النص المفهرس
صفحات 381-400
الصيام
٣٨١ == ١١١
للسنة في ذلك. وانما في المسألة قولان: أحدهما: قول مالك ومن تابعه،
والحجة لهم من جهة الأثر حديث ابن شهاب هذا، ومن جهة النظر: أن
الآكل والشارب في القياس، كالمجامع سواء، لأن الصوم في الشريعة في
وجه واحد شيء واحد فسبيل نظيره في الحكم سبيله، والنكتة الجامعة
بينهما: انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا، وقد تقدم أن لفظ حديث
مالك في هذا الباب، يجمع كل فطر. والقول الثاني: قول الشافعي ومن
تابعه، والحجة لهم: أن الحديث ورد في المجامع أهله، وليس الأكل مثله،
بدليل اجماعهم على المستقيء عمدا، انما عليه القضاء، وليس عليه كفارة،
وهو مفطر عمدا، وكذلك مزدرد الحصاة عمدا عليه القضاء، وهو مفطر
متعمدا، وليس عليه کفارة، لأن الذمة بريئة فلا يثبت فيها شيء الا بیقین،
والآكل عمدا لا يرجم ولا يجلد، ولا يجب عليه غسل، فليس كالمجامع،
والكلام في هذه المسألة یطول، وفيما لو حنا به كفاية ان شاء الله. وقد روى
أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله وَ لهم أنه قال: ((من أفطر
يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وان صامه(١)» وروي عن علي
وابن مسعود، وهذا يحتمل أن يكون لو صح على التغليظ، وهو حديث
ضعيف، لا يحتج بمثله، وقد جاءت الكفارة باسانيد صحاح، والكفارة
تغطية الذنب وغفرانه، ولله الحمد.
واختلف العلماء أيضا فيما يجزي من الإطعام عمن يجب عليه أن يكفر به
عن فساد يوم من شهر رمضان؟ فقال مالك والشافعي وأصحابهما
والأوزاعي: يطعم ستين مدا بمد النبي ◌َّ، لستين مسكينا مدا لكل
مسكين. والحجة لمن قال هذا القول: ما حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد،
(١) تقدم تخريجه في هذا الباب.
فتح البر
٣٨٢٤
قال: حدثنا أحمد بن المفضل بن العباس، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال:
حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحکم، قال: حدثنا أيوب بن سويد الرملي،
عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة. وحدثني عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا محمد بن الهيثم، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا هقل، قال:
حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: حدثني حمید بن عبد الرحمن
ابن عوف، قال: حدثني أبو هريرة، قال: بينما أنا عند رسول الله وَ ل﴿ جالس
اذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله قد هلكت، قال: ((ويحك وما صنعت))
قال: وقعت على أهلي، قال ((أعتق رقبة)) قال: ما أجدها، قال: «فصم
شهرين متتابعين)) قال: لا أستطيع، قال: ((فأطعم ستين مسكينا)) قال: ما
أجد، فأتى رسول الله څ بعرق فيه خمسة عشر صاعا. وفي حديث أيوب
ابن سويد بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، فقال: ((أين السائل))؟ فقال:
ها أنا یا رسول الله، قال «خذه وتصدق به علی ستین مسکینا)» فقال: یا
رسول الله، أعلى غير أهلي؟ فوالذي نفسي بيده، ما بين لابتي المدينة أحد
أحوج مني، فضحك رسول الله پټ حتى بدت أنيابه، وقال «خذه واستغفر
ربك (١).
واذا أطعم خمسة عشر، ستين، أصاب كل مسكين منهم ربع صاع،
وذلك مد بمد النبي قلے، وهذا قاطع في موضع الخلاف.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجزيه أقل من مدین، بمد النبي
◌َ﴾، وذلك نصف صاع لكل مسكين، تتمة ثلاثين صاعا، قياسا منهم على
اجماع العلماء أن ذلك هو المقدار الذي لا يجزي أقل منه في فدية الأداء،
(١) تقدم تخريجه في هذا الباب.
الصيام
٣٨٣ _
وقول مالك ومن تابعه أولى؛ لأنه نص لا قیاس وقد روی هشام بن سعد
هذا الحديث عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكر فيه خمسة
عشر صاعا الا أنه جعله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وانما هو لحميد بن
عبد الرحمن، وهشام بن سعد لين ضعيف، سيما في ابن شهاب،وأيوب بن
سلیمان وأبو بكر الا ويسي ضعيفان،وانما ذكرته لتقف عليه وتعرفه، وتعرف
أن الحديث لا يصح لابن شهاب الا عن حميد والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا: قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أيوب بن سليمان، قال: حدثني أبو
بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن سعد، عن ابن
شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى
رسول الله ﴿ ﴿ افطر في رمضان، قال ((أعتق رقبة)) قال: لا أجدها، قال ((صم
شهرين متتابعين)) قال: لا أستطيع، قال: ((أطعم ستين مسكينا)) قال: لا
أجد، قال: فأتى النبي وَله بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعا، قال: ((خذ
هذا فتصدق به)) قال: ما أحد أحوج مني، ومن أهل بيتي، قال: ((كله أنت
وأهل بيتك وصم يوما مكانه(١)).
