النص المفهرس

صفحات 361-380

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٦١=
حتى يجاوزه الناس، لا يريبه أحد أي لا يمسه أحد ولا يحركه ولا يهيجه
أحد، والحاقف: الواقف المنثني والمنحني، وكل منحن فهو محقوقف، وإذا
صار رأس الظبي بين يديه إلى رجليه وميل رأسه فهو حاقف ومحقوقف، هذا
قول الاخفش، وقال غيره من أهل اللغة: الحاقف الذي قد لجأ الى حقف
وهو ما انعطف من الرمل.
وقال العجاج:
سماوة الهلال حتى احقوقف .
يعني : انعطف، وسماوته : شخصه.
وقال أبو عبيد:
حاقف يعني قد انحنى وتثنى في نومه، ويقال للرجل إذا انحنى :
حقف فهو حاقف، قال: وأما الاحقاف فجمع حقف، ومن ذلك قول الله
عز وجل: ﴿ إِذْ أَ نَذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: (٢١)].
قال أبو عبيد:
إنما سميت منازلهم بالأحقاف، لانها كانت بالرمال.
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه ان الصائد إذا أثبت الصيد برمحه أو
نبله، فقد ملكه بذلك إذا كان الصيد لا يمتنع من أجل ذلك الفعل، لقول
رسول الله وَلير: يوشك أن يأتي صاحبه. وقد استدل قوم بهذا الحديث
أيضا على جواز هبة المشاع لقول البهزي للجماعة: شأنكم بهذا الحمار، ثم
قسمه أبو بكر بينهم بأمر من رسول الله اليه .
وفيه من الفقه جواز أكل الصيد إذا غاب عنه صاحبه أو بات تحته،
وإذا عرف انها رميته، وليس في حديث مالك ما يدل على أن ذلك الظبي

فتح البر
١ =٣٦٢
كان قد غاب عن صاحبه ليلة وذلك في حديث حماد بن زيد لقوله فيه :
أصبت هذا بالامس.
وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى: فقال مالك: إذا أدركه الصائد من
يومه أكله في الكلب والسهم جميعا، وان كان ميتا إذا كان فيه أثر جرحه، وان
کان قد بات عنه لم یأکله.
وقال الثوري : إذا غاب عنه یوما وليلة کرهت أكله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا توارى عنه الصيد وهو في طلبه فوجده
وقد قتله جاز أكله، فإن ترك الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه
فوجده مقتولا والکلب عنده، کرهنا أکله.
وقال الاوزاعي : إذا وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهما أو اثرا
فليأكله .
وقال الشافعي : القیاس الا یأکله إذا غاب عنه.
وروي عن ابن عباس: كل ما أصبت، ودع ما أنميت- يريد: كل ما
عاینت صیده وموته من سلاحك أوكلبك، ودع ما غاب عنك.
وفي حديث أبي رزين عن النبي ◌َّر أنه كره أكل ما غاب عنك مصرعه
من الصيد(١) وهوحديث مرسل، لانه ليس بأبي رزين العقيلي، وانما هو أبو
رزين مولى أبي وائل. رواه عنه موسى بن أبي عائشة من حديث الثوري
وغيره .
وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي ◌َطاهر في الذي يدرك صيده بعد
(١) طب في الكبير (٤٧٨/٢١٤/١٩) وأبو داود في "المراسيل" (١٩٨). وابن أبي شيبة كما في نصب
الراية. قال الزيلعي: ((ومن جهة أبي داود ذكره عبد الحق في أحكامه وأعله بالإرسال وأقره ابن
القطان عليه. (انظر نصب الراية (٣١٥/٤).

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٦٣ -
ثلاث یأکله ما لم ينتن(١).
وفي حديث عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله وَل عن الصيد يغيب
عن صاحبه الليلة والليلتين، فقال: إذا وجدت فيه سهمك ولم تجد أثر
سبع، وعلمت أن سهمك قتله فكله(٢).
وفي حديث هذا الباب رد لقول أبي حنيفة وأصحابه في اشتراطهم
التراخي في الطلب، لان رسول الله وَّلو لم يقل للبهزي: هل تراخيت في
طلبه، وأباح أكله لاصحابه المحرمين ولم يسأله عن ذلك وبالله التوفيق.
(١) م (٣/ ١٩٣١/١٥٣٢)، د (٢٧٨/٣/ ٢٨٦١).
(٢) ت (٤ / ١٤٦٨/٥٥)، وقال: ((هذا حديث صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم، وروى
شعبة هذا الحديث عن أبي بشر وعبد الملك بن ميسرة عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم وعن
أبي ثعلبة الخشني مثله، وكلا الحديثین صحيح)).
ن (٤٣١١/٢١٩/٧-٤٣١٢- ٤٣١٣).

