النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب بناء الكعبة
قال أبو عمر:
معناهم کله واحد متقارب: أخبرنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد
ابن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا مسدد، حدثنا یحیی، عن إسماعیل،
حدثنا عامر، أخبرنا عروة بن مضرس الطائي، قال: أتيت رسول الله
405* بالموقف - يعني بجمع - فقلت: جئت يا رسول الله من جبلي
طىء، اكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل الا
وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله وَالله: ((من أدرك معنا
هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه،
وقضی تفثه(١))).
قال إسماعيل القاضي: ظاهر هذا الحديث إن كان صحيحا والله
أعلم يدل على أن الرجل سأله عما فاته من الوقوف بالنهار بعرفة،
فأعلمه أن من وقف بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، فدار الأمر
على أن الوقوف بالنهار لا يضره ان فاته، لانه لما قال: ليلا أو نهارا،
فالسائل يعلم أنه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار ان ذلك لا
يضره، وانه قد تم حجه، لانه رأى له بهذا القول أن يقف بالنهار دون
الليل. وعلم أن المعنى فيه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار،
أن ذلك لا يضره، قال: ولو حمل هذا الحديث أيضا على ما يحتج به
من احتج به، لوجب على من لم يدرك الصلاة مع الإمام بجمع، أن
يكون حجه فاسدا، ولكن الكلام يحمل على صحته، وصحة هذا
المعنى فيه، لان الرجل إنما سأل وقد أدرك الصلاة بجمع، وقد وقف
بعرفة ليلا، فأعلم أن حجه تام.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
= ٢٢
وقال أبو الفرج: معنى قول رسول الله وَخلال في حديث عروة بن
مضرس وقد أفاض قبل ذلك ليلا أو نهارا، أراد والله أعلم ليلا أو
نهارا وليلا، فسكت عن أن يقول ليلا، لعلمه بما قدم من فعله، لان
من وقف نهارا، فقد أدرك الليل، لأنه أراد بذكر النهار اتصال الليل
به. قال: وقد یحتمل أن یکون قوله ليلا أو نهارا بمعنی ليلا ونهارا،
فتكون أو بمعنى الواو، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ
كَفُورًا﴾ [الإنسان: (٢٤)] أي آئماً وكفوراً - والله أعلم.
قال أبو عمر:
لو كان كما ذكر كان الوقوف واجبا ليلا ونهارا، ولم يغن أحدهما
عن صاحبه، وهذا لا يقوله أحد، وقد أجمع المسلمون أن الوقوف
بعرفة ليلا يجزئ عن الوقوف بالنهار، إلا أن فاعل ذلك عندهم إذا لم
يكن مراهقا، ولم يكن له عذر، فهو مسىء، ومن أهل العلم من رأى
عليه دما، ومنهم من لم ير عليه شيئا، وجماعة العلماء يقولون: إن
من وقف بعرفة ليلا أو نهارا بعد زوال الشمس من يوم عرفة أنه مدرك
للحج، إلا مالك بن أنس، ومن قال بقوله، فإن الفرض عنده الليل
دون النهار، وعند سائر العلماء الليل والنهار بعد الزوال في ذلك سواء
في الفرض، إلا أن السنة أن يقف كما وقف رسول الله وَ له نهارا
يتصل له بالليل، ولا خلاف بين أهل العلم أن الوقوف بعرفة فرض،
لا حج لمن فاته الوقوف بها يوم عرفة، كما ذكرنا، أو ليلة النحر،
على ما وصفنا، وسنذكر ما يجب من القول في أحكام الوقوف بعرفة
والصلاة بها في أولى المواضع من كتابنا هذا، وذلك حديث ابن
شهاب، عن سالم، في قصة ابن عمر مع الحجاج إن شاء الله.

