم، فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء، لكن جهاد ونية. (١) حم (٢٢٣/٤)، ن (١٥٩/٧ - ٤١٧١/١٦٠)، ك (٤٢٣/٣-٢٢٤) وسكت عنه. (٢) م (٣ / ١٤٨٧ / ١٨٦٣[٨٣])، هق (١٦/٩). فتح البر ١٩٢ باب منه [٩] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله وَلير قال: ((لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها، إلا أبدلها الله خيرا منه(١)). وهذا الحديث قد وصله معن بن عيسى، وأسنده عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، في الموطأ، ولم يسنده غيره في الموطأ - والله أعلم. وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا، وحديث جابر. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن نمير، عن هاشم بن هاشم، قال حدثني أبو صالح مولى الساعدي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن رجالاً يستنفرون عشائرهم فيقولون: الخير الخير- والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفس محمد بيده لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، والذي نفس محمد بيده انها لتنفي خبث أهلها، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذي نفس محمد بيده لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه(٢)). أخبرنا عبدالله بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن أحمد بن یحیی، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي، قالا حدثنا عبدالوهاب عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((لا (١) عبد الرزاق (١٧١٦٠/٢٦٥/٩). (٢) حم (٤٣٩/٤)، حب: الإحسان (٣٧٣٤/٥١/٩) من طريق محمد بن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. كتاب فضائل المدينة ١٩٣ يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله به خيرا منه، والمدينة خیر لهم لو كانوا يعلمون)). معنى هذا عندي والله أعلم في حياته بَّ وهذا في مثل الأعرابي الذي قال: أقلني بيعتي، ومعلوم من رغب عن جوار النبي وَّ أبدله الله خيرا منه. وأما بعد وفاته وَلا فقد خرج منها جماعة من أصحابه ولم تعوض المدينة بخير منهم. وروى شعبة قال حدثني يحيى بن هانئ بن عروة المرادي، قال: سمعت نعيم بن دجاجة، قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا هجرة بعد النبي وَل ـ ١٩٤ فتح البر باب منه [١٠] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن سفيان بن أبي زهير، أنه قال: سمعت رسول الله وَل# يقول: ((تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون(١)). قد ذكرنا سفيان بن أبي زهير في الصحابة، بما يغني عن ذكره ههنا . وأما قوله: تفتح اليمن، فاليمن افتتحت في أيامه ولة وافتتح بعضها في أيام أبي بكر بمقاتلة الأسود العنسي المتنبئ الكذاب بصنعاء، قتله أبو بكر في خلافته، كما قتل مسيلمة في بني حنيفة. وقد قيل: إن الأسود العنسي قتل والنبي ◌َّ مريض مرضه الذي مات منه سنة احدى عشرة وهو الأكثر عند أهل السير. وأما الشام والعراق، فكان افتتاحهما في زمن عمر رضي الله عنه. وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوته وَّه لأنه غيب كان بعده قد أخبر به، وهو لا يعلم من الغيب إلا ما أظهره الله عليه وأوحى به اليه، فقد افتتحت بعده الشام والعراق واليمن بعضها، وقد خرج الناس من المدينة إلى الشام والى اليمن والى العراق - وكان ما قاله وَله، (١) حم (٥/ ٢٢٠)، خ (٤/ ١١١/ ١٨٧٥)، ن في الكبرى (٤٢٦٣/٤٨٢/٢)، طب (٤٦٠٨/٨٣/٧)، البغوي (٢٠١٧/٣٢٢/٧)، حب: الإحسان (٦٦٧٣/٦٣/١٥). كتاب فضائل المدينة ١٩٥ وكذلك لو صبروا بالمدينة لكان خيرا لهم. قال ◌َله: ((لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها، إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة(١)). وفي هذا الحديث فضل المدينة على اليمن، وعلى الشام، وعلى العراق، وهذا أمر مجتمع عليه، لا خلاف بين العلماء فيه، وفي ذلك دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض، ولا يوصل إلى شيء من ذلك إلا بتوقيف من جهة الخبر، وأما القياس والنظر، فلا مدخل له في شيء من ذلك، وقد صحت الاخبار عن النبي وَلّ بفضل المدينة، وأجمع علماء الامة على أن لها فضلا معروفا لمسجد النبي وَالّ وقبره فيها، وإنما اختلفوا في الأفضل منها ومن مكة لا غير، وقد بينا ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب والحمد لله، والله الموفق للصواب. وأما قوله: يبسون، فمن رواه يبسون، برفع الياء وكسر الباء - من أبس ييس على الرباعي - فقال: معناه يزينون لهم البلد الذي جاؤوا منه ويحببونه اليهم، ويدعونهم إلى الرحيل اليه من المدينة. قالوا: والإبساس مأخوذ من إبساس الحلوبة عند حلابها كي تدر باللبن، وهو أن تجري يدك على وجهها وصفحة عنقها - كأنك تزين ذلك عندها وتحسنه لها. ومنه قول عمران بن حطان: والدهر ذو درة من غیر ابساس وإلى هذا ذهب ابن وهب، قال: معناه يزينون لهم الخروج من المدينة، وكذلك رواية ابن وهب يبسون بالرفع من الرباعي، وكذلك (١) حم (٤٣٩/٤)، حب: الإحسان (٣٧٣٤/٥١/٩) من طريق محمد بن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. فتح البر ١٩٦ رواية ابن حبيب عن مطرف عن مالك: يبسون من الرباعي، وفسر ابن حبيب الكلمة بنحو هذا التفسير وأنكر قول من قال إنها من السير كل الإنكار. وقال ابن بكير: يبسون - بفتح الياء، وكذلك روايته، وفسره: يسيرون، قال: من قوله: ((وبست الجبال بسا)) يعني: سارت ويقال سالت . وذكر حبيب عن مالك مثل تفسير ابن بكير. وقال ابن القاسم عن مالك: يبسون يدعون، وأظن رواية ابن القاسم - بفتح الياء وضم الباء - ورواية ابن بكير بكسرها، وكل ذلك من الثلاثي . وقال ابن هشام: والبس: أيضا المبالغة في فت الشيء، ومنه قيل في الدقيق المصنوع بالزيت ونحوه البسيس. قال الراجز: أخبزا خبزا وبسا بسا یرید عملا بسیسا. قال أبو عمر : وقال غيره: يبسون: يسرعون السير، وقيل: يزجرون دوابهم. وقال غيره: يبسون: يسألون عن البلدان ويتشفون من أخبارها ليتحملوا اليها، وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة. وأما الرباعي، فلا خلاف فيه وفي معناه، وليس له إلا وجه واحد، وأما الثلاثي، ففيه لغتان: بس كتاب فضائل المدينة ١٩٧ ييس بكسر الباء ويبس بضمها، ومثل هذه الكلمة - عندي - قتر وأقتر فيه لغتان: قتر على الثلاثي، وأقتر على الرباعي، وفي الثلاثي لغتان في المستقبل منه يقتر بكسر التاء ويقتر بضمها، وقد قرئ قوله عز وجل: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: (٦٧)] على الثلاثة الأوجه: يقتروا من الرباعي، ويقتروا من الثلاثي منه أيضا. وأما رواية يحيى بن يحيى في يبسون عند أكثر شيوخنا الذين اعتمدنا عليهم في التقييد، فعلى فتح الياء وكسر الباء من الثلاثي، وفسروه: يسيرون على نحو رواية ابن بكير وتفسيره، ولا يصح في رواية يحيى بن يحيى غير هذا الضبط، ومن روى في موطأ يحيى غير ذلك، فقد روى ما لم يرو یحیی - والله أعلم. وكان ابن حبيب ينكر رواية يحيى، ويحمل عليه في ذلك، وقد رواه ابن بكير، وابن نافع، وحبيب، وغيرهم كذلك، ويقال إن ابن القاسم رواه - يبسون - بفتح الياء وضم الباء - فالله أعلم. وأما قوله في هذا الحديث: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، فقيل فيه: خير لهم من أجل أنها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وقد قيل: إن الفتن فيها دونها في غيرها، وقيل من أجل فضل مسجد رسول الله وَلله والصلاة فيه، ومجاورة قبره وحَله ولم يقل في هذا الحديث: ينفي خبثها - كما قال ذلك في حياته للفار عن صحبته وجواره، وقد علمنا أن جملة من خرج بعده من أصحابه لم يكونوا خبثا بل كانوا دررا - رضي الله عنهم أجمعين. ١٩٨ فتح البر ما جاء فيما تكون عليه المدينة فى آخر الزمان [١١] مالك، عن ابن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقوله قال: ((لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب فيغذي على بعض سواري المسجد أو على المنبر))، فقالوا: يا رسول الله، فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: ((للعوافي: الطير والسباع(١))). هكذا قال يحيى في هذا الحديث عن مالك، عن ابن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة - لم يسم ابن حماس بشيء. وقال أبو مصعب: مالك، عن يونس بن يوسف بن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة، وكذلك قال معن بن عيسى، وعبدالله بن یوسف التنيسي: يونس بن يوسف. وقال ابن القاسم: حدثني مالك، عن يوسف بن يونس بن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة، وكذلك قال ابن بكير، وسعيد بن أبي مريم، ومطرف، وابن نافع، وعبدالله بن وهب، وسعيد بن عفير، ومحمد بن المبارك، وسليمان بن برد، ومصعب الزبيري، كلهم قال: یوسف بن يونس. وقال فيه زيد بن الحباب عن مالك، عن يوسف بن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة. وقد قيل عن عبدالله بن يوسف مثل ذلك أيضا. (١) حب: الإحسان (١٧٦/١٥-٦٧٧٣/١٧٧) من طريق مالك. حم (٣٨٥/٢)، م (٢ / ١٠٠٩/ ١٣٨٩[٤٩٨])، حب: الإحسان (٦٧٧٢/١٧٥/١٥) من طريق يونس عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة. م (٢ / ١٣٨٩/١٠١٠[٤٩٩]) من طريق عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب. كتاب فضائل المدينة ١٩٩ وقد روي عن سعيد بن أبي مريم في هذا الحديث: يونس بن يوسف: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبدالله بن جعفر، وعبدالله ابن عمر بن إسحاق، قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر، حدثنا سعید بن أبي مريم، أخبرنا مالك، عن يونس بن يوسف بن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَله قال: ((لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب فيغذي على بعض سواري المسجد أو على المنبر))، قالوا: يا رسول الله، فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: ((للعوافي: الطير والسباع(١)). وقال القعنبي في هذا الحديث: مالك أنه بلغه عن أبي هريرة، لم يذكر اسم أحد، وجعل الحديث بلاغا عن أبي هريرة، وهذا الاضطراب يدل على أن ذلك جاء من قبل مالك - والله أعلم. ورواية يحيى في ذلك حسنة، لأنه سلم من التخليط في الاسم - وأظن أن مالكا لما اضطرب حفظه في اسم هذا الرجل، رجع الى إسقاط اسمه وقال عن ابن حماس. ويحيى من آخر من عرض عليه الموطأ وشهد وفاته، ويقال إن القعنبي شهد وفاته أيضا، ولذلك انصرف إلى العراق. وفي قوله (وَّه: (لتتركن المدينة أحسن ما كانت)) دليل على علم الغيب بما كان ينبأ به ويطلع عليه من الوحي، وفي ذلك علم واضح من أعلام نبوته وَالجهد . وأما قوله: فيغذي على بعض سواري المسجد، فمعناه أن الذئب يبول على سواري المسجد أو على المنبر، شك المحدث وذلك خلاء (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه (انظر حديث الباب). فتح البر = ٢٠٠ المدينة من أهلها ذلك الزمان، وخروج الناس عنها وتغير الإسلام فيها حتى لا يكون بها من يهتبل بالمسجد فيصونه ويحرسه، يقال من هذا الفعل غذت المرأة وليدها- بالتشديد إذا أبالته أي حملته على البول وجعلته يبول، وغذت ولدها بالتخفيف ـ إذا اطعمته وربته من الغذاء. وأما قوله في هذا الحديث للعوافي الطير والسباع، فالطير والسباع تفسير للعوافي، وهو تفسير صحيح عند أهل الفقه وأهل اللغة أيضا، ومما يعضد هذا التفسير أيضا: حديث أم سلمة عن النبي وَخلو: ((ما من مسلم يحيي أرضا فتشرب منها كبد حرى، أو تصيب منها عافية إلا كتب الله له بها أجرا(١)). والعافية واحدة العوافي، والعافي ههنا: الطالب لما يأخذ ويأكل. قال الاعشى : تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصارى ببيت الوثن وقال أعرابي يمدح خالد بن برمك: أخالد إني لم أزرك لحاجة ولكنني عاف وأنت جواد ولهذه اللفظة معان في اللغة مختلفة. حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبيد بن عبدالواحد، قال حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، سمعت الاعمش يحدث عن عمرو بن مرة، عن عبدالله بن الحارث، عن حبيب بن جماز، عن أبي (١) ذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٦٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط. وفيه موسى بن يعقوب الزمعي وثقه ابن معين وابن حبان وضعفه ابن المديني وتفرد عن قريبة شيخته.