النص المفهرس

صفحات 481-500

الاعتكاف
٤٨١
وأما معنى قوله عن عائشة: يدني الي رأسه فأرجله، فالترجیل ان یبل
الشعر ثم يمشط.
وقد ذكرنا هذا المعنى وما فيه من اختلاف الآثار، في غير موضع من
کتابنا هذا، والحمد لله.
وفي ترجيل عائشة شعر رسول الله قال﴾، وهو معتكف، دليل على أن
اليدين من المرأة ليستا بعورة، ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه،
ويدلك على ذلك أيضا أنها تنهى في الاحرام عن لباس القفازين وتؤمر
بستر ما عدا وجهها وكفيها. وتؤمر بكشف الوجه والكفين في الصلاة،
فدل على انهما غير عورة منها، وهو عندنا أصح ما قيل في ذلك.
وقد مضى القول في معنى العورة من الرجال والنساء، في باب ابن
شهاب عن سعيد بن المسيب، والحمد لله.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الحائض طاهرة غير نجسة الا
موضع النجاسة منها ويوضح لك ذلك قول رسول الله ولي، لعائشة:
ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال: ان حيضتك ليست في يدك(١)،
فدل قوله هذا علی أن کل موضع منها لیس فيه الحیضة، فهو کما کان قبل
الحيضة، وانها متعبدة في اجتناب ما أمرت باجتنابه، وفي ترجيلها رسول الله
ۋچڼ، وخدمتها له، وهي حائض، ما يدل على ذلك، وفي هذا كله ابطال قول
من كره سؤر الحايض والجنب، وفي حديث شريح بن هانئً، عن عائشة:
كنت أشرب وأنا حايض، وأناوله رسول الله وَيته، فيضع فاه على موضع
فمي وآخذ العرق فأعضه فيضع فمه على موضع فمي (٢).
(١) حم (١٧٣/٦)، م (١/ ٢٤٤-٢٩٧/٢٤٥)، د (١٧٩/١ / ٢٦١)،
ت (١/ ٢٤١- ١٣٤/٢٤٢)، ن (٣٨٢/٢١٠/١) كلهم من رواية القاسم بن محمد عنها.
وجه (٦٣٢/٢٠٧/١) من طريق أبي إسحاق عن البهي عنها.
(٢) حم (١٩٢/٦-٢١٠)، م (٣٠٠/٢٤٥/١)، د (٢٥٩/١٧٨/١)، ن (١/ ٢٨١/١٦٤)،
جه (١/ ٢١١/ ٦٤٣).

فتح البر
= ٤٨٢
قال أبو عمر:
معنى الاعتكاف في كلام العرب الإقامة على الشيء، والمواظبة عليه،
والملازمة له، هذا معنى العكوف والاعتكاف في اللسان.
وأما في الشريعة فمعناه الاقامة على الطاعة، وعمل البر، على حسب ما
ورد من سنن الاعتكاف، فمما أجمع عليه العلماء من ذلك ان الاعتكاف لا
يكون إلاَّ في مسجد: لقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِ الْمَسِدِّ﴾
[البقرة: ١٨٧] إلّ أنهم اختلفوا في المراد بذكر المساجد في الآية المذكورة،
فذهب قوم الى أن الآية خرجت على نوع من المساجد، وان كان لفظها
العموم، فقالوا لا اعتكاف إلا في مسجد نبي كالمسجد الحرام أو مسجد
الرسول، أو مسجد بيت المقدس، لا غير. وروي هذا القول عن حذيفة بن
اليمان، وسعيد بن المسيب، ومن حجتهم ان الآية نزلت على النبي ◌َّ، وهو
معتكف في مسجده، فكان المقصد والإشارة الى نوع ذلك المسجد، في ما بناه
نبي.
وقال الآخرون: لا اعتكاف الا في مسجد تجمع فيه الجمعة، لأن الاشارة
في الآية عندهم الى ذلك الجنس من المساجد، روي هذا القول عن علي بن
أبي طالب، وابن مسعود، وهو قول عروة، والحكم، وحماد، والزهري، وأبي
جعفر محمد بن علي وهو أحد قولي مالك.
وقال آخرون: الاعتكاف في كل مسجد جائز، روي هذا القول عن
سعيد بن جبير، وأبي قلابة، وابرهيم النخعي، وهمام بن الحارث، وأبي
سلمة بن عبد الرحمن، وأبي الاحوص، والشعبي، وهو قول الشافعي، وأبي
حنيفة، وأصحابهما والثوري وحجتهم حمل الآية على عمومها في کل
مسجد، وهو أحد قولي مالك، وبه يقول ابن علية، وداود، والطبري، وقال