كتاب بناء الكعبة
٢٣
واحتج أيضا بعض من لم ير الوقوف بالمزدلفة فرضا من غير
أصحابنا، بأن قال: ليس في حديث عروة بن مضرس دليل على ما
ذكر لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة فرضا، لأن رسول الله وَخله إنما قال
فيه: ((من صلى صلاتنا هذه وكان قد أتى قبل ذلك عرفة من ليل أو
نهار، فقد قضى حجه وتم تفثه))، فذكر الصلاة بالمزدلفة، وكان أجمع
أنه لو بات بها، ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى
فاتته، أن حجه تام، فلما كان حضور الصلاة مع الإمام المذكور في
هذا الباب، ليس من صلب الحج، كان الوقوف بالموطن الذي تكون
فيه الصلاة أحرى أن يكون كذلك، قالوا: فلم يتحقق بهذا الحديث
ذلك الفرض الا بعرفة خاصة، قالوا: فإن احتج محتج بقول الله عز
وجل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اٌلْمَشْعَرِ
الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: (١٩٨)] وقال: قد ذكر الله المشعر الحرام كما ذكر
عرفات، وذکر ذلك رسول الله ټټ في سنته، فحكمهما واحد، لا يجزىء
الحج إلاَّ بإصابتهما، قيل له: ليس في قول الله عز وجل: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ دليل على أن ذلك على الوجوب في الوقوف،
وكل قد أجمع أنهلو وقف بالمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجهتام، فإذا لم یکن
الذكر المأمور بهمن صلب الحج، فشهودالموطن أولى بأنلا يكونكذلك.
قال وقد ذكر الله عزوجل في كتابه أشياء من أمر الحج لم يرد
بذكرها إيجابها: هذا ما احتج به أبو جعفر الأزدي، وذكر حديث
عبدالرحمن بن يعمر الديلي، عن النبي وَّل أنه قال: ((الحج عرفات)).
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: ((الحج يوم عرفة، فمن أدرك جمعا قبل
صلاة الفجر، فقد أدرك(١)).
(١) حم (٣٠٩/٤ - ٣١٠)، د (٢/ ١٩٤٩/٤٨٥)، ت (٨٨٩/٢٣٧/٣)،
ن (٥/ ٣٠٤٤/٢٩٢)، جه (٣٠١٥/١٠٠٣/٢)، ك (٤٦٤/١) وصححه ووافقه الذهبي.

٢٤
فتح البر
باب منه
[٢١] مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى عبدالله بن عباس، عن أسامة
ابن زيد، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ◌َّ﴾ من عرفة، حتى إذا كان
بالشعب، نزل فبال فتوضأ، فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة یا
رسول الله، فقال: ((الصلاة أمامك» فر کب، فلما جاء المزدلفة، نزل، فتوضأ
فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان
بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها. ولم يصل بينهما شيئا(١).
قال أبو عمر:
هكذا رواه جماعة الحفاظ الاثبات من رواة الموطأ عن مالك، فيما
علمت، إلا أشهب، وابن الماجشون، فانهما روياه عن مالك، عن
موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد.
ذكره النسائي. قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم قال: حدثنا
أشهب، وكذلك حدث به المعافي عن ابن الماجشون، والصحيح في
هذا الحديث طرح ابن عباس من اسناده، وانما هو لكريب عن أسامة
ابن زيد وكذلك رواه يحيى بن سعيد الانصاري، وحماد بن زيد، عن
موسى بن عقبة، عن كريب، عن أسامة، مثل رواية مالك سواء. ولم
يخالف فيه على موسى بن عقبة فيما علمت. ورواه إبراهيم بن عقبة،
واختلف عليه فيه، فرواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة،
ومحمد بن أبي حرملة، جميعا عن كريب عن ابن عباس عن أسامة
ابن زيد مثله بمعناه، ادخلا بين کریب وبين أسامة عبدالله بن عباس،
(١) حم (٢٠٨/٥)، خ (١٣٩/٣١٩/١) و(١٦٧٢/٦٦٦/٣)، م (٩٣٤/٢ /١٢٨٠)،
د (٢ / ٤٧٣ - ٤٧٤ / ١٩٢٥)، البغوي (١٦٦/٧ - ١٦٧/ ١٩٣٧)،
حب: الإحسان (١٥٩٤/٤٦٦/٤)، من طرق عن مالك به.

كتاب بناء الكعبة
٢٥
ورواه حماد بن زيد عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن أسامة. ورواه
إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب عن أسامة
لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه ابن المبارك، عن إبراهيم بن عقبة،
مثل رواية حماد بن زيد، فدل ذلك كله على ضعف رواية ابن عيينة،
وصحة رواية مالك ومن تابعه، وان ليس لابن عباس ذكر صحيح في
هذا الحديث والله أعلم.
وفي هذا الحديث من الفقه، الوقوف بعرفة يوم عرفة، ثم الدفع
منها بعد غروب الشمس على يقين من مغيبها ليلة النحر إلى المزدلفة.
وهذا ما لا خلاف فيه، والوقوف المعروف بعرفة بعد صلاة الظهر
والعصر في مسجد عرفة جميعا في أول وقت الظهر إلى غروب
الشمس والمسجد معروف وموضع الوقوف بجبال الرحمة معروف،
وليس المسجد موضع وقوف لأنه فيما أحسب من بطن عرنة الذي أمر
الواقف بعرفة ان يرتفع عنه، وهذا كله أمر مجتمع عليه، لا موضع
للقول فيه .
وأما قوله في هذا الحديث: نزل فبال فتوضأ فلم يسبغ الوضوء فهذا
عندي - والله أعلم - انه استنجى بالماء، أو اغتسل به من بوله، وذلك
يسمى وضوءا في كلام العرب؛ لانه من الوضاءة التي هي النظافة،
ومعنى قوله: لم يسبغ الوضوء، أي لم يكمل وضوء الصلاة، لم
يتوضأ للصلاة، والاسباغ الاكمال، فكأنه قال: لم يتوضأ وضوءه
للصلاة، ولكنه توضأ من البول.
هذا وجه هذا الحديث عندي - والله أعلم - وقد قيل: أنه توضأ
وضوءا خفيفا ليس بالبالغ، وضوءا بين وضوأين، لصلاة واحدة،

