النص المفهرس
صفحات 301-320
الإحرام وصفاته
٣٠١ =
ابن سليمان، وعبد المجيد ، عن ابن جريج، عن نافع ، عن ابن عمر، قال:
حدثتني حفصة ان النبي وسلم أمر ازواجه ان يحللن عام حجة الوداع؛ قالت
حفصة: فقلت: ما يمنعك ان تحل؟ قال: اني قلدت هديي ولبدت رأسي،
فلا احل حتى انحر هديي(١).
قال أبو عمر: قد علم كل ذي علم بالحديث ان مالكا في نافع وغيره
زيادته مقبولة، لموضعه من الحفظ والاتقان، والتثبت، ولو زاد هذه اللفظة
مالك - وحده- لكانت زيادته مقبولة، لفقهه وفهمه وحفظه واتقانه؛
وكذلك كل عدل حافظ، فكيف وقد تابعه من ذكرنا؛ ولكن المسئول لما رأی
حدیث حفصة هذا یوجب ان النبي عليه السلام كان متمتعا في حجته او
قارنا، ولا بد من احدى هاتين الحالتین علی حدیث حفصة هذا؛ وعرف ان
مالکا کان یذهب الی ان رسول الله * كان مفردا في حجته تلك، لحديثه
عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ولحديثه عن أبي الاسود،
وابن شهاب جميعا عن عروة، عن عائشة، ان رسول الله وَليول أفرد الحج(٢)،
دفع حديث حفصة بما لا وجه له، وزعم ان مالكا انفرد بقوله: ولم تحل انت
من عمرتك .
قال أبو عمر: فلم ينفرد بها مالك، ولو انفرد بها ما نسب احد اليه
الوهم فيها؛ لانها لفظة لا يدفعها اصل، ولا نظر من اصل، ولو جوز له ان
يدفع حدیث حفصة هذا بمثل ذلك من خطل القول، کیف کان يصنع في
احاديث التمتع كلها التي روي فيها ان رسول الله ◌َلقد كان في حجته
متمتعا، وفي احاديث القران التي صرحت او دلت على ان رسول الله وَلقه
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) م (٢ / ٨٧٥/ ١٢١١[١٢٢])، د (٢/ ٣٧٧/ ١٧٧٧)، ت (٣/ ١٨٣/ ٨٢٠) وقال: حديث
حسن صحيح. جه (٢/ ٩٨٨/ ٢٩٦٤-٢٩٦٥)، هق (٢/٥) من طرق عن عائشة.
فتح البر
:٣٠٢
كان يومئذ قارنا وهي كلها آثار صحاح ثابتة، قد اخرجها البخاري ومسلم
وابو داود وغيرهم.
قال أبو عمر:
الذي عليه اهل العلم فيما اختلف من الآثار، المصير الى اقوى ما
رووه، وكان اثبت عندهم من جهة النقل والمعنى، واشبه بالاصول المجتمع
عليها؛ هذا إذا تعارضت الآثار في محظور ومباح، ولم يقم دليل على نسخ
شيء منها، ولم يمكن ترتيب بعضها على بعض؛ فكيف والاحاديث في
القران والافراد والتمتع، لم يختلف الا في وجوه مباحة كلها، لا يختلف العلماء
في ذلك، ولا احد من الامة بان الافراد والتمتع والقران، كلّ مباح بالسنة
الثابتة المتواترة النقل، وباجماع العلماء؛ وإنما اختلفت الآثار، واختلف
العلماء فيما كان به رسول الله وّل محرما في خاصة نفسه، وهذا لا يضر جهله
لما وصفنا؛ ولما لم يكن لاحد من العلماء سبيل الى الاخذ بكل ما تعارض
وتدافع من الآثار في هذا الباب، ولم يكن بد من المصیر الى وجه واحد منها،
صار كل واحد منهم الى الاصح عنده بمبلغ اجتهاده، فصار مالك الى
تفضيل الافراد على التمتع وعلى القران لوجوه منها: انه روى ذلك أيضا عن
عائشة من وجوه، فكانت تلك الوجوه اولى عنده من حديث حفصة هذا.
ومنها انه الثابت في حديث جابر عن النبي ◌ُّ ومنها انه اختيار ابي بكر
وعمر وعثمان. ومنها ان ذلك اتم، ولذلك لم يحتج فيه الى جبر شيء بدم.
