النص المفهرس
صفحات 421-440
الصيام ٤٢١ = واختلف أصحاب أبي حنيفة: فمنهم من قال بقول الشافعي، ومنهم من قال بقول صاحبهم، والفقهاء كلهم من أهل الرأي والاثر، يقولون إن المتطوع إذ أفطر ناسيا، أو غلبه شيء، فلا قضاء عليه. وقال ابن علية: المتطوع عليه القضاء إذا افطر ناسيا أو عامدا قياسا على الحج، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن رجل أصبح صائما متطوعا، فبدا له فأفطر أيقضيه؟ فقال: ان قضاه فحسن، وارجو ان لا يجب عليه شيء. قيل له: فالرجل يدخل في الصلاة متطوعا أله أن يقطعها؟ فقال: الصلاة أشد، فلا يقطعها. قيل له: فان قطعها أيقضيها؟ فقال: ان قضاها خرج من الاختلاف. قال أبو عمر: من حجة من قال إن المتطوع إذا أفطر لا شيء عليه من قضاء ولا غيره، ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال حدثنا محمد ابن بکر بن داسة، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا جرير بن عبدالحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ، قالت: لما كان يوم الفتح: فتح مكة، جاءت فاطمة، فجلست عن يسار رسول الله -وَ﴾ - وأم هانى عن يمينه، قال: فجاءت الوليدة باناء فیه شراب، فناولته، فشرب منه، ثم ناوله أم هانی فشربت منه. قالت: یا رسول الله، لقد أفطرت وكنت صائمة، قال لها: أكنت تقضين شيئا؟ قالت: لا. قال: فلا يضرك ان كان تطوعا(١). (١) د(٢٤٥٦/٨٢٥/٢). ت (٧٣١/١٠٩/٣) من طريق سماك بن حرب عن ابن ام هانى عن أم هانی وقال : وحديث ام هانی في اسناده مقال. فتح البر ٤٢٢ حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعیب، قال أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: حدثني يحيى بن حسان، قال حدثنا حماد، عن سماك بن حرب، عن هارون بن أم هانى، عن أم هانى، قالت: دخل علي رسول الله -ماء - وأنا صائمة، فاتي باناء من لبن فشرب، ثم ناولني فشربت؛ فقلت: يا رسول الله، إني كنت صائمة، ولكني كرهت أن أرد سؤرك. فقال رسول الله - *-: إن كان من قضاء رمضان، فاقضي يوماً مكانه، وان کان من غير قضاء رمضان، فان شئت فاقضي، وان شئت فلا تقضي(١). اختلف في هذا الحديث على سماك وغيره، وهذا الاسناد أصح إسناد لهذا الحدیث، وما خالفه فلا يعرج علیه؛ ورواه شعبة كذلك عن سماك، قال شعبة: وكان سماك يقول: حدثني ابنا أم هانئ، فرويته عن أفضلهما. واحتج الشافعي ايضا لجواز الفطر في التطوع بأن قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: دخل علي رسول الله وَ له فقلت: إنا خبأنا لك حيسا، فقال: أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قربيه(٢). قال: وأخبرنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: خرج رسول الله -ێ- من المدینة، حتى اذا کان بكراع الغميم وهو صائم، رفع إناء فوضعه على يده وهو على الرحل، فشرب والناس ينظرون (٣). قال: وهذا لما كان له أن يدخل في الصوم في السفر، وان لا يدخل، وكان (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) م (٢/ ٨٠٨- ٨٠٩ / ١١٥٤). ن: في الكبرى (٢٦٣٤/١١٥/٢). البغوي: (١٨١٢/٣٦٩/٦). (٣) م (٢ / ٧٨٥/ ١١١٤) من طريق عبد الوهاب عن جعفر. ت (٧١٠/٨٩/٣). ن (٤ /٤٨٨ / ٢٢٦٢). الصيام ٤٢٣ = مخيرا في ذلك، كان له إذا دخل فيه أن يخرج منه، فالتطوع بهذا أولى. قال: وأخبرنا مسلم بن خالد، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء أن ابن عباس كان لا يرى بالافطار في صيام التطوع بأسا. قال: وأخبرنا مسلم، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، ان ابن عباس كان لا يرى بأسا ان يفطر الانسان في صيام التطوع، ويضرب لذلك أمثالا: رجل طاف سبعا ولم یوفه، فله ما احتسب؛ أو صلی رکعة، ثم لم يصل أخرى، فله ما احتسب. قال: واخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابي الزبير، عن جابر، أنه كان لا يرى بالافطار في صيام التطوع بأسا. قال: واخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء مثله. وذكر هذه الآثار كلها عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، وعن