فتح البر
٢٦
وليس هذا اللفظ في حديث مالك، ومالك أثبت من رواه، فلا وجه
للاحتجاج برواية غيره عليه، وقد قيل في ذلك: أنه توضأ على بعض
أعضاء الوضوء، ولم يكمل الوضوء للصلاة، على ما روى عن ابن
عمر، أنه كان إذا أجنب ليلا، وأراد النوم، غسل وجهه ويديه إلى
المرفقين، وربما مسح برأسه ونام، وهو لم يكمل وضوءه للصلاة،
وهذا عندي وجه ضعيف لا معنى له، ولا يجب أن يضاف مثله إلى
رسول الله وَر، ولعل الذي حكاه عن ابن عمر لم يضبط، والوضوء
على الجنب عند النوم غير واجب، وانما هو ندب؛ لانه لا يرفع فيه
حدثه، وفعله سنة وخير، وليس من دفع من عرفة إلى المزدلفة، يجد
من الفراغ ما يتوضأ به وضوءا يشتغل به عن النهوض إلى المزدلفة
والنهوض إليها من أفضل أعمال البر.
فكيف يشتغل عنها بما لا معنى له، ألا ترى أنه لما حانت تلك
الصلاة في موضعها نزل فأسبغ الوضوء لها، اي توضأ لها كما يجب،
فالوضوء الاول عندي الاستنجاء بالماء لا غير، لانه لم يحفظ عنه قط
أنه توضأ لصلاة واحدة مرتين، وان كان يتوضأ لكل صلاة. ويحتمل
قوله: الصلاة أي توضأ لها، اذ رآه اقتصر على الاستنجاء ويحتمل
غير ذلك والله أعلم.
وقد روى عبدالله بن أبي مليكة، عن أمه، عن عائشة، قالت: بال
رسول الله وَله، فاتبعه عمر بكوز من ماء، فقال رسول الله وجليقول: ((إني
لم أُؤمر أن أتوضأ كلما بلت، ولو فعلت لكانت سنة (١)). وهذا على
(١) حم (٩٥/٦)، د (٤٢/٣٨/١)، جه (٣٢٧/١١٨/١)، ابن أبي شيبة (٥٩٢/٥٦/١)، وفيه
يحيى التزام وهو ضعيف، ضعفه ابن معين.

٢٧
كتاب بناء الكعبة
ما قلنا. وبالله توفيقنا، ففي هذا الحديث أن رسول الله، وَجالو، كان
يستنجي بالماء. على حسب ما ذكرناه.
ومن بين ما يروى في استنجاء رسول الله وَ﴾و بالماء ما رواه سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن معاذ عن عائشة، انها قالت لنسوة عندها:
مرن ازواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فاني استحيهم،
وأن رسول الله وَ ل﴿، كان يفعله(١)، ذكره يعقوب بن شيبة عن يزيد بن
هارون، عن سعید.
وحدثنا سعيد بن نصر: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن
إسماعيل: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: سمعت
ابن الحويرث يقول: سمعت ابن عباس، يقول: كنا عند رسول الله وَله،
فخرج من الغائط فأتي بطعامه فقيل له: الا تتوضأ؟ فقال: ((ما أصلي
فاتوضأ(٢))، وهذا بين أنه كان عليه السلام، لا يتوضأ وضوء الصلاة
الا للصلاة، وأنه لا يتوضأ كلما بال وضوء الصلاة.
وفي هذا الحديث ايضا من الفقه أن الإمام إذا دفع بالحاج والناس
معه، لا يصلون المغرب في تلك الليلة إلا مع العشاء وقت واحد،
بالمزدلفة، وهذا أمر مجتمع علیه لا خلاف فيه.
واختلف العلماء فيمن لم يدفع مع الإمام لعلة وعذر، ودفع وحده
بعد دفع الإمام بالناس، هل له أن يصلي تلك الصلاتين في المزدلفة،
أم لا فقال مالك: لا يصليهما أحد، قبل جمع إلا من عذر، فإن
صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق.
(١) حم (٩٥/٦)، ت (٣٠/١-١٩/٣١) وقال: حسن صحيح. ن (٤٦/٤٦/١)،
حب: الإحسان (٤/ ٢٩٠-٢٩١ /١٤٤٣).
(٢) حم ٣٧٤/٢٨٣/١ [١١٩ - ١٢٠]).