واختلف العلماء أيضا في الواطى أهله في رمضان، اذا وجب عليه
التكفير بالإطعام دون غيره، ولم يجد ما يطعم، وكان في حكم الرجل الذي
ورد هذا الحديث فيه. فأما مالك فلم أجد عنه في ذلك شيئا منصوصا،
وكان عيسى بن دينار يقول: انها على المعسر واجبة، فاذا أيسر أداها، وقد
يخرج قول ابن شهاب على هذا، لأنه جعل اباحة النبي ◌َ و لذلك الرجل
أکل الكفارة رخصة له وخصوصا قال ابن شهاب: ولو أن رجلا فعل ذلك
اليوم لم یکن له بد من التکفیر.
(١) تقدم تخريجه في هذا الباب.
٣٨٤
فتح البر
وقال الأوزاعي: وسئل عن رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا، فلم يجد
كفارة المفطر، ولم يقدر على الصيام أيسئل في الكفارة؟ فقال: رد رسول الله
وَالّ كفارة المفطر على أهله، فليستغفر الله ولا يعد، ولم ير عليه شيئا، اذا كان
في وقت وجوب الكفارة عليه معسرا، وقال الشافعي: قول رسول الله وَلقوله
((كله وأطعمه أهلك)) يحتمل معانيا منها: أنه لما كان في الوقت الذي أصاب
فيه أهله ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات، تطوع رسول الله وَ ل# بأن
قال له في شيء أتى به ((كفر به)) فلما ذكر الحاجة، ولم يكن الرجل قبضه، قال
له «كله وأطعمه أهلك)) وجعل التمليك له حينئذ مع القبض، ويحتمل أن
یکون لما ملکه وهو محتاج و کان انها تكون الکفارة علیه إذا کان عنده فضل،
ولم یکن عنده فضل، كان له أن يأكله هو وأهله لحاجته ويحتمل في هذا: ان
تكون الكفارة دينا عليه، متى أطاقها أداها، وان كان ذلك ليس في الخبر،
وكان هذا أحب الينا، وأقرب من الاحتياط، قال: ويحتمل اذا كان لا يقدر
على شيء من الكفارات، وكان لغيره أن يكفر عنه، وأن يكون لغير أن
يتصدق عليه وعلى أهله إذا كانوا محتاجين لتلك الكفارة، وتجزئ عنه.
ويحتمل أن يكون اذا لم يقدر على شيء في حاله تلك، أن تكون الكفارة
ساقطة عنه اذا كان مغلوبا كما سقطت الصلاة عن المغمى عليه اذا كان
مغلوبا والله أعلم.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: حديث الزهري
عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال ((أطعم
عيالك)) أتقول به؟ قال: نعم اذا كان محتاجا، ولكن لا يكون في شيء من
الكفارات الا في هذا بعينه في الجماع في رمضان، لا في کفارة الیمین، ولا في
كفارة الظهار ولا في غيرها الا في الجماع وحده. قيل له: أليس في حديث
الصيام
٣٨٥ = ١١
سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ووقع عليها نحو هذا؟ فقال: ولمن
تقول هذا؟ انما حديث سلمة بن صخر: «تصدق بكذا واستعن بسائره علی
أهلك(١))) فإنما أمر له بما يبقى، قلت له: فان كان المجامع في رمضان محتاجا
فأطعمه عياله، فقد أجزأ عنه؟ قال: نعم أجزأ عنه قلت: ولا يكفر مرة
أخرى اذا وجد؟ قال: لا، قد أجزأت عنه الا أنه خاص في الجماع في رمضان
وحده، وزعم الطبري: أن قياس قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأبي
ثور: أن الكفارة دین علیه، لا يسقطها عنه اعساره بها، وعليه أن يأتي بها اذا
قدر عليها، وذلك أن قولهم في كل كفارة لزمت إنسانا فسبيلها عندهم
الوجوب في ذمة المعسر، يؤديها اذا أيسر، فكذلك سبيل كفارة المفطر في
رمضان، في قیاس قولهم.