الاعتكاف
٤٨٣
الشافعي: لا يعتكف في غير المسجد الجامع الا من الجمعة إلى الجمعة، قال:
واعتكافه في المسجد الجامع أحب الي، ويعتكف المسافر، والعبد، والمرأة،
حيث شاءوا ولا اعتكاف إلاّ في مسجد لقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ
عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ .
قال أبو عمر:
في حديثنا هذا من قول عائشة: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان،
تعني رسول الله وثيقة، دليل على أنه لم يكن اعتكافه في بيته، وانه كان في
مسجده، له.
وفيه دليل على ان المعتكف لا يشتغل بغير لزومه المسجد، ومعلوم ان
لزوم المسجد انما هو للصلوات، وتلاوة القرآن، وان المعتكف اذا لم يدخل
بيت نفسه، فأحرى ان لا يدخل بيت غيره، وفي اجتناب رسول الله وَليه
ذلك، دليل على أنه لا يجوز، واذا لم يجز له دخول البيت وان لم يكن في ذلك
معصية فكل شغل يشغله عن اعتكافه لا يجوز له، لأنه في ذلك المعنى، وان
لم يكن فيه معصية. وفي معنى دخول البيت لحاجة الإنسان كل ما لا غنى
بالإنسان عنه، من منافعه ومصالحه، وما لا یقضیه عنه غيره.
وفي معنی ترجیل رسول الله پے، رأسه کل ما کان فيه صلاح بدنه من
الغذاء وغيره مما يحتاج اليه.
ومن جهة النظر: المعتكف ناذر، جاعل على نفسه المقام في المسجد لطاعة
الله، فواجب عليه الوفاء بذلك، فان خرج لضرورة ورجع في فور زوال
الضرورة، بنى على ما مضى من اعتكافه، ولا شيء عليه، ومن الضرورة
المرض البين، والحيض، وهذا عندي في معنى خروجه ◌َه، لحاجة الإنسان،
لأنها ضرورة.

فتح البر
٤٨٤
واختلف مالك في المعتكف يخرج لعذر غير ضرورة، مثل ان يموت
أبوه، أو ابنه، ولا يكون له من يقوم به، أو شراء طعام يفطر عليه، أو غسل
نجاسة من ثوبه لا يجد من يكفيه شيئا من ذلك، فروي عنه من فعل هذا
کله أو ما كان مثله یبتدئ.
وروي عنه انه يبني، وهو الاصح، عند ابن خواز بنداد، وغيره، قياسا
على حاجة الإنسان، والحيض، المرض اللذين لم يختلف قول مالك فيهما.
واختلف العلماء في اشتغال المعتكف بالأمور المباحة فقال مالك: لا
يعرض المعتكف لتجارة ولا غيرها ولا بأس أن يأمر بصنعته ومصلحة
أهله، ويبيع ماله ويصنع كل ما يشغله اذا كان خفيفا. قال مالك: ولا يكون
معتكفا حتى يجتنب ما يجتنب المعتكف ولا بأس بنكاح المعتكف ما لم يكن
الوقاع، والمرأة المعتكفة تنكح نكاح الخطبة، هذا كله قوله في الموطآت. وقال
ابن القاسم عن مالك: لا يقوم المعتكف الى رجل يعزيه بمصيبة، ولا يشهد
نكاحا يعقد في المسجد، يقوم اليه، ولكن لو غشيه ذلك في مجلسه لم أر بذلك
بأسا، ولا یقوم لناکح فیهنئه، لا یکتب العلم، ولا یشتغل في مجلس العلم،
قال: ویشتري ویبیع اذا كان خفيفا، ولا يشهد الجنائز، ولا يعود المرضى،
وجملة مذهبه ان المعتكف لا يشتغل بشيء من أمور الدنيا الا اليسير الذي لا
يستغنى عنه في مصالحه، مثل الکتاب الخفیف یکتبه فیما يحتاج اليه، أو يأمر
من يخدمه، ومثل هذا من مراعاة أحواله، اذا کان یسیرا، خفيفا، ومن مذهبه
عند أصحابه، ان المعتكف اذا أتی کبیرة من الكبائر فسد اعتكافه، لان
الكبيرة ضد العبادة، كما الحدث ضد الطهارة والصلاة، وترك ما حرم عليه
أعلى منازل الاعتكاف في العبادة. هذا کله قول ابن خواز بنداد عن مالك.
وقال الثوري: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجمعة، وما لا يحسن أن