فتح البر
٢٨
وقال الثوري: لا يصليهما حتى يأتي جمعا، وله السعة في ذلك
إلى نصف الليل، فان صلاهما دون جمع اعاد. وقال أبو حنيفة: إن
صلاهما قبل ان ياتي المزدلفة فعليه الاعادة، وسواء صلاهما قبل
مغيب الشفق أو بعده، عليه أن يعيدهما إذا اتى المزدلفة. وحجة هؤلاء
كلهم قوله وَّر في هذا الحديث لأسامة: ((الصلاة أمامك))، يعني
بالمزدلفة، واختلف عن أبي يوسف ومحمد، فروى عنهما مثل قول
أبي حنيفة، وروى عنهما: ان صلى بعرفات أجزأه. وعلى مذهب
الشافعي لا ينبغي ان يصليهما قبل جمع، فان فعل اجزأه، وبه قال أبو
ثور، وأحمد، وإسحاق. وروى ذلك عن عطاء، وعروة، وسالم،
والقاسم وسعيد بن جبير، وروى عن جابر بن عبدالله أنه قال: ((لا
صلاة إلا بجمع))، ولا مخالف له من الصحابة فيما علمت.
قال أبو عمر: قوله ◌َهر في هذا الحديث: ((الصلاة أمامك))، يدل
على انه لا يجوز لأحد أن يصليهما إلا هناك، وقد قال وَ لقوله: ((خذوا
عني مناسككم(١)))، ولم يصلهما إلا بالمزدلفة. فان كان له عذر فعسى
الله ان يعذره، واما من لا عذر له فواجب ان لا تجزئه صلاته قبل ذلك
الموضع على ظاهر هذا الحديث. ومن اجاز الجمع بينهما قبل المزدلفة
أو بعدها في غيرهما فإنه ذهب إلى انه سفر، وللمسافر الجمع بين
الصلاتين على ما ذكرنا من أحكامهم واقوالهم في كيفية الجمع بينهما
للمسافر، فيما سلف من كتابنا هذا، وله أن لا يجمع بينهما، لا
يختلفون في ذلك للمسافر بغير عرفة والمزدلفة.
(١) تقدم في الباب الذي قبله.

٢٩
كتاب بناء الكعبة
قال مالك: يجمع الرجل بين الظهر والعصر يوم عرفة، إذا فاته
ذلك مع الإمام. قال: وكذلك المغرب والعشاء، يجمع ايضا بينهما
بالمزدلفة من فاته ذلك مع الإمام.
قال وان احتبس إنسان دون المزدلفة لموضع عذر جمع بينهما أيضا
قبل ان يأتي المزدلفة، ولا يجمع بينهما حتى يغيب الشفق، قال أبو
حنيفة: لا يجمع بينهما الا من صلاهما مع الإمام، يعني صلاتي عرفة
وصلاتي المزدلفة. قال: وأما من صلى وحده فلا يصلي كل صلاة
منهما الا لوقتها. وكذلك قال الثوري، قال: ان صليت في رحلك
فصل كل صلاة لوقتها.
وقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل، وأبو
ثور، وإسحاق: جائز ان يجمع بينهما من المسافرين من صلى مع
الإمام، ومن صلى وحده إذا كان مسافرا، وعلتهم في ذلك أن رسول
الله وَلّ، انما جمع بينهما من أجل السفر فلكل مسافر الجمع بينهما.
وكان عبدالله بن عمر يجمع بينهما وحده. وهو قول عطاء.
وقد ذكرنا حكم الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، وحكم الأذان بينهما
والاقامة، ومن اجاز ان تناخ الابل وغير ذلك بينهما ومن لم يجز ذلك
وما للعلماء في ذلك كله من الاقوال، والاعتلال من جهة الأثر
والنظر، في باب ابن شهاب، عن سالم، من كتابنا هذا، فلذلك لم
نذكره ههنا وبالله توفيقنا.
وفي هذا الحديث أيضا دلالة واضحة على أن الجمع في ذلك
توقيف منه للمد .

فتح البر
٣٠
ألا ترى إلى قوله ◌ّليه لأسامة حين قال له الصلاة يا رسول الله،
فقال له: ((الصلاة أمامك))، يريد موضع الصلاة أمامك، وهذا بين لا
إشكال فيه، وهو أمر مجتمع عليه. وفي هذا الحديث أيضا دليل على
أن من السنة لمن جمع بين الصلاتين ان لا يتنفل بينهما.
روى سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن عكرمة قال: اتخذه رسول
الله وَّهُ واتخذتموه مصلى. يعني الشعب.

