النص المفهرس

صفحات 541-560

بناء الكهبة وبقية المناسك
٥٤١ -
اختلفوا في شىء من ذلك فقال الثوري، الشافعي، وأبو حنيفة،
وأصحابهم، أبوثور يقطعهما في أول حصاة يرمي بها من جمرة العقبة، وقال
أحمد، وإسحاق، وطائفة من أهل النظر، والاثر: لا يقطع التلبية حتى يرمي
جمرة العقبة بأسرها، قالوا: وهو ظاهر الحديث: ان رسول الله وَية، لم يزل
يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ولم يقل أحد من رواة هذا الحدیث حتى رمی
بعضها، حتى انه قال بعضهم في حديث عائشة: ثم قطع التلبية في آخر
حصاة .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا بكر بن
حماد: حدثنا مسدد: حدثنا عبد الله بن داود، عن ابن جريج، عن عطاء،
عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، أنه كان ردف النبي وَّر، وان
النبي پڑ لبی حتی رمى جمرة العقبة(١)، وحدثنا عبد الوارث، حدثنا
قاسم: حدثنا بكر: حدثنا مسدد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج
قال: أخبرني عطاء، عن ابن عباس، ان النبي ◌َّير، أردف الفضل من
جمع، وان الفضل حدثه فذكر الحديث مثله.
وحدثنا سعيد بن نصر: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا الترمذي:
حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان: حدثنا محمد بن أبي حرملة، أخبرنا كريب
عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، وكان ردف النبي ◌َّر، في المزدلفة
حتى رمى الجمرة، قال: لم أزل أسمع رسول الله ێے ، يلبي، حتى
الجمرة، جمرة العقبة(٢). وروى سفيان بن عيينة، عن يزيد بن أسلم، عن
(١) حم (٢١٠/١-٢١٤)، خ(١٦٨٥/٦٧٩/٣)، م(٩٣١/٢/ ١٢٨١[٢٦٧])، د (٤٠٥/٢/
١٨١٥)، ت (٩١٨/٢٦٠/٣)، ن (٢٩٥/٥-٣٠٥٥/٢٩٦)، جه (٣٠٤٠/١٠١١/٢).
(٢) سبق تخريجه بنحوه؛ انظر ما قبله. وأخرجه الحميدي (٤٦٢/٢٢٠/١).

فتح البر
٥٤٢
عطاء بن يسار، عن ابن عباس: سمعت عمر يهل بالمزدلفة، فقلت: يا أمير
المؤمنين! فيم الاهلال؟ قال: هل قضينا نسكنا بعد. ذكره ابن المقري عبد
الرحمن ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن جده، عن
سفيان .
قال أبو عمر: من اعتبر الآثار المرفوعة في هذا الباب مثل حديث محمد
ابن أبي بكر الثقفي عن أنس، وحديث عمر، وحديث ابن عباس، وغيرها،
استدل على الاباحة في ذلك، ولهذا ما اختلف السلف فيه هذا الاختلاف،
ولم ينكر بعضهم على بعض. ولما كان ذلك مباحا استحب كل واحد منهم
ما ذكرنا عنه، ومال الیه استحبابا، لا ايجابا، والله أعلم.
أخبرنا إبراهيم بن شاکر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان، وسعيد بن جبير قالا: حدثنا أحمد بن عبد الله
ابن صالح، قال: حدثنا اسماعيل بن خليل، قال: حدثنا علي بن مسهر،
قال: أخبرنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة، طارق بن شهاب، قال:
أفاض عبد الله من عرفات، وهو يلبي فسمعه رجل، فقال: من هذا
الملبي؟ ولیس بحین التلبية، فقيل له : انه ابن أم عبد، فاندس بين الناس
وذهب، فذكر لعبد الله، فجعل يلبي: لبيك عدد التراب. أخبرنا عبد
الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم ابن أصبغ، قال: حدثنا اسماعيل بن
اسحاق، قال حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن
اسماعيل بن خالد، قال: حدثني وبرة قال: سألت ابن عمر عن التلبية يوم
عرفة، فقال: التكبير أحب الي، وذكر ابن وهب، عن عمرو بن الحارث،
عن أبي الزبير، عن جابر، قال: يهل ما دون عرفة، ويكبر يوم عرفة. وذكر
حماد بن زيد عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: حججت
زمن ابن الزبير، فسمعته يوم عرفة يقول: الا وان أفضل الدعاء اليوم،
التكبير. وهذا على الافضل عنده، والله أعلم.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٤٣ = ١١
ومن حجة من اختار التلبية، حتى يرمي في جمرة العقبة ان رسول الله،
وَالر ، كذلك فعل، وقال: خذوا عني مناسككم (١) وهو المبين عن الله
مراده، وهي زيادة في الرواية يجب قبولها .
ومن جهة النظر ان المحرم لا يحل من شيء من إحرامه، ولا يلقي عنه
شیئا من شعثه حتى يرمي جمرة العقبة، فاذا رماها فقد حلت له أشياء كانت
محظورة عليه، وذلك أول احلاله. فينبغي ان تكون تلبيته بالحج على حسب
ما كانت عليه من حين أحرم إلى ذلك الوقت، والله أعلم.
ومعنى التلبية اجابة إبراهيم فيما ذكروا. قال مجاهد وغيره: لما أمر
إبراهيم ◌َ، أن يؤذن في الناس بالحج، قام على المقام، فقال: يا عباد
الله! أجيبوا الله، فقالوا: ربنا لبيك، ربنا لبيك، فمن حج البيت فهو ممن
أجاب دعوته .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد ابن بکر،
قال حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا وكيع، عن
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، ان النبي
مَله ، لبى حتى رمى جمرة العقبة(٢).
واختلف الفقهاء في قطع التلبية في العمرة، فقال الشافعي: يقطع
التلبية في العمرة إذا افتتح الطواف، وقال مالك: لا يقطع المحرم التلبية في
العمرة إذا أحرم من التنعيم، حتى يرى البيت، وأما من أحرم من المواقيت
بعمرة، فانه يقطع التلبية إذا دخل الحرم، وانتهى اليه، قال: وبلغني ذلك
عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، واختلف العلماء في الطواف في التلبية
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
(٢) حم (٣٠١/٣-٣١٨-٣٣٢ -٣٣٧ -٣٦٧ -٣٧٨) وم (٩٤٣/٢/ ١٢٩٧)،
د (٤٩٥/٢ - ٤٩٦ /١٩٧٠)، ن (٣٠٦٢/٢٩٨/٥)، جه (٣٠٢٣/١٠٠٦/٢).