الاعتكاف
٤٨٥=
يضيعه لا يدخل سقفا الا أن يكون ممره فيه، ولا يجلس عند أهله، ولا
یوصیھم بحاجته الا وهو قائم، أو ماش، ولا يبيع، ولا يشتري وان دخل
سقفا بطل اعتكافه.
وقال الحسن بن حي ان دخل المعتكف بيتا ليس في طريقه أو في غير
جامع بطل اعتكافه، ويحضر الجنازة، ويعود المريض.
ويشهد الجمعة ويخرج للوضوء، ويدخل بيت المريض للعيادة، ويكره أن
يبيع ويشتري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يخرج المعتكف لجنازة ولا لعيادة مريض،
وله أن يتحدث، ويبيع ويشتري في المسجد، ويتشاغل بما لا يأثم فيه،
ويزوج، ويتزوج، ويشهد في النكاح، ويتطيب.
وقال الشافعي: لا يعود المعتكف مريضا، ولا يشهد جنازة ولا يفارق
موضع اعتكافه بعيدا الا لحاجة الإنسان، وكلما يفعله غير المعتكف في
المسجد فعله المعتکف، ولا يقعد بعد الفراغ من أکله في بیته.
قال أبو عمر:
معاني الشافعي وأبي حنيفة في هذا الباب واحدة، ومعاني مالك متقاربة
والحجة لمن ذهب مذهبهم ان عائشة كانت لا تعود المريض من أهلها وهي
معتكفة الا مارة، وقد روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن
عروة، عن عائشة أنها قالت: السنة على المعتكف ان لا يعود مريضا، ولا
يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة الا ما لا بد له
منه، ولا اعتكاف الا بصوم، ولا اعتكاف الا في مسجد جامع(١).
(١) و(٢/ ٨٣٦-٢٤٧٢/٨٣٧)، هق (٣١٥/٤-٣١٦)، قط (٢٠١/٢).

فتح البر
=٤٨٦
ولم يقل أحد في حديث عائشة هذا ((السنة)) الا عبد الرحمن بن إسحاق،
ولا يصح هذا الكلام كله عندهم الامن قول الزهري في صوم المعتكف،
ومباشرته وسائر الحدیث، والحجة لمذهب الثوري ومن تابعه ان علي بن أبي
طالب قال: اذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر
الجنازة، وليأت أهله، وليأمرهم بالحاجة، وهو قائم. واجاز علي البيع
والشراء للمعتكف.
وذكر الحسن الحلواني قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو
إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن سعيد بن جبير قال:
اعتكفت في مسجد الحي، فأرسل الي عمرو بن حريث يدعوني وهو أمير
على الكوفة فلم آته. فعاد، ثم عاد، فأتيته، فقال: ما يمنعك أن تأتينا؟ قلت:
اني كنت معتكفا، قال وما عليك؟ ان المعتكف يشهد الجمعة، ويعود
المريض، ويمشي مع الجنازة، ويجيب الامام.
قال أبو عمر:
أجمع العلماء ان المعتكف لا يباشر، ولا يقبل، واختلفوا فيما عليه اذا فعل
ذلك، فقال مالك، والشافعي: ان فعل شيئا من ذلك، فسد اعتكافه. قال
المزني: وقال الشافعي في موضع آخر من مسائل الاعتكاف: لا يفسد
الاعتكاف من الوطى الا ما يوجب الحد، واختاره المزني، قياسا على أصله
في الصوم والحج، وقال أبو حنيفة: ان فعل فانزل، بطل اعتكافه. وأجمعوا
ان المعتكف لا يدخل بيتا، ولا يستظل بسقف، الا في المسجد الذي يعتكف
فيه، أو يدخل لحاجة الإنسان، أو ما كان مثل ترجيله، وَله.
ومسائل الاعتكاف ونوازله يطول ذكرها، ويقصر الكتاب عن تقصي
أقاويل العلماء فيها، والاعتلال لها.

الاعتكاف
٤٨٧
وقد ذكرنا من ذلك ما في معنى حديثنا، وذكرنا الاصول التي عليها مدار
الاعتكاف، وسنذكر حكم الاعتكاف، بصوم وبغير صوم، واختلاف
العلماء في ذلك، عند ذكر حديث ابن شهاب عن عمرة من هذا الكتاب،
على مارواه يحيى عن مالك في ذلك ان شاء الله، وبالله التوفيق.