كتاب بناء الكعبة
٣١
باب منه
[٢٢] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت الانصاري أن عبدالله بن
يزيد الخطمي أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره أنه صلى مع رسول
الله ◌َّ في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا(١).
عدي بن ثابت هذا هو عدي بن ثابت بن عبيد بن عازب أخي البراء
ابن عازب، ولجده صحبة وقد روى عن أبيه عن جده أحاديث، وجده
لأمه عبدالله بن يزيد الخطمي هذا فيما ذكر غير واحد.
وقال الطحاوي: عدي بن ثابت الأنصاري كوفي، وجده قيس بن
الخطيم الشاعر، وأما عبدالله بن يزيد هذا، فله صحبة ورواية، قد
ذكرناه في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا.
وكان عبدالله بن يزيد هذا أميرا على الكوفة لعبدالله بن الزبير، ذكر
ذلك الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت؛ وقد
ذكرنا ما في هذا الحديث من المعاني، ومضى القول في ذلك في باب
ابن شهاب، عن سالم من هذا الكتاب والحمد لله.
(١) حم (٤٢٠/٥)، خ (٤٤١٤/١٣٨/٨)، ن (٢ /٦٠٤/٣١٧)،
البغوي (١٩٣٦/١٦٩/٧)، حب: الإحسان (٣٨٥٨/١٧١/٩).

٣٢
فتح البر
الصلاة بمني
[٢٣] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله وي لف- صلى الصلاة بمنى
ر کعتین، وأن أبا بكر صلاها بمنی رکعتين، وأن عمر صلاها بمنی رکعتين،
وأن عثمان صلاها بمنى ركعتين، شطر إمارته، ثم أتمها بعد(١).
وهذا لم يختلف في إرساله في الموطأ، وهو مسند صحيح من
حديث ابن عمر وابن مسعود ومعاوية أن النبي ◌ّ صلى بمنى ركعتين؛
فحدیث ابن عمر رواه سالم، ونافع، وحديث ابن مسعود رواه أبو
إسحاق السبيعي، وابراهيم النخعي عن عبدالرحمن بن يزيد عن ابن
مسعود. وحديث معاوية رواه ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن
عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن معاوية.
وفي حديث مالك هذا من الفقه قصر الصلاة في السفر، وفيه أن
الإمام المسافر لا يتم بمنى، وهذا إذا لم ينو إقامة، فان نوى إقامة لزمه
الإتمام، وهذا عندنا إذا نوى إقامة أربع فما عدا.
وفيه: أن عثمان أتم بعد تقصيره وعلمه بأن رسول الله وَ ي وأبا بكر
وعمر قصروا في مثل ما أتم هو فيه، فدل ذلك على إياحة القصر
والتمام عنده؛ وقد تأول قوم على عثمان في إتمامه ذلك تأويلات،
منها أنه نوى الاقامة واتخذ دارا بمكة وأهلا، وهذا لا يعرف، بل
المعروف بأنه لم يكن له فيها أهل ولا مال؛ وقيل: كان قد اتخذ أهلا
بالطائف، وقيل لأنه كان أمير المؤمنين فكانت أعماله كأنها داره، وهذا
عله لا يصح في نظر، ولا يثبت في خبر؛ وقد كان المقام بمكة بعد تمام
الحج عند عثمان مكروها، وعلى ذلك جماعة من أهل العلم، لأن
(١) هذا حديث مرسل وسيأتي مسندا من وجوه.

كتاب بناء الكعبة
٣٣
رسول الله وَلو لم يقم فيها بعد تمام حجته، ولا أبو بكر ولا عمر؛
ولهذا قال من قال من السلف: الجوار بمكة بدعة.
وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر
ربما لم يخطط عن راحلته حتى يرجع، وهذا يدلك على أنه لم يتخذ
بمكة أهلا قط والله أعلم. ومنها أنه إنما فعل ذلك من أجل أعرابي
صلى معه فقصر العام كله في أهله، ثم أخبره من قابل بما صنع فعز
على عثمان فعله ذلك فأتم؛ وهذا أيضا ضعيف من التأويل. ومنها أنه
أخذ بالإباحة في ذلك، وهذا أصح ما فيه - والله أعلم -.
وقد مضى القول في قصر الصلاة في السفر وفي أحكامها واختلاف
العلماء فيها بمنى وغيرها ممهدا مبسوطا بعلل كل فرقة ووجوه قولها في
باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد من هذا الكتاب، وفي
باب صالح بن کیسان أيضا، فلا معنى لتکریر ذلك ههنا.
حدثنا عبدالرحمن بن مروان، قال حدثنا الحسن بن يحيى بالقلزم،
قال حدثنا عبدالله بن الجارود، قال حدثنا عبدالله بن هاشم، قال حدثنا
يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال أخبرني نافع، عن ابن عمر،
قال: صليت مع النبي ◌َّ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر
ركعتين، ومع عثمان ركعتين صدرا من إمارته، ثم أتمها عثمان(١).
وأخبرنا عبدالله بن محمد، حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن، قال
حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا مسدد، قال
حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال
صليت مع النبي رَّ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان
صدرا من إمارته، ثم أتمها(١).
(١) خ (١٠٨٢/٧١٦/٢)، م (٦٩٤/٤٨٢/١)، ن (١٤٤٩/١٣٦/٣).