قال أبو عمر:
ان احتج محتج في إسقاط الكفارة عن المعسر بأن رسول الله وسجل# اذ قال له
((كله أنت وعيالك)) لم يقل له وتؤديها اذا أيسرت، ولو كانت واجبة لم
يسكت عنه حتى يبين ذلك له. قيل له: ولا قال له رسول الله و الاټ انها
ساقطة عنك لعسرتك. بعد أن أخبره بوجوبها عليه، وكل ما وجب أداؤه
في اليسار، لزم الذمة الى الميسرة على وجهه، والله أعلم. واختلفوا في الكفارة
على المرأة اذا وطئها زوجها وهي طائعة في رمضان. فقال مالك: إذا
طاوعته زوجته فعلی کل واحد منهما کفارة، وان أكرهها فعلیه کفارتان عنه
وعنها، وكذلك اذا وطىْ أمته كفر كفارتين. قال الأوزاعي: سواء طاوعته
أو أكرهها فليس عليهما الا كفارة واحدة ان كفر بالعتق أو بالاطعام، فان
(١) حم (٤/ ٣٧)، د(٢ / ٦٦٠/ ٢٢١٣)، ت (٣٢٩٩/٣٧٧/٥) وقال: حديث حسن.
جه (١ / ٦٦٥ / ٢٠٦٢).
فتح البر
١ = ٣٨٦
كفر بالصيام، فعلى كل واحد منهما صيام شهرين متتابعين. وقال الشافعي
رحمه الله: والعتق والإطعام سواء، ليس عليهما الا كفارة واحدة، وسواء
طاوعته أو أكرهها، لأن النبي و ل﴿ انما أجاب السائل بكفارة واحدة، ولم
يسأله أطاوعته امرأته أو أكرهها؟ ولو كان الحكم في ذلك مختلفا لما ترك
رسول الله وَل تبيين ذلك، وهو قول داود وأهل الظاهر. وقد أجمعوا أن
كفارة المظاهر واحدة وان وطى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ان طاوعته
فعلى كل واحد منهما كفارة، وان أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير، ولا
شيء عليها.
ومن حجة من رأى الكفارة لا زمة عليها ان طاوعته: القياس على قضاء
ذلك اليوم، فلما وجب عليها قضاء ذلك اليوم، وجب عليها الكفارة عنه.
واختلفوا فيمن جامع ناسيا لصومه، فقال الشافعي والثوري في رواية
الاشجعي، وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي وأبو ثور
وإسحاق بن راهويه: ليس عليه شيء، لا قضاء، ولا كفارة، بمنزلة من أكل
ناسيا عندهم. وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وإبراهيم. وقال مالك
والليث بن سعد والأوزاعي والثوري في رواية المعافي: عليه القضاء، ولا
كفارة. وروي مثل ذلك عن عطاء، وقد روي عن عطاء: أنه رأى عليه
الكفارة مع القضاء، وقال: مثل هذا لا ینسی. حدثنا عبد الوارث، حدثنا
قاسم، حدثنا محمد بن الجهم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج،
قال: كنت اذا سألت عطاء عن الرجل يصيب أهله ناسيا؟ لا يجعل له
عذرا، ويقول: لا ينسى هذا ولا يجهله، وقال قوم من أهل الظاهر: سواء
وطى ناسيا أو عامدا، عليه القضاء والكفارة، وهو قول ابن الماجشون
عبدالملك، واليه ذهب أحمد بن حنبل، لأن الحديث الموجب للكفارة لم
الصيام
٣٨٧ =
يفرق بين الناسي والعامد. واختلفوا أيضا فيمن أكل أو شرب ناسيا؟ فقال
الثوري وابن أبي ذئب والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وإسحاق وأحمد وأبو
حنيفة وأصحابه وداود: لا شيء عليه. ويتم صومه، وهو قول جمهور
التابعين. وقال ربيعة ومالك: عليه القضاء، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد
الله يسأل عمن أكل ناسيا في رمضان؟ فقال: ليس عليه شيء، على حديث
أبي هريرة، ثم قال أبو عبد الله: مالك زعموا أنه يقول عليه القضاء،
وضحك، وحديث أبي هريرة في ذلك حسن. حدثنا عبد الله بن محمد،
حدثنا محمد بن بکیر، حدثنا أبو داود، حدثنا موسى بن إسماعيل، وحدثنا
خلف بن القاسم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن كامل، قال: حدثنا أحمد بن
علي بن المثنى، قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قالا جميعا حدثنا حماد بن
سلمة عن أيوب وحبيب وهشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال:
جاء رجل إلى النبي ◌ّ ﴾ فقال: اني كنت صائما، فأكلت وشربت ناسيا، فقال
رسول الله وَله: ((الله أطعمك وسقاك أتم صومك(١)) حدثنا عبد الوارث
حدثنا قاسم حدثنا محمد بن الجھم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد،
عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ الله قال: ((من أكل أو
شرب ناسيا فليمض في صومه فإن الله عز وجل أطعمه وسقاه(٢))). وروي
عن جماعة في المفطر ناسيا بأكل أو شرب: أنه لا شيء عليه، منهم علي رضي
الله عنه، وابن عمر، وعلقمة وإبراهيم وابن سيرين وجابر بن زيد قال
الأثرم: قيل لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: رجل نسي فجامع، فقال:
ليس الجماع مثل الأكل. عليه القضاء والكفارة ناسيا كان أو عامدا؛ لأن
(١) د (٢٣٩٨/٧٨٩/٢)، حب (الإحسان (٣٥٢٢/٢٨٨/٨). وأخرجه من طرق عن محمد بن
سيرين عن أبي هريرة: خ (١٩٣٣/١٩٤/٤)، م(١١١٥/٩٨/٢)، ت (٧٢١/١٠٠/٣)، جه
(١٦٧٣/٥٣٥/١).