ومنها من جهة النظر حجج لمخالفة معارضها بمثلها من جهة النظر أيضا،
ليس بنا حاجة ههنا الى ذكر شيء منها: وذهب غيره الى ان التمتع افضل،
لآثار رووها عن النبي ◌ُّال# انه تمتع. وكان ابن عمر یذبه الى التمتع ویزعم ان
رسول -الله وَل تمتع في حجته، وكان ابن عمر من اعلم الصحابة بالحج؛
وذهب آخرون أن رسول الله وَليهو قرن بين الحج والعمرة في حجته، لآثار
الإحرام وصفاته
٣٠٣ :
رووها صحاح عندهم أيضا بذلك؛ والآثار في التمتع والقران كثيرة جدا،
وقد ذكرنا منها في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا ما فيه كفاية. وفي
باب نافع أيضا ما فيه شفاء؛ وما اعلم احدا في قدیم الدهر ولا حديثه، رد
الحديث حفصة هذا بان قال ان مالكا انفرد منه بقوله: ولم تحل انت من
عمرتك الا هذا الرجل والله يغفر لنا وله برحمته.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود؛ وحدثنا عبد الله بن محمد بن اسد، قال حدثنا احمد بن
محمد المكي، قال حدثنا علي بن عبد العزيز، قالا حدثنا القعنبي، عن
مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة زوج النبي وّ إنها قالت
لرسول الله له : ما شأن الناس حلوا ولو تحل انت من عمرتك؟ قال: اني
لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا احل حتى انحر(١).
وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
اصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى يعني
ابن سعيد القطان، عن عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن
حفصة، قالت: قلت للنبي وَّليّ ماشأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟
قال: اني قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل من الحج. فهذا عبيد الله بن
عمر، وهو من اثبت الناس في نافع، قد قال كما قال مالك سواء، وهو أمر
مجتمع عليه في القارن انه لا يحل حتى يحل منهما جميعا بآخر عمل الحج،
وزعم بعض اصحابنا ان حدیث حفصة هذا لیس فیه مايدل على ان رسول
الله ﴾﴾ کان یومئذ متمتعا ولا قارنا؛ وقال في جوابه لها ما يدل على انه كان
مفردا، لقوله: لبدت رأسي وقلدت هديي، ولم يعرف ان هدي المفرد تطوع لا
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
-٣٠٤
فتح البر
يمنع من احلال لمن أمر بفسخ حجه في عمرة كما أمر رسول الله وَله يومئذ
اصحابه، وسنبین هذا المعنى فيما بعد من هذا الباب ان شاء الله، وانما حمله
على ذلك والله أعلم تقصير البخاري عنه في رواية عبيد الله.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
اصبغ: وأخبرنا احمد بن محمد، واحمد بن سعيد، وأحمد بن قاسم، قالوا
حدثنا وهب بن مسرة، قالا جميعا: حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو اسامة، قال حدثنا عبيد الله بن عمر، عن
نافع، عن ابن عمر، ان حفصة زوج النبي ◌َّر قالت : قلت يا رسول الله،
ما شأن الناس حلوا ولم تحل انت من عمرتك؟ قال: اني لبدت رأسي وقلدت
هديي، فلا احل حتى احل من الحج(١).
حدثنا عبد الله بن محمد، وعبد الرحمن بن عبد الله، قالا حدثنا احمد
بن جعفر بن مالك، قال حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل، قال حدثني
ابي، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال حدثني نافع، عن ابن
عمر، عن حفصة، قالت: قلت يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا ولم تحل
من عمرتك(٢)؟ فذكره حرفا بحرف الى آخره.
قال أبو عمر:
معلوم أن النبي ◌َّلهو أمر اصحابه في حجته انه من لم يكن منهم معه
هدي ان يفسخ حجه في عمرة،. وهذا ما لم يختلف في نقله، وانما اختلف في
خصوصه وعلته، وعلى هذا خرج سؤال حفصة وقولها ماشأن الناس حلوا ولم
تحل انت من عمرتك؟ فجاوبها بما جرى ذكره؛ ولم يختلف عنه أَّ انه لما قدم
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
الإحرام وصفاته
٣٠٥
مكة أمر اصحابه ان يحلوا الا من كان قد ساق هديا، وثبت هو على احرامه
فلم يحل منه الا وقت ما يحل الحاج من حجه؛ قال: ولو استقبلت من أمري
ما استدبرت، ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة؛ لمن كان ليس معه هدي
فليحل وليجعلها عمرة (١). وهذا عندنا خصوص والله أعلم، لانه وَلقول علم
انه لا يحج بعدها، وكان قد عرف من أمر جاهليتهم انهم لا يرون العمرة في
اشهر الحج الا فجورا؛ ونسخ الله ذلك من أمرهم، فاراد پڑ ان یریهم ان
العمرة في اشهر الحج ليس بها بأس، فأمر اصحابه ان يحلوا بعمرة يتمتعون
بها؛ ومما استدل بها من فضل القران والتمتع على الافراد، ان قال ان حديث
حفصة هذا عن النبي ◌ٍّ﴾ قوله اني قلدت هديي ولبدت رأسي فل احل حتى
انحر الهدي، يدل انه کان قارنا آلټ بقوله حتی احل من الحج؛ کذلك رواه
الحفاظ عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة.