فتح البر
٣٤
قال البخاري: وقد روى حفص بن عاصم عن ابن عمر: صحبت
رسول الله خير فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر
وعثمان كذلك(١).
قال أبو عمر:
حدیث حفص بن عاصم هذا عن ابن عمر، حدثناه عبدالرحمن بن
يحيى، قال حدثنا عمر بن محمد الجمحي بمكة، قال حدثنا علي بن
عبدالعزيز، قال حدثنا القعنبي، قال حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: صحبت ابن عمر بطريق مكة
فصلى بها الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله،
فجلس وجلسنا معه؛ فحانت منه التفاتة نحو الموضع حيث صلى فرأى
ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقلت: يتمون، فقال: يا ابن أخي
صحبت رسول الله وَّ﴾ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه
الله، ثم صحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله،
وصحبت عمر بن الخطاب فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم
صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله؛ وقد قال الله عز
وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْ فِهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَّةٌ﴾ [الممتحنة: (٦)](٢).
في هذا الحديث أن عثمان لم يتم في سفره حتى مات، وهذا
يعارض رواية من روى أنه أتم شطر امارته، وتلك الرواية أولى من
جهة الأثر، ومن جهة النظر، لأنها زيادة.
(١) خ (١١٠٢/٧٣٤/٢)، وانظر بعده.
(٢) حم (٢٤/٢-٥٦)، خ (٢ / ٧٣٤ /١١٠٢) مختصرا. م (١/ ٦٨٩/٤٧٩)،
د (٢ / ٢٠ / ١٢٢٣)، ن (١٣٩/٣/ ١٤٥٧)، جه (١/ ١٠٧١/٣٤٠)، هق (١٥٨/٣)

٣٥
كتاب بناء الكعبة
وفيه دليل على أن القصر سنة مسنونة، ولو كان فرضا ما تركهم ابن
عمر والاتمام، ولغير ذلك عليهم وأمرهم بالإعادة، لإفسادهم
صلاتهم؛ ولو كان كذلك ما وسعه السكوت عليه، ولكن لما عرف أن
القصر أفضل، وأن الاخذ بالسنة أولى، ندبهم إلى التأسي برسول الله
وَير، لما في ذلك من الفضل؛ وسواء كان القصر رخصة أو لم يكن،
هو أفضل لأنه سنة رسول الله وَالته .
وروينا عن ابن مسعود نحو هذا المعنى الذي جاء عن ابن عمر فيما
ذکرنا:
حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
محمد بن فطيس، قال حدثنا ابراهيم بن مرزوق، قال حدثنا بشر بن
عمر، قال شعبة، قال أخبرني سليمان، عن عمارة بن عمير، وابراهيم
عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله، قال: صلينا مع رسول الله وَلهم
ومع أبي بكر ومع عمر ركعتين، فليت حظنا من أربع ركعتين
متقبلتين(١). وهذا يدل على الإباحة أيضا - والله أعلم -.
حدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد، قال حدثنا الميمون بن حمزة،
قال حدثنا الطحاوي، قال حدثنا المزني، قال حدثنا الشافعي، قال
أخبرنا إسماعيل بن ابراهيم، قال حدثنا علي بن زيد بن جدعان، عن
أبي نضرة، قال: مر عمران بن حصين فجلسنا، فقام اليه فتى من
القوم وسأله عن صلاة رسول الله وَّير في الغزو والحج والعمرة، فجاء
فوقف علينا فقال: إن هذا سألني عن أمر، فأردت أن تسمعوه أو كما
قال: غزوت مع رسول الله وَ لقر فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى
(١) خ (١٦٥٧/٦٤٩/٣)، م (٦٩٥/٤٨٣/١)، د (٢/ ٤٩١ / ١٩٦٠)،
ت (٨٨٢/٢٢٨/٣)، ن (١٤٤٨/١٣٦/٣).