فتح البر
= ٥٤٤
للحاج، فكان ربيعة بن ابي عبد الرحمن يلبي إذا طاف بالبيت، ولا يرى به
بأسا. وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل أنه لا بأس بذلك، وأنكر ذلك
سالم. قال ابن عيينة: مارأيت أحدا يقتدى به، يلبي حول البيت، إلا عطاء
ابن السائب. وقال اسماعيل: لا يزال الرجل ملبيا حتى يبلغ الغاية التي
اليها يكون استجابته، وهو الموقف بعرفة .
وقد تقدم قول علي، وابن عمر، واختيار مالك لذلك، والحمد لله.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٤٥
فضيلة يوم عرفة
[١٧] مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله
وَلخير ، قال: ما رئي الشيطان يوما هو فيه اصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ
منه في يوم عرفة، وما ذلك الا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب
العظام، الا ما رأى يوم بدر. قيل وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ فقال: اما انه رأى
جبريل يزع الملائكة هكذا(١).
هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة له عن مالك.
ورواه أبو النضر اسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم
ابن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أبيه، ولم يقل في هذا
الحديث عن أبيه غيره وليس بشيء، وطلحة بن عبيدالله بن كريز هذا
خزاعي من أنفسهم، تابعي، مدني، ثقة، سمع من ابن عمر وغيره، وقال
البخاري طلحة بن عبيد الله بن كريز الكعبي الخزاعي المدني سمع ام
الدرداء .
قال أبو عمر:
هذا حديث حسن، في فضل شهود ذلك الموقف المبارك، وفيه دلیل
على الترغيب في الحج، ومعنى هذا الحديث محفوظ من وجوه كثيرة، وفيه
دليل على أن كل من شهد تلك المشاهد يغفر الله له ان شاء الله، وفيه أن
شهود بدر، أفضل من كل عمل يعمله الإنسان بعده إلى يوم القيامة، نفلا
كان أو فرضا، لأن هذا القول كان منه وَلّ في حجة الوداع، وفيه الخبر عن
(١) البغوي (٧/ ١٥٨/ ١٩٣٠) وقال: هذا حديث مرسل.
عبد الرزاق (٥/ ١٧-١٨/ ٨٨٣٢)، هق في "شعب الإيمان" (٤٠٦٩/٤٦١/٣).