وقال احمد بن حنبل: عبيد الله بن عمر اقعد بنافع من ايوب ومالك،
وكلهم ثبت، لانه لو كان مفردا لحجه، لكان هديه تطوعا، والهدي التطوع
لا يمنع من الاحلال الذي يحله الرجل إذا لم يكن معه هدي. ولو كان هديه
تطوعا، لكان حكمه كحكم من لم يسق هديا، ولجعلها عمرة على حرصه
على ذلك؛ بدليل قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت
الهدي، والهدي الذي يمنع من ذلك هدي قران أو هدي متعة، هذا ما لا
شك فيه عند أهل العلم، الا ترى لو ان رجلا خرج يريد التمتع واحرم
بعمرة، انه إذا طاف لها، وسعى وحلق، حل منها باجماع، الا ان يكون معه
هدي لمتعته، فان كان ساق هديا لمتعته، لم يحل حتى يرم النحر؛ ولو ساق
هديا تطوعا، حل قبل يوم النحر بعد فراغه من العمرة، قالوا: فثبت بذلك
(١)م (١٢١٨/٨٨٦/٢ [١٤٧-١٤٨])، د(٢/ ١٩٠٥/٤٥٥)، ن (٢٧١١/١٥٦/٥)، جه
(١٠٢٢/٢/ ٣٠٧٤) وهو جزء من حديث جابر الطويل.
- ٣٠٦
فتح البر
ان هدي النبي القر لما كان قد منعه من الإحلال، واوجب ثبوته على الإحرام
إلى يوم النحر؛ لم یکن هدي تطوع، وانما کان هدیا لسبب عمرة يراد بها قران
او تمتع، هذا کله قول من نفی ان يكون النبي وثيقة يومئذ مفردا، وعول على
حدیث حفصة وما کان في معناه؛ قالوا: ونظرنا في حدیث حفصة هذا، ف
إذا حديثها قد دلنا على ان ذلك القول من رسول الله آل﴾ كان منه بعدما
حل الناس؛ الا ترى الى قول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل انت من
عمرتك؟ ولا يخلو النبي ◌َّ و حين قال لحفصة مجاوبا لها عن قولها: اني قلدت
هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر الهدي؛ من أن يكون قال ذلك
قبل أن يطوف أو بعد الطواف، فان كان قد طاف قبل ذلك ثم أحرم بالحج
من بعد، فإما كان متمتعا ولم يكن قارنا إذ أحرم بالحج بعد فراغه من الطواف
للعمرة؛ وان كان قد احرم بالحج قبل طوافه للعمرة، فإنما كان قارنا، وهذا
اشبه إن شاء الله.
وعلى اي الوجهين كان، فان حديث حفصة هذا ينفي ان يكون النبي
وَلو كان مفردا لحجة لم تتقدمها عمرة، ولم يكن معها عمرة: وإذا كان ذلك
كذلك، فحكم حديث حفصة هذا، كحكم سائر الاحاديث المأثورة عنه
وَلّ انه قرن، او كحكم الاحاديث عنه انه تمتع، ومالك رحمه الله لا ينكرها،
ولكنه قال: ان المصير الى رواية من روى ان رسول الله وَّ افرد الحج
اولی(١)؛ لانه قد صح عنه ذلك من طریق النقل، کما صحت تلك الوجوه؛
ورجحنا اختيارنا الافراد بأنه عمل أبي بكر وعمر وعثمان؛ وحسبك بقول
عمر: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، وكان لايزيد على الافراد، ومحال ان
يجهل هؤلاء الخلفاء الافضل والاصح مما روي في ذلك، مع موضعهم من
العلم والجلالة والفهم؛ وقد صح عن عائشة عن وجوه، ان رسول الله وَله
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
الإحرام وصفاته
٣٠٧
افرد الحج (١)؛ وصح مثل ذلك عن جابر، وجابر ساق الحديث في الحج
سياقة من حفظه من أول الإهلال به إلى آخره عنه وَله .
