النص المفهرس
صفحات 481-500
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٨١ =
قال مالك: من أهل بحجة وعمرة، أو أدخل الحج على العمرة،
طاف لهما طوافا واحدا بالبيت؛ وسعى لهما بين الصفا والمروة سعيا واحدا،
وهو قول الشافعي؛ وبه قال أحمد بن حنبل، واسحاق، وأبو ثور، والحجة
لمن ذهب هذا المذهب: حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
عائشة- الحديث: قالت: وأما الذين أهلوا بالحج، أو جمعوا الحج والعمرة:
فإنما طافوا طوافا واحدا، وقد ذكرنا هذا الخبر في باب ابن شهاب عن عروة-
والحمدلله.
وما حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
قال حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي
وَلل قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافا واحداً(١).
وروی رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر، أن أصحاب النبي
( لم یزیدوا علی طواف واحد.
وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال أخبرنا محمد بن منصور، قال حدثنا سفيان، عن أيوب
ابن موسى، عن نافع، ان ابن عمر قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما
طوافا واحدا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَل يفعل(٢)، وقد تقدم في
هذا الباب حدیث ابن عمر هذا من طرق .
وروی الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
ان رسول الله وَل قال: من قرن بين الحج والعمرة، کفاه لهما طواف واحد،
(١) ت(٣/ ٢٨٣/ ٩٤٧) وقال: حديث حسن. جه (٢٩٧٣/٩٩٠/٢).
(٢) ن (٥/ ٢٩٣٢/٢٤٨)، حب: الإحسان (٩/ ٣٩١٣/٢٢١).
فتح البر
| -- ٤٨٢
وسعي واحد. ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا (١).
وروی یحیی بن یمان، عن سفيان، عن عبيد الله بن عمر عن نافع،
عن ابن عمر، عن النبي مقل مثله بمعناه.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال حدثنا الشافعي، عن ابن
عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة، أن النبي ◌َّ قال لها:
طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك(٢).
قال أبو عمر:
هذا قول ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وقال سفيان
الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي،
والاوزاعي: على القارن طوافان وسعيان، ومن حجتهم أن قالوا في حديث
عائشة وقولها فيه: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافا
واحدا، قالوا أرادت جمع متعة لا جمع قران، يعني أنهم طافوا طوافا واحدا
بعد جمعهم بين الحج والعمرة التي قد كانوا طافوا لها، لان حجتهم تلك
كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها قبل عرفة، وإنما يطاف لها بعد
عرفة- طوافا واحدا .
واحتجوا بما ذكره أبو داود، قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا مالك، عن
ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أصحاب النبي ◌َّل الذين كانوا
(١) حم (٢/ ٦٧) بهذا اللفظ. وأخرجه: ت (٣/ ٩٤٨/٢٨٤) وقال: حسن صحيح غريب. جه
(٢٩٧٥/٩٩١/٢)، بلفظ من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما، حتى
يحل منهما جميعا.
(٢) د (٢ / ١٨٩٧/٤٥١)، وأخرجه: م (١٢١١/٨٧٩/٢) بلفظ: ((يسعك طوافك لحجك
وعمرتك» بإسناد آخر.
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٨٣ =
معه لم يطوفوا حتى رموا الجمرة(١). ودفعوا حديث أبي معاوية عن الحجاج بن
أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر، بأن ابن جريج، والأوزاعي، وعمرو بن
دينار، وقيس بن سعد، رووه عن عطاء، عن جابر، أن رسول الله وَال أمر
أصحابه بفسخ الحج في العمرة- وهم على الصفا في آخر الطواف، فهذا تمتع
لا قران؛ لانهم حجوا یومئذ بعد ذلك، والطواف للحج بعد ذلك، إنما يكون
طوافا واحدا، ودفعوه أيضا بأن جعفر بن محمد روى عن أبيه، عن جابر، أن
رسول الله وَي أفرد الحج(٢)؛ قالوا: فكيف يقبل حديث حجاج بن أرطاة
عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله وَل قرن بين الحج والعمرة، وطاف
لهما طوافا واحدا، والحجاج ضعيف عندهم، ليس بحجة. ودفعوا أيضا
حديث الحجاج عن أبي الزبير، عن جابر، بأن قالوا: رواه ابن جريج، عن
أبي الزبير، عن جابر، قال: لم يطف النبي وَلّر ولا أصحابه بين الصفا والمروة
الا طوافا واحدا، قالوا: وانما معنى هذا أن السعي بين الصفا والمروة لا يصنع
الا في طواف القدوم خاصة مرة واحدة، واعتلوا في حديث الدراوردي عن
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، بأن قالوا: أخطأ فيه
الدراوردي؛ لان الجماعة رووه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر- قوله- ولم يرفعوه، قالوا: وأما قول ابن عمر حين طاف طوافا واحدا
وقال: هكذا صنع رسول الله وَ الل فانه أراد هكذا صنع رسول الله وَليقول في
حجته طاف طوافا واحدا بعد رجوعه من منى، ورمي الجمرة، لانه كان في
حجته متمتعا عند ابن عمر، وقد كان طاف لعمرته عند الدخول، وأمر من لم
يكن معه هدي أن يحل ولم يحل هو، لانه كان ساق الهدي، قالوا: فإن كان
ابن عمر جعل طواف القارن کطواف المتمتع، فقد خالفه في ذلك علي، وابن
(١) د (٢ / ٤٥٠ / ١٨٩٦).