٣٦٤
فتح البر
ما يجوز قتله للمحرم
[٧] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﴾ ﴾ قال: خمس من الدواب
ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب
,(١)
.
العقور
لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه: حدثنا خلف بن
قاسم، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري، حدثنا الربيع بن
سلیمان، حدثنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول
الله ◌َّ﴾ قال: خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب،
والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور (١).
وكذلك رواه أيوب، وعبيد الله، والليث، وغيرهم، عن نافع، عن
ابن عمر، وكذلك رواه عبد الله بن دینار، عن ابن عمر.
ورواه ابن شهاب فاختلف عليه فيه، فرواه ابن عيينة عن الزهري، عن
سالم، عن ابن عمر، عن النبي وَله .
ورواه معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة(٢)، وهذا يمكن أن
یکون إسنادا آخر.
(١) خ (٦/ ٣٣١٥/٤٣٧)، م (١١٩٩/٨٥٨/٢[٧٦])، ن (٢٨٢٨/٢٠٦/٥) من طريق مالك.
(٢) حم (١٦٤/٦)، خ (٣٣١٤/٤٣٧/٦)، م (٢/ ٨٥٧ / ١١٩٨ [٦٩ - ٧٠])،
ت (١٩٧/٣ / ٨٣٧) من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة.
ن (٢٢٨/٥/ ٢٨٨١) من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ومن طريق سعيد
ابن المسيب عن عائشة: م (٨٥٦/٢/ ١١٩٨[٦٧])،
ن (٢٢٨/٥-٢٨٨٢/٢٢٩)، جه (٣٠٨٧/١٠٣١/٢)، ابن خزيمة (٢٦٦٩/١٩١/٤).

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٦٥ =
ورواه يونس عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن
حفصة (١).
ورواه زيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: أخبرتني إحدى نسوة النبي
وَل : أن رسول الله وَّ ل كان يأمر المحرم بقتل خمس من الدواب فذكر مثله
سواء(٢).
فأما رواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث، فمقتصرة على إباحة قتل
هذا الخمس المذكورات من الدواب للمحرم في حال إحرامه في الحل والحرم
جميعا.
وأما رواية ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه لهذا الحديث: ففيها: لا
جناح على من قتلهن في الحل والحرم، وهذا أعم: لانه يدخل فيه المحرم
وغير المحرم، في الحل والحرم؛ ومعلوم أنه ما جاز للمحرم قتله، فغير المحرم
أحری أن يجوز ذلك له، ولكن لكل وجه منها حکم سنذكره في هذا الباب إن
شاء الله .
قرأت علی محمد بن ابراهيم أن محمد بن معاویة حدثھم، قال: حدثنا
أحمد بن شعیب، قال أخبرنا عبيد الله بن سعید، قال حدثنا یحیی عن عبيد
الله، قال أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي وَ لوقال: خمس من
الدواب لا جناح على من قتلهن وهو حرام: الحدأة، والغراب، والفأرة،
والكلب العقور، والعقرب(٣).
(١) خ (٤ / ١٨٢٨/٤٢)، م (٢/ ١٢٠٠/٨٥٨).
(٢) خ (٤ / ٤٢ / ١٨٢٧)، م (٢ / ٨٥٨ / ١٢٠٠ [٧٥]).
(٣) حم (٢/ ٥٤)، م (٢ / ٨٥٩/ ١٢٠٠[٧٨])، ن (٢٠٨/٥/ ٢٨٣٢)،
جه (٢/ ٣٠٨٨/١٠٣١) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.

= ٣٦٦
فتح البر
وكذلك رواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌ُّو مثله
سواء؛ وزاد: قيل لنافع فالحية؟ قال: الحية لا شك في قتلها. وقال بعضهم
عن أيوب، قلت لنافع: الحية؟ قال: الحية لا يختلف في قتلها(١).
قال أبوعمر:
ليس كما قال نافع، وقد اختلف العلماء في جواز قتل الحية للمحرم،
ولكنه شذوذ؛ وقد صح عن النبي ◌َّ قتلها للمحرم وغير المحرم، في الحرم
وغيره من وجوه، سنذکر أکثرها في هذا الباب إن شاء الله: وليس في حدیث
ابن عمر عند أحد من الرواة ذكر الحية، وهو محفوظ من حديث عائشة،
وحديث أبي سعید، وابن مسعود:
قرأت على سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ
حدثھم، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال
حدثنا سفيان، قال حدثنا - والله - الزهري عن سالم، عن أبيه، أن رسول
الله ◌ُ ل﴾ قال: خمس من الدواب لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحل
والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة والكلب العقور(٢).
قال الحميدي: قيل لسفيان إن معمرا يرويه عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة، فقال: حدثنا - والله - الزهري، عن سالم، عن أبيه ما ذکر
عروة عن عائشة .
قال أبوعمر:
اتفق جمهور العلماء وجماعة الفقهاء على القول بجملة هذا الحديث،
(١) حم (٤٨/٢)، م (١٢٠٠/٨٥٩/٢ [٧٧]).
(٢) حم (٨/٢)، د(٢ / ٤٢٤/ ١٨٤٦)، الحميدي (٢ / ٦١٩/٢٧٩) من طريق سفيان به. وتقدم
في الصحیحین من طرق .

