النص المفهرس

صفحات 221-240

الإحرام وصفاته
٢٢١ = ١١
عبدالعزيز بن صهيب. واحتجوا أيضا في ذلك بما رواه أبو جعفر الرازي،
عن الربيع بن أنس، عن جديه، قالا سمعنا أبا موسى الاشعري يقول: قال
رسول الله ◌َليزر ((لا تقبل صلاة رجل في جسده شيء من خلوق (١)) وبما رواه
يوسف بن صهيب، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ومليفيه:
((ثلاثة لا تقربهم الملائكة: المتخلق والسكران والجنب(٢)) وبحديث الحسن
عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله وَ ي ((الا وطيب الرجال ريح لا
لون، وطيب النساء لون لا ريح(٣) وروى حميد عن أنس عن النبي وَليل مثله
ونحوه(٤).
قال أبو عمر:
أما مالك رحمه الله فلم ير بلبس الثياب المزعفرة بأسا للرجال والنساء.
ذكر ابن القاسم عن مالك قال: رأيت محمد بن المنكدر يلبس المصبوغ
بالزعفران والثوب المورد، ورأيت ابن هرمز يلبس الثوب بالزعفران. والحجة
لهؤلاء في ذلك حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه قال
لابن عمر: ورأيتك تصبغ بالصفرة، يعنى ثيابك، فقال ابن عمر: رأيت
(١) حم (٤/ ٤٠٣)، د (٤ / ٤٠٣ / ٤١٧٨) وقال جداه: زيد، وزياد. وفي سند هذا الحديث: زياد
جد الربيع وهو "مجهول" قاله الحافظ في "التقريب" (٢١١٦)، وقال أيضا في "التهذيب.
(٣٩١/٣): «قال البخاري في تاريخه في نظر)».
(٢) أخرجه البخاري في "التاريخ" (٧٤/١/٣) والعقيلي في " الضعفاء" (١٩٨) وابن عدي في
" الكامل" (١/٢١٠) والطبراني في الأوسط (٥٣٦٦). عن عبد الله بن حكيم أبي بكر الداهري
عن يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعا به. وذكره الهيثمي في المجمع
(١٥٩/٥) وقال: ((رواه الطبراني وفيه عبد الله بن حكيم وهو ضعيف)).
(٣) حم (٤/ ٤٤٢)، د(٤/ ٤٠٤٨/٣٢٤)، ت(٢٧٨٨/٩٩/٥) وقال: هذا حديث حسن غريب
من هذا الوجه .
(٤) مجمع الزوائد (١٥٩/٥) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

٢٢٢
=
فتح البر
رسول الله وَيل يصبغ بها(١)، وسياتي هذا الحديث وما للعلماء في ذلك من
القول في باب سعید بن أبي سعيد ان شاء الله. وقد ذكرنا الاختلاف في لباس
الثياب المزعفرة للرجال فيما تقدم من كتابنا هذا في باب حميد الطويل،
وسيأتي منه ذکر صالح في باب سعید بن أبي سعيد ان شاء الله. قالوا: وما
روى عن عمر رحمه الله في كراهيته للطيب على المحرم فيتحمل أن يكون ليلا
يراه جاهل فيظن انه تطيب بعد الاحرام فيستجيز بذلك الطيب بعد الاحرام،
وكان عمر كثير الاحتياط في مثل هذا. الا ترى انه نهى طلحة بن عبيد الله
عن لبس الثوب المصبوغ بالمدر، خوفا أن يراه جاهل فیستجیز بذلك لبس
الثياب المصبغة، قالوا: وفي لفظ عمر لمعاوية عزمت عليك لترجعن الى أم
حبيبة فلتغسله عنك، دليل على أنه لم یکن ذلك عنده محرما، لان من أتی ما
لا يحل، ليس يقال له عزمت عليك لتتركن ما لا يحل لك، لا سيما في عمر
ومعاوية، فقد كان عمر يضرب بالدرة على أقل من هذا أجل من معاوية
وأسن، قالوا: ولو صح عن عمر ما ذهب اليه من كره الطيب عند الاحرام لم
تكن فيه حجة لوجود الاختلاف بين الصحابة في ذلك والمصير إلى السنة فيه .
وروی سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله انه ذكر قول
عمر في الطيب ثم قال: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله وَ ﴾ لاحرامه .
قال سالم: وسنة رسول الله أحق أن تتبع. وروى الثوري عن منصور عن
سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر لا يدهن الا بالزيت حين يريد أن يحرم.
قال منصور فذكرت ذلك لابراهیم فقال ما تصنع بهذا؟
حدثني الاسود عن عائشة أنها قالت: كان يرى وبيص الطيب في
مفارق رسول الله وَير وهو محرم(٢). وروى مالك عن يحيى بن سعيد وعبد
(١) حم (٦٦/٢)، خ (١٦٦٣٥٥/١)، م(١١٨٧/٨٤٤/٢)، د(٣٧٤/٢/ ١٧٧٢)،
ت في الشمائل (٥٤/ ح ٦٣) مختصرا. ن (١ / ١١٧/٨٦) مختصرا. جه (٣٦٢٦/١١٩٨/٢).
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه .

الإحرام وصفاته
٢٢٣ -
الله بن أبي بكر وربيعة بن أبي عبد الرحمن ان الوليد بن عبد الملك سأل سالم
ابن عبد الله وخارجة بن زيد بن ثابت بعد أن رمى الجمرة وحلق رأسه وقبل
أن یفیض عن الطيب، فنهاه سالم وأرخص له خارجة بن زید. قال اسماعيل
ابن اسحاق: جاء عن عائشة بالاسناد الصحيح انها قالت: ((كنت أطيب
رسول الله ◌َي لحرمه قبل ان يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت (١)) وقد كانت
عائشة تفتی بذلك بعد النبي لة. حدثنا ابراهيم بن الحجاج حدثنا عبد
العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أن
أباه كان يكره الطيب عند الاحرام وكان يعلم ان عائشة كانت تفتى بانه لا
بأس بالطيب عند الاحرام. قال اسماعيل: وجاء عن عمر بالاسانيد
الصحاح انه كره الطيب عند الاحرام وبعد رمى الجمرة قبل الطواف بالبيت،
وأمر معاوية ان تغسل أم حبيبة عنه الطيب، وقال في خطبته بعرفة ((إذا
رميتم الجمرة ونحرتم فقد حل لكم ما حرم عليكم الا النساء والطيب، لا
يمس أحد طيبا ولا نساء حتى يطوف بالبيت» وهذا بمحضر جماعة الصحابة
فما رد قوله ذلك عليه أحد ولا أنکره منکر. وجاء عن عثمان في ذلك مثل
مذهب عمر، وعن ابن عمر مثل ذلك. ولا يقع في القلب انهم جهلوا ما
روت عائشة ولا انهم يقصدون لخلاف رسول الله ◌َلاير، ولكنه يمكن أن
یکون علموا نسخ ذلك، و إذا كان ذلك ممكنا فالاحتياط التوقف، فمن
اتقى ذلك فقد احتاط لنفسه. قال: وإما التابعون فاختلفوا في ذلك أيضا،
فذهبت جماعة منهم الى ما روي عن عائشة، وجماعة الى ما روى عن عمر،
وقال أبو ثابت قلت لابن القاسم هل كان مالك يكره ان يتطيب إذا رمى
جمرة العقبة قبل أن يفيض؟ قال نعم، قلت فان فعل أترى عليه الفدية؟ قال
لا أرى عليه شيئا لما جاء فيه. وقال مالك: لا بأس ان يدهن المحرم قبل ان
يحرم وقبل أن يفيض بالزيت والبان غير المطيب مما لا ريح له.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٢٤
قال أبو عمر:
لا معنى لمن قاس الطيب على الثياب والصيد لان السنة قد فرقت بين
ذلك فأجازت التطيب عند الاحرام بما يرى بعد الاحرام في المفارق والشعر
ويوجد ريحه من المحرم، وحظرت على المحرم أن يحرم وعليه شيء من المخيط
أو بيده شيء من الصيد. ومن جعل الطيب قياسا على الثياب والصيد، فقد
جمع بين ما فرق رسول الله ويالخير، وأكثر المسلمين بينه. وقد شبه بعض
الفقهاء الطيب قبل الاحرام بالواطىء قبل الفجر يصبح جنبا بعد الفجر ولم
یکن له ان ینشيء الجنابة بعد الفجر وهو قیاس صحیح ان شاء الله، ولكن
انكاره للمحرم ان يشم الطيب بعد احرامه إذا اجاز التطيب قبل الاحرام
مناقض تارك للقياس لان الاستمتاع من رائحة الطيب لمن تطيب قبل احرامه
أكثر من شمه من غيره والله أعلم. وهم لا يجيزون مس الطيب اليابس ولا
حمله في الخرق إذا ظهر ريحه. وهذا كله دليل على صحة قول من كره الطيب
للمحرم وهو الاحتياط وبالله التوفيق. واختلف الفقهاء فيمن تطيب بعد
احرامه جاهلا أو ناسيا، فكان مالك يرى الفدية على كل من قصد إلى
التطيب بعد احرامه عامدا أو ناسيا أو جاهلا إذا تعلق بيده أو ببدنه شيء
منه، والطيب المسك والكافور والزعفران والورس وكل ما كان معروفا عند
الناس بأنه طيب لطيب رائحته. واما شم الرياحين والمرور في سوق الطيب
وإن كان ذلك مكروها عنده فانه لا شيء على من وصل اليه رائحته إذا لم
يعلق بيديه أو بدنه منه شيء. وقال الشافعي: ان تطيب جاهلا أو ناسيا فلا
شيء عليه. وإن تطيب عامدا فعليه الفدية. قال: والفرق في التطيب بين
الجاهل والعامد أن النبي وَلّ أمر الاعرابي وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة
وغسل الصفرة ولم يأمره بفدية، ولو كانت عليه فدية لأمره بها كما أمره بنزع
الجبة. لم يختلف قول الشافعي في الجاهل، واختلف قوله في الناسي يلبس أو