٤٨٨٠
=
فتح البر
جواز الاعتكاف في غير رمضان
[٢] مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن، ان رسول الله وَآلآز اراد أن
يعتكف فلما انصرف الى المكان الذي أراد ان يعتكف فيه، وجد أخبية، خباء
عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب. فلما رآها سأل عنها، فقيل له هذا خباء
عائشة وحفصة وزينب قال رسول الله ويتليفون: آلبر تقولون بهن؟ ثم انصرف فلم
یعتکف حتى اعتكف عشرا من شوال(١).
قال أبو عمر:
هكذا هذا الحديث ليحي في الموطأ، عن مالك عن ابن شهاب وهو غلط
وخطأ مفرط لم يتابعه أحد من رواة الموطأ فيه عن ابن شهاب، وانما هو في
الموطأ لمالك عن يحيى بن سعيد، الا أن رواة الموطأ اختلفوا في قطعه
واسناده، فمنهم من یرویه عن مالك عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله (ێ،
لا يذكر عمرة، ومنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة لا
یذکر عائشة ومنهم من یرویه عن مالك عن یحیی بن سعید عن عمرة عن
عائشة يصله بسنده.
وأما رواية يحيى عن مالك عن ابن شهاب، فلم يتابعه أحد على ذلك،
وإنما هذا الحدیث لمالك عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عمرة، لا عن
ابن شهاب عن عمرة، کذلك رواه مالك وغیره وجماعة عنه، ولا يعرف
هذا الحدیث لابن شهاب، لا من حديث مالك ولا من حديث غيره من
أصحاب ابن شهاب، وهو من حديث يحيى بن سعيد محفوظ صحيح
سنده. وهذا الحديث مما فات يحيى سماعه عن مالك في الموطأ. فرواه عن
زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون، وكان ثقة عن مالك، وكان يحيى بن
يحيى قد سمع الموطأ منه بالأندلس. ومالك يومئذ حي، ثم رحل فسمعه
(١) هذا حديث مرسل وقد جاء موصولا عن عائشة. انظر تخريج الحديث الآتي.

الاعتكاف
٤٨٩ =
من مالك حاشى ورقة في الاعتكاف لم يسمعها، أو شك في سماعها من
مالك. فرواها عن زياد عن مالك، وفيها هذا الحديث، فلا أدري ممن جاء
هذا الغلط في هذا الحدیث أمن یحیی؟ أم من زیاد؟ ومن أيهما كان ذلك، فلم
یتابعه أحد علیه، وهو حدیث مسند ثابت من حديث يحيى بن سعيد. ذكره
البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن عمرة
عن عائشة مسندا. قال البخاري وأخبرنا النعمان حدثنا حماد بن زيد، حدثنا
يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان النبي ◌َّلا يعتكف في
العشر الأواخر من رمضان وكنت اضرب له خباء فيصلي الصبح ثم
يدخله. فاستأذنت حفصة عائشة ان تضرب خباء فآذنت لها، فضربت
خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح رسول الله
وَله رأى الاخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر فقال: آلبر تردن بهن فترك
الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال(١).
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن بكر بن داسة
قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية،
ویعلی بن عبید عن یحیی بن سعید، عن عمرة عن عائشة قالت: کان رسول
الله ◌ُ ﴾ اذا أراد ان يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، قالت: فانه أراد
مرة ان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قال: فأمر ببنائه فضرب فلما
رأيت ذلك، امرت ببنائي فضرب، قالت وأمر غيري من أزواج النبي وَيه
ببنائها فضرب، فما صلى الفجر نظر الى الأبنية، فقال: ما هذا؟ آلبر تردن؟
قالت: فأمر ببنائه فقوض، وامر ازواجه بأنيتهن فقوضت ثم اخر
الاعتكاف الى العشر الأول من شوال(٢).
(١) حم (٨٤/٦)، خ (٤ / ٣٤٦/ ٢٠٣٣)، م (٢ / ٨٣١ / ١١٧٢ [٦]).
(٢) حم (٢٢٦/٦)، خ (٤/ ٣٦٤/ ٢٠٣٣)، م (٢/ ٧٣١/ ١١٧٢ [٦]). د (٢ / ٨٣٠ / ٢٤٦٤)،
ت (٧٩١/١٥٧/٣) مختصرا. ن (٢/ ٧٠٨/٣٧٤)، جه (١/ ١٧٧١/٥٦٣).