(٢) تقدم في باب " ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال".
فتح البر
- ٤٨٤
مسعود، وذكروا ما حدثناه عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد
ابن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن الأعمش
عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أذينة، أنه سأل عليا عمن جمع بين الحج
والعمرة، فقال: اذا قدمت مكة فطف طوافين بالبيت، وطوافين بين الصفا
والمروة، ولا تحل حتى تنحر، أو قال حتى يوم النحر، وقد ذكرنا خبر علي وابن
مسعود من طرق في باب شهاب.
قال أبو عمر:
أما قولهم إن عائشة أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا الحج مع العمرة،
فإنما طافوا لهما طوافا واحدا، أرادت جمع متعة لا جمع قران، فدعوی لا برهان
عليها: وظاهر حديث عائشة وسياقه، يدل على أنها أرادت الذين قرنوا الحج
والعمرة، لانها فصلت بالواو بين من أهل بحج، وبين من أهل بعمرة فتمتع
بها، وبين من جمع الحج والعمرة، ثم قالت: فأما الذين أهلوا بعمرة، فإنهم
طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن
رجعوا من منى بحجهم، وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج
والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافا واحدا- ولم تقل: وأما الذين أهلوا بعمرة -
تعني من تمتع، فدل على أنها أرادت من قرن- والله أعلم. وقد رفع الاشكال
في ذلك، ما أوردنا من الآثار عن نافع، عن ابن عمر، أنه قرن بين الحج
والعمرة، وطاف لهما طوافا واحدا - لم يزد على ذلك، وقال: هكذا صنع
رسول الله مَيه، وليس حملهم على الدراوردي بشيء، لانه قد تابع
الدراوردي یحیی بن یمان، عن الثوري، عن عبيد الله - بمعنی روايته،
والدليل على صحة ما رواه الدراوردي، أن أيوب السختياني، وأيوب بن
موسى، وموسى بن عقبة، واسماعيل بن أمية، رووا عن نافع، عن ابن
عمر- معنى ما رواه الدراوردي وقد ذكرنا أحاديثهم فيما مضى من هذا
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٨٥ _
الباب، وأما قولهم إن عائشة وابن عمر أرادا بقولهما ذلك جمع متعة، لا جمع
قران، فقد مضى القول عن عائشة في ذلك، وكيف يجوز أن يتأولوا ذلك في
حديث ابن عمر- وهم يزعمون أن رسول الله وَّ يه كان قارنا لا متمتعا، فإن
اعتلوا بأن حديث ابن عمر في حجة رسول الله ټژ مختلف، قد روي عنه أن
رسول الله وَيول تمتع في حجة الوداع، رواه عقيل، عن ابن شهاب، عن
سالم، عن أبيه، وروى عنه أنه أهل هو وأصحابه بالحج، رواه حميد، عن
بكر المزني، عنه، قيل لهم: لما اضطربت الآثار عنه في ذلك قضيا برواية
جابر، وعائشة- أن رسول الله وَ له أفرد الحج(١)، وتركنا ما سوى ذلك، فإن
ذكروا أن على بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، كانا يقولان: القارن
يطوف طوافين، ويسعى سعيين، قيل لهم: قد خالفهم ابن عمر، وجابر،
وابن عباس، وعائشة: فوجب النظر، فإن ذكروا ما رواه الحكم عن ابن أبي
ليلى، عن علي، قال: أهل رسول الله وَل بعمرة وحجة، فطاف بالبيت
لعمرته، ثم عاد فطاف بحجته، قيل لهم: هذا حديث منكر، إنما رواه
الحسن بن عمارة عن الحكم فرفعه والحسن بن عمارة متروك الحديث، لا يحتج
بمثله، ومن جهة النظر، قد أجمعوا أن المحرم إذا قتل الصيد في الحرم، لم
يجب عليه الا جزاء واحد، وهو قد اجتمع عليه حرمتان: حرمة الاحرام،
وحرمة الحرم، فكذلك الطواف للقارن، وكذلك اجمعوا أن القارن يحل بحلق
واحد، فكذلك الطواف أيضا قياسا- والله أعلم.