الإحرام وصفاته
٢٢٥ =
يتطيب ناسيا فمرة أوجب عليه الفدية، ومرة لم ير عليه فدية. وفي هذا
الحديث رد على من زعم من العلماء ان الرجل إذا أحرم وعليه قميص كان
علیه ان یشقه. وقالوا لا ينبغي أن ینزعه کما ینزع الحلال قميصه لانه إذا
فعل ذلك غطى رأسه وذلك لا يجوز له، فلذلك أمر بشقه وممن قال بهذا من
العلماء الحسن والشعبي والنخعى وأبو قلابة وسعيد بن جبير على اختلاف
عنه. ذكر سعيد بن منصور قال حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن
قال هشيم وأخبرني مغيرة عن ابراهيم والشعبي انهم قالوا إذا أحرم الرجل
وعليه قميصه فليخرقه حتى يخرج منه. وروى شعبة عن المغيرة عن إبرهيم
قال إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه. قال أحدهما يشقه وقال الاخر
يخلعه من قبل رجليه، وذکر الطحاوي قال حدثنا روح بن الفرج قال حدثنا
يوسف بن عدى قال حدثنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير قال يخرقه
ولا ينزعه. هكذا قال وهو عندي خطأ؛ لأن الثوري روى عن سالم الأفطس
عن سعيد بن جبير قال ينزع ثيابه ولا يخرقها وهو الصحيح ان شاء الله عن
سعيد بن جبير. ذكره عبد الرزاق وغيره عن الثوري. وذكر عبد الرزاق عن
معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال ان إحرم في قميص شقه.
قال أبو عمر:
احتج من ذهب الى هذا المذهب بما رواه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي
لبيبة انه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيها بينا النبي ◌َّ جالس مع أصحابه
شق قميصه حتى خرج منه، فقيل له، فقال واعدتهم يقلدون هدیی اليوم
فنسيت(١). ذكره عبد الرزاق عن داود بن قيس عن عبد الرحمن بن عطاء،
ورواه أسد بن موسى عن حاتم بن اسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي
(١) حم (٣/ ٢٩٤)، مجمع الزوائد (٣/ ٢٣٠) وقال: رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات.

فتح البر
: ٢٢٦
لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي
وَله فقد قميصه من جيبه حتى إذا أخرجه من رجليه فنظر القوم الى النبي
وَل﴾ فقال اني أمرت ببدني التي بعثت بها ان تقلد اليوم وتشعر على كذا وكذا
فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لاخرج قميصي من رأسي(١). وكان بعث
ببدنه وأقام بالمدينة. وقال جمهور فقهاء الامصار ليس على من نسى فاحرم
وعليه قميصه أن يخرقه ولا يشقه. وممن قال ذلك مالك وأصحابه والشافعي
ومن سلك سبيله، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري وسائر فقهاء
الامصار وأصحاب الإثار. وحجتهم في ذلك حديث عطاء عن صفوان بن
يعلى بن أمية عن أبيه في قصة الأعرابي الذي أحرم وعليه جبة فأمره رسول الله
﴿الير أن ينزعها، وهو الحديث المذكور في هذا الباب، ولا خلاف بين أهل
العلم بالحديث أنه حدیث ثابت صحیح. وحديث جابر الذي یرویه عبد
الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عندهم حديث ضعيف لا يحتج به، وهوعندهم
أيضا مع ضعفه مردود بالثابت عن عائشة انها قالت: كنت أفتل قلائد هدی
رسول الله ګ﴾ ثم يقلده ويبعث به فلا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى
ينحر الهدى(٢). وإن كان جماعة العلماء قالوا: إذا أشعر هديه أو قلده فقد
أحرم، وقال آخرون: إذا كان يريد بذلك الاحرام. وسنذكر هذا المعنى مجودا
في باب عبد الله بن أبي بكر ان شاء الله. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن
قتادة عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ان النبي وَّ قال لرجل أحرم في
(١) حم (٤٠٠/٣)، مجمع الزوائد (٢٣٠/٣) وقال: ((رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد
ثقات)). لكن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة: صدوق فيه لين قاله الحافظ في التقريب
(٣٩٦٧/٥٨٢/١).
(٢) حم (٣٦/٦)، خ (١٧٠٠/٦٩٥/٣)، م (٩٥٩/٢/ ١٣٢١ [٣٦٩])،
د (٢/ ٣٦٥/ ١٧٥٧)، ت (٩٠٨/٢٥١/٣)، ن (٢٧٩٢/١٩٢/٥)،
جه (٢/ ٣٠٩٥/١٠٣٤).