(٢) جم (٤٨٩/٢)، قط (٣٠/١٧٩/٢) وفيه قتادة وهو مدلس وقد عنعنه.
فتح البر
٣٨٨
ـلالله
وَسـ
الذي جاء إلى النبي وَّ له قال: ((وقعت على امرأتي، ولم يسئله النبي ؛
أنسيت أم تعمدت؟.
قال أبو عبد الله: وظاهر قول الرجل للنبي وَّلو وقعت على امرأتي
النسيان والجهالة فلم يسئله أنسيت أم تعمدت؟ وأفتاه على ظاهر الفعل.
وأجمعوا على أن المجامع في قضاء رمضان عامدا، لا كفارة عليه، حاشا قتادة
وحده. وأجمعوا أن المفطر في قضاء رمضان لا یقضیه، وانما علیه ذلك اليوم
الذي کان علیه من رمضان لا غیر، الا ابن وهب فإنه جعل علیه یومین.
قياسا على الحج، وأجمعوا على أن من وطىء في يوم واحد مرتين أو أكثر: أنه
ليس عليه الا كفارة واحدة.
واختلفوا فيمن أفطر مرتين أو مرارا في أيام من أيام رمضان؟ فقال مالك
والليث والشافعي والحسن بن حي: عليه لكل يوم كفارة، وسواء وطىء
المرة الاخرى قبل أن يكفر أو بعد أن يكفر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: اذا
جامع أياما في رمضان، فعليه كفارة واحدة، ما لم يكفر ثم يعود، وكذلك
الآکل والشارب عندهم، فان کفر ثم عاد، فعلیه کفارة أخرى، قالوا: وان
أفطر في رمضان، فعليه كفارتان. وروى آخر عن أبي حنيفة: إذا أفطر وكفر،
ثم عاد فلا كفارة عليه لافطاره الثاني. اذا كان في شهر واحد. واختلف عن
الثوري، فروي عنه مثل قول أبي حنيفة رواية أبي یوسف، روی عنه غیر
ذلك. وأما قوله في الحديث فأتى بعرق تمر فأكثرهم يرويه بسكون الراء،
والصواب عند أهل الاتقان فيه: فتح الراء، وكذلك قول أهل اللغة. وقد
زعم ابن حبيب: ما رواه عن مطرف عن مالك الا بتحريك الراء والفتح،
قال: والعرق بتسكين الراء هو العظم.
الصيام
٣٨٩ =
قال: وتأويل العرق بفتح الراء المكتل العظيم الذي يسع قدر خمسة عشر
صاعا، وهو ستون مدا، كذلك سمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان، قال
عبد الملك بن حبيب: وانما سمي العرق لضفره، لأن كل شيء مضفور، فهو
عرق، ولذلك سمي المكتل عرقا، لأنه مضفور بالخوص. قال أبو كبير
الهذلي.
نغزو فنترك في المزاحف من ثوى ونمر في العرقات من لم نقتل
يقول: نأسرهم فنشدهم في العرقات يعني النسوع، لأنها مضفورة، قال:
وكل شيء مصطف مثل الطير اذا صفت في السماء، فهي عرقة، لأنها شبهت
بالشيء المضفور. وقال أحمد بن عمران الأخفش: المكتل العظيم، فانما
سمى عرقا؛ لأنه يعمل عرقة عرقة ثم يضم، والعرق الطريقة العريضة،
لذلك سميت طرة الكتاب عرقة لعرضها، واصطفافها، وكذلك اذا مرت
الطير مصطفة يقال: مرت بنا عرقة من طير، وكذلك اذا جاءت الخيل
صفا، قيل: قد جاءت الخيل على عرقة واحدة. وقال غير الأخفش: يقال:
عرقة وعرق، كما يقال: علقة وعلق.
قال أبو عمر:
وكل ما ذكرنا من المسائل والتوجيهات في هذا الباب، موجودة المعنى في
حديث ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة، فلذلك ذكرناها، وذكرنا
اختلاف الفقهاء فيها، لتكمل الفائدة ويبين الحق على شرطنا، وبالله توفيقنا.
فتح البر
:٣٩٠
باب منه
[١٩] مالك، عن عطاء بن عبد الله الخراساني، عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء
أعرابي إلى رسول الله ◌َلا يضرب نحره، وينتف شعره ويقول: هلك الأبعد!