عمرو بن دینار، وعن أبي الزبير سواء. وذكر عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، أن ابن عباس قال: الصوم کالصدقة، أردت أن تصوم فبدا لك، أو أردت ان تصدق فبدا لك. قال عبد الرزاق: وأخبرنا اسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من أصبح صائما متطوعا، ان شاء صام، وان شاء أفطر ولا قضاء. وهو قول سليمان، وأبي الدرداء، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، واختلف فيها عن سعيد بن جبير، وهو أحد قولیه. ذكر ابن أبي كبشة، عن شريك، انه أخبره عن سالم يعني الافطس، انه صنع طعاما، فأرسل الی سعید بن جبير، فقال: إني صائم، فحدثه بحديث سلمان، أنه فطر أبا الدرداء فأفطر. - ٤٢٤ فتح البر واحتج الشافعي على من أدخل عليه الحجة بالاجماع في حج التطوع والعمرة، انه ليس لاحد الخروج منهما بعد الدخول فيهما، وان من خرج منهما قضاهما، وان الصيام قياس عليه بأن قال: الفرق بين ذلك، أن من أفسد صلاته، أو صيامه، او طوافه، کان عاصیا لو تمادى في ذلك فاسدا، وهو بالحج مأمور بالتمادي فيه فاسدا، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده ثم يقضيه، وليس كذلك الصوم، والصلاة. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا و کیع، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - 3 199- إذا دخل علي قال: هل عندکم من طعام، فاذا قلنا: لا، قال: إني صائم فدخل علینا يوما، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حیس، فحبسناه لك، فقال: ادنيه، فاصبح صائمًا وأفطر (١). وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد ابن شعیب، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا طلحة ابن يحيى، قال حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، أن النبي -مَ ل - كان يأتيها وهو صائم فيقول: أصبح عندكم شيء نطعمه؟ فتقول: لا، فيقول: إني صائم؛ ثم جاءها بعد ذلك فقالت: أهديت لنا هدية، فقال: ما هي؟ قالت: حيس، قال: قد أصبحت صائما فأكل(٢). ورواه الثوري، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، عن النبي ◌ٍَّ* مثله(٢). (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) م (٢ / ١١٥٤/٨٠٩ (١٧٠)). ن: في الكبرى (٢٦٣٥/١١٥/٢). الصيام ٤٢٥ وقد روي عن الثوري أيضا، عن طلحة بن يحيى، عن مجاهد، عن عائشة؛ وكذلك رواه أبو الاحوص وشريك، والحديث لطلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، ومجاهد، جميعا عن عائشة قد جمعهما في هذا الاسناد عن طلحة بن يحيى القاسم بن معن، والثوري. وقال النسائي: من قال في هذا الحديث عن ابن عيينة، أو غيره عن طلحة ابن يحيى: كنت أردت الصوم ولكن أصوم يوما مكانه. فقد أخطأ. قال وقد رواه جماعة عن طلحة بن يحيى، فلم يذكر أحد منهم: ولكن أصوم يوما مكانه. قال أبو عمر: طلحة بن یحیی انفرد بهذا الحديث، وما انفرد به، فلیس بحجة عند جمیعهم لضعفه. ومن حجة مالك، ومن قال بقوله في إيجاب القضاء على المتطوع إذا أفسد صومه عامداً، مع حديث ابن شهاب في قصة عائشة وحفصة المذكور في هذا الباب، قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: (٣٣)] وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: (٣٠)] وليس من أفطر عامداً بعد دخوله في الصوم بمعظم لحرمة الصوم، وقد أبطل عمله الذي أمر الله بتمامه، ونهاه عن إبطاله، والنهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده؛ وقد قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ الْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: (١٨٧)] وهذا يقتضي عمومه الفرض والنفل، كما قال عز وجل: ﴿ وَأَتِقُواْ الْمَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: (١٩٦)]. وقد أجمعوا على ان المفسد لحجة التطوع، أو عمرته، أن عليه القضاء. فالقياس على هذا الإجماع إيجاب القضاء على مفسد صومه عامدا قياس فتح البر ١ =٤٢٦ صحيح، وقد ثبت عن النبي ◌َّيقول أنه قال: إذا دعي