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٦٧ -
واختلفوا في تفسیر تلك الجملة وتخصيصها بمعان نذكرها إن شاء الله.
فأما ابن عيينة، فقال: معنى قول رسول الله وَال الكلب العقور: كل
سبع يعقر؛ قال: ولم يخص به الكلب.
قال سفیان وفسره لنا زید بن أسلم، وکذلك قال أبو عبيد.
وروی زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عبد ربه بن سيلان،
عن أبي هريرة، قال: الكلب العقور؛ الأسد.
وأما مالك، فذكر رواة الموطأ عنه في الموطأ أنه قال: الكلب العقور
الذي أمر المحرم بقتله، هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم، مثل
الاسد، والنمر، والفهد، الذئب، فهو الكلب العقور؛ قال: فأما ما كان
من السباع لا تعدو، مثل الضبع والثعلب وما أشبههن من السباع، فلا
يقتله المحرم، وإن قتله فداه؛ قال مالك: وأما ما ضر من الطير، فإنه لا
يقتله المحرم، إلا ما سمى النبي ◌َّى: الغراب والحدأة؛ وإن قتل شيئا من
الطير سواهما وهو محرم فعليه جزاؤه .
قال أبوعمر: ليس هذا الباب عند مالك وأصحابه من باب ما يؤكل
عنده من السباع، وما لا يؤكل في شيء؛ وقد ذكرنا مذهب مالك وغيره فيما
يكره أكله من السباع، وما لا يكره منها مستوعبا في باب اسماعيل بن أبي
حکیم من كتابنا هذا، فلا وجه لاعادة ذلك ههنا .
وقال ابن القاسم: قال مالك: لا بأس أن يقتل المحرم السباع التي
تعدو على الناس وتفترس ابتدأته أو ابتدأها، جائز له قتلها علی کل حال؛
فأما صغار أولادها التي لا تفترس ولا تعدو على الناس، فلا ينبغي للمحرم
قتلها؛ قيل لابن القاسم: فهل يكره مالك للمحرم قتل الهر الوحشي،
والثعلب، والضبع؟ قال: نعم؛ قيل له : فإن ابتدأني الضبع، أوالهر، أو