فقال له رسول الله وَله: وما ذاك؟ قال: أصبت أهلي- وأنا صائم في رمضان!
فقال له رسول الله وَله: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ فقال: لا، فقال: هل تستطيع
أن تهدي بدنة؟ فقال: لا، قال: فاجلس، فأتي رسول الله وَّله بعرق تمر، فقال:
خذ هذا فتصدق به، فقال: ما أحد أحوج مني، فقال: کله وصم يوما مكان ما
أصبت(١).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة مرسلا، وقد روي معناه
متصلا من وجوه صحاح، وقد ذكرناها في باب ابن شهاب، عن حمید بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، إلا أن قوله في هذا الحديث: هل تستطيع أن
تهدي بدنة غير محفوظ في الأحاديث المسندة الصحاح، ولا مدخل للبدن
أيضا في كفارة الواطى في رمضان عند جمهور العلماء، وذكر البدنة هو الذي
أنكر على عطاء في هذا الحديث.
وأما ذكر الرقبة وذكر الصدقة بالعرق وسائر ما ذكرنا في هذا الحديث،
فمحفوظ من حديث أبي هريرة، وحديث عائشة من رواية الثقات
الأثبات- والحمد لله.
وقد روى القاسم بن عاصم البصري- ويقال فيه التميمي، ويقال:
الكلبي - ولیس بشيء، ویمکن أن یکون کلیبا، فکلیب في تميم، و کلب في
قضاعة - وأين قضاعة من تميم؟ فروى القاسم بن عاصم هذا عن سعيد بن
(١) هذا حديث مرسل وقد روي موصولا من طرق عن أبي هريرة. وقد تقدم تخرجها في الباب
الذي قبله.
الصيام
٣٩١ :
المسيب أنه كذب عطاء الخراساني في حديثه هذا، وعطاء الخراساني-
عندي - فوق القاسم بن عاصم في الشهرة، بحمل العلم والفضل، وليس
مثله عند أهل الفهم والنظر ممن يجرح به عطاء ويدفع ما رواه. وقد اختلف
على القاسم في حکایته تلك: فروی سعید بن منصور عن إسماعيل بن علية،
عن خالد الحذاء، عن القاسم بن عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما
حديث حدثناه عنك عطاء الخراساني؟ قال: ما هو؟ قلت: في الذي وقع
على امرأته في رمضان - فذكر الحديث هکذا، قال فیه حدثنا عنك عطاء
الخراساني.
وروى أبو صالح، عن الليث بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن
أيوب السختياني، عن القاسم - أنه قال لسعيد بن المسيب- إن عطاء بن أبي
رياح حدثني، أن عطاء الخراساني حدث عنك في الرجل الذي أتى رسول
الله وَّله - وقد أفطر في رمضان- أنه أمره بعتق رقبة، فقال: لا أجدها،
فقال: فاهد جزورا، قال: لا أجدها، قال: فتصدق بعشرين صاعا من تمر،
قال سعيد: كذب الخراساني، إنما قلت: تصدق، تصدق. ففي هذه الرواية
أن القاسم هذا قال لسعيد إن عطاء بن أبي رباح حدثني أن عطاء الخراساني
حدثه عنك، وفي الرواية الأولى أن القاسم هذا قال لسعيد: ما حديث
حدثناه عنك عطاء الخراساني؟ وهذا اضطراب وباطل.
وروى حماد بن زيد هذا الخبر عن أيوب قال: حدثني القاسم بن عاصم،
قال: قلت لسعيد بن المسيب إن عطاء الخراساني حدثني عنك- أن النبي
وَ ل و أمر الذي واقع امرأته في رمضان بكفارة الظهار، فقال: كذب، ما
حدثته إنما بلغني أن النبي ◌َّ ﴾ قال له: تصدق تصدق. فهذه مثل رواية خالد
الحذاء.
فتح البر
- ٣٩٢
وأما قول حماد بن زيد في حديثه هذا إن النبي ولي أمر الذي واقع امرأته
في رمضان بكفارة الظهار، فإن الرواية الثابتة، عن أبي هريرة من رواية ابن
شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن النبي ◌ُّ أمر الذي وقع
على امرأته في رمضان بالكفارة على ترتيب كفارة الظهار.
هكذا رواه ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعي، والليث بن سعد، ومنصور
ابن المعتمر، وغيرهم، عن ابن شهاب- بإسناده على ترتيب كفارة الظهار.