قال أبو عمر:
أما الأحاديث عن النبي وَّل في الحج، ففي تهذيبها وتلخيصها
وتمهیدها، ما يحتمل ان یفرد لها کتاب کبیر، لا یذکر فیه غیر ذلك، ولا
(١) تقدم في باب "ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال".
فتح البر
:٤٨٦
=
سبیل الی اجتلابها في كتابنا هذا، وقد مضى من ذلك في باب ابن شهاب عن
عروة- ما فيه هداية، وانما الغرض في هذا الكتاب، أن نذكر ما للعلماء في
معنى الحديث من الاقوال والوجوه والاصول التي بها نزعوا، ومنها قالوا، وأما
الاعتلال والادخال والمرافعات، فتطويل وتكثير، وخروج عن تأليفنا
وشرطنا- لو تعرضنا له، وبالله التوفيق والعصمة والرشاد.
وأما قوله في حديثنا المذكور في هذا الباب: وأهدى، فإن أهل العلم
اختلفوا فيما على القارن من الهدي والصيام، فروي عن ابن عمر أن القارن
والمتمتع على كل واحد منهما هدي بدنة أو بقرة، وكان يقول: ما استيسر من
الهدي: بدنة أو بقرة، وقد روي عن عمر، وعلي، وابن عباس، في قوله:
فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾: شاة، وعليه جمهور العلماء وجماعة الفقهاء، وكان
مالك يقول في القارن: فإن لم يجد، صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا
رجع- هو والمتمتع في ذلك سواء، وکذلك قال الشافعي، وأبو ثور، قال
الشافعي: يجزئ القارن شاة قياسا على المتمتع، قال: وهو أخف شأنا من
المتمتع، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تجزيه شاة- والبقرة أفضل، ولا
يجزئ عندهم الا الدم عن المعسر وغيره، ولا مدخل عندهم للصيام في هذا
الموضع - قياسا على من جاوز الميقات غير محرم، أو ترك رمي الجمار حتى
مضت أيامها .
قال أبو عمر:
هذا بعيد من القياس، والقران بالتمتع أشبه وأولى أن يقاس بعضها
على بعض، وقد نص الله في المتمتع: الصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا
رجع - ان لم يجد هديا، والقارن مثله، وله حكمه قياسا ونظرا- وبالله
التوفيق.
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٨٧
وقال مالك: من حصره العدو بمكة تحلل بعمل عمرة، الا أن يكون
مكيا فيخرج الى الحل ثم يتحلل بعمرة.
وقال الشافعي: الاحصار بمكة وغيرها سواء.
وقال أبو حنيفة إذا أتى مكة محرما بالحج فلا يكون محصرا.
وقال مالك: من وقف بعرفة، فليس بمحصر، ويقيم على احرامه
حتى يطوف بالبيت ويهدي، ونحو ذلك قول أبي حنيفة، وهو أحد قولي
الشافعي، وله قول آخر: أنه يكون محصرا- وهو قول الحسن، وقد تكرر هذا
المعنى، ومضی کثیر من معاني هذا الباب في باب ابن شهاب- والحمد لله.
٤٨٨
فتح البر
ما جاء في أن الحائض لا تطوف بالبيت
ولا تسعى بين الصفا والمروة
[٥] مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قدمت مكة
وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله
وَلّ فقال: افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة
(١)
حتى تطهري(١).
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: غير أن لا تطوفي بالبيت
ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري.
وقال غيره من رواة الموطأ: غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري لم
يذكروا: ولا بين الصفا والمروة، ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث:
ولا بين الصفا والمروة -غير يحيى - فيما علمت، وهو عندي وهم منه والله
أعلم.
والمعروف من مذهب مالك، أن الحائض لا بأس أن تسعى بين الصفا
والمروة
إذا كانت قد طافت بالبيت قبل أن تحيض. ذكر مالك في موطئه قال :
والمرأة الحائض إذا كانت قد طافت بالبيت قبل أن تحيض، فإنها تسعى بين
الصفا والمروة، وتقف بعرفة والمزدلفة، وترمي الجمار، غير أن لا تطوف بالبيت
حتى تطهر من حيضتها .
(١) خ (٣/ ٦٤٢ /١٦٥٠)، هق (٨٦/٥)، البغوي (١٩١٤/١٢٤/٧)،
حب: الإحسان (٩/ ٣٨٣٥/١٤٣).