- ٣٦٨
فتح البر
الثعلب وأنا محرم فقتلتها؛ أعلي في قول مالك شيء؟ قال: لا وهو رأيي، ألا
ترى أن رجلا لو عدا على رجل فأراد قتله فدفعه عن نفسه، لم يكن عليه
شيء.
وقال أشهب: سألت مالكا: أيقتل المحرم الغراب والحدأة من غير أن
يضرابه؟ فقال: لا، إلا أن يضرابه؛ إنما أذن في قتلهما إذا أضرا في رأيي؛ فأما
أن يصيبهما بدءا، فلا أرى ذلك وهما صيد، وليس للمحرم أن يصيد؛ وليسا
مثل العقرب، والفأرة؛ والغراب والحدأة صيد، فلا يجوز أن يقتلا في الحرم
خوف الذريعة إلى الاصطياد؛ فان أضرا بالمحرم، فلا بأس أن يقتلهما؛ قال:
فقلت له: أيصيد المحرم الثعلب والذئب؟ قال: لا. ثم قال: والله ما أدري
أعلى هذا أصل رأيك؟ أم تتجاهل؟ قلت: ما أتجاهل، ولكن ظننت أن تراه
من السباع؛ قال مالك: وكل شيء لا يعدو من السباع مثل الهر، والثعلب،
والضبع، وما أشبهها، فلا يقتله المحرم؛ وإن قتله وداه؛ لان النبي ◌َّ- لم
یأذن في قتل السباع، وإنما أذن في قتل الكلب العقور؛ قال: وصغار الذئاب
لا أرى أن يقتلها المحرم، فإن قتلها فداها؛ وهي مثل فراخ الغربان، أيذهب
يصيدها؟ !.
وقال إسماعيل بن اسحاق: انما قال ذلك مالك في أولاد السباع التي لا
تعدو على الناس، لان الاباحة إنما جاءت في الكلب العقور، وأولاده ليست
تعقر، فلا تدخل في هذا النعت؛ قال: وقد جاء في حديث عائشة: خمس
فواسق يقتلن في الحل والحرم(١).
فسماهن فساقا، ووصفهن بأفعالهن؛ لان الفاسق فاعل، والصغار لا
فعل لهن؛ قال: والكلب العقور يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ذلك
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٦٩ :
الحية والعقرب، لانهما يخاف منهما؛ قال: وكذلك الغراب والحدأة، لانهما
يختطفان اللحم من أيدي الناس؛ قال: وقد اختلف في الزنبور، فشبهه
بعضهم بالحية والعقرب؛ قال: ولولا أن الزنبور لا يبتدىء، لكان أغلظ على
الناس من الحية والعقرب؛ قال: إنما يحمي الزنبور إذا أذى، قال: فإن عرض
الزنبور لانسان فدفعه عن نفسه، لم یکن عليه في قتله شيء؛ قال: وقد جاء
في الفأرة أنها تحرق على الناس بيوتهم، قال: وقد رآها رسول الله وَالو تصعد
بالفتيلة إلى السقف، فجاء فيها النص، كما جاء في الكلب العقور؛ قال: ولم
يعن بالكلب العقور هذه الكلاب الانسية .
قال: وإنما أرخص للمحرم في قتل هذه الدواب الوحشية، قال وإنما
عني بالكلب العقور والله أعلم ما عدا على الناس وعقرهم.
قال: وقد روي عن النبي ◌َّ أنه قال في عتبة بن أبي لهب: سيسلط
الله عليه، أو اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فعدا عليه الاسد فقتله(١).
وحدثنا نصر بن علي، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا
الحجاج، عن وبرة، قال: سمعت ابن عمر يقول: أمر رسول الله وَ الز بقتل
الذئب والغراب والفأرة، قلت: فالحية والعقرب؟ قال: قد كان يقال
ذلك(٢)؛ قال اسماعیل: فإن کان هذا الحدیث محفوظا، فإن ابن عمر جعل
الذئب في هذا الموضع كلبا عقورا؛ قال: وهذا غير ممتنع في اللغة والمعنى.
قال: وأما الحية فلو لم يأت فيها نص، لدخلت في معنى العقرب، وفي معنی
الکلب العقور، فکیف وقد جاء فيها النص.
(١) طب (٤٣٥/٢٢-١٠٦٠/٤٣٦)، وذكره أبو القاسم الأصبهاني في دلائل النبوة (٦١٣/٢)،
والهيثمي (٢١/٦-٢٢) وقال: ((رواه الطبراني هكذا مرسلا وفيه زهير بن العلاء وهو ضعيف)).
(٢) حم (٢/ ٢٢ - ٣٠)، هق (٢١٠/٥)، من طريق حجاج عن وبرة عن ابن عمر به. وقال
البيهقي: ((الحجاج بن أرطاة لا يحتج به)). والحجاج هذا قال فيه الحافظ في "التقريب":
((صدوق كثير الخطأ والتدليس)).

= ٣٧٠:
فتح البر
حدثنا ابن نمير، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن ابراهيم، عن
الأسود، عن عبدالله، قال: كنا مع رسول الله وَلقلوبمنى ليلة عرفة؛
فخرجت حية، فقال: اقتلوا، اقتلوا، فسبقتنا(١). قال: وحدثنا علي، قال
حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن یزید بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي
نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَّل: يقتل المحرم الافعى
والاسود والعقرب والحدأة والكلب العقور والفويسقة(٢).
قال أبو عمر:
الاسود المذكور هنا الحية، هو اسم من أسمائها؛ وفي هذا الحديث ذکر
قتل المحرم الافعى والحية، وليس في حديث ابن عمر؛ وإذا أضفتهما إلى
الخمس الفواسق المذكورة في حديث ابن عمر، صرن سبعا؛ وفي ذلك دلیل
علی أن الخمس لسن مخصوصات، وأن ما كان في معناها فله حكمها فتدبر؛
وسيأتي بيان هذا الباب في هذا كله ومعناه، واختلاف العلماء فيه إن شاء
الله .
وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك، كل ما ذكرنا عنه من رواية أشهب،
وابن القاسم؛ وزاد: ولا يقتل المحرم الوزغ، ولا قردا، ولا خنزيرا؛ ولا يقتل
الحية الصغيرة، ولا صغار الدواب، ولا فراخ الغربان في وكرها؛ فان قتل
ثعلبا، أو صقرا، أو بازیا، فداه.
(١) حم (١/ ٣٧٧-٣٧٨)، خ (١٨٣٠/٤٢/٤)، م (٤ / ١٧٥٥/ ٢٢٣٥)،
ن (٢٢٩/٥/ ٢٨٨٣).
(٢) حم (٣/٣-٧٩-٨٠)، د (٢ / ٤٢٥- ٤٢٦ / ١٨٤٨)، ت (٣/ ١٩٨/ ٨٣٨) وقال: حديث
حسن. جه (٢/ ١٠٣٢/ ٣٠٨٩) من طرق عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي نعم عن
أبي سعيد به. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: ((اسناده ضعيف يزيد بن أبي زياد وإن أخرج
له مسلم، وإنما أخرج له مقرونا بغيره، ومع ذلك فهو ضعيف واختلط بآخره، وروی بعضه من
هذا الوجه عن أحمد بن حنبل، وكذلك روى الترمذي بعضه عن أحمد بن منيع كلاهما عن هشيم
عن یزید بن أبي زیاد به».