ورواه مالك، وأبو أويس، وابن جريج، عن ابن شهاب بإسناده المذكور
على التخيير، وقد ذكرنا ذلك کله في باب ابن شهاب من هذا الكتاب، فلا
معنی لتکریر ذلك ههنا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ويعيش بن سعيد قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أبو بكر محمد بن أبي العوام، قال حدثنا يزيد بن هارون،
قال أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن إبراهيم بن عامر، عن سعيد بن المسيب،
وعن الزهري، عن حمید بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: بينما نحن عند
رسول الله و يقول إذ جاءه رجل ينتف شعره ويدعو ويله! فقال له رسول الله
وَله: مالك؟ قال: قد وقع على امرأته في رمضان! قال: اعتق رقبة قال: لا
أجدها، قال: صم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين
مسکینا. قال: لا أجد، قال: فأتي رسول الله ێټ بعرق فیه خمسة عشر صاعا
من تمر، فقال: خذ هذا فأطعمه عنك ستين مسكينا(١). قال: يا رسول الله،
ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا! قال: كله أنت وعيالك. هكذا رواه
الجمهور من أصحاب الزهري على هذا الترتيب.
(١) تقدم تخريجه في الباب الذي قبله.
الصيام
٣٩٣ -
وقال فيه معمر: قال الزهري: وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن
رجلا فعل ذلك اليوم، لم يكن له بد من التكفير، وقد ذكرنا ما للفقهاء في
تأويل أمر رسول الله وَ ي إياه بأكل ذلك العرق من التمر هو وعياله، وفي
وجوب الكفارة عليه إذا أيسر - في باب ابن شهاب- بما يغني عن ذكره
ههنا.
وأما ذكر البدنة في هذا الحديث، فهو موجود من حديث مجاهد وعطاء،
عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ وفيها اضطراب، ولا أعلم أحدا كان يفتي
بذلك من أهل العلم إلا الحسن البصري، فإنه قال: إذا لم يجد المجامع في
رمضان - يعني عامدا غير معذور - رقبة، أهدى بدنة الى مكة. وقد حدثنا
عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن
یزید المعلم، قال حدثنا موسى بن معاوية الصادحي، قال حدثنا جرير، عن
ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ◌ُّ# فقال: يا
رسول الله، إني وقعت على أهلي في رمضان، قال: بئسما صنعت، اعتق رقبة.
قال: لا أجدها، قال: انحر بدنة، قال: لا أجدها، قال: اذهب فتصدق
بعشرين صاعا، أو أحد وعشرين صاعا من تمر، قال: لا أجد، قال: فجئني
أتصدق عنك. قال: ما بين لابتيها أهل بيت أحوج اليه مني، قال: اذهب
فكله أنت وأهلك(١).
ففي هذا الحديث أنه قال: انحر بدنة - إذ قال: لا أجد رقبة - هكذا
رواية عطاء.
وذكر البخاري في التاریخ قال: حدثنا ابن شريك، قال: حدثني أبي عن
(١) الطبراني في الأوسط. (١٨٠١/٤٦٧/٢). وذكره الهيثمي في المجمع (١٧١/٣) وقال: ((رواه
الطبراني في الأوسط وفیه لیث بن أبي سلیم وهو ثقة ولكنه مدلس».
فتح البر
٣٩٤
ليث، عن عطاء ومجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ م قال: اعتق رقبة، ثم
قال: انحر بدنة.
قال البخاري: ولا يتابع عليه. قال البخاري: وقال عارم عن أبي عوانة،
عن إسماعيل بن سالم، عن مجاهد، عن النبي ◌ُّ مثله.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن محمد البرتي، قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا هشیم،
عن إسماعيل بن سالم، عن مجاهد، أن النبي ◌َّلهو أمر الذي أفطر يوما في
رمضان بكفارة الظهار.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا البرتي، قال حدثنا
يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا هشيم، أخبرنا ليث، عن مجاهد، عن أبي
هريرة، عن النبي ◌ُّ﴾ مثله.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا عثمان بن أحمد
الخلال، قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد البزار، قال حدثنا أبو الجماهر محمد
أن عثمان، قال سمعت سعيد بن بشير يقول عن قتادة، عن سعيد بن المسيب
أن الرجل الذي وقع على أهله في رمضان في عهد رسول الله پټ سلمان بن
صخر - أحد بني بياضة، فقال له النبي ◌ُّ: تصدق.
قال أبو عمر:
أظن هذا وهما، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ثم وقع عليها، لا أنه
کان ذلك منه في رمضان- والله أعلم.
الصيام
٣٩٥ =
ما جاء في الوصال في الصيام
[٢٠] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ لل نهى عن الوصال، قالوا فإنك
تواصل يا رسول الله؟ قال إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى(١).
اجمع العلماء على أن رسول الله بَ طلونهى عن الوصال، وروي ذلك عنه
ولد من وجوه، منها: حديث أنس، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة،
وحديث أبي سعيد الخدري، وحديث عائشة(٢). واختلفوا في تأويله: فقال
منهم قائلون انما نهی رسول الله څے عن الوصال رفقا منه بأمته، ورحمة بهم،
فمن قدر على الوصال فلا حرج، لأنه لله عز وجل يدع طعامه وشرابه.