أحدكم الى طعام فليجب، فان كان مفطرا فليأكل(١). وروي: فإن شاء أكل، وإن كان صائما فليدع. وروي: فليصل يريد: فلیدع. وروي في هذا الحدیث ایضا: وان کان صائما فلا يأكل، فلو كان الفطر في التطوع حسنا، لكان أفضل ذلك وأحسنه في اجابه الدعوة التي هي سنة مسنونة. فلما لم يكن ذلك كذلك، علم ان الفطر في التطوع لا يجوز. وقد روي عن النبي ټپڼ أنه قال: لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يوما من غير شهر رمضان إلا بإذنه(٢). وفي هذا ما يدل على ان المتطوع لا يفطر، ولا یفطر غیره، لانه لو کان للرجل أن یفسد علیھا ما احتاجت الی إذنه، ولو کان مباحا، کان ذلك لا معنی له والله أعلم. وقد روي عن النبي (ټ انه قدم الیه سمن وتمر وهو صائم، فقال: ردوا تمركم في وعائه، وردوا سمنكم في سقائه، فإني صائم (٣) - ولم يفطر، بل اتم صومه إلى الليل على ظاهر قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ الْصِيَامَ إِلَىَ الَّيَّلِ﴾ [البقرة: (١٨٧)] ولم يخص فرضاً من نافلة. وقد روي عن ابن عمر في المفطر متعمدا في صوم التطوع، انه قال: ذلك اللاعب بدینه، أو قال بصومه. (١) م (٧٠٥/٢-١١٥٠/٧٠٦). د (٢/ ٢٤٦٠/٨٢٨). ت (٧٨٠/١٥٠/٣). جه (١/ ١٧٥١/٥٥٧). (٢) خ (٥١٩٢/٣٦٦/٩). م (١٠٢٦/٧١١). د (٨٢٦/٢-٢٤٥٨/٨٢٧). ت (٧٨٢/١٥١/٣). (٣) حم (١٩٣/٣-١٩٤). م (١/ ٦٦٠/٤٥٧). د (٦٠٨/٤٠٦/١). الصيام ٤٢٧ = حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد ابن الجهم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، أنه دعي الى طعام وهو صائم، فقال: لأن تختلف الاسنة في جوفي، أحب إلي من أن أفطر. قال: وحدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا قرعة بن سويد، قال حدثني معروف بن أبي معروف، أن عطاء صنع لهم طعاما بذي طوى، فقربه إليهم وعطاء صائم، ومجاهد صائم، وسعيد بن جبير صائم؛ فافطر عطاء ومجاهد، وقال سعيد: لان تختلف الشفار في جوفي، أحب الي من أن أفطر وقد روي عن سعيد بن جبير خلاف ذلك على ما تقدم. قال أبو عمر: الاحتياط في أعمال البر أولى ما قيل به في ذلك وبالله التوفيق. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إن أفطر المتطوع من غير عذر، فعليه القضاء. وهو مذهب ابن عمر، وبه قال الحسن البصري، ومکحول، وهو قول مالك وأصحابه، وإليه ذهب أبو ثور. فتح البر ٤٢٨ صفة صيام النبي ◌َّل في التَّطوع [٢٦] مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله وَله يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ڼ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان(١). ليس في هذا الحديث معنى يشكل، ولا للعلماء فيه تنازع، وصيام غير شهر رمضان نافلة وتطوع، والصيام سنة وفعل خير وعمل بر، فمن شاء استقل ومن شاء استکثر وبالله توفيقنا. (١) حم (٦/ ١٠٧-١٥٣-٢٤٢). خ (٤ / ١٩٦٩/٢٦٧). م (٢ / ٨١٠/ ١١٥٦ (١٧٥)). د (٢/ ٨١٣/ ٢٤٣٤). ن (٢٣٥٠/٥١٥/٤). الصيام ٤٢٩ - إن كان ليكون علي الصيام من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان [٢٧] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه قال: سمعت أبا قتادة ابن ربعي يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء یکرهه فلینفث عن يساره ثلاث مرات إذا استیقظ، ولیتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره. قال أبو سلمة إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت هذا الحديث، فما كنت أباليها(١). قال أبو عمر: ذكر الجوهري، والنسائي في مسنده حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة سمعها تقول: ان كان ليكون علي الصيام من رمضان فما استطيع أن اقضيه حتى يأتي شعبان(٢). فادخلا هذا في المسند، ولا وجه له عندي الا وجه بعید، وذلك انه زعم ان ذلك کان حاجة رسول الله ◌َّه اليها؛ واستدل بحديث مالك عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ◌َ ﴿ اكثر صياما منه في شعبان(٣). وقد يستدل من قول عائشة هذا على جواز تأخير قضاء رمضان، لان الأغلب ان