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٧١ _
روى ابن وهب، وأشهب، عن مالك، قال: أما ما ضر من الطير،
فلا يقتل منه المحرم الا الذي سمى النبي ◌ُّ: الغراب، والحدأة؛ قال: ولا
أرى أن يقتل المحرم غرابا ولا حدأة، إلا أن يضراه؛ قال: ولا بأس بقتل
الفأرة، والحية، والعقرب وان لم تضره؛ قال: ولا أرى أن يقتل المحرم الوزغ،
لانه ليس من الخمس التي أمر النبي ◌َّلهم بقتلهن؛ قيل لمالك: فان قتل
المحرم الوزغ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقتله، وأری ان یتصدق إن قتله؛ وهو
مثل شحمة الارض، وقد قال رسول الله پھو: خمس من الدواب، فلیس
لاحد أن يجعلها ستا ولا سبعا.
قال أبو عمر: لا خلاف عن مالك وجمهور العلماء في قتل الحية في
الحل والحرم، وكذلك الافعى؛ وذلك مستعمل بالنص وبمعنى النص عند
جمیعهم في هذا الباب فافهمه.
قال ابن القاسم عن مالك: ان طرح المحرم الحلمة، او القراد، او
الحمنان، أو البرغوث عن نفسه، لم يكن عليه شىء. قال: وقال مالك في
القملة حفنة من طعام، قال: ولم أسمعه يحد أقل من حفنة طعام في شىء
من الاشياء؛ قال وقال مالك: قول ابن عمر انه كان يكره ان ينزع المحرم
حلمة، أو قرادا من بعیره أعجب الي من قول عمر انه كان يقرد بعیره.
وقال ابن ابي أويس قال مالك: انما يطرح المحرم عن نفسه القراد،
والنملة، والذرة، وما ليس من دواب جسده إذا كان ذلك يؤذيه؛ قال: وأما
دواب جسده فلا يلقي منها شيئا عن نفسه، الا ان يؤذيه شيء من ذلك،
فيطرحه من موضع من جسده إلى موضع غيره، وينقل القملة من موضع من
جسده إلى موضع منه ان شاء.
وسئل مالك عن الرجل يؤذيه القمل في ازاره وهو محرم. أيضعه ويلبس
غيره؟ قال: نعم.

فتح البر
٣٧٢
وقال ابن وهب: سئل مالك عن البعوض والبراغيث يقتلها المحرم:
أعليه كفارة؟ فقال: إني أحب ذلك؛ قال: وقال مالك لا يصلح للمحرم أن
يقتل قملة ولا يطرحها من رأسه إلى الارض، ولا من جلده، ولا من بدنه؛
فان قتلها أو ألقاها، اطعم قبضة من طعام؛ قال: وقال لي مالك: يلقي
المحرم القراد عن نفسه، قال: وقال: لي في محرم لدغته دبرة فقتلها، وهو لا
يشعر، قال: أرى ان يطعم شيئا؛ فقلت لمالك: أفرأيت النملة؟ قال:
كذلك أيضا؛ فهذه جملة قول مالك في هذا الباب، فتدبرها.
وجملة مذهبه عند أصحابه في هذا الباب: أن المحرم لا يقرد بعيره، ولا
يطرح عنه شيئا من دوابه؛ فإن طرح عن البعير قرادا أطعم، ولا بأس عليه
أن يرمي عن نفسه القراد؛ لانها ليست من دواب بني آدم، ولا يطرح عن
نفسه قملة لأنها منه، وجائز أن يطرح عن نفسه جميع دواب الأرض مثل
الحلمة، والحمنان، والنملة، والذرة، والبرغوث؛ ولا يقتل شيئا من ذلك،
فان قتل منه شيئا أطعم؛ وجائز أن يطرح المحرم عن دابته العلقة، لانها
ليست من دوابها المتعلقة فيها، فهذا أصل مذهبه.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل المحرم من السباع إلا الكلب والذئب
خاصة، ويقتلهما ابتدأه أو ابتدأهما، لا شيء عليه في قتلهما؛ وإن قتل غيرهما
من السباع، فداه؛ قال: وإن ابتدأه غيرهما من السباع فقتله، فلا شيء
عليه؛ وإن لم يبتدئه، فداه إن قتله؛ قال: ولا شيء عليه في قتل الحية
والعقرب والحدأة .
هذه جملة أبي حنيفة وأصحابه إلا زفر، وقال زفر: لا يقتل إلّ الذئب
وحده؛ ومن قتل غيره وهو محرم فعليه الفدية ابتدأه أو لم يبتدئه.
وقول الأوزاعي، والثوري، والحسن بن حي: نحو قول أبي حنيفة:
قال الثوري: المحرم يقتل الكلب العقور، قال وما عدا عليك من السباع

