النص المفهرس
صفحات 81-100
كتاب بناء الكعبة وهو قول عطاء، وجماعة؛ وقد مضى في هذا الكتاب في باب عبدالله ابن أبي بكر القول في تقليد الهدي هل يوجب على صاحبه أن يكون محرما لذلك أم لا والصحيح في ذلك حديث عائشة على ما ذكرناه هناك من أحسن طرقه ما أخبرنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد ابن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا يزيد بن خالد، وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهم عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبدالرحمن أن عائشة قالت: كان رسول الله وَّيه يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم(١). وأما قوله: كيف أصنع بما عطب من الهدي فجاوبه رسول الله وَالتل بما ذكر في حديث هشام هذا، فإن هذا محمله عند العلماء على هدي التطوع، وكذلك كان هدي رسول الله ﴾ تطوعا؛ لأنه كان في حجته مفردا والله أعلم، وقد ذكرنا الاختلاف عنه في ذلك في باب ابن شهاب وغيره؛ والهدي التطوع لا يجوز لأحد ساقه أكل شيء منه إذا عطب قبل أن يبلغ محله، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أكل الهدي قبل محله من أجل أنه تطوع، فينصرف من الناس من لم تصح نيته فيما أخرجوه لله ويعتلون بأنه عطب. ذكر أبو ثابت، وأسد، وسحنون، وابن أبي الغمر، عن ابن القاسم، قلت لابن القاسم: أرأيت هدي التطوع إذا عطب كيف يصنع به صاحبه في قول مالك؟ قال: قال مالك: يرمي بقلائده في دمه إذا نحره ويخلي بين الناس وبينه، ولا يأمر أحدا أن يأكل منه فقيرا ولا (١) خ (١٦٩٨/٦٩٣/٣)، م (١٣٢١/٩٥٧/٢)، د (١٧٥٨/٣٦٦/٢)، ن (٢٧٧٤/١٨٦/٥)، جه (٣٠٩٤/١٠٣٣/٢)، الطحاوي (٢٦٦/٢)، حب: الإحسان (٩/ ٤٠٠٩/٣٢٠). ٨٢ فتح البر غنيا، فإن أكل هو أو أمر أحدا من الناس بأكله أو حز شيئا من لحمه، كان عليه البدل. قال ابن القاسم: وقال مالك: كل هدي مضمون إذا عطب فليأكل منه صاحبه وليطعم منه الأغنياء والفقراء ومن أحب، ولا یبیع من لحمه ولا من جلده ولا من قلائده شيئا. قال مالك: ومن الهدي المضمون ما إن عطب قبل أن يبلغ محله جاز له أن يأكل منه، وهو ان بلغ محله لم يأكل منه، وهو جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين؛ فهذا إن عطب قبل محله، جاز له أن يأكل منه لأن عليه بدله؛ وإذا بلغ محله أجزأه عن الذي ساقه، ولا يجزئه أن یأکل منه. قال إسماعيل بن إسحاق: لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله، وبذلك جاز له أن يأكل منه ولا يطعم؛ لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب، فاحتيط على الناس، وبذلك مضى العمل في هدي التطوع إذا عطب في الطريق نحره صاحبه وخلى بينه وبين الناس. وذكر إسماعيل بن إسحاق حديث هشام هذا عن أبيه عن ناجية، وحديث ابن عباس عن ذؤيب الخزاعي. قال أبو عمر: أما حديث ناجية، فقد تقدم ذكره، وأما حديث ابن عباس، فاختلف فيه عنه: فطائفة روت عنه ما يدل على أن ناجية الاسلمي حدثه، وطائفة روت عنه أن ذؤیبا الخزاعي حدثه، وذؤيب هذا هو والد قبيصة بن ذؤيب، وربما بعث رسول الله ◌َ ي أيضا معه هديا، فسأله كما سأله ناجية، فالله أعلم. كتاب بناء الكعبة ٨٣ حدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا الطحاوي، قال حدثنا المزني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا إسماعيل بن ابراهيم، يعني ابن علية، قال حدثنا أبو التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس، أن رسول الله وَلي بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل، فأمره فيها بأمر، فانطلق ثم رجع إليه فقال: أرأيت إن عطب منه شيء؟ قال: ((فانحرها ثم اصبغ نعلها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك(١))) . أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد ابن زيد، قال حدثنا أبو التياح عن موسى بن سلمة قال: خرجت أنا وسنان بن سلمة ومعنا بدنتان فأزحفتا علينا بالطريق، فلما قدمنا مكة، أتينا ابن عباس فسألناه فقال: على الخبير سقطت بعث رسول الله وَالم فلانا الأسلمي، وبعث معه بثمان عشرة بدنة؛ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن أزحف علي منها شيء بالطريق، قال: ((تنحرها وتصبغ نعلها، أو قال: تغمس نعلها في دمها فتضرب بها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك(٢)). وروى شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن عباس أن ذؤيبا الخزاعي حدثه أن رسول الله وَليو كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: ((إذا عطب شيء منها فخشيت عليه موتا فانحره ثم (١) حم (٢١٧/٢)، م (٢/ ١٣٢٥/٩٦٢)، د (١٧٦٣/٣٦٨/٢). (٢) حم (٢٧٩/٢٤٤/١)، م (٢/ ١٣٢٥/٩٦٢)، هق (٢٤٢/٥). ٨٤ فتح البر أغمس نعله في دمه، ثم اضرب صفحته ولا تطعم منها ولا أحد من أهل رفقتك(١))). قال أبو عمر: قوله: ولا أحد من أهل رفقتك لا يوجد إلا في حديث ابن عباس هذا بهذا الاسناد عن موسى بن سلمة وسنان بن سلمة، وليس ذلك في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية، وهذا عندنا أصح من حديث ابن عباس عن ذؤيب، وعليه العمل عند الفقهاء، ومن جهة النظر أهل رفقته وغيرهم في ذلك سواء، ويدخل في قوله عليه السلام: ((وخل بين الناس وبينه يأكلونه أهل رفقته وغيرهم)). وإنما الضمان على من أكل من هديه التطوع وإن لم يكن موجودا في الحديث المسند، فإن ذلك عن الصحابة والتابعين، وعليه جماعة فقهاء الأمصار. وروي عن عمر وعلي وابن مسعود إن أكل من الهدي التطوع غرم. وعن ابن عباس: إن أكلت أو أمرت بأكله غرمت. وعن ابن المسيب مثله سواء من رواية مالك عن ابن شهاب. وروى ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن ابن المسيب قال: مضت السنة إذا أصيبت البدنة تطوعا في الطريق أن ينحرها ويغمس قلائدها في دمها ثم لا يأكل منها ولا يطعم ولا يقسم، فإن فعل شيئا من ذلك ضمن . وعن ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي في الهدي الواجب يعطب، قالوا: كل إن شئت إذا نحرته وعليك البدل. (١) م (٢/ ١٣٢٦/٩٦٣)، هق (٥/ ٢٤٣) كتاب بناء الكعبة ٨٥ - واما اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، فقال مالك: ما عطب من الهدي قبل أن يبلغ محله، فإن كان واجبا أكل منه إن شاء وأبدله، وإن کان تطوعا نحره ثم صبغ قلائده في دمه، وخلی بین الناس وبينه، ولم يأكل ولم يطعم ولم يتصدق، فإن أكل أو أطعم أو تصدق ضمن، وهو قول الشافعي والأوزاعي والثوري؛ إلا أنهم قالوا: يضمن ما أكل أو أطعم أو تصدق، وليس عليه البدل إلا لما أتلف؛ فإن أتلفه كله ضمنه كله. وكذلك قال أبو حنيفة أيضا، إلا أنه قال: يتصدق بالهدي التطوع إذا عطب أفضل من أن يتركه فتأكله السباع، قال: ولو أطعم منه غنيا ضمن، وقال في الهدي الواجب: لا بأس أن يبيع لحمه، وهو قول عطاء يستعين به في ثمن هدي، وهؤلاء لا یرون بيعه. واختلفوا فيما يؤكل من الهدي إذا بلغ محله: فقال مالك: يؤكل من الهدي كله إذا بلغ محله إلا جزاء الصيد ونسك الأذى وما نذر للمساكين. وقال الشافعي: لا يؤكل من الهدي كله شيء إذا بلغ محله إلا بالتطوع وحده، فأما الهدي الواجب فلا يأكل شيئا منه. وقال أبو حنيفة: يؤكل من هدي المتعة والقران والتطوع ولا يؤكل مما سواه. وقال الثوري: يؤكل من هدي المتعة والإحصار والوصية والتطوع. فتح البر ٨٦ ما جاء فى ركوب الهدى [٣١] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله والفر رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها، فقال: يارسول الله إنها بدنة، فقال اركبها، فقال: يارسول الله إنها بدنة. فقال: اركبها، وويلك في الثانية أو الثالثة(١). هكذا يرويه أكثر الرواة عن مالك في الموطأ في الثانية أو في الثالثة، وممن قال ذلك: عتيق بن يعقوب الزبيري، وقتيبة، وقال فيه ابن عبدالحكم في الثالثة أو في الرابعة. حدثنا خلف، حدثنا ابن الورد، حدثنا يوسف بن یزید، حدثنا ابن عبدالحكم، أخبرنا مالك - فذكره باسناده هكذا. قال مالك في هذا الحديث عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، وخالفه ابن عيينة، فقال فيه عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة. حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا سعيد بن عثمان الاعناقي، قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل العثماني الايلي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: مر النبي وَل برجل يسوق بدنة، فقال: ((اركبها))، فقال: انها بدنة يا رسول الله، فقال: ((ويلك اركبها(٢)). (١) حم (٢/ ٤٨٧)، خ (١٦٨٩/٦٨٣/٣)، م (٢ /١٣٢٢/٩٦٠)، د (٣٦٧/٢ / ١٧٦٠)، ن (٥/ ٢٧٩٨/١٩٣)، هق (٢٣٦/٥)، البغوي (١٩٥٤/١٩٥/٧). (٢) حم (٢٤٥/٢-٤٦٤)، جه (٣١٠٣/١٠٣٦/٢). ٨٧ كتاب بناء الكعبة اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع، فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز من ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك. وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه لابأس بركوب الهدي على كل حال أيضا على ظاهر هذا الحديث، والذي ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأكثر الفقهاء: كراهية ركوبه من غير ضرورة، فكره مالك ركوب الهدي من غير ضرورة، وكذلك كره شرب لبن البدنة، وان كان بعد ري فصيلها، فان فعل شيئا من ذلك كله، لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة، والشافعي: إن نقصها الركوب، أو شرب لبنها، فعليه قيمة ما شرب من لبنها، وقيمة ما نقصها الركوب. وحجة من ذهب هذا المذهب أنه ما خرج لله، فغير جائز الرجوع في شيء منه، ولا الانتفاع به، فان اضطر إلى ذلك، جاز له، لحديث جابر في ذلك، حدثناه عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا أبو الزبير قال: سألت جابر بن عبدالله عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((اركبها بالمعروف إذا لجأت إليها حتى تجد ظهرا(١))). وأما قوله: ويلك فمخرجه الدعاء عليه إذ أبى من ركوبها، في اول مرة، وقال له انها بدنة - وقد كان رسول الله وَ لا يعلم انها بدنة، فكأنه قال له: الويل لك في مراجعتك اياي فيما لا تعرف - والله أعلم. وكان الأصمعي يقول: ويل كلمة عذاب، وويح كلمة رحمة. (١) حم (٣١٧/٣)، م (٢/ ١٣٢٤/٩٦١)، د (٣٦٧/٢/ ١٧٦١)، ن (٣٨٠١/١٩٤/٥)، هق (٢٣٦/٥)، اليغوي (١٩٥٦/١٩٦/٧)، حب: الإحسان (٤٠١٧/٣٢٦/٩). فتح البر ٨٨ من أهدي هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتي ينحر الهدى [٣٢] مالك، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة، أنها اخبرته أن زياد بن أبي سفيان، كتب إلى عائشة زوج النبي ول# أن عبدالله بن عباس قال: من أهدی هدیا، حرم عليه ما يحرم على الحاج، حتى ينحر الهدي، وقد بعثت بهديي، فاكتبي لي بأمرك، أو مري صاحب الهدي، قالت عمرة: فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس: انا فتلت قلائد هدي رسول الله وَليه بيدي، ثم قلدها رسول الله وَ ي بيده، ثم بعث بها رسول الله وَّير مع أبي، فلم يحرم على رسول الله وَلاير شيء أحله الله له، حتى نحر الهدي(١). هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت، ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، بخلاف بعض معانيه، لانه ذكر فيه الاشعار، وليس ذلك في رواية غيره في هذا الحديث عن مالك فيما علمت، حدثناه سعید بن عثمان، حدثنا أحمد بن دحيم، حدثنا يحيى ابن محمد بن صاعد، عن يعقوب الدورقي، عن عثمان بن عمر، عن مالك، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن رسول الله وَلّ قلد هديه وأشعره وبعث به إلى مكة، واقام بالمدينة، فلم يجتنب شیئا کان له حلالا . قال أبو عمر: هذا اللفظ ليس بصحيح في حديث مالك هذا، وانما هو معروف في حديث افلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة، وسنذكره في هذا الباب إن شاء الله. (١) خ (١٧٠٠/٦٩٥/٣)، م (١٣٢١/٩٥٩/٢[٣٦٩])، ن (٢٧٩٢/١٩٢/٥)، الطحاوي (٢٦٦/٢)، هق (٢٣٤/٥). كتاب بناء الكعبة ٨٩ وفي حديث مالك في الموطأ معان من الفقه، منها: أن عبدالله بن عباس كان يرى: أن من بعث بهدي إلى الكعبة، لزمه إذا