٤٨٩
بناء الكعبة وبقية المناسك
قال أبوعمر:
روایة یحیی هذه - إن صحت- فتشبه مذهب ابن عمر: ذكر مالك في
الموطأ عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول في المرأة الحائض التي
تهل بحج أو عمرة: إنها تهل بحجها أو عمرتها إذا أرادت، ولكن لا تطوف
بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر. وهي لا تحل
حتى تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. فقول ابن عمر هذا على نحو رواية
يحيى، إلا أن ذلك غير محفوظ في حديث عبد الرحمن بن القاسم هذا عن
ابيه، عن عائشة، عن النبي ◌َّلو وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام لا
يرون بأسا بالسعي بين الصفا والمروة على غير طهارة، وما جاز عندهم لغير
الطاهر أن يفعله، جاز للحائض ان تفعله؛ وهذا مذهب مالك،
والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم؛ وهو قول عطاء، وبه قال أحمد، وأبو
ثور، وغيرهم؛ وحجتهم قول رسول الله وَّةو لعائشة في هذا الحديث: افعلي
ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت، وكان الحسن البصري يقول: من
سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحل فليعد، وان
ذكر بعدما حل، فلا شيء عليه.
وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد الطواف بالبيت إلا على طهارة، واختلفوا
فيمن فعله على غير طهارة، ثم خرج إلى بلده قبل أن يعلم به؛ فقال مالك
والشافعي: حكمه حكم من لم يطف أصلا، وقال ابو حنيفة: يبعث بدم
ويجزئه .
٤٩٠
فتح البر
الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى
[٦] مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله انه قال رأيت رسول الله
وَ ل﴿ رمل من الحجر الاسود حتى انتهى اليه ثلاثة أشواط(١).
قال أبوعمر:
يعني من الاشواط السبعة في طواف الدخول، وهذا ما لا خلاف فيه
ان الرمل وهو الحركة والزيادة في المشي لا يكون الا ثلاثة أشواط .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبدالله بن جعفر بن الورد حدثنا یوسف
ابن یزید حدثنا عبدالله بن عبدالحکیم أخبرنا مالك عن جعفر بن محمد عن
أبيه عن جابر بن عبدالله قال: كان رسول الله وَ له يرمل من الحجر الاسود
حتى ينتهي اليه ثلاثة أطواف(١).
في هذا الحديث أن الطائف بالبيت يبتدئ طوافه من الحجر وهو ما لا
خلاف فيه أيضا. وإذا بدأ من الحجر مضى على يمينه وهو أيضا ما لا
خلاف فيه، فان لم يمض على يمينه كان الطواف منكوسا، وكان عليه
إعادته عندنا. فاذا مضى على يمينه جعل البيت عن يساره وذلك أن الداخل
من باب بني شيبة أو من غيره أول ما يبدأ به أن يأتي الحجر يقصده فيقبله ان
استطاع أو يمسحه بيمينه ويقبلها، فان لم يقدر قام بحياله فكبر ثم أخذ في
طوافه یمضي على يمينه، ویکون البيت عن يساره متوجها ما یلي الباب باب
الکعبة إلى الرکن الذي لا یستلم، ثم الذي یلیه مثله، إلى الركن الثالث وهو
اليماني الذي يلي الاسود من جهة اليمين ثم إلى الحجر الاسود يفعل ذلك ثلاثة
(١) م(١٢٦٣/٩٢١/٢)، ت (٨٥٧/٢١٢/٣)، ن(٢٥٤/٥/ ٢٩٤٤)،
جه(٢/ ٢٩٥١/٥٨٣).
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٩١ = ١١
أشواط يرمل فيها ثم أربعة لا يرمل فيها. وهذا كله اجماع من العلماء فان لم
يطف كما وصفنا كان منكسا لطوافه. واذا أخذ عن يساره إلى الركن اليماني
وجعل البيت عن يمينه لم يجزه ذلك الطواف عندنا. واختلف الفقهاء فيمن
طاف الطواف الواجب منكوسا على ضدما وصفنا بأن يمضي على يساره إذا
استسلم الحجر ولم يعده حتى خرج من مكة وأبعد، فقال مالك والشافعي
وأصحابهما لا يجزئه الطواف منكوسا، وعليه أن ينصرف من بلاده فيطوف
لانه کمن لم يطف، وهو قول الحميدي وأبي ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه
يعيد الطواف ما دام بمكة فاذا بلغ الكوفة أو أبعد كان عليه دم ويجزئه وكلهم
يقول إذا كان بمكة أعاد. وكذلك القول عند مالك والشافعي فيمن نسي
شوطا واحدا من الطواف الواجب أنه لا يجزئه وعليه أن يرجع من بلاده على
بقية احرامه فيطوف. وقال أبو حنيفة في هذه: ان بلغ بلده لم ينصرف وكان
علیه دم.
قال أبو عمر: حجة من لم يجز الطواف منكوسا ان رسول الله وَالآ لما
استسلم الركن أخذ عن يمينه فمن خالف فعله فليس بطائف. ويعضد
ذلك قوله {وَال﴾ ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد(١)) يعني مردود وقال
«خذوا عني مناسككم) أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا أحمد بن شعيب
قال أخبرنا عبد الاعلى بن واصل بن عبد الاعلى قال حدثنا يحيى بن آدم عن
سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: ((لما قدم رسول الله وَلآه
مكة دخل المسجد فاستلم الحجر ومضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعة،
(١) خ (٥ / ٣٧٧/ ٢٦٩٧)، وأخرجه تعليقا (٤/ ٤٤٦) و(٣٩١/١٣)،
م (٣ / ١٣٤٤/ ١٧١٨ [١٧-١٨])، د (٥ / ١٢ / ٤٦٠٦)، جه (١ / ٧ / ١٤)،
هق (١٠ / ١١٩)، قط (٤/ ٢٢٧).