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٧٣
فاقتله، وليس عليك كفارة: قال: ويقتل المحرم الحدأة والعقرب.
وقال أبو حنيفة وأصحابه في كل ذي مخلب من الطير إن قتله المحرم من
غير أن يبتدأه، فعليه جزاؤه: وإن ابتدأه الطير، فلا شيء عليه؛ قالوا: وإن
قتل المحرم الذئاب والقملة والبقة والحلمة والقراد، فليس عليه شيء: قالوا:
ویکره قتل القملة، فإن قتلها فكل شيء يصدق به فهو خير منها.
قال أبوعمر: قد احتج مالك رحمه الله لنفسه في هذا الباب في بعض
مسائله، واحتج له اسماعيل أيضا بما ذكرنا؛ وجملة الحجة لمذهبه ومذهب
العراقيين أيضاً في ذلك، عموم قول الله عز وجل: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ
ج
أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: (٩٦)].
فکل وحشي من الطیر أو الدواب عندهم صید، وقد خص رسول الله
وَل ◌ّ دواب بأعيانها، وأرخص للمحرم في قتلها من أجل ضررها، فلا وجه أن
يزاد عليها، إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها: واستدلوا على أنه لم
يرد بقوله: والكلب العقور جملة السباع، لانه أباح أكل الضبع، وجعلها من
الصيد، وجعل فيها على المحرم إن قتلها كبشا وهي سبع؛ وما القملة وما
کان مثلها مما يخرج من الجسد، فليس من باب الصید، وإنما ذلك من باب
التفث وحلاق الشعر.
وأما الشافعي رحمه الله فقال: كل ما لا يؤكل لحمه، فللمحرم أن
يقتله؛ قال: وللمحرم أن يقتل الحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب
والكلب العقور، وما أشبه الكلب العقور، مثل السبع والنمر والفهد
والذئب؛ قال: وصغار ذلك كله وكباره سواء؛ قال: وليس في الرخمة
والخنافس والقردان والحلم وما يؤكل لحمه جزاء؛ لأن هذا ليس من الصيد؛
قال الله عز وجل: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمًا﴾. فدل أن الصيد

فتح البر
٣٧٤
الذي حرم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالا؛ لأنه لايشبه أن يحرم في
الاحرام خاصة إلا ما كان مباحا قتله؛ قال: وما أمر رسول الله صل﴾ بقتله فلا
يجوز أكله؛ لأن ما عملت فيه الذكاة بالاصطياد أو الذبح لم يؤمر بقتله،
حكى هذه الجملة المزني والربيع؛ وحكى الحسن بن محمد الزعفراني عنه
قال: وما لا يؤكل لحمه على وجهين، أحدهما عدو فليقتله المحرم وغير
المحرم وهو مأجور عليه إن شاء الله.
وذلك مثل الاسد والنمر والحية والعقرب وكل ما يعدو على الناس،
وعلى دوابهم وطائرهم مكابرة، فيقتل ذلك المحرم وغيره وإن لم يتعرضه، وهو
مأجور على قتله؛ ومنها ما يضر من الطائر مثل العقاب والصقر والبازي،
فهو يعدو على طائر الناس فيضر؛ فله أن يقتله أيضا، وله أن يتركه؛ لان فيه
منفعة، وقد يؤلف ویتأنس فيصطاد ویسع المحرم وغيره تركه؛ لانه لا يؤكل،
ولم يرغب في قتله لمنفعته؛ ومنها ما يؤذي ولا منفعة فيه بأكل لحمه، ولا غير
ذلك؛ فيقتل أيضا مثل الزنبور وما اشبهه؛ ألا ترى أنه إذا قتل الفأرة
والغراب والحدأة لمعنى الضرر، كان ما هو أعظم ضررا منها أولى أن يقتل؛
فإن قال قائل فلم تفدي القملة وهي تؤذي وهي لا تؤكل؟ قيل: ليس تفدي
إلا على ما يفدى الشعر والظفر، ولبس ما ليس له لبسه؛ لان في طرح القملة
إماطة أذی عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته، وكأنه أماط بعض شعره؛
فأما إذا كانت ظاهرة فقتلت، فإنها لا تودي. وقال الربيع عنه: لا شيء على
المحرم في قتله من الطير كل ما لا يحل أكله، قال: وله ان يقتل من دواب
الارض وهوامها كل ما لا يحل أكله؛ قال: والقملة ليست صيدا ولا مأكولة؛
فلا تفدي بشيء، إلا أن يطرحها المحرم عن نفسه، فتكون كإماطة الأذى من
الشعر والظفر؛ وقول أبي ثور في هذا الباب كله مثل قول الشافعي سواء.
فهذه أقاويل أئمة الفتوى في أمصار المسلمين، وقد جاء عن التابعين