قلده أن يحرم ويجتنب كل ما يجتنب الحاج حتى ينحر هديه، وقد تابع عبدالله ابن عباس على ذلك عبدالله بن عمر وطائفة، وروي بمثل ذلك أثر مرفوع من حديث جابر، عن النبي ◌َّ، ومنها: أن أصحاب النبي 80003* كانوا يختلفون في مسائل الفقه وعلوم الديانة، فلا يعيب بعضهم بعضا بأكثر من رد قوله، ومخالفته إلى ما عنده من السنة في ذلك، وهكذا يجب على كل مسلم، ومنها: ما كان عليه الامراء من الاهتبال بأمر الدين والكتاب فيه إلى البلدان. ومنها: عمل ازواج النبي عليه السلام بأیدیھن وامتهانهن انفسهن، وکذلك کان رسول الله گآلا يمتهن نفسه في عمل بيته، فربما خاط ثوبه، وربما خصف نعله، وقد قلد هديه المذكور في هذا الحديث بيده وَالته . ذكر عبدالرزاق قال: حدثنا عمر بن ذر، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا، ومنها: التطوع بإرسال الهدي إلى الكعبة تقربا إلى الله عز وجل بذلك، وفي ذلك دليل على فضل الهدي والضحايا. ومنها : أن تقليد الهدي لا يوجب على صاحبه الاحرام ، وهذا المعنى الذي سبق له الحديث، وهو الحجة عند التنازع، وقد تنازع العلماء واختلفوا في ذلك، فأما مالك: فذكر ابن وهب وغيره عنه، أنه سئل عما اختلف الناس فيه من الاحرام في تقليد الهدي ممن لا يريد الحج ولا العمرة، فقال: الأمر - عندنا - الذي نأخذ به في ذلك: قول عائشة أن النبي وَجُل بعث بهديه ثم أقام فلم يترك شيئا مما أحل الله له حتى نحر الهدي، قال مالك: ولا ينبغي أن يقلد الهدي ولا يشعر، الا عند الاهلال، الا فتح البر =٩٠ رجل لا يريد الحج فيبعث بهديه، ويقيم حلالا في أهله، وقال الثوري: إذا قلد الهدي فقد أحرم، إن كان يريد الحج أو العمرة، وإن كان لا يريد ذلك، فليبعث بهديه، وليقم حلالا. وقال الشافعي، وأبو ثور، وداود: لا يكون أحد محرما بسياقه الهدي ولا بتقليده، ولا يجب عليه بذلك احرام، حتى ينويه ويريده، وقال أبو حنيفة: من ساق هديا وهو يؤم البيت، ثم قلده، فقد وجب عليه الاحرام، وان جلل الهدي أو أشعره لم يكن محرما ، انما يكون محرما بالتقليد، وقال : ان كان معه شاة فقلدها، لم يجب عليه الاحرام، لان الغنم لا تقلد، وقال: إن بعث بهديه فقلده واقام حلالا، ثم بدا له ان يخرج فخرج، واتبع هديه، فانه لا يكون محرما حين يخرج، انما يكون محرما إذا ادرك هديه واخذه وسار به وساقه معه، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: ان بعث بهدي لمتعة، ثم اقام حلالا أياما ثم خرج، وقد كان قلد هديه، فهو محرم حين يخرج، الا ترى انه بعث بهدي المتعة، وقال ابن عباس، وابن عمر، وميمون بن أبي شبيب، وجماعة: من قلد أو أشعر أو جلل فقد احرم، وان كان في أهله، وليس في الرواية عن ابن عباس وابن عمر: أو جلل، وانما ذلك عن میمون وحده، فاما الحديث الذي الیه ذهب من اتبع ابن عباس وابن عمر على قولهما في هذا الباب، فما وجدته في اصل سماع أبي رحمه الله: أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال، حدثهم قال: حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا نصر بن مرزوق، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبدالرحمن بن عطاء بن لبيبة، عن عبدالملك بن جابر، عن جابر بن عبدالله قال: كنت عند النبي وَخُلّ جالسا فقلد قميصه من جنبيه حتى أخرجه من رجليه، كتاب بناء الكعبة ٩١ = فنظر، فنظر القوم إلى النبي وَجُل، فقال: امرت ببدني التي بعثت بها ان تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم اكن لاخرج قميصي من رأسي. وكان بعث ببدنه واقام بالمدينة(١)، فذهب قوم إلى أن الرجل إذا بعث بهديه، واقام في اهله، فقلد الهدي واشعره: انه يتجرد فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم، واحتجوا بهذا الحديث، وبما مضى في حديث مالك عن ابن عباس من قوله: من اهدى هديا، حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي. وعبدالرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة هذا، رجل من اهل المدينة، شيخ، روى عنه جماعة من أهل المدينة منهم حاتم بن إسماعيل، وسليمان