روی الأوزاعي عن ابن جريج عن عطاء، قال: حدثني جابر عن عبد
الله، قال: أهللنا مع رسول الله وَّيقول بالحج خالصا لا يخالطه شيء(٢).
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا ابو
داود، قال حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر،
قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله قتيلو بالحج مفردا، واقبلت عائشة مهلة
بعمرة وذكر الحديث(٣)، والآثار في الافراد كثيرة أيضا، وكل ذلك مجتمع على
جوازه، بالله العون والتوفيق والتسديد، لا شريك له.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) خ (٢٥٠٥/١٧٢/٥)، م (١٢١٦/٨٨٣/٢)، د (٢/ ١٧٧٨/٣٨٥)، ن (٢٨٠٤/١٩٦/٥)،
جه (٩٢٩/٢ /٢٩٨٠).
(٣) م (٢ / ١٢١٣/٨٨١)، د (٢/ ٣٨٤/ ١٧٨٥)، ن (١٧٩/٥ / ٢٧٦٢).
:٣٠٨
فتح البر
باب منه
[١٨] مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، انها قالت: خرجنا
مع رسول الله وَ ير عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ومثلقول :
من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا.
قالت: فقدمت مكة وانا حائض، فلم اطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة،
فشكوت ذلك الى رسول الله القر فقال: انقضي رأسك وامشطي، واهلي بالحج
ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضيت الحج، ارسلني رسول الله مَلآر مع
عبد الرحمن بن أبي بكر الى التنعيم فاعتمرت؛ فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف
الذين اهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد
ان رجعوا من منى لحجهم، واما الذين كانوا اهلوا بالحج او جمعوا الحج بالعمرة،
فانما طافوا طوافا واحداً(١).
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا الاسناد عن عبد الرحمن
ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ولم يتابعه عليه احد فيما علمت من رواة
الموطأ، وانما هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة هكذا بهذا الاسناد ، وهو عند يحيى بهذا
الاسناد کذلك أيضا؛ وباسناد آخر عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه، عن
عائشة؛ فانفرد يحيى لهذا الحديث بهذا الاسناد، وحمل عنده هذا الحديث
بهذين الاسنادين عن مالك في الموطأ، وليس ذلك عند احد غيره في الموطأ-
والله أعلم.
وقد تقدم ذكرنا لذلك في باب ابن شهاب، وقد يجوز ويحتمل ان يكون
عند مالك في هذا الحدیث اسنادان، فيدخل الحديث في موطئه باسناد واحد
(١) خ (١٦٥٠/٦٤٢/٣) و(١٥٥٦/٥٢٩/٣)، م (١٢١١/٨٧٠/٢)،
د (٢ / ٣٨١/ ١٧٨١)، ن (٢٧٦٣/١٨٠/٥)، جه (٢٩٦٣/٩٨٨/٢) من طرق عن عائشة.
الإحرام وصفاته
٣٠٩ -
منهما، ثم رأى ان يردف الاسناد الآخر إذ ذكره أو نشط اليه، فأفاد بذلك
يحيى وكان يحيى من آخر من عرض عليه الموطأ، ولكن أهل العلم بالحديث
يجعلون إسناد عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث خطأ، لانفراد واحد به
عن الجماعة .
وأما قوله: انقضي رأسك وامتشطي، فهذا لم يقله أحد عن عائشة غير
عروة، لا القاسم ولا غيره، وقد أوضحنا ذلك كله في باب ابن شهاب عن
عروة من هذا الكتاب.
وأما معاني هذا الحديث، فقد مضى القول فيها في باب ابن شهاب عن
عروة من هذا الكتاب والحمد لله کثیرا .
٣١٠
فتح البر
ماجاء أن النبي ◌َ أفرد الحج
[١٩] مالك. عن أبي الأسود: محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة أن رسول الله
الر : أفرد الحج (١).
وهذا الحديث مستخرج من الحديث الذي قبله، أخرجه مالك رحمه
الله حجة له في مذهبه، لأنه یذهب إلى أن الافراد أفضل.
وأن رسول الله ﴾﴾ كان في حجه مفردا، وقد مضى القول في باب ابن
شهاب عن عروة من كتابنا هذا فإغنى عن إعادته ها هنا .
(١) جه (٢٩٦٥/٩٨٨/٢)، هق (٢/٥)، حب: الإحسان (٢٩٣٦/٢٤٣/٩)، من طريق مالك
عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة به .