الإحرام وصفاته
-٢٢٧ _
قميص: ((انزع عنك القميص واغسل عنك الطيب - حسبته قال ثلاث
مرات (١)) قال قتادة فقلت لعطاء: ان ناسا يقولون إذا أحرم في قميصه
فلیشقه، قال: لا، لینزعه ان الله لا يحب الفساد. وروی سعید بن أبي
عروبة عن قتادة عن عطاء بإسناده مثله سواء. وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا
معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: من أحرم في قميص فلينزعه ولا يشقه.
قال أبو عمر:
لیس نزع القميص بمنزلة اللباس في اثر ولا نظر، فاما الاثر فقد ذكرناه
في قصة الاعرابي، واما النظر فان المحرم لو حمل على رأسه شيئا لم يعد ذلك
معد لبس القلنسوة . وکذلك من تردی بازار وحلل به بدنه لم يحكم له بحكم
لباس المخيط. وفي هذا دليل على أنه انما نهى عن لباس الرأس القلنسوة في
حال الاحرام اللباس المعهود، وعن لباس الرجل القميص اللباس المعهود،
وعلم ان النهي انما وقع في ذلك وقصد به إلى من قصد وتعمد فعل مانهى عنه
من اللباس في حال احرامه للباس المعهود في حال احلاله، فخرج بما ذكرنا ما
أصاب الرأس من القميص المنزوع. هذا ما يوجب النظر ان شاء الله. واما
قوله وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك، فكلام خرج على لفظ العموم
والمراد به الخصوص. وقد تبين ذلك في سياقة ابن عیینة له عن عمرو بن دينار
حيث قال: فقال له النبي ودير ما كنت تصنع في حجك؟ قال كنت انزع هذه
يعنى الجبة وأغسل هذا الخلوق. فقال النبي وَّيقول: ما كنت صانعا في حجك
فاصنعه في عمرتك(١)، أي من هذا الذي ذكرت من نزع القميص وغسل
الطيب. فخرج كلامه لي في حديث مالك وما كان مثله على جواب السائل
فیما قصده بالسؤال عنه .
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .

فتح البر
٢٢٨
=
وهذا اجماع من العلماء انه لا يصنع المعتمر عمل الحج كله، وانما عليه
ان يتم عمل عمرته وذلك الطواف والسعي والحلاق والسنن كلها. والاجماع
يدلك على أن قوله في هذا الحديث: وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك
كلام ليس على ظاهره، وانه لفظ عموم أريد به الخصوص على ما وصفنا من
الاقتصار به على جواب السائل في مراده وبالله التوفيق.

الإحرام وصفاته
٢٢٩ -
باب منه
[٩] مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب
رسول الله ◌َخير لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت(١).
هذا حديث صحيح ثابت لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحته
وثبوته، ولکن الفقهاء اختلفوا في القول به على حسبما ذكرناه في باب حمید بن
قيس من كتابنا هذا، وذكرنا اعتلال كل طائفة لمذهبها في ذلك من جهة الأثر
والنظر هناك، وسنذكر ههنا فيه من جهة الأثر ما لم يقع هناك لتكمل الفائدة
إن شاء الله.
وهذا الحديث روي عن عائشة من وجوه، فممن رواه عنها: القاسم،
وسالم، وعروة، والأسود، ومسروق، وعمرة؛ وممن رواه عن القاسم: ابنه
عبد الرحمن، وأفلح بن حميد؛ ورواه عن عروة ابن شهاب، وعثمان بن عروة،
وهشام بن عروة، ولم يسمعه هشام من أبيه، إنما سمعه من أخيه عثمان، عن
أبيه .
وروى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن القاسم، يحيى بن سعيد
الأنصاري، ومنصور بن المعتر، والثوري، وحماد بن سلمة، وابن عيينة،
وغیرهم :
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبدالله بن جعفر بن الورد، حدثنا
الحسن بن مخلد العطار، حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس، حدثنا مالك،
(١) خ (٣ / ١٥٣٩/٥٠٥)، م (٢/ ١١٨٩/٨٤٦[٣٣])، د (٢ / ٣٥٨/ ١٧٤٥)،
ن (٥/ ١٤٧/ ٢٦٨٤) من طريق مالك.