فتح البر
٤٩٢
[البقرة: (١٢٥)]
ثم أتى المقام فقال: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلّ﴾
فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين
فاستلم الحجر ثم خرج إلى الصفا(١))).
قال أبو عمر:
وأما الرمل فهو المشي خببا يشتد فيه دون الهرولة قليلا، وأصله أن يحرك
الماشي منكبيه لشدة الحركة في مشيه، هذا حكم الثلاثة الاشواط في الطواف
بالبيت، واما الاربعة الاشواط في الطواف تتمة السبعة فحكمها المشي المعهود
بالرفق. وهذا أمر مجتمع عليه أنه كذلك ينبغي للحاج والمعتمر أن يفعلها في
طوافه بالبيت يرمل ثلاثة ويمشي أربعة. إلا أنهم اختلفوا في الرمل فقال قوم
الرمل سنة من سنن الحج لا يجوز ترکها، روي ذلك عن عمر بن الخطاب
وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر، واختلف فيه عن ابن عباس. وهو
قول مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد
ابن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة فقهاء الأمصار. وقال قوم إن شاء رمل
وان شاء لم يرمل. قالوا: وليس الرمل سنة. قال ذلك جماعة من كبار
التابعين منهم عطاء ومجاهد وطاوس والحسن وسالم والقاسم وسعيد بن
جبير. وحجتهم على ما ذهبوا الیه من ذلك ما روى عن ابن عباس قال أبو
الطفيل قلت لابن عباس زعم قومك أن رسول الله ◌َ ا ﴾ رمل بالبيت وان ذلك
سنة، قال: صدقوا وکذبوا، قلت: ما صدقوا وما کذبوا؟ قال: صدقوا، قد
رمل رسول الله پۉ حین طاف بالبيت، وکذبوا لیس ذلك بسنة. ان قریشا
قالت زمن الحديبية ان به وبأصحابه هزلا وقعدوا على قعيقعان ينظرون اليهم
فبلغ ذلك رسول الله وآ ټ فقال لأصحابه «ارملوا أروهم ان بكم قوة)) فكان
(١) م (٢ / ٨٩٣/ ١٢١٨[١٥٠])، ت(٣/ ٨٥٦/٢١١)، ن (٢٩٣٩/٢٥١/٥).
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٩٣٠
=
رسول الله وَّالله يرمل من الحجر الاسود إلى الركن اليماني فاذا توارى عنهم
مشى(١). هكذا حدث به فطر عن أبي الطفيل. ورواه أبو عاصم الغنوي
وابن أبي حسين عن ابي الطفيل نحوه. واحتجوا أيضا بما رواه حماد بن زيد
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قدم رسول الله وَّله وأصحابه مكة
فقال المشركون: إنه يقدم علیکم قوم قد وهنتهم حمی يثرب. فلما قدموا قعد
المشركون مما يلى الحجر فأمر النبي وَلقر أصحابه أن يرملوا الثلاثة وأن يمشوا ما
بين الركنين، قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها الا ابقاء
عليهم (٢)، وبما رواه فضيل بن عياض عن ليث عن طاوس وعطاء عن ابن
عباس قال انما رمل رسول الله بالبيت وبين الصفا والمروة لان المشركين رأوا أن
بأصحابه جهدا فرمل لیریهم أن بهم قوة(٣).
وبما رواه الحجاج بن ارطاة عن ابي جعفر وعكرمة عن ابن عباس قال لما
اعتمر رسول الله ﴿ بلغ أهل مكة أن بأصحابه هزلا فلما قدم مكة قال
لأصحابه «شدوا میازرکم وارملوا حتی یری قومکم ان بکم قوة» ثم حج
رسول الله فلم یرمل.
قال أبو عمر:
اما من زعم أن الرمل ليس بسنة واحتج بقول ابن عباس هذا، فمغفل
فیما اختاره. وقد ظن في ذلك ظنا لیس کما ظن.
والدليل على ذلك ما رواه ابن المبارك عن عبيد الله بن أبي زیاد عن أبي
(١) حم (١/ ٣٧٢)، م (٢ / ٩٢١/ ١٢٦٤)، د (٢ / ٤٤٤ /١٨٨٥).