الإحرام وصفاته
٣١١
باب منه
[٢٠] مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله وَله
أفرد الحج(١).
قال أبو عمر:
هذا أصح حديث يروى عن النبي وَلّ أنه أفرد الحج، وإليه ذهب
مالك في اختياره الافراد وأصحابه، وأبو ثور، وجماعة؛ وروي ذلك عن أبي
بكر، وعمر، وعثمان- وهو أحد قولي الشافعي واختياره.
وروى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال إذا جاء عن النبي وَله
حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وترك الآخر،
-كان في ذلك دلالة أن الحق فيما عملا به؛ وقد مضى القول الممهد في هذا
المعنى وما فيه للعلماء السلف منهم والخلف من التنازع والاختلاف في ما كان
رسول الله وَل به محرما في حجته، وهل كان حينئذ مفردا، أو متمتعا، أو
قارنا؟ وذكرنا هناك اختلاف الآثار في ذلك وما ذهب اليه فقهاء الامصار-
وذلك في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا والحمد لله.
حدثنا خلف بن قاسم بن سهل بن محمد، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن
أحمد بن محمد بن عطية، حدثنا أبو عبد الرحمن زكريا بن يحيى السجزي،
حدثنا ابن الرماح، قال: قلت: الأفراد أحب إليك أم القران؟ قال:
الأفراد؛ قلت: من أين؟ قال: لأن رسول الله وَ لا أفرد الحج، قلت:
عمن؟ فقال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن النبي
(١) م (٢ / ٨٧٥ / ١٢١١ [١٢٢])، د (٣٧٧/٢ - ٣٧٨ / ١٧٧٧)، ت (٨٢٠/١٨٣/٣)،
ن (٢٧١٤/١٥٨/٥)، جه (٩٨٨/٢ /٢٩٦٤).
فتح البر
٣١٢٠
وَل افرد الحج(١). وحدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أبو بكر محمد بن
الحسين بن صالح السبيعي - بدمشق، حدثنا أحمد بن خالد بن يزيد بن
عبد الله الكندي الحلبي حدثنا مطرف بن عبد الله المدني، حدثنا مالك،
عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي وَّو افرد
الحج(١)، ورواه مطرف أيضا عن ابن أبي حازم، عن جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن جابر، عن النبي ◌َِّ مثله(٢).
ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وابن جريج، عن عطاء، عن
جابر، عن النبي وَلّر مثله سواء، وأبو معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان
عن جابر عن النبي وَلِّ مثله (٣).
وأما الحج في الشريعة، فقصد الكعبة- البيت الحرام، والطواف
والسعي بين الصفا والمروة، والرمي، والوقوف بعرفة- على سنتها، ثم
بالمزدلفة على سنتها، ثم اتيان منى والمقام بها لرمي الجمار، ثم الطواف وكل
ذلك علی سنته فیما هو معلوم - والحمد لله.
وقد أتينا على إيضاح ذلك في مواضعه من هذا الكتاب.
وأما الحج في اللغة فالقصد قال الشاعر:
وأشهدُ مِن عوفٍ حُلُولا كثيرةً
یحُّون ◌ِبَ الزِّبرقانِ المُزعفرا
(١) م (٢ / ٨٧٥/ ١٢١١[١٢٢])، د (٢/ ٣٧٧/ ١٧٧٧)، ت (١٨٣/٣/ ٨٢٠)،
ن (٥/ ١٥٨/ ٢٧١٤)، جه (٩٨٨/٢/ ٢٩٦٤).
(٢) م (٢ / ١٢١٨/٨٨٦)، مطولا. جه (٢٩٦٦/٩٨٨/٢).
(٣) من طريق عطاء عن جابر أخرجه: خ (٤١٥/١٣-٤١٦ /٧٣٦٧)،
م (٢ / ٨٨٣/ ١٢١٦)،. ومن طريق أبي سفيان عن جابر أخرجه: حم (٣/ ٣١٥)،
هق (٤/٥). وقد مضى تفصيل طرقه في باب "ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال".
الإحرام وصفاته
٣١٣
والسب: الثوم أو العمامة .
وقال جرير:
قوم إذا حاولوا حجّا لبيعتهم
صروا الفلوس وحجوا غير أبرار
== ٣١٤
فتح البر
المتعة في الحج
[٢١] مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلب، أنه حدثه: أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس،
عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال
الضحاك: لا يصنع ذلك الا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئسما قلت يا ابن
أخي، وقال الضحاك: فإن عمر قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول
الله آل﴾ وصنعناها معه(١).