فتح البر
| = ٤٩٠
ورواه الأوزاعي، ومحمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد مثله. وحدثنا
سعید بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن إسماعيل
الترمذي قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت
يحيى بن سعيد يحدث، عن عمرة عن عائشة، قالت: اراد رسول الله وَ ټ ان
یعتكف العشر الاواخر من رمضان، فسمعت بذلك فاستأذنته فاذن لي، ثم
استأذنته حفصة فأذن ها، ثم استأذنته زینب فأذن لها، قالت وکان رسول
الله ◌َ* اذا أراد ان يعتكف صلى الصبح، ثم دخل معتكفه، فلما صلى الصبح
رأى في المسجد اربعة ابنية، فقال: لمن هذه؟ قالوا لعائشة، وحفصة وزينب،
فقال النبي وسلّآلبر تردن بهذا؟ فلم يعتكف رسول الله وسلم تلك العشرة
واعتكف عشرا من شوال(١).
وربما قال سفيان في هذا الحديث: آلبر تقولون بهن، قال الحميدي: بناء
النبي وَّ هو الرابع. وذكره عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد،
عن عمرة عن عائشة مثله سواء الى قوله: فلما صلى اذا هو بأربعة ابنية فقال
ما هذا؟ قالوا: عائشة وحفصة وزينب قال: آلبر تقولون بهذا؟ فرفع بناءه،
قالت فلم يعتكف العشر الاواخر من رمضان، واعتكف عشرا من
شوال(١). وحدثنا قاسم بن محمد قال: حدثنا خالد بن سعد قال: حدثنا
أحمد بن عمرو بن منصور. وأخبرنا محمد بن عبد الملك، وعبيد بن محمد
قالا: حدثنا عبد الله بن مسروق قال: حدثنا عيسى بن مسكين قالا جميعا،
حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال: حدثنا يعلى بن عبيد قال:
حدثنا يحيى بن عبيد قال: أنبأنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: قالت
كان رسول الله * اذا اراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل المكان الذي
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الاعتكاف
٤٩١=
یرید ان یعتکف فيه فأراد ان يعتكف العشر الا واخر من رمضان، فضرب
له خباء وامرت عائشة فضرب لها خباء، وامرت حفصة فضرب لها خباء،
فلما رأت زينب خباءهما أمرت فضرب لها خباء، فلما رأى رسول الله وله
ذلك قال: آلبر تردن؟ فلم يعتكف في رمضان واعتكف عشرا في شوال(١).
هذا الحديث أدخله مالك وغيره من العلماء في باب قضاء الاعتكاف،
وهو أعظم ما يعتمد عليه من فقهه، ومعنى ذلك عندي والله أعلم، أن
رسول الله پێ کان قد نوی اعتكاف العشر الا واخر من رمضان، فلما رأى
ما کرهه من تنافس زينب وحفصة وعائشة في ذلك، وخشي علیھن أن
تدخل نیتهن داخلة، وما الله أعلم به، فانصرف، ثم وفی الله بما نواه من فعل
البر، فاعتكف عشرا من شوال. وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان.
وأما قوله في حديث مالك آلبر یقولون بهن، فيحتمل أي أيظنون بهن
البر، فأنا أخشى عليهن أن يردن الكون معي ولا يردن البر خالصا. فكره
هن ذلك.
وعلى هذا يخرج قوله في غیر حديث مالك آلبر یردن أو تردن، كأنه تقریر
وتوبيخ بلفظ الاستفهام، أي ما أظنهن يردن البر أو ليس يردن البر، والله
أعلم.
وقد يجوز أن يكون رسول الله و # كره لأزواجه الاعتكاف لشدة مؤنته،
لأن ليله ونهاره سواء، قال مالك رحمه الله: لم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر
ولا عثمان ولا ابن المسيب ولا أحدا من سلف هذه الامة اعتكف الا أبا بكر
ابن عبد الرحمن، وذلك والله أعلم، لشدة الاعتكاف.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
- ٤٩٢
ولو ذهب ذاهب الى أن الاعتكاف للنساء مكروه بهذا الحديث كان
مذهبا، ولولا أن ابن عيينة ذكر فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف لقطعت بأن
الاعتكاف للنساء في المساجد غير جائز.
وما أظن استيذانهن محفوظا والله أعلم. ولكن ابن عيينة حافظ، وقد
قال في هذا الحدیث: سمعت یحیی بن سعید.
وفي هذا الحديث من الفقه، أن الاعتكاف يلزم بالنية مع الدخول فيه،
وإن لم يكن في حديث مالك ذكر دخوله له في ذلك الاعتكاف الذي
قضاه، لأن في رواية ابن عيينة وغيره لهذا الحديث أن رسول الله وسل * كان إذا
أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه فلما صلى الصبح يعني في
المسجد، وهو موضع اعتكافه نظر فرأى الاخبية والاعتكاف إنما هو الاقامة
في المسجد، فكأنه والله أعلم كان قد شرع في اعتكافه لكونه في موضع
اعتكافه مع عقد نيته على ذلك، والنية هي الاصل في الاعمال، وعليها تقع
المجازات. فمن هنا والله أعلم قضى اعتكافه ذلك في شوال وقلقه.
وقد ذکر سنید قال: حدثنا معمر بن سلیمان عن کھمس عن معبد بن
ثابت في قوله ﴿﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ﴾
[التوبة: (٧٥)] الآية قال: إنما كان شيئاً نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به،
ألم تسمع إلى قوله ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: (٧٨)].
قال: وحدثنا معتمر قال: ركبت البحر فأصابتنا ريح شديدة. فنذر قوم
معنا نذورا ونویت أنا شيئا لم أتكلم به، فلما قدمت البصرة سألت أبا سليمان
التيمي فقال: يا بني فى به، فغیر نکیر أن یکون النبي پڼ قضی الاعتكاف
من أجل أنه كان قد نوی أن یعمله، وإن لم يدخل فیه، لأنه كان أوفى الناس
لربه بما عاهده عليه. وأبدرهم الى طاعته، فإن كان دخل فيه فالقضاء واجب
عند العلماء، لا يختلف في ذلك الفقهاء.