بن بلال، والدراوردي، وداود بن قيس، ويروي عن سعيد بن المسيب، وعامر بن سعد. ويقال: عبدالرحمن بن لبيبة، وعبدالملك بن جابر هذا، ليس بالمشهور بالنقل. وذكر عبدالرزاق، أخبرنا داود بن قيس، عن عبدالرحمن بن عطاء، انه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبدالله قال: بينا النبي وَاللّه جالس مع أصحابه، اذ شق قميصه حتى خرج منه، فسئل فقال: ((وعدتهم يقلدون هديي اليوم، فنسيت(٢)). وذكر عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سیرین، قال: وأخبرنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين، ان ابن عباس بعث بهديه، ثم وقع على جارية له، فأتى مطرف بن الشخير في المنام فقيل (١) حم (٣/ ٤٠٠)، الطحاوي (١٣٨/٢)، ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٣٠) وقال: رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات. لكن عبدالرحمن بن عطاء بن لبيبة صدوق فيه لين، قاله الحافظ في 'التقريب". (٢) حم (٢٩٤/٣)، ذكره الهيثمي (٢٣٠/٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ٩٢ فتح البر له: ائت ابن عباس، فمره أن يطهر فرجه، فلما أصبح، أبی ان یأتیه، فأتى الليلة الثانية فقيل له بمثل ذلك، وأتى ليلة ثالثة، فقيل له قول فيه بعض الشدة، فلما اصبح اتى ابن عباس فأخبره بذلك، فقال ابن عباس: وما ذلك؟ ثم ذكر فقال: إني وقعت على فلانة بعد ما قلدت الهدي، فكتب ذلك اليوم الذي وقع عليها، فلما قدم ذلك الرجل الذي بعث بالهدي معه، سأله: أي يوم قلدت الهدي؟ فأخبره، فإذا هو قد وقع عليها بعدما قلد الهدي، فأعتق ابن عباس جاريته تلك. قال: وأخبرنا ابن جريج، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: إذا قلد الرجل هديه، فقد أحرم، والمرأة كذلك، فإن لم يحج فهو حرام، حتی ینحر هدیه. قال: وأخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر مثله. وحماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، انه كان إذا بعث بهديه امسك عن النساء. وروى يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا قلد الرجل الهدي وأشعره، فقد أحرم، وان كان في أهله. وقد روى أبو العالية، عن ابن عمر، خلاف ما روی نافع، ذکر حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي العالية، قال: سألت ابن عمر عن الرجل يبعث بهديه، أيمسك عن النساء؟ قال ابن عمر: ما علمنا المحرم يحل حتى يطوف بالبيت. وذكر معمر، عن أيوب، عن أبي العالية، قال: سمعت ابن عمر يقول: إذا بعث الرجل بالهدي، فهو محرم، والله لو كان محرما، ما كان له حل دون أن يطوف بالبيت قال أيوب: فذكرته لنافع، فأنكره، وروى شعبة، عن حبيب بن أبي ٩٣ كتاب بناء الكعبة ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، قال: من قلد أو أشعر أو جلل فقد أحرم. قال أبو عمر: لم يلتفت مالك ومن قال بقوله إلى حديث عبدالرحمن بن عطاء بن لبيبة، عن ابن جابر، عن جابر، المذكور في هذا الباب، وردوه بحديث عائشة، لتواتر طرقه عنها وصحته، وما يصحبه من جهة النظر، إلى ثبوته من طرق الاثر، رواه مسروق بن الاجدع، والاسود ابن يزيد، عن عائشة، وهشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، وابن شهاب، عن عروة وعمرة عن عائشة، وعبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، وأفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة، ذكر معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن كنت لأفتل قلائد هدي رسول الله وَله، ثم يبعث بها فما يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم(١). وذكر ابن وهب، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة مثله . وذكر عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: دخل رجل على عائشة فقال: ان ابن زياد قلد بدنه فتجرد، قالت عائشة: فهل كانت له كعبة يطوف بها؟ قالوا: لا. قالت: والله ما حل أحد من حج ولا عمرة، حتى يطوف بالبيت. ثم قالت: لقد (١) م (٢/ ١٣٢١/٩٥٧)، د (١٧٥٨/٣٦٦/٢)، هق (٢٣٤/٥) من طريق ابن شهاب به. حم (٧٨/٦-٨٥-٢١٦)، خ (١٦٩٩/٦٩٤/٣)، م (٢/ ١٣٢١/٩٥٧ [٣٦٢])، د (٢ / ٣٩٥/ ١٧٥٧)، ت (٩٠٨/٢٥١/٣). جه (٣٠٩٨/١٠٢٤/٢) من طرق عن القاسم بن محمد عن عائشة. ٩٤ فتح البر كنت أفتل قلائد هدي رسول الله وَخلال ثم يبعث بها فما يتقى - أو قالت - فما يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم(١). وأخبرنا عبدالوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: ان رجالا ههنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذين يبعثونهم أن يعرفوهم اليوم الذي يقلدونها، فلا يزالون محرمين حتى يحل الناس، فصفقت بيدها، فسمعت ذلك من وراء الحجاب فقالت: سبحان الله، لقد كنت افتل قلائد هدي رسول الله وَ ل بيدي فيبعث بها إلى الكعبة، ويقيم فينا لا يترك شيئا مما يصنع الحلال، حتى يرجع الناس(٢). حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبدالله بن جعفر، حدثنا هارون بن عيسى، حدثنا عبدالله بن مسلمة القعنبي، حدثنا افلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله وَلجلد بيدي ثم قلدها وأشعرها، وبعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالا(١). والآثار عن عائشة بهذا متواترة، وبها قال مالك، والشافعي، في أكثر اهل الحجاز، وأبو حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، في جماعة أهل العراق، والأوزاعي في أهل الشام، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود، والطبري، (١) سبق تخريجه في الباب نفسه. (٢) خ (١٧٠٤/٦٩٨/٣)، م (١٣٢١/٩٥٩/٢ [٣٧٠])، ن (٢٧٧٦/١٨٦/٥)، الطحاوي (٢٦٥/٢) من طرق عن مسروق عن عائشة. كتاب بناء الكعبة ٩٥ ولم يقل واحد منهم بحديث عبدالرحمن بن عطاء، وليس عندهم بذلك، وترك مالك الرواية عنه، وهو جاره، وحسبك بهذا، الا أن أبا حنيفة واصحابه، خصوا الابل إذا قلدها من قصد البيت، انه يكون بتقليده لها محرما إذا كان قاصدا للحج أو العمرة إلى البيت، ولیس كذلك عندهم من قلد الغنم وان أم البيت، لان الغنم لا تقلد عندهم وهو قول مالك واصحابه في الغنم انها لا تقلد، قال مالك واصحابه تقلد الابل والبقر، ولا تقلد الغنم، وتجزئ النعل الواحدة في التقليد، وتجعل حمائل القلائد مما شئت، وقال أبو حنيفة واصحابه: يقلد كل هدي متعة أو قران أو تطوع من الابل والبقر، فاما الغنم: فلا تقلد، ولا يقلد هدي احصار، ولا جماع ولا جزاء صيد، ولا حنث في يمين، يهدي جزورا أو بقرة، وقالوا: التجليل حسن، ولا يضر تركه، والتقليد اوجب منه، وقال مالك : جلال البدن من عمل الناس، وهو من زينتها، ولا بأس بشق اوساط الجلال إذا كانت بالثمن اليسير بالدرهمين ونحو ذلك، لان ذلك زينة لها، قال الشافعي: تقلد الابل والبقر، وتقلد الغنم الرقاع، وقال أبو ثور: تقلد البدن والهدي كلها من الابل البقر والغنم، تطوعا كانت أو واجبة، في متعة أو قران أو جزاء صيد أو نذر أو يمين، إذا اختار صاحب الهدي قلد ذلك كله ان شاء، ويجلل الهدي بما شاء، واحتج من اختار تقليد الغنم: بما رواه الاعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن النبي وَالخل أهدى إلى البيت مرة غنما فقلدها (١)، حدثناه محمد بن إبراهيم، حدثنا معاوية، حدثنا أحمد بن شعيب، حدثنا حماد بن السري، عن (١) خ (١٧٠١/٦٩٨/٣) وليس فيه فقلدها. م (١٣٢١/٩٥٨/٢ [٣٦٨])، د (٢ / ٣٦٤ / ١٧٥٥)، ن (٥/ ٢٧٨٦/١٩٠)، جه (٣٠٩٦/١٠٣٤/٢). ٩٦ فتح البر أبي معاوية، فذكره. قال أحمد بن شعيب: وأخبرنا محمد بن قدامة: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: لقد رأيتني أفتل قلائد هدي رسول الله وَخال من الغنم، فيبعث بها ثم يقيم فينا حلالا(١)، وروى شعبة وسفيان، عن منصور باسناده نحوه، وشعبة أيضا وسفيان، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مثله، ومحمد بن جحادة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مثله(٢)، ومحمد بن جحادة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة معناه(٢)، واحتج من لم ير تقليد الغنم، بأن رسول