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٧٥
في هذا الباب أقاويل شاذة تخالفها السنة، أو يخالف بعضها دليلا أو نصا؛
فمن ذلك أن ابراهيم النخعي كره للمحرم قتل الفأرة، وقد ثبت عن النبي
وَ لي أنه أباح للمحرم قتلها(١)، وعليه جماعة الفقهاء؛ وقال عطاء في الجرذ
الوحشي: ليس بصيد فأقتله، وهذا قول صحيح، الا أنه تناقض فقال في
الكلب الذي ليس بعقور: إن قتله ضمنه بقيمته؛ ومعلوم أن الجرذ الوحشي،
ليس بصيد؛ وقال الحكم بن عتيبة، وحماد بن ابي سليمان: لا يقتل المحرم
الحية، ولا العقرب، رواه شعبة عنهما؛ ومن حجتهما : أن هذين من هوام
الارض، فمن قال بقتلهما لزمه مثل ذلك في سائر هوام الارض؛ وهذا أيضا لا
وجه له، ولا معنى؛ لان رسول الله وَ لو قد أباح للمحرم قتلهما (٢):
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبوداود، قال حدثنا علي بن بحر، قال حدثنا حاتم بن اسماعیل، قال حدثنا
محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن ابي صالح، عن ابي هريرة،
أن رسول الله وَّيه قال: خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية، والعقرب،
والحدأة، والفأرة، والكلب العقور(٣).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أبو قلابة، قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثنا حفص
ابن غياث، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أن
رسول الله وَ﴿ قتل حية بمنى(٢).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٣) د(٢/ ١٨٤٧/٤٢٤)، هق (٢١٠/٥)، وفي إسناده محمد بن عجلان قال الحافظ في
"التقريب": ((صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة)).

:٣٧٦:
=
فتح البر
وروى مجاهد، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه- نحوه
مرفوعا(١).
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن عمر بن علي بن
حرب، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال سمعت
الزهري يقول: حدثني سالم، عن أبيه، أن عمر سئل عن الحية يقتلها
المحرم، فقال: هي عدو فاقتلوها حيث وجدتموها (٢).
وروى شعبة عن مخارق بن عبد الله، عن طارق بن شهاب، قال:
اعتمرت فمررت بالرمال. فرأیت حیات، فجعلت اقتلهن، فسألت عمر،
فقال: هن عدو فاقتلوهن، قال سفيان وقال لنا زيد بن أسلم: ويحك، أي
كلب أعقر من الحية. وقال عبد الرحمن بن حرملة: رأيت سالم بن عبد الله
-وهو محرم- ضرب حية بسوطه حتى قتلها.
وقال السري بن يحيى: سألت الحسن: أيقتل المحرم الحية؟ قال:
نعم، وقالت طائفة لا يقتل من الغربان الا الغراب الابقع خاصة .
واحتجوا بما حدثنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية،
قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى،
قال حدثنا شعبة، قال حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة،
عن النبي ◌َ ﴿ل قال: خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة،
والغراب الابقع، والكلب العقور(٣).
(١) حم (٣٨٥/١)، ن (٢٨٨٤/٢٢٩/٥) من طريق يحيى عن ابن جريج عن أبي الزبير عن مجاهد
به. وإسناده ضعيف لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله ابن مسعود والحديث صحيح بما
قبله .
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه من طريق سفيان وفي غيره من طرق أخرى.
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٧٧
قال أبوعمر: الابقع من الغربان الذي في ظهره أو بطنه بياض،
وكذلك الكلب الابقع أيضا، والغراب الادرع. والدرعي هو الاسود،
والغراب الاعصم هو الابيض الرجلين، وكذلك الوعل الاعصم عصمته
بياض في رجله، وقال مجاهد: ترمى الغراب ولا تقتله، وقال به قوم،
واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل.
وأخبرنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثني
يعقوب بن ابراهیم، قالا جمیعا حدثنا هشیم، قال أخبرنا یزید بن أبي زياد،
قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله
وَلأو سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: الحية والعقرب والفويسقة، ويرمي الغراب
ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة والسبع العادي(١).
قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن حميد، قال حدثنا مروان بن المغيرة،
عن علي بن عبد الاعلى، عن أبيه، عن عامر بن هني، عن محمد بن
الحنفية، عن علي، أنه قال: يقتل المحرم الحية والعقرب والغراب الابقع،
ويرمي الغراب، والفويسقة، والكلب العقور.
قال أبو عمر:
قد ثبت عن النبي وَل﴿ من حديث ابن عمر وغيره أنه أباح للمحرم
قتل الغراب ولم يخص أبقع من غيره، فلا وجه لما خالفه؛ لأنه لا يثبت،
وجمهور العلماء على القول بحديث ابن عمر وما كان مثله في معناه من حديث
أبي هريرة وغيره. وأما حديث عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد
الخدري، عن النبي ◌ّلي أنه قال في الغراب یرمیه المحرم ولا يقتله، فلیس
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

