النص المفهرس
صفحات 461-480
بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٦١ = ورواه ابن عفیر، وابن وهب، وابن مهدي، عن مالك- کما رواه ابن القاسم، الا أنهم قالوا: ثلاثة أذرع- ولم يقولوا نحو. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن اسحاق الاذرمي، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر- بهذا الحديث- لم يذكر السواري، قال: ثم صلى بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع(١). وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا علي بن الحسن بن علال الحراني، حدثنا محمد بن جعفر بن عيسى بن رزين العطار، حدثنا اسحاق بن الجراح، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله وَ له في الكعبة وبينه وبين الحائط ثلاثة أذرع(١). وروی هشیم هذا الخبر عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فزاد فیه- الفضل بن عباس، حدثناه محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا يعقوب ابن ابراهيم، قال أخبرنا هشيم، أخبرنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ◌َّ البيت ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال، فأجافوا عليهم الباب، فمكث فیه ما شاء الله ثم خرج. قال ابن عمر: فكان أول من لقیت بلال، فقلت: أین صلى رسول الله وَله؟ فقال: بين الاسطوانتين. ورواه خالد بن الحارث، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر- مثله بمعناه- ولم يذكر الفضل بن عباس، وقال فيه: فقلت: أين صلى رسول الله څ﴾؟ فقالوا: ههنا، ونسيت أن أسأله كم صلى. (١) د(٢٠٢٤/٥٢٤/٢)، حب: الإحسان (٩/ ٣٢٠٦/٤٨١). ٤ ٤٦٢ - فتح البر وروى هذا الخبر ابن أبي مليكة، عن ابن عمر، قال فيه: فسألت بلالا هل صلى رسول الله وَّيقول في الكعبة؟ فقال: نعم، ركعتين بين الساريتين. ففي هذا الحديث أنه صلى فيهما ركعتين، وهذا خلاف ما تقدم. ورواه يحيى القطان، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي مليكة، وفي هذا الحديث أيضا رواية الصاحب عن الصاحب. وروی عبد الله بن عباس، عن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله وَله الكعبة فسبح أو كبر في نواحيها ولم يصل فيها، ثم خرج فصلى خلف المقام قبل الكعبة ركعتين، ثم قال: هذه القبلة(١). قال أبو عمر: رواية ابن عمر عن بلال، عن النبي ◌َّيقول أنه صلى في الكعبة، أولى من رواية ابن عباس عن أسامة، أن رسول الله وَله، لم يصل فيها، لانها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة، وهذا أصل من أصول الفقه في الشهادة إذا تعارضت في نحو هذا، فأثبت قوم شیئا ونفاه آخرون، كان القول قول المثبت دون النافي؛ لأن النافي ليس بشاهد؛ هذا إذا استويا في العدالة والاتقان، والقول في قبول زيادة الزائد في أخبار على نحو هذا، لأن الزيادة كشهادة مستأنفة . أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد، وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قالا حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا أحمد بن سليمان، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سيف بن سلیمان، قال سمعت مجاهدا يقول: أوذن ابن عمر في منزله، فقيل هذارسول (١) خ (٣٩٨/٦٦٠/١)، م (٢/ ١٣٢٩/٩٦٨[٣٩٥)، ن (٢٩١٧/٢٤٢/٥). بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٦٣ = الله ◌َي﴾ قد دخل الكعبة، قال: فأقبلت فأجد رسول الله گڵ قد خرج، وأجد بلالا على الباب قائما، فقلت: يا بلال صلى رسول الله وَيرٍ في الكعبة؟ قال: نعم، قلت أين؟ قال: ما بين هاتين الاسطوانتين: ركعتين، ثم خرج فصلى ركعتين في وجه الكعبة. وعند مجاهد في هذا حديث آخر حدثناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا زهیر بن حرب، قال حدثنا جرير، عن یزید بن أبي زیاد، عن مجاهد، عن عبد الله بن صفوان، قال قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله وَليقول حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين(١). فهذه الآثار تشهد لصحة قول ابن عمر عن بلال أن رسول الله وَله صلى فيها الصلاة المعهودة لا الدعاء . واختلف الفقهاء في الصلاة في الكعبة: الفريضة والنافلة، فقال مالك: لا يصلي فيها الفرض، ولا الوتر، ولا ركعتا الفجر، ولا ركعتا الطواف، ويصلي فيها التطوع، وذكر ابن خواز بنداد عن مالك وأصحابه فيمن صلى في الكعبة الفريضة، أو صلى على ظهرها، أعاد مادام في الوقت في المسألتين جميعا . وقال الشافعي، وأبو حنيفة والثوري: يصلي في الكعبة الفرض والنوافل كلها . وقال الشافعي: ان صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها، فصلاته جائزة، وأن صلى نحو الباب والباب مفتوح، فصلاته باطل، لانه لم يستقبل منها شيئا . (١) د (٢٠٢٦/٥٢٥/٢). فتح البر = ٤٦٤ = قال مالك: من صلى على ظهر الكعبة مكتوبة أعاد في الوقت، وقد روي عن بعض أصحاب مالك: یعید أبدا . وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه . واختلف أهل الظاهر فيمن صلى في الكعبة: فقال بعضهم صلاته جائزة. وقال بعضهم: لا صلاة له في نافلة ، ولا فريضة، لانه قد استدبر بعض الكعبة، واحتج قائل هذه المقالة بقول ابن عباس: امر الناس أن يصلوا إلى الكعبة، ولم يؤمروا أن يصلوا فيها . قال أبو عمر: لا يصح في هذه المسألة الا أحد قولين: اما أن يكون من صلى في الكعبة صلاته تامة- فريضة كانت أو نافلة، لانه قد استقبل بعضها ولیس علیه الا ذلك، أو تكون صلاته فاسدة فريضة كانت أو نافلة، من أجل أنه لم يحصل له استقبال بعضها إذا صلى داخلها الا باستدبار بعضها، ولا يجوز ذلك عند من ذهب الى أن الامر بالشيء نهى عن جميع أضداده في كل باب، والصواب من القول في هذا الباب- عندي - قول من أجاز الصلاة كلها في الكعبة إذا استقبل شيئا منها، لانه قد فعل ما أمر به، ولم يأت ما نهى عنه، لان استدبارها ههنا ليس بضد استقبالها، لانه ثابت معه في بعضها، والضد لا يثبت مع ضده، ومعلوم أن المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر باستقبال جميعها، وانما توجه الخطاب اليه باستقبال بعضها، والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها وقطعة وناحية، فهو مستقبل لها بذلك، وقد ثبت عن النبي ◌ّر أنه صلى فيها ركعتين، وهو المبين عن الله مراده، وكل موضع يجوز فيه صلاة النافلة، جازت فيه صلاة الفريضة قياسا ونظرا، الا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، على أنه لا يجد لاحد أن يتعمد صلاة الفريضة فيها، ولو صلی فیھا رکعتین نافلة، لم یکن بذلك بأس، فإن صلى أحد فيها فريضة، فلا حرج ولا اعادة، فإن قيل ان النافلة قد تجوز على الدابة للمسافر الى غير القبلة، ولا تجوز كذلك الفريضة، فلم قيست النافلة بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٦٥ _ على الفريضة؟ قيل له ذلك موضع خصوص بالسنة لضرورة السفر، كما تجوز صلاة الفريضة للخائف المطلوب- راكبا مستقبل القبلة وغير مستقبلها لضرورة الخوف، وليس ذلك بمبح له الصلاة المفروضة على الدابة في حال الامن من غير ضرورة، ولا بمبيح ذلك له ترك استقبال القبلة من غير ضرورة، وكذلك الصلاة على الدابة للمتطوع المسافر ليس ذلك بمبيح له الصلاة النافلة ولا الفريضة على الارض الى غير القبلة في الحضر، لانها في السفر حال ضرورة، خصت بالسنة والاجماع، وأما غير ذلك مما تنازع فيه العلماء من هذا الباب، فالواجب أن لا يفرق فيه بين صلاة النافلة والفريضة، كما أنها لا تفترق في الطهارة، واستقبال القبلة، وقراءة القرآن، والسهو، وسائر الاحكام، وبالله التوفيق. أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا القعنبي، قال حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن علقمة ابن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة، أنها قالت: كنت أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه، فأخذ رسول الله وَلقول بيدي فأدخلني في الحجر، فقال: صل