وقال عبد الله بن محمد بن يوسف، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل، قال
حدثنا محمد بن الحسن الانصاري، قال حدثنا الزبير بن بكار، قال حدثنا
محمد بن سلمة عن مالك بن أنس، أن عامر بن عبد الله بن الزبير، كان
یواصل في شهر رمضان ثلاثا، فقيل له ثلاثة أيام؟ قال ومن یقوی یواصل
ثلاثة أيام يومه وليله؟ ومن حجة من ذهب هذا المذهب، ما حدثناه محمد
ابن إبراهیم، قال محمد بن معاویة، وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
حمزة بن محمد، قالا حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم،
قال أخبرنا عبدة بن سليمان، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة: قالت نهى رسول الله وَلول عن الوصال رحمة، قالوا يا رسول الله انك
تواصل، قال إني لست كأحد منكم يطعمني ربي ويسقيني(٣).
(١) حم (١٢٨/٢). خ (٤/ ١٩٦٢/٢٥٣). م (٢ / ٧٧٤ / ١١٠٢). د (٧٦٦/٢ /٢٣٠٦).
(٢) سيأتي تخريج هذا الحديث من طرق عن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم.
(٣) خ (٤/ ١٩٦٤/٢٥٣). م (١١٠٥/٧٧٦/٢). ن في الكبرى (٣٢٦٦/٢٤٢/٢)
فتح البر
=٣٩٦
و کان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، لا یکرهان أن يواصل من
سحر الى سحر لا غير، ومن حجة من ذهب الى هذا أيضا، ما حدثناه عبد
الله بن محمد بن یحیی، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال
حدثنا قتيبة بن سعيد، أن بكر بن مضر حدثهم عن ابن الهاد، عن عبد الله
ابن خباب، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله وح لف يقول لا
تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا فانك
تواصل، قال اني لست كهيئتكم، إن لي مطعما يطعمني وساقيا يسقيني(١).
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن الجھم، قالا حدثنا
روح، قال حدثنا صالح، قال أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة، أن رسول الله وَالله نهى عن الوصال، فقال رجل من المسلمين، انك
يا رسول الله تواصل، فقال لستم مثلي، إني أبيت فيطعمني ربي ويسقيني،
فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال،
فقال لو تأخر لزدتكم كالمنكل لهم(٢). وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة،
ويحيى بن سعيد الانصاري، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
عن النبي وُّل﴿ وزاد كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. ورواه عبد الرحمن بن
نمر، عن الزهري، قال أخبرني سعيد، وأبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي
◌َ - فذكره.
وبهذه الآثار وشبهها يحتج من ذهب الى آن النهي عن الوصال، انما كان
رحمة بهم، وشفقة عليهم ورفقا، وكره مالك والثوري وأبو حنيفة،
(١) حم (٨/٣). خ (٤ / ٢٦١/ ١٩٦٧). د(٢/ ٧٦٧ / ٢٣٦١).
حب ( الإحسان (٣٥٧٧/٣٤٣/٨)).
(٢) حم: ٢٨١/٢٠)، خ: (١٩٦٥/٢٥٨/٤)، وم: (٢ /١١٠٣/٧٧٤)
الصيام
٣٩٧
والشافعي، وجماعة من أهل الفقه والآثار- الوصال على كل حال لمن قوي
علیه ولغيره، ولم يجیزوا الوصال لأحد، ومن حجتهم: ما حدثناه محمد بن
إبراهیم، قال حدثنا محمد بن معاویة، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال
حدثنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال أخبرني نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله وَ ﴿ واصل في رمضان، فواصل الناس، فنهاهم
عن الوصال، فقالوا إنك تواصل، قال اني لست مثلكم إني أطعم وأسقى،
فقد نهاهم رسول الله وَلفو عن الوصال(١). وثبت عنه عليه السلام أنه قال
اذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما
استطعتم (٢)، وحقيقة النهي الزجر والمنع: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان،
قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن الجھم، قال حدثنا عبد
الوهاب، قال سئل سعيد عن الوصال، فأخبرنا عن قتادة، عن أنس بن
مالك، أن رسول الله ێ قال لا تواصلوا، فقيل له إنك تواصل، فقال: اني
لست كأحد منكم، ان ربي يطعمني ويسقيني(٣). ومما احتج به أيضا من نهى
عن الوصال على كل حال، ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن
نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر، ومحمد بن
إسماعيل، قالا حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا هشام بن
عروة. قال حدثني أبي، قال سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب يحدث عن
أبيه، قال: قال رسول الله وَ ل﴿ إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا،
(١) حم (٢١/٢). م (٢/ ٧٧٤ / ١١٠٢ (٥٦)). وأخرجه: خ: (١٩٤٢/٣٧٤/٤) من طريق جويرة
عن نافع.