الاعتكاف
ill
٤٩٣ =
وإن كان لم يدخل فيه فالقضاء مستحب لمن هذه حاله عند أهل العلم
مندوب إلیه أيضا مرغوب فيه.
ومن العلماء من أو جب قضاءه علیه، من أجل أنه کان عقد علیه نیته،
والوجه عندنا ما ذكرنا.
ومن جعل على المعتكف قضاء ما قطعه من اعتكافه، قاسه على الحج
التطوع يقطعه صاحبه عمدا أو مغلوبا وسيأتي القول في حكم قطع الصلاة
التطوع والصيام التطوع، وما للعلماء في ذلك من المذاهب، في باب مرسل
ابن شهاب في هذا الكتاب.
وقد احتج بهذا الحديث بعض من كره للنساء الاعتكاف في المسجد ذکر
الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن النساء يعتكفن؟ قال: نعم، قد
اعتكف النساء.
واختلف الفقهاء في مكان اعتكاف النساء فقال مالك: تعتكف المرأة في
مسجد الجماعة، ولا يعجبه أن تعتکف في مسجد بيتها.
وقال أبو حنيفة: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في
مسجدالجماعة.
وقال الثوري: اعتكاف المرأة في بيتها أفضل منه في المسجد، لأن صلاتها
في بيتها أفضل، وهو قول إبراهيم.
وقال الشافعي: المرأة والعبد والمسافر يعتكفون حيث شاؤوا، لأنه لا
جمعة علیھم.
قال منصور یعني من المساجد لأنه لا اعتکاف عنده إلا في مسجد.

فتح البر
٤٩٤
قال أبو عمر:
من حجة من أجاز اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة، حديث ابن عيينة
عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة هذا، لأن فيه أنهن استأذنه في
الاعتكاف فأذن لهن فضربن أخبيتهن في المسجد ثم منعهن بعد لغير المعنى
الذي أذن لهن من أجله والله أعلم.
وقال أصحاب أبي حنيفة إنما جاز لهن ضرب أخبيتهن في المسجد
للاعتكاف من أجل أنهن کن مع رسول الله گلآه.
وللنساء أن يعتكفن في المسجد مع أزواجهن، وكما أن للمرأة أن تسافر
مع زوجها کذلك لها أن تعتکف معه.
وقال من لم يجز اعتكافهن في المسجد أصلا: إنما ترك النبي ◌َّي الاعتكاف
إنکارا علیھن.
وقال: ويدل على ذلك قوله آلبر يردن؟ قال: وقد قالت عائشة لو رأى
رسول الله و ليه ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد(١).
ولم يختلفوا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، فكذلك
الاعتكاف والله أعلم.
وأما قولهم في هذا عن یحیی بن سعید باسناده، ان رسول الله آلټ كان اذا
اراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل في معتكفه فلا أعلم من فقهاء
الامصار من قال به إلا الأوزاعي.
وقد قال به طائفة من التابعين، وهو ثابت عن النبي وَ له.
(١) خ: (٨٦٩/٤٤٤/٢)، م: (٤٤٥/٣٢٩/١)، د: (٥٦٩/٣٨٣/١).