: ٢٣٠
فتح البر
عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: طيبت رسول الله
وَاليه لحرمه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يحل(١).
أخبرنا محمد بن ابراهيم بن سعيد، قال أخبرنا محمد بن معاوية بن عبد
الرحمن، قال أخبرنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا حسين بن منصور بن جعفر
النيسابوري، قال حدثنا عبدالله بن نمير، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن
عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله وعليه
لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل (١).
وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعیب، قال أخبرنا أحمد بن حرب، قال حدثنا ابن إدريس، عن
يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
كنت أطيب رسول الله وَ له بأطيب ما أجد لحرمه ولحله، وحين يريد أن يزور
البيت(٢).
وأخبرنا عبدالله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي،
قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، قال حدثنا
هشيم، قال أخبرنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، قال:
قالت عائشة: طيبت النبي ◌ّ قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف
بالبيت بطيب فيه مسك(٣).
أخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال حدثنا محمد بن عمر بن
يحيى، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
(٢) حم (٦ / ٢٣٨)، خ (١٠ / ٥٩٢٢/٤٤٧)، ن (٥/ ٢٦٨٥/١٤٨)، الدارمي (٣٣/٢) من
طريق يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه .
(٣) حم ٢٠٢٠ (١٨٦/٦)، م (١١٩١/٨٤٩/٢)، ت(٩١٧/٢٥٩/٣)، ن
(٢٦٩١/١٤٩/٥)، هق (١٣٦/٥) من طريق منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم
عن عائشة .

٢٣١
الإحرام وصفاته
القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله آلټ بيدي هاتين
لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت؛ قالت: ولا أعلم أن المحرم
يحله غير الطواف بالبيت(١).
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا وجیه بن الحسن، قال حدثنا
بکار بن قتيبة، قال حدثنا أبو عامر العقدي، قال حدثنا أفلح بن حمید،
عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله وَله لاحرامه
حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت(٢).
حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن خالد، قال حدثنا التميمي، قال
حدثنا عیسی بن مسکین، قال حدثنا سحنون، قال حدثنا ابن وهب، قال
أخبرني أسامة بن زيد، وأفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة،
قالت: طيبت رسول الله وَ﴾ بيدي لحرمه حين أحرم، وحله حین حل قبل
أن يطوف بالبيت(٢).
قال ابن وهب: وأخبرني أسامة بن زيد، قال: حدثني أبوبكر بن
حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة مثله(٣).
أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو
إسماعيل محمد بن اسماعيل الترمذي، قال حدثنا عبدالله بن الزبير
(١) حم (١٨١/٦)، خ (١٧٥٤/٧٤٥/٣)، جه (٢٩٢٦/٩٧٦/٢)، هق (٣٤/٥)، الطحاوي
في شرح معاني الآثار (٣٦٠٣/١٣٠/٢)، ابن خزيمة (٢٥٨١/١٥٥/٤)، الحميدي
(٢١٠/١٠٤/١) من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه .
(٢) حم (١٨١/٦)، خ (١٥٣٩/٥٠٥/٣)، م (١١٩١/٨٤٩/٢)، د (١٧٤٥/٣٥٨/٢)، ت
(٩١٧/٢٥٩/٣)، ن (٢٦٨٥/١٤٨/٥)، جه (٢٩٢٦/٩٧٦/٢). من طريق القاسم ابن
محمد عن عائشة .
(٣) م (٢ / ١١٨٩/٨٤٦ [٣٨])، هق (١٣٦/٥)، الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٣٠/
٣٥٩٩) من طريق عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة .

فتح البر
٢٣٢
الحميدي، قال حدثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة، عن
عائشة، قالت: طيبت رسول الله 3 98 بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله
قبل أن يطوف بالبيت(١).
ورواه الأوزاعي، قال فيه عنه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة:
وطيبته لإحلاله طيبا لا يشبه طيبكم هذا(١) يعني ليس له بقاء. هكذا رواه
ضمرة بن ربيعة، عن الاوزاعي.
ورواه عیسی بن یونس عن الأوزاعي باسناده مثله.
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا
عثمان بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: طيبت رسول
الله ◌ُ له بيدي هاتين بأطيب الطيب(١). قال أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي،
قال سفيان بن عيينة، قال عثمان بن عروة: هشام يرويه عني. وأخبرنا عبد
الله بن محمد بن یحیی، قال حدثنا محمد بن عمر بن یحیی، قال حدثنا علي
ابن حرب، قال حدثنا سفيان، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،
قال: سألتها: بأي شيء كنت تطيبين رسول الله وَله؟ قالت: بأطيب
طيب(١).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أبو يحيى بن أبي مسرة، قال حدثنا أبي، قال حدثنا هشام، عن ابن جريج،
قال: أخبرني عمر بن عبدالله بن عروة، سمع عروة والقاسم بن محمد يخبران
(١) حم (٢٠٠/٦)، خ (٥٩٢٨/٤٥٢/١٠)، م (٢/ ٨٤٧ / ١١٨٩ [٣٧])،
ن(٢٦٨٨/١٤٩/٥)، هق(٣٤/٥)،
الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٥٩٦/١٣٠/٢)، الدارمي (٣٣/٢)، من طرق عن عثمان
ابن أبي عروة عن عروة عن عائشة .