لم يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحدیث ومتنه، بمعنى واحد
في ما علمت. وكذلك رواه معمر عن الزهري، باسناد مالك ومعناه، ولم
یقمه ابن عيينة .
وروى هذا الحديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، بهذا
الاسناد، مثله سواء، إلا أنه لم يذكر فيه نهي عمر عن التمتع، وقد ذكرنا في
باب ابن شهاب عن عروة اختلاف الآثار في ما كان رسول الله {#* به، في
خاصته محرما في حجته، وذكرنا مذاهب العلماء في الافضل من ذلك، ولا
خلاف علمته بين علماء المسلمين في جواز التمتع بالعمرة الى الحج.
وفي هذا الحديث ذكر التمتع بالعمرة إلى الحج، وذلك عند العلماء على
أربعة أوجه، منها: ما اجتمع على أنه تمتع، ومنها ما اختلف فيه، فأما
الوجه المجتمع على أنه التمتع المراد بقول الله عز وجل: ﴿ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ
إِلَى الْحَحْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِيّ﴾ فهو الرجل يحرم بالعمرة في أشهر الحج،
وهي شوال وذو العقدة وعشر من ذي الحجة، وقد قيل ذو الحجة كله فإذا
أحرم أحد بعمرة في أشهر الحج وكان مسكنه من وراء الميقات من أهل
(١) ت (٨٢٣/١٨٥/٣) وقال: هذا حديث صحيح. ن (٢٧٣٣/١٦٦/٥).
الإحرام وصفاته
٣١٥
-
الآفاق، ولم يكن من حاضري المسجد، والحاضرو المسجد الحرام عند مالك
وأصحابه، هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وعند الشافعي وأصحابه،
هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه الى مكة، وذلك اقرب المواقيت،
وعند أبي حنيفة وأصحابه هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية، فمن
كان من أهل المواقيت أو من أهل ما وراءها، فهم من حاضري المسجد
الحرام، وعند غير هؤلاء هم أهل الحرم.
وعلى هذه الأقاويل الأربعة مذاهب السلف في تأويل قول الله عز
وجل: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُ حَاضِرِىِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: (١٩٦)] فليس
له التمتع بالعمرة الى الحج ولا يكون متمتعا أبدا، اعني التمتع الموجب
للهدي، ما كان هو وأهله كذلك، ومن لم يكن أهله حاضري المسجد
الحرام، فخرج من موضعه محرما بعمرة في أشهر الحج أو احرم بها من ميقاته
وقدم مكة محرما بالعمرة، فطاف لها وسعى وحل بها في أشهر الحج ثم أقام
حلالا بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه الی بلده، وقبل
خروجه إلى ميقات أهل ناحيته، فهو متمع بالعمرة الى الحج وعليه ما أوجب
الله على من تمتع بالعمرة إلى الحج وذلك ما استيسر من الهدي، يذبحه لله،
ويعطيه المساكين بمنى أو بمكة، فان لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج
وسبعة إذا رجع إلى بلده، والثلاثة الايام في الحج آخرها يوم عرفة، فان صامها
من حين يحرم بحجه الى يوم النحر، فقد أدى ما عليه من صيام أيام الحج،
وان فاته ذلك، فليس له صيام يوم النحر بإجماع من علماء السلمين، نقلا
عن النبي وَلو .
واختلف في صيامه أيام التشريق اذ هي من أيام الحج، فرخص له
خاصة في ذلك قوم، وأبی من ذلك آخرون، وسنذكر ذلك ان شاء الله.
=٣١٦:
فتح البر
فهذا إجماع من أهل العلم قديماً وحديثاً، في المتعة، والتمتع المراد
بقول الله عز وجل: ﴿ فَنَ تَمَثَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ [البقرة: (١٩٦)] والمعنى، والله
أعلم، انه تمتع بحله كله، فحل له النساء، وغير ذلك مما يحرم على المحرم،
وسقط عنه السفر لحجه من بلده، وسقط عنه الاحرام من ميقاته في الحج،
وقد قال بعض أصحابنا: انما ذلك لسقوط السفر خاصة، لا لتمتعه بالحل،
لان القارن لم يتمتع بحل، وعليه دم. والوجه العام ما ذكرت لك من تمتعه
بحله، وسقوط سفره وسقوط الاحرام من ميقاته، فلذلك كله وجب الدم
عليه. اذ حصل حاجا ولم يحرم بحجه ذلك من ميقات أهله ولا شخص
لذلك الحج من موضعه، بعد ان حصل محرما في أشهر الحج وزمانه وحج
من عامه، فهذه العلة الموجبة علیه الدم، والله أعلم. فان اعتمر في أشهر
الحج ثم رجع الى بلده ومنزله، ثم حج من عامه ذلك، فليس بمتمتع، ولا
هدى عليه، ولا صيام، عند جماعة العلماء أيضا، الا الحسن البصري فإنه
قال: عليه هدى، حج أو لم يحج، قال: لانه كان يقال عمرة في أشهر الحج
متعة، وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال:
كان أصحاب رسول الله ◌َ في، يعتمرون في أشهر الحج، ثم يرجعون
ولايهدون(١)، فقيل لسعيد بن المسيب، فان حج من عامه، قال عليه
الهدى، قال قتادة: وقال الحسن: عليه الهدى حج أو لم يحج، وهشيم عن
يونس عن الحسن انه قال: عليه الهدى حج أو لم يحج.
وقد روی عن یونس، عن الحسن، قال: ليس عليه هدى، والصحيح
عن الحسن ماذكرنا .
(١) هق (٤ / ٣٥٦) إلا أنه قال: ((كان أصحاب النبي و ﴿ يتمتعون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا عامهم
ذلك یہدوا شیئا .
الإحرام وصفاته
٣١٧
أخبرنا أحمد بن محمد: حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن
جرير، قال: أخبرنا ابن حميد: حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن
أشعث النجار، عن الحسن، قال: من اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع الى
أهله ثم حج من عامه ذلك، فعلیه هدی؛ لأنه کان يقال: عمرة في أشهر
الحج متعة .
وقد روى عن الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا، ولا
ذهب إليه أحد من أهل العلم، وذلك انه قال: من اعتمر بعد يوم النحر
فهي متعة، والذي عليه جماعة الفقهاء وعامة العلماء ما ذكرت لك قبل هذا.
وروى هشيم وغيره عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال:
من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى يحج، فهو متمتع، وعليه الهدي، فان
رجع إلى مصره ثم حج من عامه، فلا شيء عليه، وعلى هذا الناس(١).
فإن ظن ظان أن معنی حدیث مالك، عن عبد الله بن دینار، عن
عبد الله بن عمر، قال: من اعتمر في أشهر الحج: شوال، أو ذي القعدة،
أو ذي الحجة، قبل الحج فقد استمتع، ووجب عليه الهدي أو الصيام إن لم
يجد هديا(٢) كمعنى ما روي عن الحسن في إيجاب الهدي على من اعتمر في
أشهر الحج، وان لم يحج، فلیس كما ظن، ولا يعرف ذلك من مذهب ابن
عمر. وفي قوله في هذا الحديث ((قبل الحج)) دليل على أنه حج، ولذلك فسره
مالك في الموطأ فقال بأثر حديثه ذلك: قال مالك: وذلك إذا أقام حتى
الحج ثم حج.
وذكر اسماعيل بن اسحاق القاضي قال: حدثنا ابرهيم بن حمزة
الزبيري، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن
(١) ابن أبي شيبة في "المصنف» (١٣٠٠٢/١٥٥/٣).
(٢) هق (٢٤/٥).
-- ٣١٨
فتح البر
عمر، عن نافع، عن ابن عمر، انه كان يقول : من اعتمر في أشهر الحج:
شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة ثم أقام حتى يحج، فهو متمتع عليه
الهدي، أو الصيام ان لم يجد هديا(١).
قال اسماعیل: وحدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد، عن
يحيى بن سعيد، عن سعيد المسيب، أنه قال: إذا اعتمر الرجل في أشهر
الحج، ثم رجع إلى أهله، ثم حج من عامه فليس عليه هدي وعلى هذا
جماعة العلماء على ما قدمنا(٢).
وقد روى عن طاوس في التمتع قولان: هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن
الحسن: احدهما ان من اعتمر في غير اشهر الحج، ثم أقام حتى الحج، ثم
حج من عامه، انه متمتع، وهذا لم يقل به أحد من العلماء - فيما علمت-
غيره، ولا ذهب الیه أحد من فقهاء الامصار، وذلك والله أعلم، ان شهور
الحج احق بالحج من العمرة: لان العمرة جائزة في السنة كلها، والحج انما
موضعه شهور معلومة، فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج ولم يأت في
ذلك العام بحج فقد جعلها في موضع کان الحج أولى به ثم رخص الله
عزوجل في كتابه، وعلى لسان رسوله في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمع
والقارن للحج معها، ولمن شاء أن يفردها في أشهر الحج كما فعل رسول الله
وَ له . والآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الامصار فعليه الهدي وهذا
لم يعرج عليه، لظاهر قول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُ حَاضِرِى
الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: (١٩٦)] والتمتع على ما قد أوضحنا عن جماعة
العلماء بالشرائط التي وصفنا. وبالله توفيقنا.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
الإحرام وصفاته
٣١٩ =
واختلفوا فيمن انشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عملها في أشهر
الحج، ثم حج من عامه ذلك، فقال مالك: عمرته في الشهر الذي حل فيه
يريد ان كان حل منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع وان كان حل منها في
اشهر الحج فهو متمتع، ان حج من عامه.