(٢) حم (١/ ٢٩٠-٣٠٦ - ٣٧٣)، خ (٣ / ١٦٠٢/٥٩٩) و(٤٢٥٦/٦٤٧/٧)،
م (٢/ ١٢٦٦/٩٢٣)، د(٢/ ٤٤٦/ ١٨٨٦)، ن (٢٩٤٥/٢٥٤/٥).
(٣) م (٢ / ٩٢٣/ ١٢٦٦ [٢٤])، ت (٢١٧/٣/ ٨٦٣).
= ٤٩٤
فتح البر
الطفيل عن ابن عباس قال: رمل رسول الله وَله من الحجر إلى الحجر (١).
وروی حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن ابي الطفيل عن ابن
عباس أن رسول الله وَلقول اعتمر من الجعرانة فرمل بالبيت ثلاثا ومشى أربعة
أشواط(٢). ففي هاتين الروايتين أن رسول الله وَ الهرمل الاشواط الثلاثة كلها
وقد كان في بعضها حيث لا يراه المشركون وفي ذلك دليل على انه ليس من
أجلهم رمل.
وبعد فلو كان رمل من أجل المشركين في عمرته كما قال ابن عباس ما
منع ذلك من أن يكون الرمل سنة، لان الرمل مأخوذ عنه محفوظ في حجته
التي حجها وليس بمكة مشرك واحد يومئذ، فرمل رسول الله وَّي و في حجته
ثلاثة أشواط کملا، ومشى أربعا في حجة الوداع ولا مشرك ینظر اليه حينئذ.
فصح ان الرمل سنة، روى مالك واسماعيل بن جعفر ويزيد بن الهاد وحاتم
ابن اسماعيل ويحيى القطان وغيرهم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن
رسول الله ◌َ و طاف في حجة الوداع سبعا، رمل منها ثلاثة ومشى أربعا(٣)
وهذا في حديث جابر الحديث الطويل الذي وصف فيه حجة رسول الله وَلآدم
من حين خروجه اليها إلى انقضاء جميعها رواه عن جعفر بن محمد جماعة من
العلماء في وقتهم، وقد حکی عبد الله بن رجاء أن مالکا سمعه بتمامه من
جعفر بن محمد. ويدل على صحة قوله، أن مالكا قطعه في أبواب من موطاه
واتی منه بما احتاج اليه في أبوابه. روينا عن عبد الله بن رجاء أنه قال حضرت
(١) حم (٤٥٥/٦- ٥٥٦)، أبو يعلى (٩٠١/١٩٦/٢)، الطحاوي (١٨١/٢)، عن أبي الطفيل ان
رسول الله .. ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٤٢) وقال: «رواه أحمد وأبو یعلى، وفيه عبيد الله ابن
أبي زياد القداح وثقه أحمد والنسائي وضعفه ابن معين وغيره)). قال في التقريب: ليس بالقوي.
(٢) حم (١/ ٣٠٦)، د (٢ / ٤٤٨ /١٨٩٠).
(٣) جزء من حديث جابر الطويل في وصف حجة النبي وَالز، انظر تخريجه في باب " ما جاء في
التخيير في النسك عند الإهلال'.
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٩٥ =
عبد الملك بن جریج وعبيد الله وعبد الله العمريين وسفيان الثوري وعلي بن
صالح ومالك بن أنس عند جعفر بن محمد يسألونه عن حديث الحج
فحدثهم به، ورووه عنه. ورواه أيضا عن جعفر بن محمد بن إسحاق وعبد
الرحمن بن زيد بن أسلم وعبد الله بن عمرو علقمة المكي وحاتم بن
إسماعيل وسلام القارئ وجماعة يطول ذكرهم. ولما ثبت هذا الحديث
عن النبي ◌ُّيقول بعد عدم المشركين في الأشواط الثلاثة، علمنا أن ذلك من سنة
الطواف عند القدوم وأنه لا ينبغي لأحد من الرجال تركه إذا كان قادرا عليه،
وهو قول فقهاء الأمصار، كلهم يقولون بحديث جابر لأنه الثابت في ذلك
والعلة التي حكاها ابن عباس مرتفعة، فبطل تأويل ابن عباس إن صح
عنه، وبطل أن يكون في قوله حجة على السنة الثابتة. وقد روى عطاء عن
يعلى بن أمية قال لما حج عمر رمل ثلاثا ومشى أربعا. وروى هشام بن سعد
عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه قال في الرمل لا ندع شيئا صنعناه مع
رسول الله آلټ .
وروى منصور عن شقيق عن مسروق عن ابن مسعود أنه اعتمر
فرمل ثلاثا ومشى أربعا. وروى نافع عن ابن عمر مثله في حجه وعمرته.