الإحرام وصفاته
٢٣٣
عن عائشة قالت: طيبت رسول الله عليه بالذريرة في حجة الوداع في الحل
والإحرام(١).
أخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله آل﴾ بيدي هاتين بأطيب ما
أجد (١).
أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال حدثنا أحمد بن يحيى بن الوزير، قال حدثنا شعيب بن
الليث، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة ، عن عروة، عن
عائشة، قالت: لقد كنت أطیب رسول الله گآټ عند إحرامه بأطيب ما
أجد (١).
أخبرنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبوداود، قال حدثنا محمد بن الصباح، قال حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن
الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كأني
أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله وَيّ وهو محرم(٢).
ورواه الثوري وشعبة، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن
الأسود، عن عائشة مثله سواء، إلا أنهم قالوا في موضع المسك: الطيب.
ورواه عبد الرحمن بن الأسود، وأبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة
مثله بمعناه .
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
(٢) حم (٣٨/٦)، خ (١ / ٢٧١/٥٠٢)، م (٢ / ٨٤٧ / ١١٩٠)، د (٣٥٩/٢ / ١٧٤٦)، ن
(١٥٠/٥/ ٢٦٩٢)، جه (٩٧٧/٢ / ٢٩٢٨) من طريق الأسود عن عائشة .

: ٢٣٤
فتح البر
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن
زهیر، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبدالواحد بن زیاد، قال حدثنا
الحسن بن عبيد الله، قال حدثنا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت:
كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله وَّلقول وهو محرم(١).
حدثنا عبدالوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا روح بن الفرج أبو
الزنباع، قال حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن
الزهري، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة،
قالت: كنت أطيب رسول الله وَ له بالغالية الجيدة(٢).
وهذا الحديث بهذا اللفظ وهذا الإسناد لم يروه إلا أبو زيد بن أبي الغمر،
وقد أنكروه علیه .
وحدثنا عبدالوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال
حدثنا أبي، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا الاعمش، عن أبي الضحى، عن
مسروق، عن عائشة، قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول
الله ◌َ﴾ وهو يلبي(٣).
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد
ابن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفیان، قال حدثنا عمرو،
عن سالم، عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله وَ له لحرمه قبل أن يحرم
ولحله بعد ما رمى الجمرة وقبل أن يزور (٤).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) هق (٣٥/٥)، الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٥٩٥/١٣٠/٢)، من طريق موسى بن
عقبة عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما .
(٣) حم (١٠٩/٦)، م (٢ / ٤١/١١٩٠)، جه (٢٩٢٧/٩٧٦/٢)، هق (٣٥/٥). من طريق
مسروق عن عائشة .
(٤) حم (١٠٦/٦)، هق (١٣٥/٥ - ١٣٦)، الطيالسي (١٥٥٣) مختصرا دون ذكر سالم. الحميدي
(٢١٢/١٠٥/١) من طريق سالم.

الإحرام وصفاته
٢٣٥ =
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا شريك، عن أبي
إسحاق عن الأسود، عن عائشة، أن رسول الله و لو كان يتطيب قبل أن
يحرم، فترى أثر الطيب في مفرقه بعد ذلك بثلاث(١).
أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فضيل، عن عطاء
ابن السائب، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: رأيت بصيص
الطيب في مفارق رسول الله وَ لقال بعد ثلاث وهو محرم(١).
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان، قال حدثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن
يزيد، عن عائشة أنها قالت: رأيت الطيب في مفارق رسول الله ◌َ آ بعد
ثالثة وهو محرم(١).
قال أبوعمر:
فذهب قوم إلى القول بهذه الآثار وقالوا: لا بأس أن يتطيب المحرم قبل
إحرامه بما شاء من الطيب مسكا كان أوغيره مما يبقى عليه بعد إحرامه ولا
يضره بقاؤه عليه بعد إحرامه، إذا تطيب قبل إحرامه؛ لأن بقاء الطيب عليه
ليس بابتداء منه، وليس بمتطيب بعد الإحرام، وإنما المنهي عنه التطيب بعد
الاحرام؛ قالوا: ولا بأس أن يتطيب أيضا إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف
بالبيت، وحجتهم فیما ذهبوا إليه من ذلك كله: حديث عائشة هذا، وهو
حديث ثابت، وقد عملت به عائشة-رضي الله عنها - وجماعة من
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .

فتح البر
=٢٣٦
الصحابة، منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عباس، وعبد الله بن
الزبير، وعبدالله بن جعفر، وأبوسعيد الخدري، وجماعة من التابعين بالحجاز
والعراق؛ وإليه ذهب الشافعي وأصحابه، والاوزاعي، والثوري وأبو حنيفة،
وأبو يوسف وزفر، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبوثور؛ وكل هؤلاء
يقول: لابأس أن يتطيب قبل أن يحرم وبعد رمي جمرة العقبة.
قرأت على أحمد بن عبد الله بن محمد، أن أباه أخبره قال: حدثنا
عبدالله بن يونس، قال حدثنا بقي بن مخلد، قال حدثنا أبوبكر بن أبي
شيبة، قال حدثنا أبوأسامة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال:
رأيت عائشة تنكت في مفارقها الطيب قبل أن تحرم، ثم تحرم.
قال أبو بكر: وحدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي، قال:
كان سعد يتطيب عند الإحرام بالذريرة .
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عائشة بنت سعد، عن
سعد مثله .
وذكر أبوبكر، حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن
ابن عباس، وابن الزبير أنهما كانا لا يريان بالطيب عند الاحرام بأسا .
قال: وحدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي، قال: كان
عبد الله بن جعفر يموت المسك ثم يجعله على يافوخه قبل أن يحرم.
قال: وحدثنا أبومعاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، قال:
رأيت عبد الله بن الزبير وفي رأسه ولحيته من الطيب- وهو محرم- ما لو كان
لرجل لاتخذ منه رأس ماله.
قال وحدثنا وكيع، وأبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
ابن الزبير، أنه كان يتطيب بالغالية الجيدة عند إحرامه .

الإحرام وصفاته
٢٣٧ -
قال وحدثنا أبو أسامة، عن سعيد، عن قتادة، أن ابن عباس كان لا
یری بأسا بالطيب عند إحرامه ويوم النحر.
وذكر عبد الرزاق عن الأسلمي، عن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن
زينب، أن أبا سعيد الخذري كان يدهن بألبان عند الاحرام. قال: وأخبرنا
الأسلمي قال أخبرني صالح مولى التوأمة أنه سمع ابن عباس يقول: إني
لأتطيب بأجود ما أجد من الطيب إذا أردت أن أحرم، وإذا حللت قبل أن
أفيض.
وذكر أبو بكر قال حدثنا وكيع، عن علي، عن كثير بن بسام، عن ابن
الحنفية، أنه كان يغلف رأسه بالغالية الجيدة إذا أراد أن يحرم.
وعبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب أن عروة کان یتطيب عند
الإحرام بالبان والذريرة، وهو مذهب القاسم، والشعبي، وإبراهيم. وقال
آخرون منهم مالك وأصحابه: لا يجوز أن يتطيب المحرم قبل إحرامه بما یبقی
عليه رائحته بعد الإحرام، وإذا أحرم، حرم عليه الطيب حتى يطوف
بالبيت؛ وهذا مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن
عمر، وعثمان بن أبي العاص؛ وبه قال عطاء، والزهري، وسعيد بن جبير،
والحسن، وابن سيرين؛ وإليه ذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة،
وهو اختيار الطحاوي.
وحجة من ذهب هذا المذهب من جهة الأثر: حديث يعلى بن أمية (١)
عن النبي ◌ّي أنه أمر الرجل الذي أحرم بعمرة وعليه طيب خلوق أو غيره،
(١) حم (٢٢٢/٤-٢٢٤)، خ (١٧٨٩٧٨٣/٣)، م (٢ / ١١٨٠/٨٣٦)،
د (٢ / ٤٠٧ / ١٨١٩)، ت (٣/ ٨٣٥/١٩٦[٨٣٦])، ن (١٣٩/٥/ ٢٦٦٧)، هق (٥٦/٥)،
الحميدي (٢/ ٧٩٠/٣٤٧- ٧٩١)، ابن خزيمة (٤/ ١٩٢/ ٢٦٧١) من طرق عن عطاء عن
صفوان عن أبيه به .