وقال الثوري: إذا قدم الرجل معتمرا في شهر رمضان، وقد بقي عليه
منه یوم أو یومان، فلم يطف لعمرته حتى رؤي هلال شوال، فكان إبراهيم
يقول: هو متمتع، وأحب الي أن يهریق دما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ان طاف للعمرة ثلاثة أشواط في رمضان،
وأربعة أشواط في شوال، كان متمتعا، وان طاف لها أربعة في رمضان،
وثلاثة في شوال، لم یکن متمتعا .
وقال الشافعي: إذا طاف بالبيت في أشهر الحج للعمرة، فهو متمتع،
ان حج من عامه ذلك، وذلك ان العمرة انها تكمل بالطواف بالبيت، وانما
ينظر الى اكمالها.
وقال أبو ثور: إذا دخل في العمرة في أشهر الحج فسواء طاف لها في
رمضان، أو في شوال، لا یکون بهذه العمرة متمتعا .
واختلفوا في وقت وجوب الهدي على التمتع، فذكر ابن وهب، عن
مالك، انه سئل عن التمتع بالعمرة إلى الحج يموت بعدما يحرم بالحج بعرفة
أو غيرها: أترى عليه هديا؟ قال: من مات من أولئك قبل أن يرمي جمرة
العقبة، فلا أرى عليه هديا، ومن رمى الجمرة ثم مات فعلیه الهدي، قیل
له: فالهدي من رأس المال أو من الثلث؟ قال: بل من رأس المال.
وقال الشافعي: إذا احرم بالحج، فقد وجب عليه دم المتعة، إذا كان
واجدًا لذلك، ذكره الزعفراني عنه. وقال عنه الربيع: إذا أهل المتمتع
فتح البر
: ٣٢٠
بالحج، ثم مات من ساعته، أو بعد، قبل أن يصوم ففيها قولان: احدهما ان
عليه دم المتعة، لانه دين عليه، ولا يجوز ان يصام عنه، والآخر انه لا دم
عليه: لان الوقت الذي وجب عليه فيه الصوم قد زال وغلب عليه.
واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، ان المتمتع إذا لم يجد
هديا صام الثلاثة أيام إذا أحرم وأهل بالحج، الى آخر يوم عرفة وهو قول أبي
ثور.
وقال عطاء لا بأس أن يصوم المتمتع في العشر، وهو حلال قبل أن
پچرم.
وقال مجاهد وطاوس: إذا صامهن في أشهر الحج اجزأه .
وأجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع الیه إذا كان يجد الهدى.
واختلفوا فیه إذا کان غیر واجد للهدی فصام، ثم وجد الهدی قبل اکمال
صومه، فذكر ابن وهب عن مالك قال: إذا دخل في الصوم ثم وجد هدیا
فأحب إلى أن يهدى، وإن لم يفعل أجزأه الصيام، وقال الشافعي يمضي في
صومه، وهو فرضه. وكذلك قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة: إذا أيسر المتمتع
في اليوم الثالث من صومه، بطل الصوم، ووجب عليه الهدى، وان صام
ثلاثة أيام في الحج، ثم أيسر، كان له ان يصوم السبعة الأيام، ولا يرجع الى
الهدي. وقال ابرهيم النخعي: إذا وجد ما يذبح قبل أن يحل فليذبح، وان
كان قد صام، وان لم يجد ما يذبح حتى يحل فقد أجزاه الصوم، وقال عطاء:
ان صام ثم وجد ما يذبح فليذبح، حل أم لم يحل، ما كان في ايام التشريق،
واختلفوا فيما على من فاته صوم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر، فذكر ابن وهب
عن مالك قال: من نسى صوم الثلاثة الأيام في الحج، أو مرض فيها، فان
كان بمكة فليصم الأيام الثلاثة بمكة، وقال: وإن لم يصم قبل يوم عرفة