فتح البر
٣٦
المدينة، وحججت معه فلم يصل الا ركعتين حتى رجع إلى المدينة،
وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين؛
ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعا فإنا على سفر، اعتمرت معه ثلاث
عمر لا يصلي إلا ركعتين، وحججت مع أبي بكر الصديق، وغزوت
فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحججت مع عمر بن
الخطاب حجات فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحج
عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلاها بمنى
أربعا(١).
قال الطحاوي: في هذا الحديث معنى لا يوجد في غيره، وهو قول
رسول الله # لأهل البلد الذين صلى بهم فيه هذه الصلاة صلوا
أربعا، فإنا على سفر وهي سنة يتفق أهل العلم عليها ولم نجدها في
غير هذا الحديث وهذه السنة مما تفرد به أهل البصرة دون من سواهم.
(١) د (١٢٢٩/٢٣/٢)، ت (٢/ ٥٤٥/٤٣٠) وقال: حسن صحيح. الطحاوي (٤١٧/١)،
وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. قال الحافظ في "التلخيص" (٤٦/٢): حسنه
الترمذي وعلي ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده.

كتاب بناء الكعبة
٣٧
أيام منى أيام ذكر وشرب وبعال وذكر لله
[٢٤] مالك، عن ابن شهاب، أن رسول الله وَ لل بعث عبدالله بن حذافة أيام منى
يطوف يقول: إنما هي أيام أكل وشرب وذكر له(١).
قال أبو عمر:
قوله أيام منى: يريد الأيام التي يقيم الناس فيها بمنى في حجهم،
وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، إلا لمن تعجل في يومين منها، وهي
أيام التشريق، وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده المؤمنين بذكر
الله فيها؛ ومعنى ذلك عند أهل العلم، ذكر الله مع رمي الجمار هناك،
وفي سائر الامصار: تكبير أدبار الصلوات والله أعلم؛ وسنبين ذلك
كله في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
ويقال: سميت منى، لاجتماع الناس بها، والعرب تقول لكل مكان
يجتمع الناس فيه منى، لما يمنى فيه من الدماء.
هكذا هو في الموطأ عند جميع رواته عن مالك، واختلف فيه
أصحاب ابن شهاب عليه: فرواه معمر عن الزهري، عن مسعود بن
الحكم الانصاري، عن رجل من أصحاب النبي بَّه قال: أمر النبي
وَ له عبدالله بن حذافة السهمي، أن يركب راحلته أيام منى، فيصيح
في الناس: لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب، قال: فلقد رأيته
علي راحلته ينادي بذلك(٢).
ذكره عبدالرزاق عن معمر، ورواه صالح بن أبي الاخضر، عن
الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
(١) هذا حديث مرسل وسيأتي مسندا من وجوه.
(٢) حم (٢٢٤/٥)، الطحاوي (٢٤٦/٢)، وقال الألباني في الإرواء (٤/ ١٣٠): إسناده صحيح.

فتح البر
٣٨
حدثناه عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن الجھم، قال حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا صالح،
قال حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَّيه بعث عبدالله بن حذافة يطوف في منى: ((لا تصوموا
هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب، وذكر لله(١)).
ورواه یونس بن یزید، وابن أبي ذئب، وعبدالله بن عمر العمري،
عن الزهري، أن رسول الله ﴿ ﴿ل بعث عبدالله بن حذافة مرسلا هكذا،
كما رواه مالك سواء؛ وهو الصحيح في حديث ابن شهاب هذا والله أعلم.
وقد روي عن النبي ◌َّ النهي عن صيام أيام منى من حديث علي
ابن أبي طالب، ومن حديث عمرو بن العاص، ومن حديث بشر بن
سحيم، وعقبة بن عامر، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وامرأة من
الانصار، وجماعة(٢)؛ وإنما ذكرنا ههنا حديث ابن شهاب خاصة،
فربما أردفناه بما خف علينا، ونشطنا إليه من غير رواية ابن شهاب:
أخبرنا يعيش بن سعيد، وعبدالوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا مضر بن محمد، قال حدثنا یحیی بن معین،
قال حدثنا هشيم، قال أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((أيام التشريق أيام طعم، وذكر
لله(٣)). ورواه أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة بإسناده مثله سواء.
(١) حم (٥١٣/٢)، الطحاوي (٢٤٤/٢)، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر ليس بقوي، وقد
احتملوا حديثه، قال الحافظ في "التقريب": ضعيف، يعتبر به.
(٢) حم (١٩٧/٤)، د (٢٤١٨/٨٠٣/٢)، الدارمي (٢٤/٢)، هق (٢٩٧/٤)،
ك (٤٣٥/١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرجه: حم (٤١٥/٣)، جه (١٧٢٠/٥٤٨/١)، ابن خزيمة (٢٩٦٠/٣١٣/٤) عن بشر
ابن سحيم. وستأتي للحديث طرق أخرى بعد.
(٣) حم (٢٢٩/٢)، الطحاوي (٢٤٥/٢)، حب (٣٦٠٢/٣٦٧/٨). وأخرجه : =

كتاب بناء الكعبة
٣٩
وحدثنا عبدالوارث، قال حدثنا محمد بن الجهم، قال حدثنا روح
ابن عبادة، قال حدثنا الربيع بن صبيح، ومرزوق أبو عبدالله الشامي،
قالا حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: نهى رسول الله
وَلّى عن صوم أيام التشريق(١).
وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا موسى بن معاوية، وأبو بكر بن أبي
شيبة، قالا حدثنا وكيع بن الجراح، عن موسى بن علي بن رباح، عن
أبيه عن عقبة بن عامر، عن النبي ◌َّر قال: ((إن يوم عرفة ويوم
النحر، وأيام التشريق عندنا أهل الاسلام، وهي أيام أكل وشرب(٢)).
قال أبو عمر: هذا حديث في جمع يوم عرفة مع أيام التشريق في
النهي عن صيامها، لا يأتي إلا بهذا الاسناد؛ وسيأتي القول في صوم
يوم عرفة، وما جاء في ذلك عن السلف في باب أبي النضر، وهو
الحديث الثالث لمالك عن أبي النضر في كتابنا هذا؛ ويأتي لمالك في
الحديث الخامس عشر عن أبي النضر القول في معنى أيام منى، لأن
مالكا روى عن أبي النضر سليمان بن يسار، أن رسول الله وَل * نهى
عن صيام أيام منى(٣)، فذكرنا هنالك الآثار أيضا في ذلك، وذكرنا ثم
= جه (١٧١٩/٥٤٨/١) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. قال
في الزوائد (ص ٢٥٠): صحيح على شرط الشيخين.
(١) الطحاوي (٢٤٥/٢)، وفيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف كما في التقريب.
(٢) حم (٤/ ١٥٢)، د (٢ / ٢٤١٩/٨٠٤)، ت (١٤٣/٣/ ٧٧٣) وقال: حديث حسن صحيح.
ن (٣٠٠٤/٢٧٨/٥)، هق (٢٩٨/٤)، ك (٣٣٤/١) وقال: صحيح على شرط مسلم
ووافقه الذهبي. البغوي (١٧٩٦/٣٥١/٦).
(٣) هذا حديث مرسل، وقد جاء مسندا من حديث عبدالله بن حذافة، أخرجه:
حم (٤٥٠/٣-٤٥١)، الطحاوي (٢٤٤/٢)، ابن أبي شيبة (١٥٢٦٧/٣٩٤/٣).

فتح البر
٤٠
ما بلغنا عن الفقهاء، وأهل اللغة، في تعيين أيام منى وعددها،
واشتقاق معناها؛ وذكرنا معنی أيام التشريق في باب یزید بن الهادي،
كل ذلك ممهدا مبسوطا إن شاء الله، ونذكر ههنا في باب يزيد بن
الهادي أيضا اختلاف العلماء في صوم أيام التشريق، وبالله العون
والتوفيق.
وأما صيام أيام التشريق، فلا خلاف بين فقهاء الامصار فيما علمت
أنه لا يجوز لاحد صومها تطوعا.
وقد روي عن الزبير، وابن عمر، والاسود بن يزيد، وأبي طلحة،
مايدل على أنهم كانوا يصومون أيام التشريق تطوعا، وفي أسانيد
اخبارهم تلك ضعف، وجمهور العلماء من الفقهاء وأهل الحديث على
كراهية ذلك.
ذكر ابن عبدالحكم، عن مالك، فقال: لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر
يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، لنهي رسول الله وَّر عن
صيامها. وقال في موضع آخر: ولا يتطوع أحد بصيام أيام منى، لنهي
رسول الله ◌َ عن صيام أيام منى.
واختلفوا في المتمتع إذا لم يجد الهدي، ولم يكن صام الثلاثة الأيام
في الحج قبل يوم النحر، فقال الشافعي والكوفيون: لا يصوم المتمتع
ولا غيره أيام التشريق، ولا يصومها أحد بحال، متطوع، ولا غير
متطوع، وإن صامها المتمتع، لم تجز عنه. وقال المزني: وقد كان
الشافعي قال مرة: إن صامها المتمتع، أجزأت عنه، ثم رجع عن
ذلك.