(٢) حم (٢/ ٥٠٧). م (٢/ ٩٧٥/ ١٣٣٧). ن (٢٦١٨/١١٦/٥).
(٣) حم (٢٣٥/٣). خ (٤/ ٢٥٣/ ١٩٦١) م: (٧٧٦/٢ / ١١٠٤[٦٠]) من طريق ثابت عن أنس،
ت (٣/ ٧٧٨/١٤٨). وقال: حديث حسن صحيح.
فتح البر
= ٣٩٨
وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم(١)، قالوا ففي هذا الحديث ما يدل على
ان الوصال للنبي {﴾ خصوص، وأن الواصل لا ینتفع بوصاله، لان اللیل
لیس بموضع للصيام بدلیل هذا الحدیث وشبهه، وقد روي عن عبد الله بن
أبي أوفى، عن النبي عليه السلام - مثله(٢). وقال الله عز وجل:
﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الْضِيَامَ إِلَى أَلَيْلِّ﴾ [البقرة: (١٨٧)]، وإلى هنا غاية لا تتجاوز، هذا
ما نزع به من احتج لمذهبنا في ذلك، وفي المسألة عندي نظر ولا أحب
لأحد أن يواصل، وبالله التوفيق.
(١) حم (٢٨/١-٣٥). خ (١٩٥٤/٢٤٥/٤). م (٢/ ٧٧٢ /١١٠٠). د(٢/ ٢٣٥١/٧٦٢).
ت(٦٩٨/٨١/٣).وقال : حديث حسن صحيح.
(٢) حم (٤ / ٣٨٠-٣٨٢). خ (٤ / ٢٤٨/ ١٩٥٦). م (٢/ ٧٧٢/ ١١٠١). د (٢/ ٧٦٢/ ٢٣٥٢).
الصيام
٣٩٩
باب منه
[٢١] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ير قال: إياكم
والوصال، اياكم والوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: اني لست
کھیئتکم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني(١).
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب نافع، عن ابن عمر -
والحمد لله، ولا يصح عن مالك في النهي عن الوصال غير حديثه عن أبي
الزناد، وعن نافع، وقد روي عن شجرة بن عبد الله- قاضي القيروان، عن
مالك، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ◌ّ نهى عن الوصال في الصيام،
وهو باطل عن الزهري، عن أنس- لمالك وغيره.
(١) حم (٢/ ٢٣٧)، الدارمي (٧/٢-٨)، والبغوي (٦/ ١٧٣٧/٢٦٢) كلهم من طريق مالك من
طرق عن أبي الزناد عن الأعرج فأخرجه: حم (٢٤٤/٢-٢٥٧-٤١٨)، م (٢/ ٧٧٥/ ١١٠٣)،
حب (الإحسان (٣٥٧٦/٣٤٢/٨)).
فتح البر
٤٠٠
ما جاء في صيام النذر عن الميت
[٢٢] مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن
عباس، أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله وي ليه فقال: ان أمي ماتت وعليها نذر
لم تقضه، فقال رسول الله وَالَ: اقضه عنها(١).
لیس عن مالك، ولا عن ابن شهاب، اختلاف في اسناد هذا الحديث
-فيما علمت.
وقد أخبرني محمد، حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثني أبو محمد
عبد العزيز بن محمد بن الواثق بالله، حدثنا عبدالله بن محمد بن عبد العزيز،
حدثنا شجاع بن مخلد، حدثنا حماد، حدثنا مالك، عن الزهري، عن عبيد
الله بن عبدالله، عن ابن عباس، أن سعدا قال: يا رسول الله أينفع أمي أن
أتصدق عنها وقد ماتت؟ قال: نعم، قال فما تأمرني؟ قال: اسق الماء(٢).
قال ابن منیع: الصحیح في هذا الاسناد، حدیث النذر، وحماد بن خالد
ثقة، ولكنه كان أمیا، قال علي بن عمر: لا أعلم روى هذا غير شجاع بن
مخلد عن حماد بن خالد.
قال أبو عمر:
قد روى هذا الحديث هشام بن عروة، عن ابن شهاب حدث به
الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله،
(١) خ (٦٦٩٨/٧١٥/١١). م (١٦٣٨/١٢٦٠/٣). د (٦٠٣/٣ /٣٣٠٧).
ت (١٥٤٦/٩٩/٤). ن (٣٨٢٧/٢٧/٧). جه (٢١٣٢/٦٨٨/١).
(٢) حم (٢٨٤/٥-٢٨٥). (٧/٦). د (٢ / ٣١٣/ ١٦٨٠). ك: (١ / ٤١٤) وقال تابعه همام عن قتادة
قال الذهبي: لا فانه غير متصل.