= ٣٧٨
فتح البر
مما يحتج به على مثل حديث نافع، عن ابن عمر، وسالم، عن ابن عمر،
والحديث عن علي فيه أيضا ضعف ولا يثبت، وقد ثبت عن النبي بَّ من
حديث أبي هريرة وغيره أنه أباح للمحرم قتل الحية، وهوقول عمر، وعلي،
وجمهور العلماء.
وأما تقريد المحرم بعيره، فأكثر العلماء على إجازة ذلك، وتقريده رمي
القراد ونزعه عنه وقتله :
روى مالك وغيره، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن
الحارث، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير، أنه رأى عمر بن الخطاب يقرد
بعيرًا له في الطين بالسقيا- يعنى أنه كان يغرق القراد في الطين وينزعه عن
بعيره. وكذلك روي عن ابن عباس، وجابر بن زيد، وعطاء: لا بأس أن
یقرد المحرم بعيره، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وبه قال أبو
ثور، وأحمد وإسحاق، وداود، وكان عبد الله بن عمر يكره للمحرم أن ينزع
القراد عن بعيره، واتبعه على ذلك مالك وأصحابه، وقال الثوري: إذا كثر
القمل على المحرم فقتلها كفر. وقال أبو ثور: لا شيء على المحرم في قتل
القمل قل أو كثر، وکذلك قال داود، وهو قول طاوس، وسعيد بن جبير،
وعطاء، وجابر بن زید.
ذکر عبد الرزاق : أخبرنا هشیم، عن أبي بشیر، قال سئل جابر بن زيد
عن المحرم تسقط القملة على وجهه، فقال: انبذها عنك أو عن وجهك،
ما حقها في وجهك؟ قال: اذن تموت؟ قال: موتها وحياتها بيد الله.
وقد روى عن عطاء أن في القملة حفنة من طعام كقول مالك سواء،
وهو قول قتادة.
وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن ميموم بن

الممنوع والمباح في الإحرام
٣٧٩ = ١١
مهران، قال : كنت عند ابن عباس فسأله رجل، قال: وجدت قملة - وأنا
محرم، فطرحتها ثم ابتغيتها فلم أجدها، فقال: تلك الضالة لا تبتغي.
وروى الثوري، عن جابر، عن عطاء، عن عائشة، قالت: المحرم
يقتل الهوام كلها غير القملة، فإنها منه(١).
قال أبو عمر:
احتج من كره أكل الغراب وغيره من الطير التي تأكل الجيف، ومن
كره أكل هوام الارض أيضا- بحديث النبي وير هذا أنه أمر بقتل الغراب
والحدأة والعقرب والحية والفأرة، قال: وكل ما أمر رسول الله وَله بقتله،
فلا يجوز أكله.
هذا قول الشافعي وأبي ثور وداود، وهذا باب اختلف العلماء فيه قديما
وحديثا، فأما اختلافهم في ذوي الانياب من السباع، فقد مضى القول في
ذلك مستوعبا في باب اسماعيل بن أبي حکیم من کتابنا هذا.
(١) عبد الرزاق (٨٢٥٩/٤١٣/٤) عن الثوري به .

-
٣٨٠
فتح البر
باب منه
[٨] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ ل} قال: خمس
من الدواب مَنْ قتلهن - وهو محرم- فلا جناح عليه: العقرب، والفأرة، والكلب
العقور، والغراب، والحدأةٌ(١).
قد سلف القول في هذا الحديث -مستوعبا كاملا - في باب نافع، عن
ابن عمر أيضا، فلا معنى لاعادة ذلك ههنا.
(١) حم (٢/ ١٣٨)، خ (٦/ ٣٣١٥/٤٣٧)، م (٢/ ١١٩٩/٨٥٩[٧٩]) من طريق يحيى، عن عبد
الله بن دینار عن عبدالله بن عمر.
حب: الإحسان (٣٩٦٢/٢٧٥/٩).