في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فان قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت(١). قال أبو عمر: لو ملت إلى قول أسامة وابن عباس - أن رسول الله- ﴾ ﴾ - حین دخل الكعبة دعا فيها ولم يصل، لم أجز فيها نافلة ولا فريضة من جهة استدبار بعضها، ولكن القول بالزيادة المفسرة لمعنى الصلاة أولى، ورواية من أثبت أولی من روایة من نفی- و الله أعلم، وبه التوفيق لا شريك له. (١) د(٢/ ٢٠٢/٥٢٥)، ت (٢٢٥/٣/ ٨٧٦) وقال: حسن صحيح. ن (٢٩١٢/٢٤٠/٥)، = ٤٦٦ فتح البر فخ الحج إلى العمرة لمن ليس معه هدي [٣] مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن - أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول: خرجنا مع رسول الله يلر لخمس ليال بقين من ذي القعدة، ولا نرى الا أنه الحج، فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله وَل : من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة- ان يحل. قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: نحر رسول الله اَ ل عن أزواجه . قال يحيى بن سعيد: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال: أتتك والله بالحديث على وجهه(١). قال أبو عمر: هذا خلاف رواية عروة عنها؛ لأن عروة يقول عنها: خرجنا مع رسول الله وَلّ فأهللنا بعمرة- وهي حجة واحدة، وخروج واحد، وقد تقدم القول في ذلك كله مبسوطا في باب ابن شهاب، عن عروة - من هذا الکتاب. وأما قولها: فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله وَلقر: من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة- أن يحل، فهذا فسخ الحج في العمرة، وقد تواترت به الرواية عن النبي ◌ُّلّ من طرق صحاح من حديث عائشة وغيرها، ولم يرو عن النبي وَّ شيء يدفعه، الا أن أكثر العلماء يقولون: ان ذلك خصوص لاصحاب النبي وَليل خاصة، واعتلوا بأن (١) خ (٣/ ١٧٠٩/٧٠٢)، ن في الكبرى (٤١٣٢/٤٥٢/٢) من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة. وأخرجه: خ (٣/ ١٧٢٠/٧١١)، م (٨٧٦/٢/ ١٢١١[١٢٥])، ن (٢٨٠٣/١٩٥/٥)، جه (٢٩٨١/٩٩٣/٢)، هق (٥/٥) من طرق عن يحيى بن سعيد به. بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٦٧ = النبي ◌َّو إنما أمر أصحابه أن يفسخوا الحج في العمرة، ليوري الناس أن العمرة في أشهر الحج جائزة، وذلك أن قريشا كانت تراها في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانت لا تستجيز ذلك البتة، وكانت تقول: اذا خرج صفر - وكانوا يجعلون المحرم صفر- وبرأ الدبر، وعفا الاثر، حلت العمرة لمن اعتمر. فأمر رسول الله ◌َّر أصحابه من لم يكن منهم معه هدي أن يفسخ حجه في عمرة، ليعلم الناس أنه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج. واعتلوا بقول الله عز وجل: ﴿ وَأَيِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: (١٩٦)]، وهذا يوجب إتمام الحج على كل من دخل فيه، الا من خص بالسنة الثابتة وهم أصحاب محمد وَل على الوجه الذي ذكرنا، واعتلوا بأن عمر بن الخطاب كان يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله وَ لقر أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج(١) - يعني فسخ الحج في العمرة. ومعلوم أن عمر لم يكن لينهى عن شيء فعله رسول الله وَ لقول أو أباحه أو أمر به، ولا ليعاقب عليه- الا وقد علم أن ذلك إما خصوص، وإما منسوخ، هذا ما لا يشك فیه ذو لب. واعتلوا أيضا بما روي في ذلك عن أبي ذر، وبلال بن الحارث المزني - أن ذلك خصوص لاصحاب النبي وَالر . وممن ذهب الى أن فسخ الحج في العمرة لا يجوز لاحد اليوم، وأنه لم يجز لغير أصحاب رسول الله وَّي: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد- في جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام ومصر، وبه قال أبو ثور، واسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، والطبري، وهو قول أكثر أهل العلم، وكان أحمد بن حنبل، وداود بن علي - يذهبان إلى أن فسخ الحج في العمرة جائز الى اليوم ثابت، وأن كل من (١) الطحاوي (٢/ ١٤٦). ٤٦٨ فتح البر شاء أن يفسخ حجه في عمرة إذا كان ممن لم يسق هدیا، کان ذلك له اتباعا للآثار التي رويت عن النبي ◌َّ ر في ذلك. وقال أحمد بن حنبل في فسخ الحج أحاديث ثابتة لا تترك لمثل حديث أبي ذر، وحديث بلال بن الحارث- وضعفهما، وقال: من المرقع بن صيفي الذي يرويه عن أبي ذر؟ قال: وروي الفسخ عن النبي ◌ُّ من حديث جابر، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر، وابن عباس، وأبي موسى الاشعري، وأنس بن مالك، وسهل بن حنيف، وأبي سعيد الخدري، والبراء بن عازب وابن عمر، وسبرة الجهني، قال أحمد: من أهل بالحج مفردا أو قرن الحج مع العمرة، فإن شاء أن يجعلها عمرة فعل ويفسخ إحرامه في عمرة، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. واحتج أيضا أحمد ومن ذهب مذهبه بقوله ◌َّي : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة(١). ويقول سراقة بن جعشم: يا رسول الله علمنا تعليم قوم أسلموا اليوم، أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: بل لأبد، بل لأبد(٢). قال أبو عمر: ليس في هذا حجة، لأن قوله ◌َّجه: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة - إنما معناه: لاهللت بعمرة، وجعلت إحرامي بعمرة أتمتع بها، وإنما في هذا حجة لمن فضل التمتع، وأما من أجاز فسخ الحج في العمرة، فما له في هذا حجة، لاحتمال ما ذكرنا، وهو الأظهر فيه . (١) هو جزء من حديث جابر الطويل. انظر تخريجه في باب " ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال . (٢) هو جزء من حديث جابر الطويل، انظر تخريجه في باب ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال . . بناء الكهبة وبقية المناسك ٤٦٩ وأما قوله لسراقة: بل للأبد- فإنما معناه: أن حجته تلك، وعمرته لیس علیه ولا على من حج معه غیرها للأبد، ولا علی أمته غیر حجة واحدة، أو عمرة واحدة في مذهب من أوجبها في دهره للأبد، لا فريضة في الحج غيرها - هذا معنى قوله لسراقة- والله أعلم. وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج ومعمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قدموا بالحج خالصا لا يخالطه شيء، وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور، وكانوا يقولون: اذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. وكانوا يدعون المحرم صفر، فلما حج النبي وَليه خطبهم فقال: من كان أهل بالحج فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم ليحلق أو لیقصر، ثم ليحل الا من کان معه هدي. قال: فبلغه أنهم يقولون: يأمرنا أن نحل، فقال: لو شعرت ما أهديت، نزل الامر عليه من السماء بعدما طاف بين الصفا والمروة، فكلمهم بذلك. فقال سراقة: يا رسول الله، علمنا تعليم قوم أسلموا اليوم، عمرتنا هذه لعامنا هذا أم لابد؟ فقال: بل لأبد(١). قال أبو عمر: یحتمل أن یکون قوله هذا نحو حدیث الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله وَله فقال: يا رسول الله، الحج في كل عام أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، ومن زاد فهو متطوع (٢). (١) خ (١٥٦٤/٥٣٨/٣) و(٣٨٣٢/١٨٦/٧)، م (١٢٤٠/٩٠٩/٢)، ن (٢٨١٢/١٩٨/٥). من حديث ابن عباس. (٢) د (٢/ ١٧٢١/٣٤٤)، جه (٢/ ٢٨٨٦/٩٦٣)، وفي إسناده سفيان بن حسين، وهو ثقة في غير الزهري. وتابعه علیه سليمان بن کثیر وغيره عن الزهري. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: ((خطب رسول الله ◌ُ له فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: لكل عام يارسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله وَّيقول: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم)). = ٤٧٠ فتح البر وروى أبو هريرة، وأبو واقد الليثي، عن النبي وَل أنه قال لأزواجه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر. حدثنا أحمد بن قاسم، حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد، حدثنا البغوي، حدثنا جدي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة- أن رسول الله وَ الم قال لنسائه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر(١). ورواه صالح بن کیسان، عن صالح مولى التوأمة مثله، قال بشر بن عمر: سألت مالك بن أنس عن صالح مولى التوأمة، فقال: ليس بثقة. وذكر عباس عن ابن معين قال: وهو ثقة، ولكنه خرف، فمن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت. وهو صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف الجمحي. وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل لابيه قول مالك في صالح مولى التوأمة فقال: أدركه مالك- وقد اختلط، ومن سمع منه قدیما فلا بأس، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وقال أبو حاتم الرازي : روى عنه أبو الزناد، وزیاد ابن سعد، وعمارة بن غزية، والثوري، وابن جریج، وابن أبي ذئب. أخبرنا عبد الله، حدثنا محمد، حدثنا أبو داود، حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن ابن لأبي واقد الليثي، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ويه يقول لأزواجه في حجة الوداع: هذه ثم (١) حم (٦/ ٣٢٤)، أبو يعلى (٧١٥٤/٨٠/١٣)، ذكره الهيثمي في المجمع (٢١٧/٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، الا أنه قال فكن كلهن يحججن إلا زينب وسودة، والبزار وقال إنما هي هذه ثم ظهور الحصر. وفيه صالح مولى التؤمة، ولكنه من رواية ابن ابي ذئب عنه وابن أبي ذئب سمع منه قبل اختلاطه وهو حديث صحيح. بناء الكهبة وبقية المناسك ٤٧١ ظهور الحصر(١). وروى شعبة، عن عبد الملك، عن طاوس، عن سراقة بن جعشم- أنه قال: يا رسول الله، أرأيت عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال رسول الله وَله : الأبد(٢). وذكر النسائي، عن هناد، عن عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن مالك ابن دينار، عن عطاء، عن سراقة، قال: تمتعنا مع رسول الله وَله فقلنا: ألنا خاصة أم للأبد؟ فقال: بل للأبد(٣). وهذا يحتمل أن يكون التمتع المعروف لا فسخ الحج. وأما حديث بلال بن الحارث المزني، فحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد، وأخبرنا سعید بن نصر، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن اسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قالا حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة (٤). (١) حم (٢١٨/٥-٢١٩)، د (١٧٢١/٣٤٥/٢)، أبو يعلى (١٤٤٤/٣٢/٣)، ولا تضر جهالة ابن أبي واقد الليثي في هذا السند، فقد عينه أحمد في روايته (٢١٨/٥)، وقال: واقد عن أبيه، وواقد ثقة . (٢) ن (٢٨٠٥/١٩٦/٥)، جه (٩٩١/٢ / ٢٩٧٧). (٣) ن (٢٨٠٥/١٩٧/٥). (٤) د(١٨٠٨/٣٩٩/٢)، ن (٢٨٠٧/١٩٧/٥)، جه (٢٩٨٤/٩٩٤/٢)، قال الدارقطني: تفرد به ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث عن أبيه، وتفرد به عبدالعزیز الدراوردي عنه، والحارث هو ابن الحارث هو ابن بلال بن الحارث، وهو شبه مجهول، وقد قال الإمام أحمد في حدیث بلال هذا: إنه لا يثبت . ٤٧٢ فتح البر وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد ابن اسماعيل، قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن المرقع، عن أبي ذر- أنه قال: إنما كان فسخ الحج من رسول الله وَليقول لنا خاصة(١). حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا النفیلي، قال حدثنا عبد العزیز- يعني ابن محمد، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا؟ قال: لكم خاصة(٢). وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا هناد بن السري، قال حدثنا محمد بن اسحاق، عن عبد الرحمن بن الاسود أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها عمرة: لم يكن ذلك الا للركب الذين كانوا مع رسول الله وَ الآو(٣). وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا اسحاق بن ابراهيم، قال أخبرنا عبد العزيز عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أفسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة (٤). (١) الحميدي (١٣٥٨٥/١) بهذا الإسناد. وأخرجه: م(١٢٢٤/٨٩٧/٢)، ن (٢٨١١٠٠٢٨٠٨/١٩٧/٥)، جه (٢٩٨٥/٩٩٤/٢) بمعناه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر به. (٢) تقدم تخريجه. (٣) د (١٨٠٧/٣٩٩/٢). (٤) سبق تخريجه في الباب نفسه. ٤٧٣ = بناء الكعبة وبقية المناسك وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال أخبرنا محمد بن معاوية، قال أخبرنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن يزيد عن عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن الأعمش وعياش الغامري عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر في متعة الحج، قال: كانت لنا رخصة(١). وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال أخبرنا محمد بن معاوية، قال أخبرنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا بشر بن خالد، قال أخبرنا غندر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: كانت المتعة رخصة لنا(١). وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال أخبرنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عبد الاعلى بن واصل، قال حدثنا أبو أسامة، عن وهيب بن خالد، قال حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الارض، ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: اذا برأ الدبر، وعفا الوبر، وانسلخ صفر- أو قال: دخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك- عندهم - فقالو: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل كله(٢). حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو عبيدة بن أحمد، قال حدثنا أبو خالد یزید بن سنان البصري، حدثنا مكي بن ابراهيم، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (١) سبق تخريجه (٢) خ (٣/ ١٥٦٤/٥٣٨) و(٣٨٣٢/١٨٦/٧)، م (٢ / ١٢٤٠/٩١٠)، ن (٢٨١٢/١٩٨/٥). II ٤٧٤ فتح البر قال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله وَّلي أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج(١). وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا اسماعیل بن اسحاق، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال عمر: فذكر مثله. قال أبو عمر: فسخ الحج في العمرة، هي المتعة التي كان عمر ينهى عنها في الحج ويعاقب عليها، لا التمتع الذي أذن الله ورسوله فیه. وقال بعض أصحابنا في أمر رسول الله والي أصحابه أن يفسخوا حجهم في عمرة، أوضح دليل على أنه لا يجوز ادخال العمرة على الحج، لانه لو جاز ذلك، لم يؤمروا بفسخ الحج في العمرة، اذ الغرض کان في ذلك أن يريهم وَّر جواز العمرة في أشهر الحج لا غير، لما كانوا عليه من أن ذلك لا يحل ولا يجوز على ما كانوا عليه في جاهليتهم، فأراهم ێ فسخ ذلك وإيطاله بعمل العمرة في أشهر الحج، ولو جاز ادخالها على الحج، ما احتاج -والله أعلم - إلى الخروج عما دخل فيه، واستئنافه بعد المعنى المذكور- والله الموفق للصواب. وفي قوله: نحر رسول الله وَله عن أزواجه البقر دليل على أن نحر البقر جائز، وعلى جواز ذلك أهل العلم، الا أنهم يستحبون الذبح في البقر، لقول الله - عز وجل - في البقرة: ﴿فَذَبَجُوهَا﴾ [البقرة: (٧١)] ولم يقل: فنحروها، فذبح البقرة ونحرها جائز بالقرآن والسنة - والحمد لله. (١) الطحاوي (١٤٦/٢). بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٧٥ وقال الشافعي عن مالك في هذا الحديث: نحر رسول الله اَلل عن أزواجه بقرة، ومنهم من يرويه بقرا، وقد ذكرنا هذا المعنى في باب مرسل ابن شهاب من هذا الكتاب، وذكرنا حكم الاشتراك في الهدي هناك، وفي باب أبي الزبير، فلا وجه لإعادة ذلك ههنا . ٠ ٤٧٦ فتح البر إدخال الحج على العمرة والطواف لهما بطواف واحد [٤] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة: إن صددت عن البيت، صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ◌َّير: فخرج فأهل بعمرة، من أجل أن رسول الله وَالر أهل بعمرة يوم الحديبية؛ ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره، فقال: ما أمرهما الا واحد؛ والتفت إلى اصحابه فقال: ما أمرهما الا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة؛ ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف به طوافا واحدا، ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى(١). وفيه إدخال الحج على العمرة، وذلك بين عنه في الاحاديث المذكورة في هذا الباب من رواية مالك وغيره عن نافع عنه؛ ولا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إدخال الحج على العمرة ما لم يبتدئ الطواف بالبيت لعمرته، هذا إذا كان ذلك في أشهر الحج، على أن جماعة منهم وهم أكثر أهل الحجاز يستحبون أن لا يدخل المحرم الحج على العمرة حتى يفرغ من عملها، ويفصل بينها وبين العمرة، ولهذا استحبوا العمرة في غير أشهر الحج. وروى مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: افصلوا بین حجتکم وعمرتکم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج(٢). قال أبو عمر: هذا افراط من عمر رحمه الله في استحباب الافراد في الحج، ولذلك قال: هذا القول والله أعلم لئلا يتمتع أحد بالعمرة إلى الحج، ولا يجمع (١) خ (٤ / ٤ / ١٨٠٦)، م (٢ / ٩٠٣ /١٢٣٠[١٨٠]). (٢) أخرجه مطولا من حديث جابر: م (١٢١٧/٨٨٥/٢). بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٧٧= بينهما، ويفرد كل واحد منهما، فان ذلك أتم لهما عنده؛ ولا نعلم احدا من أهل العلم کره العمرة في أشهر الحج غير عمر رضي الله عنه، وقد ثبت أن النبي وقيل لم تكن عمرة كلها الا في شوال، وقيل في ذي القعدة وهما جميعا من أشهر الحج؛ وسيأتي الآثار في عمره ێ في باب هشام بن عروة إن شاء الله. قال أبو عمر: العلماء مجمعون على أنه إذا أدخل الحج على العمرة في أشهر الحج على ما وصفنا قبل الطواف بالبيت، أنه جائز له ذلك، ويكون قارنا بذلك، يلزمه ما يلزم الذي أنشأ الحج والعمرة معا . وقالت طائفة من أصحاب مالك إن له أن يدخل الحج على العمرة وإن كان قد طاف ما لم یركع ركعتي الطواف. وقال بعضهم: ذلك له بعد الطواف ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة، وهذا كله شذوذ عند أهل العلم . وقال أشهب: من طاف لعمرته ولو شوطا واحدا، لم یکن له إدخال الحج عليها وهذا هو الصواب- إن شاء الله؛ فإن فعل وأدخل الحج على العمرة بعد ذلك، فقد اختلفوا فيما يلزم من ذلك؛ فقال مالك: من أدخل الحج على العمرة بعد أن يفتتح الطواف، لزمه ذلك وصار قارنا . وروي مثل ذلك عن ابي حنيفة، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الاخذ في الطواف على ما قدمنا؛ وقال الشافعي: لا يكون قارنا، وذكر أن ذلك قول عطاء، وبه قال أبو ثور وغيره؛ واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال مالك: يضاف الحج إلى العمرة، ولا تضاف العمرة إلى الحج؛ فان أهل احد بالحج ثم أضاف العمرة إليه، فليست العمرة بشيء، ولا يلزمه شيء؛ وهو أحد قولي الشافعي وهو المشهور عنه قاله بمصر؛ قال: من أهل فتح البر ١١ - ٤٧٨ بالحج لم يدخل العمرة على الحج حتى يكمل عمل الحج، وهو آخر أيام التشريق إن أقام إلى آخرها؛ وان نفر النفر الاول واعتمر يومئذ، لزمته العمرة، لانه لم يبق عليه للحج عمل؛ قال: ولو اخره كان احب الي، قال: ولو أهل بعمرة من يوم النفر الاول، كان اهلاله باطل؛ لانه معكوف على عمل من عمل الحج، ولا يخرج منه الا بإكماله والخروج منه، وقال ببغداد: إذا بدأ فأهل بالحج، فقد قال بعض أصحابنا: لا يدخل العمرة على الحج، قال: والقياس أن احدهما إذا جاز أن يدخل على الآخر فهما سواء. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من أهل بحجة ثم أضاف إلى الحج عمرة، فهو قارن ويكون عليه ما على القارن، قالوا: ولو طاف لحجته شوطا ثم أهل بعمرة، لم يكن قارنا ولم يلزمه، لانه قد عمل في الحج، قالوا فإن كان اهلاله بعمرة، فطاف لها شوطا، ثم أهل بحجة لزمته، وكان قارنا إذا طاف لعمرته في اشهر الحج، قالوا: والفرق بينهما ان الحج يدخل على العمرة، ولا تدخل العمرة على الحج، قالوا: وإن اهل بعمرة وقد طاف للحج، فإنه يرفضها وعليه لرفضها دم وعمرة مكانها . وقال الاوزاعي: لا بأس ان يضيف العمرة إلى الحج بعد ما يهل بالحج. وقال أبو ثور: إذا احرم بحجة فليس له ان يضيف اليها عمرة، ولا يدخل احراما على احرام، كما لا يدخل صلاة على صلاة. قال أبو عمر: قول أبي ثور لا يدخل احراما على احرام كما لا تدخل صلاة على صلاة، ينفي دخول الحج على العمرة - وهذا شذوذ، فعل ابن عمر في ادخاله الحج على العمرة- ومعه على ذلك جمهور العلماء - خير من قول أبي ثور الذي لا أصل له الا القياس الفاسد في هذا الموضع - والله المستعان . بناء الكهبة وبقية المناسك ٤٧٩ ومن هذا الباب اختلافهم فيمن أهل بحجتين أو بعمرتين، أو أدخل حجة على حجة، أو عمرة على عمرة، فقال مالك: الاحرام بحجتين أو عمرتين لا يجوز، ولا يلزمه الا واحدة، وبذلك قال الشافعي ومحمد بن الحسن. قال الشافعي: وكذلك لو أحرم بحج ثم أدخل علیه حجا آخر قبل ان يكمل ، فهو مهل بحج واحد- ولا شيء عليه في الثاني من فدية، ولا قضاء ولا غيره . قال الشافعي: وكذلك لو أحرم بحج ثم أدخل عليه حجا آخر قبل أن يكمل، فهو مهل بحج واحد- ولا شيء عليه في الثاني من فدية، ولا قضاء ولا غيره . وقال أبو حنيفة: تلزمه الحجتان ویصیر رافضا لاحدهما حين يتوجه الى مكة . وقال أبو يوسف: تلزمه الحجتان ويصير رافصا ساعتئذ. وذكر الجوزاني عن محمد قال: وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد : من اهل بحجتين معا أو اكثر، فإنه إذا توجه الى مكة وأخذ في العمل، فهو رافض لها كلها الا واحدة، وعليه لكل حجة رفضها دم وحجة وعمرة . وأما قوله في حديث ابن عمر: ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف به طوافا واحدا ورأى ان ذلك مجزىء عنه واهدى، ففيه حجة لمالك في قوله بأن طواف الدخول إذا وصل بالسعي، يجزىء عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا أو نسيه، ولم يذكره حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، ولا أعلم احدا قاله غيره وغير اصحابه- والله أعلم. وفي رواية موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر- في حديث هذا الباب - = ٤٨٠ فتح البر عن نافع، عن ابن عمر: قوله ما أمرهما الا واحد، وانطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق ولم يقصر ولم يحل حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن قد قضی طواف الحج والعمرة بطوافه ذلك الاول؛ فهذا يبين لك أن الطواف في الحج واحد واجب للقارن وغيره، وأن من اقتصر عليه لم يسقط فرضا؛ ولما أجمعوا أن من لم يطف للدخول وطاف للافاضة وسعى، أنه يجزئه الدم؛ كان بذلك مع فعل ابن عمر هذا معلوما أن فرض الحج طواف واحد، ويعتبر هذا بالمكي أنه ليس عليه الا طواف واحد، وينوب أيضا عند مالك وأصحابه في الحج الطواف التطوع عن الواجب، لانه عمل بعمل في زمن واحد. وأما سائر الفقهاء، فطواف الإفاضة يوم النحر واجب عندهم فرضاً، لقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلَيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِّيقِ (٣)﴾ [الحج: (٢٩)] فلم يوجب الطواف إلاّ بعد قضاء البيت، وذلك إنما يتم برمي جمرة العقبة. وقد قال في الشعائر: ((ثم محلها الى البيت العتيق))- فجعله بعدها. قالوا: وأما طواف الدخول، فسنة ساقطة عن المكي والمراهق، كسقوط طواف الوداع عن الحائض. وفي هذا الحديث أيضا حجة لمالك ومن قال بقوله في القارن أنه يجزئه طواف واحد لحجه وعمرته، وهذا موضع اختلف فيه العلماء قديما وحديثا، وقد ذكرناه في باب ابن شهاب عن عروة، ونعيد منه ههنا طرفا كافيا بعون الله .