الاعتكاف
٤٩٥
11
وذكر الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن المعتكف في أي وقت
يدخل معتكفه؟ فقال: يدخله قبل غروب الشمس، فيكون يبتدئ ليلته.
فقيل له: قد روى يحيى بن سعيد، عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين، أن
النبي ◌َّ ﴿ كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه، فسكت.
وروي عن ابن مسعود مثله، وروي عن عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم،
ولم يختلف عنها في ذلك.
واختلف عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، فروي عنهما
القولان جميعا. ولم يختلف عن الشعبي أنه لا اعتكاف إلا بصوم.
واختلف عن النخعي فروي عنه الوجهان أيضا جميعا.
ومن حجة من أجازه بغير صوم، ان اعتكاف رسول الله ذ # كان في
رمضان، ومحال ان یکون صوم رمضان لغیر رمضان.
ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند
مالك وأصحابه.
ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه،
وأن ليله داخل في اعتكافه. ولیس اللیل بموضع صوم. فكذلك نهاره.
ولیس بمفتقر إلى الصوم، فإن صام فحسن.
قال وسمعته مرة أخرى يسأل عن المعتكف في أي وقت يدخل معتكفه؟
فقال: قد كنت أحب له أن يدخل معتكفه بالليل، حتى يبيت فيه ويبتدئ.
ولکن حدیث عمرة عن عائشة ان النبي پڑ کان یدخل معتكفه اذا صلى
الغداة، قيل له: فمتى يخرج؟ قال: يخرج منه إلى المصلى.

فتح البر
=٤٩٦
وقد اتفق مالك، والشافعي، وأبو حنيفة والليث على خلاف هذا
الحديث، إلا أنهم اختلفوا في وقت دخول المعتكف المسجد ليلا، فقال
مالك والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم: اذا أوجب على نفسه اعتكاف
شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس.
قال مالك: وکذلك من أراد أن یعتکف یوما أو أكثر دخل معتكفه قبل
غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم.
وقال الشافعي: إذا قال لله علي اعتكاف يوم دخل قبل طلوع الفجر،
وخرج قبل غروب الشمس، خلاف قوله في الشهر.
وقال زفر بن الهذيل، والليث بن سعد: يدخل قبل طلوع الفجر، والشهر
واليوم سواء عندهم، لا يدخل إلا قبل طلوع الفجر. وروي مثل ذلك عن
أبي يوسف.
قال أبو عمر:
الليالي تبع للأيام، وقال الأوزاعي بظاهر حديث عائشة هذا، قال: يصلي
في المسجد الصبح، ثم يقوم الى معتكفه.
ولم یذکر مالك رحمه الله في موطئه في حديثه عن یحیی بن سعيد عن عمرة
في هذا الحدیث ان النبي پ﴾ كان اذا اراد ان يعتكف صلى الصبح ثم دخل
معتكفه.
وما أظنه تركه - والله أعلم - إلا أنه رأى الناس على خلافه.
وأجمع مالك وأصحابه على أن المرأة اذا نذرت اعتكاف شهر فمرضته
أنها لا تقضيه، ولا شيء عليها.

الاعتكاف
٤٩٧٤
واختلفوا إذا حاضته، فقال ابن القاسم: تقضيه وتصل قضاءها بما
اعتكفت قبل ذلك، فإن لم تفعل استأنفت.
وقال محمد بن عبدوس الفرق بين المرض والحيض، أن المريضة تمرض
الشهر كله، والحائض لا تحيض الشهر كله. وأقصى ما تحيض منه خمسة
عشر يوما. فإذا وجب عليها بعضه وجب کله.
قال أبو عمر:
هذه حجة من يسامح نفسه ويكلم من يقلده. وفسادها أظهر من أن
يحتاج الى الكلام عليها.
وقد سوى سحنون بين حكم الحيض والمرض، وقال إنما عليها اذا
طهرت من حيضتها اعتكاف بقية المدة، إن بقي منها شيء في المرض
والحيض جميعا، وما مضى فليس عليها قضاؤه وهو ظاهر قول مالك في
الموطأ.
وقد قال مالك فيمن نذرت صوم يوم بعينه أنها إن مرضت أو حاضت
فأفطرت لذلك فلا قضاء عليها. فإن افطرت لغير عذر وهي تقوى على
الصيام فعليها القضاء، فحکم الاعتكاف عندي مثل ذلك.
وهو قول اللیث والشافعي وزفر.
وأما قوله في هذا الحديث حتى اعتكف عشرا من شوال. ففيه أن
الاعتكاف في غیر رمضان جائز، کما هو في رمضان، وهذا ما لا خلاف فيه.
إلا أن العلماء اختلفوا في صوم المعتكف هل هو واجب عليه أم لا؟ فقال
مالك، والثوري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة: لا اعتكاف إلا بصوم.
وهو قول اللیث.

فتح البر
٤٩٨
وقال الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي، وابن علية: الاعتكاف
جائز بغير صوم، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح،
وعمر بن عبد العزيز، كلهم قالوا: ليس على المعتكف صوم، الا أن يوجبه
على نفسه.
ومن حجتهم أيضا حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب نذر في الجاهلية
أن يعتكف ليلة، فأمره النبي ◌َّ أن يفي بنذره(١).
ومعلوم أن الليل لا صوم فيه. رواه عبد الله بن بديل، عن عمرو بن
دينار عن ابن عمر، ان عمر جعل على نفسه أن يعتكف في الجاهلية ليلة او
يوما، فسأل النبي ◌َّللر فقال له اعتكف وصم(٢).
والحديث الأول أصح نقلا عند أهل الحديث.
وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصوم يجب على المعتكف،
فعاوده السائل، فقال: يصوم، وهو أكثر ما روي فيه.
وقد مضى معنى الاعتكاف وسننه و کثیر من أصول مسائله في باب ابن
شهاب عن عروة، وبالله التوفيق.
وأما وقت خروج المعتكف من اعتكافه فسنذكره ونذكر ما للعلماء فيه
من الاقاويل في باب يزيد بن الهاد، من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
وقد روي في هذا الباب مالك عن ابن شهاب حديث غريب: حدثنا
محمد، حدثنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني،
أخبرنا عبد الله بن إسماعيل القرشي، حدثنا محمد بن يوسف بن محمد بن
(١) خ (٤ / ٢٠٤٣/٣٥٧)، م (١٢٧٧/٣ / ١٦٥٦[٢٧])، ن (٣٨٢٩/٢٨/٧).
(٢) قط (٢/ ٢٠٠) وقال: تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث.

الاعتكاف
٤٩٩
سوقة، حدثنا علي بن الربيع بن الركين بن الربيع، عن عسلة الفزاري،
حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن صفية بنت
حيي، أن رسول الله وَّ كان يجاور في المسجد العشر الأواخر من رمضان.
قال أبو حسن: هذا حديث صحيح من حديث الزهري، وهو غريب من
حديث مالك، لم يكتبه مالك إلا بهذا الإسناد.
قال أبو عمر: لا يصح عن مالك.

٠
٠
فتح البر
باب منه
[٣] مالك، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة
ابن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله وَ لا يعتكف العشر
الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى اذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة
التي يخرج فيها من صبحتها من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي فليعتكف
العشر الأواخر؛ وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبحتها
في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو
سعيد: فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد؛ قال
أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ◌ُ له انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء
والطين من صبيحة إحدى وعشرين (١).
قال أبو عمر:
في هذا الحديث وهو من أصح حديث يروى في هذا الباب دليل على أن
الاعتكاف في رمضان سنة مسنونة، لأن رسول الله وَ ل # كان يعتكف في
رمضان ويواظب على ذلك، وما واظب عليه فهو سنة لأمته؛ والدليل على
أنه كان يعتكف في كل رمضان قوله: كان رسول الله ﴿ ل ﴾ يعتكف العشر
الوسط من رمضان، فاعتكف عاما ثم ساق القصة، وهذا يدل على أنه كان
يعتكف كل رمضان والله أعلم.
وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجب، وأن فاعله محمود
عليه مأجور فيه، وهكذا سبيل السنن كلها ليست بواجبة فرضا، ألا ترى
إلى إجماعهم على قولهم: هذا فرض، وهذا سنة، أي هذا واجب، وهذا
مندوب إليه، وهذه فريضة، وهذه فضيلة.
(١) خ (٤ / ٣٤١ - ٣٤٢/ ٢٠٢٧). م (٢ / ٨٢٤ / ١١٦٧ (٢١٣)). ن (٢/ ١٠٩٤/٥٥٦) من طريق
مالك مختصرا وفي (٨٨/٣-١٣٥٥/٨٩).