وقد ثبت الرمل عن النبي ◌َّلهم وعن أصحابه فصار سنة، واما ما رواه الحجاج
ابن ارطاة عن أبي جعفر وعكرمة عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرناه عنه
قال فيه ثم حج رسول الله فلم یرمل فهذا يدلك على ضعف رواية الحجاج،
وان ما قال أهل الحديث فيه انه ضعيف مدلس لا يحتج بحديثه لضعفه
وسوء نقله عندهم حق. وقد ثبت عن النبي ◌َّ أنه رمل في حجته فبطل ما
خالفه. ولو کان ما حکاہ الحجاج في روايته عن ابن عباس صحیحا لم یکن
فيه حجة لانه ناف والذي حكى أن رسول الله وَ ل ﴿ رمل وأخبر أنه عاينه
يصنع ذلك مثبت والمثبت أولى من النافي في وجه الشهادات والأخبار عند
أهل العلم.
= ٤٩٦
=
فتح البر
قال أبو عمر: فان احتج بعض من لا يرى الرمل سنة من سنن الحج
بما رواه العلاء بن المسيب عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله
ګ رمل في العمرة ومشی في الحج(١) قيل له هذا حديث لايثبت لانه رواه
الحفاظ موقوفا علی ابن عمر، ولو كان مرفوعا كان قد عارضه ما هو أثبت منه
وهو ما ذكرنا من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي
صَلىالله
وعليلم .
وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال
حدثنا أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا
الشافعي رحمه الله قال حدثنا أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع
عن ابن عمر عن رسول الله وَل انه رمل ثلاثة ومشى أربعة(٢).
قال الطحاوي حدثنا يزيد بن سنان قال حدثنا أبو بكر الحنفي قال
حدثنا عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله ﴿ ﴿ رمل ثلاثة
ومشى أربعة حين قدم في الحج، وفي العمرة حين كان اعتمر (٣). وهذه
الآثار کلها عن ابن عمر تدفع حدیث العلاء بن المسيب. وقد ذکر حماد بن
سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر انه کان إذا قدم مکة رمل بالبيت ثم
طاف بين الصفا والمروة، وإذا أحرم بمكة لم يرمل بالبيت وأخر الطواف بين
الصفا والمروة إلى يوم النحر. ومالك عن نافع عن ابن عمر نحوه.
ففي هذا الحديث عن ابن عمر انه كان يرمل في الحجة إذا كان احرامه
بها من غير مكة، وكان لا يرمل في حجته إذا أحرم بها من مكة. وهذا اجماع
من أحرم بالحج من مكة لا رمل عليه ان طاف بالبيت قبل خروجه إلى منى.
(١) الطحاوي (٢ /١٨٠).
(٢) م (٢ / ٩٢٠ / ١٢٦١ [٢٣١]).
(٣) الطحاوي (٢/ ١٨١).
بناء الكعبة وبقية المناسك
=
٤٩٧
وعلى هذا يصح حديث مجاهد ان كان موقوفا وكانت حجة ابن عمر فيه
مكية. واما مرفوعا فلا يصح لدفع الاثار الصحاح له في ان رسول الله وله
رمل في حجته ولم تكن له حجة غيرها چالقدر .
واختلف قول مالك وأصحابه فيمن ترك الرمل في الطواف والهرولة في
السعي ثم ذكر ذلك وهو قریب، فمرة قال یعید ومرة قال لا یعید، وبه قال
ابن القاسم. واختلف قول مالك أيضا فيما حكاه ابن القاسم عنه هل عليه
دم مع حاله هذه إذا لم يعد أم لا شيء عليه فمرة قال لا شيء عليه ومرة قال
علیه دم وقال ابن القاسم هو خفیف ولا نری فیه شیئا وکذلك روی ابن
وهب في موطاه عن مالك انه استخفه ولم یر فیه شیئا. وروی معن بن عیسی
عن مالك ان عليه دما قال ابن القاسم رجع عن ذلك وقال عبد الملك بن
الماجشون عليه دم، وهو قول الحسن البصري وسفيان الثوري. وذكر ابن
حبيب بن مطرف وابن القاسم ان علیه في قليل ذلك وکثیره دما. والحجة ما
حكاه ابن حبیب قول ابن عباس من ترك من نسكه شيئا فعلیه دم، ومن
جعله نسكا حكم فيه بذلك. والحجة لمن استخف ذلك انه شيء مختلف فيه
هل هو سنة أم لا، وايجاب الدم عليه إيجاب فرض وإخراج مال من يده وهذا
لا يجب الا بیقین لا شك فيه. وقد جاء عن ابن عباس نصا فيمن ترك الرمل
انه لا شيء عليه وهو قول عطاء وابن جريج والشافعي فيمن اتبعه وقول
الاوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كلهم يقول لا شيء
عليه في ترك الرمل وهو أولى ما قيل به في هذا الباب لما ذكرنا ولانه ليس
باسقاط نفس عمل انما هو سقوط هيئة عمل. وأجمعوا أن ليس على النساء
رمل في طوافهن بالبيت ولا هرولة في سعيهن بين الصفا والمروة.