تركها لقضاء ما كان عليها من رمضان لم يكن الا بعلم رسول الله وَ﴾؛ واذا كان ذلك كذلك، كان فيه بيان لمراد الله عز وجل من قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ (١) حم (٣١٠/٥). خ (٣٢٩٢/٤١٦/١١). م (٤/ ١٧٧١/ ٢٢٦١). د (٢٨٤/٥/ ٥٠٢١). ت (٤/ ٢٢٧٧/٤٦٤). جه (٣٩٠٩/١٢٨٦/٢). حم (٣١٠/٥). (٢) حم (١٢٤/٦- ١٣١-١٧٩). خ (١٩٥٠/٢٣٦/٤). م (٢/ ١١٤٦/٨٠٢). ت (٣/ ١٥٢/ ٧٨٣). (٣) خ (٤ / ١٩٦٩/٢٦٧). م (٢/ ١١٥٧/٨١١). د (٢/ ٢٤٣٤/٨١٣). ت (٧٣٦/١١٣/٣-٧٣٧). حم (٣٩/٦-٨٤). فتح البر =٤٣٠ أُخَرَّ﴾ [البقرة: (١٨٤)]، لأن الأمر يقتضي الفور حتى تقوم الدلالة على التراخي - كما يقتضي الانقياد اليه، ووجوب العمل به حتى تقوم الدلالة على غير ذلك؛ وفي تأخير عائشة قضاء ما عليها من صيام رمضان دليل على التوسعة والرخصة في تأخير ذلك، وذلك دليل على ان شعبان أقصى الغاية من ذلك، فمن أخره حتى يدخل عليه رمضان آخر، وجبت عليه الكفارة التي افتى بها جمهور السلف والخلف من العلماء، وذلك مد عن كل يوم والله أعلم. الصيام ٤٣١ الصيام يبتدئ بأول لحظة في الشروق [٢٨] مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ێے قال إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم(١). قال: وكان رجلا أعمى، لا ینادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت. قال أبو عمر: وفيه دليل على أكل السحور، وعلى أن الليل كله موضع الأكل والشرب والجماع لمن شاء، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَبْتَغُواْمَا كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: (١٨٧)]. وفي هذا دليل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، لقوله: إن بلالا ينادي بليل، ثم منعهم من ذلك عند أذان ابن أم مكتوم، وهو اجماع لم يخالف فيه إلا الاعمش فشذ، ولم يعرج على قوله. والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا اجماع علماء المسلمين، فلا وجه للکلام فیه، وأما قول أمية بن أبي الصلت: والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد فهذا على القرب لا على الحقيقة، والعرب تسمي الشيء باسم ما قرب منه، ومن هذا قول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوَهُنَّ﴾ [الطلاق: (٢)]. وهذا على القرب عند الجميع، لا على القرب الحقيقي، وليست (١) هكذا رواه مالك مرسلا، وأخرجه مسندا: خ: (٦١٧/١٢٧/٢)، م: (١٠٩٢/٧٦٨/٢)، ت: (٢٠٣/٣٩٢/١)، ن: (٢/ ٣٣٧/ ٦٣٧)، من طرق عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبیه. فتح البر ٤٣٢ الأشعار واللغات مما يثبت بها شريعة ولا دين، ولكنها يستشهد بها على أصل المعنى المستغلق إن احتيج إلى ذلك والله أعلم، وبه التوفيق. وقول ابن شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت. أصبحت. معناه أيضا المقاربة، أي قاربت الصباح. وهذا على ما فسر العلماء مما ذكرنا قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يريد بالبلوغ ههنا مقاربة البلوغ، لا انقضاء الأجل، لان الاجل لو انقضى وهو انقضاء العدة لم يجز لهم إمساکهن، وهذا اجماع لا خلاف فيه، فدل على أن قرب الشيء قد یعبر به عنه، والمراد مفهوم وبالله التوفيق. ومعلوم أن النبي ◌ّ لفي لا يأمر أصحابه أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن من لا يؤذن إلا وقد أصبح، وإذا كان هذا معلوما، صح أن معنى قول ابن شهاب في ابن أم مكتوم ما ذكرنا من مقاربة الصباح، وقد أجمع العلماء على ان من استيقن الصباح، لم يجز له الأكل ولا الشرب بعد ذلك، وفي اجماعهم على ذلك ما يوضح ما ذكرناه. واختلفوا فيمن أكل بعد الفجر وهو يظن أنه ليل، أو أكل وهو شاك في الفجر، فقال مالك: من تسحر بعد طلوع الفجر، أو أكل قبل غروب الشمس وهو لا يعلم فعلیه القضاء إن كان واجبا، وإن كان تطوعا مضى ولا شيء عليه، وهو قول ابن علية في الواجب خاصة، قال: هو عندي بمنزلة من صلى قبل الوقت، وقال أبو حنيفة والثوري، والليث بن سعد، والشافعي: عليه القضاء في الذي یأکل وهو یری أنه