٥٤٦
فتح البر
٠٥٤٦
حسد ابليس وعداوته لعنه الله، وفيه دليل على أن الحسود يجد في نفسه ذلة
لعدمه ما أوتيه المحسود، وإما قوله أصغر وأحقر وأغيظ فمستغن عن التفسير
لوضوح معاني ذلك عند العامة والخاصة، واما قوله أدحر، فمعناه أبعد من
الخير وأهون، والأدحر المطرود المبعد من الخير، المهان، يقال ادحره عنك أي
أطرده وأبعده .
وأما قوله يزع الملائكة، فقال أهل اللغة معنی یزع، یکف ويمنع، الا
انها هاهنا بمعنی یعبيهم ویرتبهم للقتال ويصفهم، وفيه معنی الكف، لانه
يمنعهم عن الكلام من أن يشف بعضهم على بعض، ويخرج بعضهم عن
بعض في الترتيب، قالوا ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ
مِنَ الْجِنّ وَاَلْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: (١٧)] وقد تكنى العرب بهذه
اللفظة عن الموعظة، لما فيها من معنى الكف والمنع والردع والزجر،
قال النابغة الذبياني :
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقلت ألما أصح والشيب وازع
وقال لبيد العامري :
اذا المرء أسرى ليلة ظن أنه
قضی عملا، والمرء ما عاش عامل
فقولا له ان كان يعقل أمره،
ألما يزعك الدهر، أمك هابل

٥٤٧
بناء الكعبة وبقية المناسك
وقال المعلوط السعدي :
ولما تلاقینا جرت من جفوننا
دموع وزعنا غربها بالاصابع
وقال آخر:
وقد لاح في عارضيك المشیب
ومثلك بالشیب قد یوزع
وقال آخر:
ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى
من الناس الا وافر العقل كامله
وقالآخر:
امنع فؤادك أن يميل بك الهوی
واشدد یدیك بحبل دینك واتزع
وروی محمد بن إسحاق عن یحیی بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن
أبيه عن جده، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله وَ لا بذى
طوی، یعنی یوم الفتح، قال أبو قحافة- وقد کف یومئذ بصره- لابنته:
اظهري بي على أبي قبيس، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: ما ترين؟
قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا بين
السواد مقبلا ومدبرا، قال: ذلك الوازع يمنعها ان تنتشر. وذكر تمام
الحديث. وأخبرنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن إسحاق القاضي،
قال حدثنا محمد بن احمد بن أبي الاصبغ الامام بمصر، قال حدثنا أبو الزنباع

:٥٤٨
فتح البر
روح بن الفرج، قال حدثنا أبو زید بن أبي الغمر، قال حدثنا ابن القاسم،
قال حدثنا مالك، ان عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع الامام أكثر مما يزع
القرآن، أى من الناس، قال: قلت لمالك ما يزع قال: يكف. وذكر الحسن
ابن علي الحلواني في کتاب المعرفة له قال حدثنا عفان، قال أخبرنا اسماعيل
يعنى ابن علية، عن ابن عون، قال سمعت الحسن وهو في مجلس قضائه،
فلما رأى ما يصنع الناس، قال: والله ما يصلح هؤلاء الناس الا وزعة، قال
اسماعيل یزعونهم أي يمنعونهم. ومنه الحديث الذي حدثني أحمد بن عبد
الله بن محمد بن علي، أن أباه حدثه، قال حدثنا عبد الله بن يونس، قال
حدثنا بقى بن مخلد، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا حسين بن
محمد، قال حدثنا جرير بن حازم، عن نافع، عن ابن عمر أنه رأی رؤیا،
كان ملكا انطلق به إلى النار فلقيه ملك آخر وهو يزعه، فقال لم تزع هذا نعم
الرجل لو كان يصلي من الليل، قال فكان بعد ذلك يطيل الصلاة بالليل.
ومنه الحديث الذي يروى عن أبي بكر الصديق إن صح عنه انه قال: لا أقيد
من وزعة الله، قال ذاك في بعض عماله.
وقد رویت آثار في معنى حديث إبراهيم بن أبي عبلة هذا في يوم عرفة،
أنا ذاکر منها ما حضرني ذکره بحسن عون ربي، لا إله إلا هو.
حدثنا أبو القاسم احمد بن فتح، قال : حدثنا حمزة بن محمد الحافظ
بمصر، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن یونس، قال حدثنا احمد بن
عيسى، قال حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن
يونس، وهو ابن يوسف، عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة: ان
رسول الله وَلو قال: ما من يوم يعتق الله فيه أكثر من يوم عرفة(١). وأخبرنا
(١) م (٢ / ٢٨٩ - ٢٨٣/ ١٣٤٨)، ن (٢٧٨/٥ / ٣٠٠٣)،
جه (٢/ ١٠٠٢ - ١٠٠٣ /٣٠١٤).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٤٩
احمد بن فتح بن عبدالله، قال: حدثنا همزة الکناني، قال: حدثنا احمد بن
سعید الدمشقي، قال: حدثنا عیسی بن إبراهيم ، قال حدثنا عبد الله بن
وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابن يوسف، عن
سعيد بن المسيب، عن عائشة قالت: قال رسول الله ويقول: ما من يوم أكثر
ان يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم
الملائكة(١).
وهذا يدل على أنهم مغفور لهم لانه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب الا
من بعد التوبة والغفران، والله أعلم، وروى ابن المبارك عن أبي بكر بن
عثمان، قال حدثني أبو عقيل، عن عائشة قالت: يوم عرفة يوم المباهاة،
قيل لها وما يوم المباهاة؟ قالت: ينزل الله يوم عرفة الى السماء الدنيا، ثم يدعو
ملائكته، ويقول انظروا إلى عبادي، شعثا غبرا، بعثت اليهم رسولا فآمنوا
به، وبعثت اليهم كتابا فآمنوا به، يأتونني من كل فج عميق، يسألوني أن
أعتقهم من النار، فقد أعتقتهم، فلم یر یوم أكثر ان يعتق فیه من النار من
يوم عرفة(٢).
حدثنا یعیش بن سعید الوراق وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل الترمذي، قال حدثنا أبو
نعيم، قال حدثنا مرزوق مولى طلحة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد
الله، عن النبي وَالر قال: اذا كان يوم عرفة ينزل الله الى السماء الدنيا،
يباهي بهم الملائكة، فيقول انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، من كل فج
عمیق، اشهدکم اني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة یا رب فلان وفلان هو،
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) هذا الحديث ورد من طرق مختلفة بعضها مختصر، وبعضها مطول. فمن حديث عائشة ورد
مختصرا: وقد سبق تخريجه في الباب نفسه. وسيأتي مطولا بعد.

فتح البر
قال فيقول قد غفرت لهم. فقال رسول الله وَيقول: فما يوم أكثر عتيقا من النار
من يوم عرفة(١). وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال
رسول الله وَالله: المغفرة تنزل على أهل عرفة مع الحركة الاولى، فاذا كانت
الدفعة العظمی فعند ذلك یضع ابليس التراب على رأسه يدعو بالويل
والثبور، قال فيجتمع اليه شياطينه، فيقولون ما لك؟ فيقول قوم فتنتهم منذ
ستين سنة وسبعين سنة غفر لهم في طرفة عين(٢).
وقال مجاهد: كانوا يرون ان الرحمة تنزل عند دفعة الامام عشية عرفة.
أخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: حدثنا
احمد بن عمرو بن منصور، وحدثنا أبو عبد الله بن عبيد بن محمد، قال:
أخبرنا عبد الله بن مسرور، قال: أخبرنا عیسی بن مسکین، قالا: حدثنا
محمد بن سنجر قال: حدثنا الفضل بن دکین، قال حدثنا يونس بن أبي
اسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ان الله
(١) البغوي (١٩٣١/١٥٩/٧)، ابن خزيمة (٢٨٤٠/٢٦٣/٤)، حب: الإحسان
(٩/ ١٦٤/ ٣٨٥٣). وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٢٠٠-١/٢٠١): ((رواه أبو يعلى
والبزار وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه واللفظ له، والبيهقي ولفظه: ((قال رسول الله إليه:
اذا كان يوم عرفة .. فذكره)). وقال الهيثمي (٢٥٦/٣): رواه أبو يعلى وفيه محمد بن مروان العقيلي
وثقه ابن معين وابن حبان وفيه بعض كلام وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار الا أنه قال
أفضل أيام الدينا أيام العشر.
(٢) ورد هذا الحديث عن عبادة بن الصامت وعباس بن مرداس وغيرهم. أما حديث عبادة فأخرجه:
عبد الرزاق (٨٨٣١/١٧/٥). وقال المنذري في الترغيب (٢٠١/٢-٣/٢٠٢): ((رواه الطبراني في
الكبير، ورواته محتج بهم في الصحيح، الا أن فيهم رجلا لم يسم. وقال الهيثمي
(٢٥٩/٣-٢٦٠): رواه الطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح)). أما
حدیث عباس بن مرداس فأخرجه :
جه (٢/ ١٠٠٢/ ٣٠١٣) قال في الزوائد: ((في إسناده عبد الله بن كنانة، قال البخاري: لم يصح
حديثه، ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا توثيق)). هق (١١٨/٥)، وذكره المنذري في الترغيب
(٢٠٢/٢-٥/٢٠٣-٦).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٥١=
يباهي بأهل عرفات أهل السماء، يقول لهم انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا
غبرا، أشهدكم اني قد غفرت لهم(١).
أخبرنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن مسرور، قال حدثنا
عيسى بن مسكين، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني،
وأخبرنا سلمة بن سعيد ومحمد بن خليفة قالا: حدثنا محمد بن الحسين، قال
حدثنا الحسن بن الحباب أبو علي المقرى، قال: حدثنا الحسن بن عرفة،
قالا: حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسى، قال: حدثنا عبد القاهر بن
السرى السلمى، قال: حدثني ابن لكنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه،
عن جده عباس بن مرداس، أن رسول الله وَليل دعا عشية عرفة لامته
بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجابه الله اني قد فعلت، الا ظلم بعضهم
بعضا، فأما ذنوبهم بيني وبينهم فقد غفرتها لهم، فقال: اي رب انك قادر
ان تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم قال فلم يجبه تلك
العشية، فلما كان غداة المزدلفة اعاد الدعاء، فأجابه أني قد غفرت لهم، قال
ثم تبسم رسول الله وَ﴿، فقال له اصحابه يا رسول الله تبسمت في ساعة لم
تكن تتبسم فيها؟ قال: تبسمت من عدو الله ابلیس، لما عرف انه قد
استجاب الله لي في أمتي اهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثى التراب على
رأسه(٢) .
حدثنا أبو عثمان سعید بن سید، قال حدثنا أبو عیسی یحیی بن عبيد
الله بن أبي عیسی، قال حدثنا أبو عثمان سعید بن فحلون، قال: حدثنا
(١) حم (٢/ ٣٠٥)، حب: الإحسان (٩/ ٣٨٥٢/١٦٣)، ك (٣٦٥/١) وقال: هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
ابن خزيمة (٢٨٣٩/٢٦٣/٤)، قال الهيثمي (٢٥٥/٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) حم (٤ / ١٤ -١٥)، جه (٢ / ١٠٠٢/ ٣٠١٣)، قال في الزوائد: في إسناده عبدالله بن كنانة،
قال البخاري: لم يصح حديثه، ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا توثيق. هق (١١٨/٥)، وذكره
المنذري في الترغيب (٢٠٢/٢-٥/٢٠٣-٦).

فتح البر
٥٥٢
عبد الرحمن بن عبيد البصري، قال حدثنا ابن أبي الشوارب القرشي الاموي،
قال: أخبرنا عبد القاهر بن السرى السلمى، قال حدثنا ابن لكنانة بن
عباس بن مرداس السلمى، عن أبيه، عن جده، أن النبي وَّ دعا لأمته
عشية عرفة بالمغفرة، فأجابه الله اني قد فعلت، الا ظلم بعضهم بعضا، فلما
كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فقال يا رب انك قادر أن تثيب المظلوم خيرا
من مظلمته، وتعفو عن الظالم، فاجابه الله اني قد فعلت، ثم التفت الينا
رسول الله وَالقر متبسما، فقلنا يا نبي الله ما الذي اضحكك؟ قال: ان
ابلیس عدو الله لما علم ان الله عزوجل قد شفعني في امتي اھوی يدعو
بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه (١).
وروى مسلم بن إبراهيم ، قال أخبرنا كعب بن فروخ الرقاشي، قال
حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ليس يوم أكثر عتيقا من يوم
عرفة، هكذا ذكره موقوفا، واخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبدالسلام الخشنى، قال حدثنا أبو جعفر
ابن وهب المسعری، قال حدثنا إسحاق بن سلیمان الرازي، قال حدثنا
سلمة بن بخت، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ان يوم عرفة يباهي الله
ملا ئكته في السماء بأهل الارض، يقول تبارك وتعالى: عبادي جاؤوني شعثا
غبرا، آمنوا بي ولم يروني، وعزتي لأغفرن لهم، وهو يوم الحج الأكبر.
قال أبو عمر:
اختلف في تأويل قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]
فقيل يوم عرفة، وقيل يوم النحر، قال بهذا جماعة وبهذا جماعة، روي من
حديث عمرو بن مرة، عن مرة بن شراحيل، عن رجل من أصحاب النبي
(١) تقدم تخريجه .

بناء الكهبة وبقية المناسك
٥٥٣-
وَ الر، قال: خطبنا رسول الله وَيه بالمزدلفة غداة يوم النحر على ناقة حمراء،
فقال: هل تدرون أي يوم هذا؟ هذا يوم الحج الأكبر(١). رواه شعبة وغيره
عن عمرو بن مرة، ومن حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: سئل
رسول الله وَ عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر(٢). وروى جعفر بن
أبي وحشية عن سعيد بن جبير: الحج الأكبر يوم النحر. وروى عاصم بن
حکیم عن مجاهد في يوم الحج الا کبر قال حین الحج ایامه كلها، وابن جريج
عن مجاهد مثله، وقال معمر عن الحسن انما سمى الحج الأكبر لانه حج فيه
أبو بكر ونبذت فيه العهود. وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه قيل
له ما الحج الاكبر؟ قال: يوم عرفة وهو اليوم الاكبر عرفة .
قال أبو عمر:
روى عن النبي ◌َّل انه قال يوم الحج الأكبر يوم عرفة(٣) وهو قول ابن
عباس وطاوس، وروى عنه وَّ انه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر من
حديث على وأبي هريرة وابن عمر ورجل من أصحاب النبي وَّلي- (٤).
ولا خلاف عن مالك واصحابه ان يوم الحج الأكبر يوم النحر واختلف
(١) الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٦١٥٤/١٥٨/٤).
(٢) ت (٩٥٧/٢٩١/٣) مرفوعا وأخرجه موقوفا (٩٥٨/٢٩١/٣) وقال: ((وهذا أصح من الحديث
الأول ورواية ابن عيينة موقوفا أصح من رواية محمد بن اسحاق مرفوعا. هکذا روی غیر واحد من
الحفاظ عن أبي اسحاق عن الحارث عن علي موقوفا. وقد روى شعبة عن ابي اسحاق قال: عن
عبد الله بن مرة عن الحارث عن علي موقوفا)).
(٣) من حديث مخرمة: ذكره قرطبي (٨/ ٤٥)، وعزاه لاسماعيل القاضي.
(٤) من حديث أبي هريرة: د (١٩٤٦/٤٨٣/٢). وهذه الزيادة ليست من المرفوع الى النبي وَّر، وقد
صرحت بذلك رواية مسلم ففيها: قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر
يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة والحديث عند البخاري ومسلم دون ذكر هذه الزيادة
ومن حديث ابن عمر أخرجه: د(١٩٤٥/٤٨٣/٢)، جه (٢/ ٣٠٥٨/١٠١٦)، وأخرجه
البخاري تعليقا مختصرا. أما حديث علي فقد تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
=٥٥٤
أصحاب الشافعي في ذلك، فقالت طائفة منهم يوم الحج يوم عرفة، وقال
بعضهم يوم النحر، وكذلك اختلف أصحاب أبي حنيفة، وليس عنه شيء
منصوص. وذكر الثوري في جامعه في يوم الحج الأكبر، قال: حدثنا ليث
عن مجاهد قال: الحج الأكبر يوم النحر، والحج الاصغر العمرة. أخبرنا عبد
الله بن محمد بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن مالك قال: حدثنا محمد بن
عبد الله بن زبر، قال: حدثنا محمد بن خريم، قال حدثنا أبو عبد الغنى
الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن
الاعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّهو: إذا كان يوم عرفة غفر الله
للحاج المخلص، واذا كانت ليلة مزدلفة غفر الله للتجار، وإذا كان يوم منى
غفر الله للجمالين، واذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسؤال، ولا یشهد
ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلّ الله إلا غفر له(١).
وحدثنا محمد بن خلف بن قاسم، حدثنا علي بن الحسين بن بندار،
حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن مروان قال: سمعت الحسن بن علي بن معان
الصنعاني، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج
عن أبي هريرة عن رسول الله وَل قال: إذا كان يوم عرفة وذكر الحديث مثله
سواء(١).
وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي
وعلي بن محمد بن اسماعيل الطوسي بمكة قالا: حدثنا محمد بن خريم،
حدثنا أبو عبد الغني الحسن بن علي، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا مالك، عن
(١) ذكره السيوطي في "اللاليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (٢/ ١٢٤) وقال: قال ابن حبان
باطل، الحسن يضع، وكذا قال الدارقطني في غرائب مالك، وهو باطل وضعه أبو عبد الغني،
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق آخر عن أبي عبد الغني قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام
حدثنا مالك به والله أعلم.
وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/٢١٥/٢).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٥٥
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إذا كان
يوم عرفة غفر الله للحاج واذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار واذا كان يوم
منی غفر الله للجمالین واذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسؤال ولا يشهد
ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله الا الله الاغفر له(١).
قال أبوعمر:
هذا حديث غريب من حديث مالك وليس محفوظا عنه الا من هذا
الوجه، وابو عبد الغني لا أعرفه، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في
رواية الرغائب والفضائل عن كل أحد، وإنما كانوا يتشددون في أحاديث
الأحكام.
أخبرنا علي بن إبراهيم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا محمد
ابن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا محمد بن عمرو العربي، قال حدثنا
عطاف بن خالد المخزومي، عن اسماعيل بن رافع، عن أنس بن مالك
قال: كنت مع رسول الله وَله في مسجد الخيف قاعدا، فأتاه رجل من
الانصار ورجل من ثقيف، فذكر حديثا فيه طول، وفيه، واما وقوفك عشية
عرفة فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا ثم يباهي بكم الملائكة فيقول هؤلاء
عبادي جاءوني شعثا سفعا، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبكم
كعدد الرمل وكعدد القطر وكزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم
ولمن شفعتم له(٢)، وذكر تمام الحديث.
وأخبرنا علي بن إبراهيم بن احمد بن حمويه، قال حدثنا الحسن بن
رشيق، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد البرذعي بمكة سنة ثلاثمائة،
(١) تقدم تخريجه .
(٢) ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٧٩) وقال: رواه البزار وفيه اسماعيل بن رافع وهو ضعيف.

-٥٥٦
فتح البر
٥٥٦
قال: حدثنا علي بن موفق البغدادي، قال حدثنا احمد بن شبويه المروزي،
قال حدثنا ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس
ابن مالك قال: وقف النبي وَّر بعرفات وكادت الشمس أن تؤوب، فقال
يا بلال انصت لي الناس، فقام بلال فقال: انصتوا لرسول الله وَله .
فنصت الناس فقال: معاشر الناس، اتاني جبريل آنفا، فاقرأني من ربي
السلام، وقال ان الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم
التبعات. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاص،
فقال: هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر رضي الله عنه:
كثر خير الله وطاب(١). وروي عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه رأى سائلا
يسأل يوم عرفة فقال: يا عاجز في هذا اليوم تسئل غير الله؟ وذكر المداني
فقال خطب عمر بن عبد العزيز بعرفة فقال: إنكم قد جئتم من القريب
والبعيد، وانضيتم الظهر، وأخلقتم الثياب، وليس السابق اليوم من سبقت
دابته وراحلته، وإنما السابق الیوم من غفر له. وروی سفيان عن داود بن أبي
هند عن ابن سيرين قال: كانوا يرجون في ذلك الموقف للحمل في بطن أمه.
(١) قال المنذري في الترغيب والترهيب (٧/٢٠٣/٢): روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير
ابن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه .

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٥٧
عرفة كلها موقف والمزدلفة كلها موقف
[١٨] مالك أنه بلغه أن رسول الله وَالل قال: عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن
عرنة، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر.
وهذا الحدیث يتصل من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث ابن
عباس، ومن حديث علي بن ابي طالب؛ قال ابن وهب: سألت سفيان بن
عيينة عن عرنة؟ فقال: موضع الممر في عرفة، ثم ذلك الوادي كله قبلة
المسجد إلى العلم الموضوع للحرم بطريق مكة؛ وأما بطن محسر، فذكر ابن
وهب أيضا عن سفيان بن عيينة قال: بطن محسر حين تنحدر من الجبل
الذي عند المشعر الحرام عند النخيلات عند المشلل.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن عمران، قال
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثنا أبي، قال حدثنا عثمان بن
عمر، قال حدثنا أسامة يعني ابن زيد، عن عطاء، عن جابر، قال: قال
رسول الله وَله: عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة
طريق ومنحر(١).
قال أبو عمر:
هذا هو الصحیح إن شاء الله، ومن رواه عن عطاء عن ابن عباس
فليس بشيء، روي من حديث عبيد الله بن عمر، عن عطاء، عن ابن
عباس، ولیس دون عبيد الله من يحتج به في ذلك.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا یحیی بن سعید، قال حدثنا
(١) حم (٣/ ٣٢٦)، د (٢ / ٤٧٨ / ١٩٣٧)، جه (٢ / ١٠١٣/ ٣٠٤٨)،
الدارمي (٥٦/٢-٥٧)، هق (١٢٢/٥).

٥٥٨
=
فتح البر
جعفر بن محمد، حدثني أبي، عن جابر، قال: ثم قال النبي ◌ُّ: قد
نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، ووقف بعرفة فقال: قد وقفت ههنا، وعرفة
كلها موقف؛ ووقف بالمزدلفة، فقال: قد وقفت ههنا، والمزدلفة كلها
موقف(١). وحدثنا عبدالوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد،
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن
جابر أن النبي وَله قال: وقفت ههنا بعرفة، وعرفة كلها موقف. ووقفت
ههنا بجمع وجمع كلها موقف، ونحرت ههنا بمنى، ومنى كلها منحر،
فانحروا في رحالكم(١).
قال أبو عمر:
أكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة، ولا بطن محسر من
المزدلفة، وكذلك نقلها الحفاظ الأثبات الثقات من أهل الحديث في حديث
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في الحديث الطويل في الحج ليس فيه
استثناء عرنة ولا محسر.
وقد روى الدراوردي، عن محمد بن ابي حميد، عن ابن المنكدر، عن
النبي ◌ُّ مثل حديث مالك سواء: المزدلفة، كلها موقف إلا بطن محسر،
وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة(٢). ومحمد بن ابي حميد مدني ضعيف. وذكره
ابن وهب في موطئه قال أخبرني محمد بن أبي حميد، عن محمد بن المنكدر
قال: قال رسول الله وَ ليل: كل عرفة موقف إلا ما جاز بطن عرنة، وكل
(١) حم (٣٢١/٣)، م (٢ / ١٢١٨/٨٩٣[١٤٩])، هق (١١٥/٥).
(٢) ذكره مالك في الموطأ بلاغا، ومحمد بن أبي حميد وإن كان فيه مقال الا أنه ورد عن محمد بن المنكدر
من وجه أخر أخرجه: هق (١١٥/٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج أخبرني
محمد بن المنكدر به .