٤٩٨
فتح البر
طواف الراكب
[٧] مالك، عن أبي الأسود: محمد بن عبد الرحمن ، عن عروة بن الزبير، عن زينب
بنت أبي سلمة عن أم سلمة، أنها قالت: شكوت إلى رسول الله مَثّر، إني اشتكي
فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت راكبة بعيري ورسول الله
وَالر، حينئذ يصلي الى جانب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور (١).
قال أبو عمر:
هذا ما لا خلاف فیہ بین أهل العلم، کلھم یقول: ان من کان له عذر
أو اشتکی مرضا انه جائز له الرکوب في طوافه بالبيت، وفي سعیه بين الصفا
والمروة .
واختلفوا في جواز الطواف راکبا لمن لم یکن له عذر او مرض على ما
ذكرنا عنهم في باب جعفر بن محمد من كتابنا هذا، فلا حاجة لإعادته
هاهنا. وكلهم يكره الطواف راكبا للصحیح الذي لا عذر له. وفي ذلك ما
یبین أن طواف رسول الله گیټ راکبا في حجته ان صح ذلك عنه کان لعذر
والله أعلم، وقد اوضحنا ذلك ومضى القول فيه هناك، وبالله العصمة
التوفيق .
وفي هذا الحديث ايضا من الفقه ان النساء في الطواف يكن خلف
الرجال كهيأة الصلاة، وفيه الجهر بالقراءة في التطوع بالنهار وقد قيل ان
طواف ام سلمة کان سحرا. وقد ذكرنا الاختلاف في رمیها ذلك اليوم،
(١) حم (٣١٩/٢٩٠/٦)، خ (١/ ٧٣٣ / ٤٦٤) و(١٦١٩/٦١٢/٣) و(١٦٢٦/٦٢٠/٣)
و(١٦٣٣/٦٢٥/٣) و(٤٨٥٣/٧٧٦/٨)، م (١٢٧٦/٩٢٧/٢)، د (٢/ ١٨٨٢/٤٤٣)، ن
(٢٩٢٥/٢٤٥/٥)، جه (٢/ ٢٩٦١/٩٨٧)،
حب: الإحسان (٣٨٣٠/١٣٩/٩).
بناء الكعبة وبقية المناسك
٤٩٩=
وطوافها بعده فيما سلف من كتابنا هذا في باب ابن شهاب، عن عيسى بن
طلحة والحمد لله .
وفيه اباحة دخول البعير المسجد، وذلك والله أعلم، لان بوله طاهر،
ولو کان بوله نجسا لم یکن ذلك، لانه لا یومن منه أن یبول.
وقيل ان رسول الله بَّي ، انما صلى الى جانب البيت يومئذ من اجل ان
المقام كان حينئذ ملصقا بالبيت قبل أن ينقله عمر بن الخطاب من ذلك
المكان الى الموضع الذي هو به اليوم من صحن المسجد.
قال أبو عمر: ما ادري ما وجه هذا القول، لأن جعفر بن محمد
روى عن أبيه عن جابر ان رسول الله وَلقوله، لما طاف في حجته اتى المقام
فصلى عنده ركعتين ثم اتى الحجر فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا فبدأ منها
بالسعي .
وقد ذكرنا هذا الحديث من طرق في باب بلاغات مالك من هذا
الكتاب والوجه عندي في صلاته الى جانب البيت لان البيت كله قبلة،
وحيثما صلى المصلي منه إذا جعله امامه كان حسنا جائزا والله أعلم.
٥٠٠
فتح البر
تقبيل الحجر الأسود
[٨] مالك، عن هشام بن عروة، عن ابيه، ان عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت
للرکن الأسود: إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ټټ قبلك ما قبلتك، ثم
قبله.
هذا الحدیث مرسل في الموطأ هکذا لم يختلف فيه، وهو يستند من وجوه
صحاح ثابتة .
ذكر ابن وهب في موطئه قال: أخبرني يونس، وعمرو بن الحارث، عن
ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه حدثه قال: قبل عمر الحجر ثم قال:
أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ێ یقبلك ما
قبلتك. قال عمرو بن الحارث: وحدثني بمثلها زيد بن أسلم، عن أبيه،
عن عمر (١).
قال أبوعمر:
زعم أبو بكر البزار أن هذا الحديث رواه عن عمر مسندا أربعة عشر
رجلا .
قال أبو عمر:
أفضلها وأثبتها وإن كانت كلها ثابتة حديث الزهري عن سالم، عن
أبيه.
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا وجیه بن الحسن قال حدثنا
بکار بن قتيبة، قال حدثنا مؤمل، قال حدثنا سفيان، عن عاصم، عن عبد
(١) م (٢ / ٩٢٥ / ١٢٧٠ [٢٤٨])، حب: الإحسان (٣٨٢١/١٣٠/٩).