الله وَلَّو إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنما، وانكروا حديث الأسود، عن عائشة في تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة. واختلف الفقهاء ايضا في اشعار البدن، فقال مالك: تشعر الإبل والبقر، ولا تشعر الغنم، وتشعر في الشق الايسر، وكذلك قال أبو يوسف، ومحمد، مثل قول مالك سواء في ذلك كله وحجة من رأى الاشعار: ان رسول الله وَّل أشعر. اخبرنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا ابو داود، أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، وحفص بن عمر المعنى قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال أبو الوليد قال سمعت أبا حسان، عن ابن عباس، ان رسول الله وَجله صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعى ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الايمن، ثم سلت الدم عنها وقلدها (١) خ (١٧٠٣/٦٩٨/٣)، م (١٣٢١/٩٥٨/٢[٣٦٥])، ت (٩٠٩/٢٥٢/٣)، ن (٥/ ١٩٠/ ٢٧٨٩٠٠٢٧٨٧)، حب: الإحسان (٤٠١١/٣٢٢/٩). (٢) م (٢ / ١٣٢١/٩٥٩[٣٦٨])، ن (٢٧٨٩/١٩٠/٥). ٩٧ كتاب بناء الكعبة بنعلين، ثم أتي براحلة، فلما قعد عليها واستوت به على البيداء، أهل بالحج(١)، قال أبو داود: وهذا مما تفرد به أهل البصرة من السنن، لا يشركهم فيه أحد: أن النبي وَلّ اشعر من الجانب الأيمن. قال أبو عمر: هذا هو المعروف المحفوظ في حديث ابن عباس هذا أن رسول الله وَ ل أشعر بدنته من شقها الأيمن، ورأيت في كتاب ابن علية، عن أبيه، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابي حسان الاعرج، عن ابن عباس، ان رسول الله وَ لَّ اشعر بدنة من الجانب الايسر، ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين، وهذا عندي منكر في حديث ابن عباس هذا، والمعروف فيه: ما ذكره ابو داود، الجانب الايمن، لا يصح في حديث ابن عباس غير ذلك، الا ان عبدالله بن عمر كان يشعر بدنته من الجانب الايسر، هكذا روى مالك، وأيوب، وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وهو قول مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وجماعة، وهو المعروف عن عطاء، وقد روى معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر انه كان يشعر في الشق الايمن حين يريد ان يحرم، وروى ابن علية، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يشعر من الجانب الايسر، وربما اشعر من الجانب الايمن، وهو أمر خفيف عند أهل العلم، لا يكرهون شيئا من ذلك، وقد كان ابن عمر ربما اشعر في السنام. وروى مالك، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا وخز في سنام بدنته يشعرها قال: بسم الله، والله (١) د (١٧٥٢/٣٦٢/٢)، الدارمي (٦٥/٢- ٦٦) من طريق أبو الوليد الطيالسي به. حم (٢١٦/١-٢٥٤ - ٢٨٠-٣٣٩-٣٤٧)، م (٢ / ٩١٢ /١٢٤٣ [٢٠٥])، د (٢ / ٣٦٢/ ١٧٥٢)، ن (٢ / ١٨٥ / ٢٧٧٣) من طرق عن شعبة به. ت (٩٠٦/٢٤٩/٣) وقال: حسن صحيح. جه (٣٠٩٧/١٠٣٤/٢) من طرق عن هشام الدستوائي عن قتادة به . فتح البر ٩٨ أكبر، ذكر عبدالرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، قال : تشعر البدن من حيث تيسر، وقال أبو حنيفة: اكره الاشعار لانه تعذيب للبدن في غير نفع لها ولا لصاحبها، لنهي رسول الله وَل من اتخاذ شيء فيه الروح غرضا، ولنهيه عن المثلة وقال الشافعي وأبو ثور، واحمد وإسحاق، وسائر أهل العلم: تشعر البدن في الشق الايمن، وحجتهم: أن رسول الله وَ ظله قلد بدنة واشعرها من الشق الايمن، وسلت الدم عنها، رواه ابن عباس وغيره عن النبي بَّ، وأما من جهة النظر: فان الأصول كلها تشهد: ان المحرم لا يحل الا بعمل يعمله، اقله الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وهذا امر متفق عليه، وفي حديث عبدالرحمن بن عطاء، وقول ابن عباس وابن عمر، ما یوجب ان يحل دون عمل یعمله إذا نحر هديه، وهذا خلاف الاحرام المتفق علیه، ولیس حديث جابر مما يعارض بمثله حديث عائشة عند أهل العلم بالحديث، وقد كان ابن الزبير يحلف ان فعل ما روي عن ابن