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٥٩
المزدلفة موقف إلا ما خلف بطن محسر (١)؛ قال: وقال لي مالك: الوقوف
بعرفة على الدواب والإبل أحب الي من أن أقف قائما، وإن وقف قائما فلا
بأس أن يستريح.
قال ابن وهب: وأخبرني يزيد بن عياض عن إسحاق بن عبدالله،
عن عمرو بن شعيب وسلمة بن كهيل أن رسول الله وَ ل قال: هذا
الموقف، وكل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة (٢)، ومن أجاز بطن عرنة
قال: ان تغيب الشمس فلا حج له .
قال أبو عمر:
یزید بن عیاض متروك الحديث لا یری أهل العلم بالحديث أن یکتب
حديثه، وحديثه هذا أيضا منقطع ليس بشيء من جهة الإسناد؛ واما بطن
عرنة فهو بغربي مسجد عرفة حتى لقد قال بعض العلماء: إن الجدار الغربي
من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة .
وقال الشافعي: وعرفة ما جاز وادي عرنة الذي فيه المسجد، قال
ووادي عرنة من عرفة إلى الجبال المقابلة على عرفة، كلها مما يلي حوائط بني
عامر، وطريق حضن؛ فإذا جاوزت ذلك، فليس بعرفة .
وأما وادي محسر، فهو دون المزدلفة، فكل من وقف بعرفة للدعاء ارتفع
عن بطن عرنة، وكذلك من وقف صبيحة يوم النحر للدعاء بالمشعر الحرام
وهو المزدلفة ارتفع عن وادي محسر.
(١) تقدم تخريجه .
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" وقال: ((رواه ابن وهب في موطئه عن يزيد بن عياض
عن اسحاق بن عبد الله عن عمرو بن شعيب وسلمة بن کھیل مرسلا نحو حدیث جابر، ویزید
واسحاق متروكان، وأخرجه أبو يعلى من حديث أبي رافع».

س ٥٦٠
فتح البر
قال الشافعي: والمزدلفة مما يلي عرفة، وليس المأزمان من المزدلفة إلى أن
تأتي وادي محسر عن يمينك وشمالك من تلك البطون والشعاب والجبال كلها
من مزدلفة .
واختلف الفقهاء فيمن وقف من عرفة بعرنة، فقال مالك فيما ذكر ابن
المنذر عنه : يهريق دما وحجه تام. وهذه رواية رواها خالد ابن نزار عن
مالك.
قال أبو إسحاق بن شعبان: عرنة موضع الممر من عرفة ثم ذلك
الوادي من فناء المسجد إلى مكة إلى العلم الموضوع للحرم، قال: وعرفة كل
سهل وجبل أقبل على الموقف فيما بين التلعة إلى أن يفضوا إلى طريق نعمان،
وما أقبل من کبکب من عرفة.
وذكر أبو المصعب: أنه كمن لم يقف، وحجه فائت، وعليه الحج من
قابل إذا وقف ببطن عرنة. وروي عن ابن عباس قال: من أفاض من عرنة
فلا حج له.
وقال القاسم وسالم: من وقف بعرنة حتى دفع فلا حج له.
وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشافعي قال: وبه أقول لأنه لا يجزيه
أن يقف بمكان أمر رسول الله ◌َ ي أن لا يقف به.
قال أبو عمر: قد ذكرنا أن الاستثناء لبطن عرنة من عرفة لم يجيء مجيئا
تلزم حجته لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع، والذي ذکر المزني عن
الشافعي قال: ثم يركب فيروح إلى الموقف عند الصخرات، ثم يستقبل
القبلة بالدعاء؛ قال: وحيثما وقف الناس من عرفة أجزأهم، لأن النبي ◌َّلعمل
قال: هذا موقف، وكل عرفة موقف(١).