ليل، ثم يعلم أنه نهار؛ وأما الذي يأكل وهو شاك في الفجر فقال أبو حنيفة: أحب إلي أن يقضى إذا كان أكثر رأيه أنه أكل بعد الفجر، وقال مالك: عليه القضاء. وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن: لا شيء علیه. وقال الثوري: کل ما شککت حتى الصيام ٤٣٣ = ١ تستيقن. وقال الشافعي من بين هؤلاء: من أفسد صومه التطوع عامدا، أساء ولا شيء عليه. وليس هذا موضع ذكر هذه المسألة، ولمالك في موطئه أحاديث في السحور حسان سيأتي موضعها من كتابنا هذا إن شاء الله. فتح البر ٤٣٤ باب منه [٢٩] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَالله قال: ((إن بلالا ینادي بلیل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم(١)». (١) خ (٦٢٠/١٢٩/٢)، ن (٦٣٦/٣٣٧/٤). من طريق مالك عن عبد الله بن دينار به. الصيام ٤٣٥ ! الحث على تعجيل الفطر [٣٠] مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله مَلّ قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر(١). قال أبو عمر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وهو متصل في الموطأ من حديث مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، ويتصل أيضا من غير رواية مالك من حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة: حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله وَله: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (٢). وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد ابن شعیب، قال أخبرنا شعیب بن یوسف، قال حدثنا یزید بن هارون. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا وهب بن بقية، عن خالد جميعا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَال# قال: لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، إن اليهود يؤخرون(٣). (١) هكذا رواه مالك مرسلا، انظره مسندا بعده. (٢) حم (٣٣٧/٥-٣٣٩). خ (١٩٥٧/٢٤٨/٤). ت (٦٩٩/٨٢/٣). وقال: حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح (٣) حم (٤٥٠/٢). د(٢٣٥٣/٧٦٣/٢). جه (١٦٩٨/٥٤١/١). ك: (٤٣١/١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. حب ( الإحسان) (٣٥٠٣/٢٧٣/٨). فتح البر =٤٣٦ وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال: حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا دحیم، قال حدثنا محمد بن شعيب، عن الأوزاعي، عن قرة بن حيويل المصري، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: قال الله عز وجل: أحب عبادي الي أعجلهم فطرا(١). حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن حميد، عن أنس، قال: ما رأيت رسول الله لم يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء (٢). وروی ابن وهب، عن مالك، وعمرو بن الحارث، ویونس بن یزید، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَلي: إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة، فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب(٣). إلا أن مالكا قال في حديثه: فابدءوا بالعشاء ولا تعجلوا عن عشائكم، فكان الامر على ذلك. فلما ولي عمر بن الخطاب خشي أن يطول المكث على العشاء، فقدم الصلاة على العشاء، ثم فعل ذلك عثمان بن عفان. وهذا حدیث غریب مالك عن الزهري، عن أنس صحیح، وفي الموطأ بإثر هذا الحديث: (١) سقطت من الأصل وأثبتناها من سنن الترمذي وهو عند: ت (٧٠١/٨٣/٣). قال: هذا حديث حسن غريب. حب: الاحسان (٣٥٠٧/٢٧٥/٨). وفيه قرة بن حيويل المصري. وهو قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف. (٢) حب: الإحسان (٣٥٠٤/٢٧٤/٨). هق (٢٣٩/٤) ك: (١ / ٤٣٢): من طريق سعيد عن أبي عروبة عن قتادة عن أنس. ذكره الهيثمي في المجمع (١٥٨/٣) وقال رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. (٣) حم (١٦١/٣)، خ (٢/ ٢٠٢/ ٦٧٢). م (١/ ٣٩٢/ ٥٥٧ (٦٤)). من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس. الصيام ٤٣٧ = مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان. وسيأتي فقه هذا الحديث في باب أبي حازم، عن سهل بن سعد إن شاء الله عز وجل. :٤٣٨ فتح البر باب منه [٣١] مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ولقد قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (١). قال أبو عمر: من السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور، والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاك هل غابت الشمس أم لا؟ لأن الفرض إذا لزم بيقين، لم يخرج عنه الا بيقين؛ والله عز وجل يقول: ﴿ثُمَّ أَتِقُوْ اْلْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ [البقرة: (١٨٧)]. وأول الليل مغيب الشمس کلها في الأفق عن أعين الناظرين، ومن شك لزمه التمادي حتى لا يشك في مغيبها. قال يلي: اذا أقبل الليل من ههنا - يعني المشرق-، وأدبر النهار من ههنا - يعني المغرب -وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم (٢). حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، ومحمد بن إسماعيل، قالا حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا هشام بن عروة، قال أخبرني أبي، قال: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب يحدث عن أبيه، قال: قال رسول الله وَالله إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم (٣). (١) حم: (٣٣٧/٥-٣٣٩)، خ: (١٩٥٧/٢٤٨/٤)، ت: (٦٩٩/٨٢/٣) (٢) حم (٢٨/١-٣٥-٤٨ -٥٤). خ (٤ /١٩٥٤/٢٤٥). م (٢/ ٧٧٢ / ١١٠٠). د (٢/ ٧٦٢/ ٢٣٥١). ت (٣/ ٦٩٨/٨١). وقال: حديث عمر حديث حسن صحيح. (٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه الصيام ٤٣٩ - واختلف الفقهاء فيمن أفطر، وهو يظن أن الشمس قد غربت، ثم بدت له بعد إفطاره: فقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، والليث فيمن أكل وظنه ليلا، ثم تبين له أنه نهارا؛ أو أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت، فإذا بها لم تغرب؛ فعليه القضاء. وقال مجاهد وجابر بن زيد: لا قضاء عليه في شيء من ذلك كله، وبه قال داود. وقال الشافعي، وعبيد الله بن الحسن: من أكل وهو شاك في الفجر، فلا شيء عليه. وقال الثوري: يتسحر الرجل ما شك حتى يرى الفجر. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر ظنه في حين أكله أنه أكل بعد طلوع الفجر، فأحب إلينا أن يقضي. أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو أسامة، عن هشام ابن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر - أنهم أفطروا على عهد رسول الله وَ لي في يوم غيم، ثم طلعت الشمس؛ فقلت لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: ومن ذلك بد(١). أخبرنا أحمد بن محمد بن هشام، قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال حدثنا محمد بن کثیر، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله و الله قال: قال الله عز وجل: أحب عبادي إلي أسرعهم فطر(٢). (١) ابن أبي شيبة: المصنف (٩٠٤٨/٢٨٦/٢). (٢) ت: (٧٠١/٨٣/٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب، حب: (الإحسان) (٣٥٠٧/٢٧٥/٨)، وفي قرة بن حيويل المصري، وهو ضعيف. فتح البر - ٤٤٠ قال أبو عمر: لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من الزهري، بينهما قرة بن حيويل، كذلك رواه ثقات أصحاب الأوزاعي؛ وأما محمد بن کثیر هذا، فکثیر الخطأ، ضعيف النقل. حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد، قال: قال رسول الله وَله: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (١). وروي أن النبي ◌ّ لو كان لا يصلي في رمضان حتى يفطر ولو على شربة من ماء(٢). وقد مضت آثار هذا الباب في باب عبد الرحمن بن حرملة من هذا الکتاب. (١) تقدم تخريجه (٢) حب: (الإحسان) (٣٥٠٤/٢٧٤/٨)، هق: (٢٣٩/٤)، ك: (٤٣٢/١)، من طريق سعيد عن أبي عروبة عن قتادة عن أنس: وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٥٨/٣) وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.