عباس وابن عمر في هذا الباب بدعة، ولا يجوز في العقول ان يحلف على ان ذلك بدعة، الا وهو قد علم ان السنة خلاف ذلك، روى مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن عبدالله بن الهدير، انه رأى رجلا متجردا بالعراق، قال: فسألت الناس عنه، فقالوا: امر بهديه ان يقلد، فلذلك تجرد، قال ربيعة: فلقيت عبدالله بن الزبير، فقال: بدعة ورب الكعبة . وفي حديث عائشة أيضا من الفقه: ما يرد الحديث الذي رواه شعبة، عن مالك بن أنس، عن عمر بن مسلم بن اكيمة، عن سعيد ابن المسيب، عن أم سلمة، أن رسول الله وَ ظله قال: ((إذا دخل العشر، ٩٩ كتاب بناء الكعبة فاراد احدكم ان يضحي، فلا ياخذ من شعره ولا من أظافره شيئًا(١))). ففي هذا الحديث: أنه لا يجوز لمن أراد أن يضحي ان يحلق شعرا ولا یقص ظفرا. وفي حديث عائشة: أن رسول الله وَّجله لم يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم حين قلد هديه وبعث به، وهو يرد حديث أم سلمة ويدفعه. ومما يدل على ضعفه ووهنه: ان مالكا روى عن عمارة بن عبدالله عن سعيد بن المسيب، قال: لا بأس بالاطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة، فترك سعيد لاستعمال هذا الحديث - وهو راويته - دليل على أنه عنده غير ثابت، أو منسوخ، وقد اجمع العلماء على أن الجماع مباح في ایام العشر لمن اراد ان يضحي، فما دونه احرى ان يكون مباحا. ومذهب مالك: أنه لا بأس بحلق الرأس وتقليم الاظافر، وقص الشارب في عشر ذي الحجة، وهو مذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة، وقال الليث بن سعد - وقد ذكر له حديث سعيد بن المسيب، عن أم سلمة ان النبي وَّ قال: ((من اهل عليه منكم هلال ذي الحجة، واراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي)) فقال الليث: قد روي هذا، والناس على غير هذا، وقال الاوزاعي: إذا اشترى اضحيته بعد ما دخل العشر، فانه يكف عن قص شاربه واظافره، وان اشتراها قبل ان يدخل العشر فلا بأس. واختلف قول الشافعي في ذلك، فمرة قال: من اراد ان يضحي لم يمس في العشر (١) حم (٣١١/٦)، م (١٩٧٧/١٥٦٥/٣[٤١])، ت (٨٦/٤ /١٥٢٣)، ن (٤٣٧٣/٢٤١/٧)، جه (٣١٥٠/٣١٤٨/٢)، ك (٢٢٠/٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقد وهما في أمرين الأول أن مسلم أخرج الحديث، ثم ان عمرو بن مسلم وهو ابن عمارة بن أكيمة الليثي ليس من رجال البخاري. حب: الإحسان (٥٩١٦/٢٣٧/١٣). فتح البر ١٠٠ من شعره شيئا ولا من أظافره، وقال في موضع آخر: احب لمن اراد ان يضحي ان لا يمس في العشر من شعره ولا من اظافره شيئا حتى يضحي، لحديث أم سلمة، فان اخذ من شعره واظافره فلا بأس، لان عائشة قالت: كنت افتل قلائد هدي رسول وَطله ... الحديث، ذكر الأثرم: ان احمد بن حنبل كان ياخذ بحديث أم سلمة هذا، فقيل له: فإن أراد غيره أن يضحي، وهو لا يريد ان يضحي، فقال: إذا لم يرد ان يضحي لم يمسك عن شيء. انما قال: ((إذا أراد أحدكم أن يضحي)) وقال: ذكرت لعبدالرحمن بن مهدي حديث عائشة: كان النبي وَ لاّ إذا بعث بالهدي ... وحديث أم سلمة: إذا دخل العشر: فبقي عبدالرحمن، ولم يأت بجواب، فذكرته ليحيى بن سعيد، فقال يحيى: ذلك له وجه، وهذا له وجه، حديث عائشة: إذا بعث بالهدي واقام. وحديث أم سلمة: إذا أراد أن يضحي بالمصر ... قال احمد: وهكذا اقول، قيل له: فيمسك عن شعره واظافره؟ قال: نعم، كل من اراد ان يضحي، فقيل له: هذا على الذي بمكة، فقال: لا، بل على المقيم، وقال : هذا الحديث رواه شعبة، عن مالك، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، عن النبي بَّ، ورواه ابن عيينة، عن عبدالرحمن بن حميد، عن سعيد بن المسيب، عن ام سلمة رفعه إلى النبي وَخجلا، قال: وقد رواه يحيى بن سعيد القطان عن عبدالرحمن بن حميد هكذا، ولكنه وقفه على أم سلمة، قال: وقد رواه محمد بن عمرو، عن شيخ مالك، قيل له: ان قتادة يروي عن سعيد بن المسيب: أن أصحاب النبي ◌َّ﴾ كانوا إذا اشتروا ضحاياهم، امسكوا عن شعورهم واظافرهم إلى يوم النحر: فقال: هذا يقوي هذا، ولم يره خلافا، ولا ضعفه.