فتح البر
٢٣٨
وعليه جبة أن ينزع عنه الجبة ويغسل الطيب. وادعوا الخصوص في حديث
عائشة، لأن رسول الله ود ليله كان أملك الناس لأربه، ولإن ما يخاف على غيره
من تذكر الجماع الممنوع منه في الإحرام مأمون منه بَّ ر. وقالوا: لو كان على
عمومه للناس عامة، ما خفي على عمر، وعثمان، وابن عمر؛ مع علمهم
بالمناسك وغيرها، وجلالتهم في الصحابة؛ وموضع عطاء من علم المناسك
موضعه، وموضع الزهري من علم الأثر موضعه.
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء،
قال: أخبرني صفوان بن يعلى أن يعلى كان يقول لعمر: أرني نبي الله وَّل
حين ينزل عليه، فلما كان بالجعرانة وعلى النبي وَالل ثوب، أظل به عليه معه
خمسة ناس من أصحابه، منهم: عمربن الخطاب؛ إذ جاء رجل عليه جبة
متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في
جبة بعدما تضمخ بطيب، فسكت ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر إلى
يعلى بيده، أن تعال، فجاء وأدخل رأسه، فإذا النبي وَل محمر الوجه يغط
كذلك ساعة، ثم سري عنه؛ فقال: أين السائل عن العمرة آنفا؟ فالتمس
الرجل، فأتى به، فقال النبي ◌َّ: أما الطيب الذي بك فاغسله عنك ثلاث
مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك(١).
قال ابن جريج: كان عطاء يأخذ في الطيب للمحرم بهذا الحديث،
قال ابن جريج: وكان عطاء يكره الطيب عند الإحرام ويقول: إن كان به
شيء منه، فليغسله ولينقه؛ وكان يأخذ بشأن صاحب الجبة. قال ابن
جريج: وكان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع، والآخر، فالآخر من أمر
رسول الله ◌َ﴾ أحق أن يتبع.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الإحرام وصفاته
٢٣٩
قال أبو عمر:
مذهب ابن جريج في هذا الباب خلاف مذهب عطاء، وحجته : أن
الآخر ينسخ الأول حجة صحيحة، ولا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير
والأثر أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان وحديث
عائشة عام حجة الوداع، وذلك سنة عشر، فإذا لم يصح الخصوص في
حديث عائشة، فالأمر فيه واضح جدا، وقد ذكرنا خبر يعلى بن أمية، عن
النبي ﴾﴾ في قصة صاحب الجبة من طرق شتی في باب حمید بن قيس من
كتابنا هذا، وذكرنا هناك كثيرا من اعتلال الطائفتين للمذهبين والحمد لله .
وذكر عبد الرزاق عن معمر أنه أخبره عن الزهري عن سالم، عن أبيه،
قال: وجد عمر بن الخطاب طيبا وهو بالشجرة، فقال: ما هذا الريح؟
فقال معاوية: مني، طیبتني أم حبيبة زوج النبي قال# فتغيظ عليه عمر وقال:
منك، لعمري أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسله عنك كما
طيبتك. وكان الزهري يأخذ بقول عمر فيه.
وروی مالك، عن نافع، عن أسلم مولی عمر، عن عمر أنه وجد ريح
طيب وهو بالشجرة فذكر مثله .
ورواه أيوب عن نافع، عن أسلم، عن عمر مثله سواء. وزاد قال:
فرجع معاوية إليها حتى لحقهم ببعض الطريق، ومالك عن الصلت بن
زبيد، عن غير واحد من أهله، أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب وهو
بالشجرة، وإلى جنبه كثير بن الصلت؛ فقال عمر: ممن هذه الريح، قال
كثير: مني، لبدت رأسي وأردت أن أحلق، قال عمر: فاذهب إلى شربة
فادلك رأسك حتى تنقيه، ففعل كثير بن الصلت.
قال أبو عمر: الشربة مستنقع الماء عند أصول الشجر، حوض يكون

فتح البر
٢٤٠
مقدار ريها. وقال ابن وهب: هو الحوض حول النخلة يجتمع فيها الماء،
وأنشد أهل اللغة في هذا المعنى من شاهد الشعر قول زهير:
ینهضن من شربات ماؤها طحل
على الجذوع يخفن الغم والغرقا
وهذا مما عيب على زهير، وقالوا: أخطأ، لان خروج الضفادع من الماء
ليس مخافة الغرق، وإنما ذلك، لأنهن يبضن على شطوط الماء. ومن هذا قول
کثیر عزة :
من القلب من عضدان هامة شربت
بسقي وجمت للنواضح بيرها
فمعنى قوله: شربت أي جعلت لها شرب، والعضيد والعضد
والعضدان قالوا: بنات النخل، والشربات: جمع شربة، والشرب: جمع
شرب .
وذکر أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا محمد بن
قيس، عن بشير بن يسار الأنصاري، قال: لما أحرموا وجد عمر ريح
طيب، فقال: ممن هذه الريح؟ فقال البراء بن عازب: مني يا أمير المؤمنين؛
قال: قد علمنا أن أمرأتك عطرة أو عطارة، إنما الحاج الأنفر الأغبر. قال
وحدثنا أبو خالد الأحمد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، أن عمر بن
الخطاب دعا بثوب، فأتي بشوب فيه ريح طيب فرده. ومالك، عن نافع،
وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب خطب
الناس بعرفة، وعلمهم أمر الحاج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منی فمن رمی
الجمرة، فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء أو الطيب، لا يمس أحد
نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت .