النص المفهرس

صفحات 301-320

الصيام
٣٠١ -
باب منه
[٥] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ ل﴾ ذكر رمضان فقال لا
تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له(١).
وقد مضى تفسير قوله: فإن غم علیکم في باب ثور بن زید، ومضى
هناك كثير من معاني هذا الباب مما لا يعاد ههنا؛ وهكذا روى هذا الحديث
جماعة أصحاب نافع، عن نافع، عن ابن عمر، قالوا فیه: فإن غم عليكم
فاقدروا له، وكذلك رواه سالم، عن ابن عمر، عن النبي وَّ: فإن غم
عليكم فاقدروا له. وكذلك رواه مالك، عن عبد الله بن دينار، وسنذكره
في بابه- إن شاء الله.
وذكر الشافعي هذا الحديث فقال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن
شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله والم قال: لا تصوموا
حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة
ثلاثين (٢) - لم يقل: فاقدروا له. والمحفوظ في حديث ابن عمر: فاقدروا له.
وقد ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، ان
النبي * قال لهلال شهر رمضان اذا رأيتموه فصوموا، ثم اذا رأيتموه
فأفطروا، فإن غم عليكم، فاقدروا له ثلاثين يوماً.
قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: قال النبي ◌َّيقول إن الله جعل الأهلة مواقيت للناس، فصوموا
(١) حم: (٢/ ٦٣)، خ: (١٩٠٦/١٥٠/٤)، م: (١٠٨٠/٧٥٩/٢)، ن: (٢١٢٠/٤٤٠/٤)
والبغوي (٧١١٣/٢١٧/٦).
(٢) خ: (٤١٠/٤- ٩١٠٠/٤١١)، م: (٢/ ٠١٨٠/٧٦٠)، ن: (٢١١٩/٤٤٠/٤) وهق:
(٢٠٤/٤).

فتح البر
لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين(١). فهذا ما في
حديث ابن عمر، وروى ابن عباس، وأبو هريرة، وحذيفة، وأبو بكرة،
وطلق الحنفي، وغيرهم، عن النبي ◌َّلي: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته،
فإن غم عليكم، فأكملوا العدد ثلاثين- بمعنى واحد. وقد ذكرنا حديث
ابن عباس فيما سلف من كتابنا في باب ثور بن زيد. وأما حديث أبي هريرة.
فروي عنه من وجوه من حديث سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والاعرج،
ومحمد بن زياد، وغيرهم، وهي ثابتة، وسائر الطرق في هذا الحديث كلها
حسان عن النبي ◌ّلة. وذكر مالك في موطئه حديث ابن عمر هذا، وأردفه
بحديث ابن عباس، فكأنه - والله أعلم - ذهب إلى أن معنى حديث ابن
عمر في قوله فاقدروا له، ان يكمل شعبان ثلاثين يوما - إذا غم الهلال- على
ما قال ابن عباس، وعلى هذا مذهب جمهور أهل العلم ان لا يصام رمضان
إلا بیقین من خروج شعبان، واليقين في ذلك رؤية الهلال، أو بإكمال شعبان
ثلاثين يوما، و کذلك لا يقضي بخروج رمضان إلا بمثل ذلك ايضا من
اليقين، وهذا أصل مستعمل عند أهل العلم أن لا تزول عن أصل أنت
عليه إلاَّ بيقين مثله، وأن لا يترك اليقين بالشك، قال الله عز وجل:
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يريد والله أعلم من علم منكم
بدخول الشهر، والعلم في ذلك ينقسم قسمین، أحدهما ضروري، والآخر
غلبة ظن، فالضروري: أن يرى الانسان الهلال بعينه - في جماعة كان أو
وحده - أو يستفيض الخبر عنده حتى يبلغ الى حد يوجب العلم، أو يتم
شعبان ثلاثين يوما، فهذا كله يقين يعلم ضرورة، ولا يمكن للمرء أن
يشكك في ذلك نفسه، وأما غلبة الظن، فأن يشهد بذلك شاهدان عدلان،
(١) حم: (٤/ ٢٣) من طريق ابن علي. وأخرجه البيهقي (٢٠٥/٤) وعبد الرزاق
(٧٣٠٦/٥١٦/٤) وك: (٤٢٣/١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرطهما ولم
يخرجاه وعبد العزيز بن أبي رواد عابد مجتهد شريف البيت. وقال الذهبي: صحيح.

الصيام
٣٠٣
وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
وهو معنى قوله {وَّ فإن غم عليكم فاقدروا له - عند أكثر أهل العلم
ان لا يصام رمضان ولا يفطر منه الا برؤية صحيحة، أو إكمال شعبان
ثلاثين يوما، وانما وجب أن يكون ذلك عند العلماء كذلك، لأن الشهر
معلوم انه قد یکون تسعة وعشرين يوما، ویکون ثلاثین یوما، هذا مما يعلم
عیانا واضطرارا، وقد قال ﴾ من حديث ابن عمر نحن امة أمية لا نكتب
ولا نحسب الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا- وعقد الابهام في الثالثة والشهر
هكذا، وهكذا وهكذا- يعني تمام ثلاثين يوما(١). وقد ذكرنا هذا الخبر
ومثله في باب عبد الله بن دينار عند قوله ◌َّي: الشهر تسع وعشرون (٢).
وذكرنا في باب ثور بن زيد خبر ابن مسعود لما صمنا مع رسول الله وَل
تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين. فلما كان معلوما أن الشهر قد
يكون تسعا وعشرين، وقد يكون ثلاثين، قال رسول الله وص ﴿ فان غم
عليكم فاقدروا له- يريد والله أعلم بأن يكملوا العدة ثلاثين يوما، أو يرى
الهلال قبل ذلك لتسع وعشرين. وهكذا رواه أبو هريرة، وابن عباس،
وحذيفة، عن النبي ◌َّ، وروايتهم تفسير حديث ابن عمر في قوله فاقدروا
له. فواجب ان لا یصام يوم الشك علی انه من رمضان، وان لا یقضی
بدخول شهر الا بیقین رؤیته أو تمام عدده.
وأما ابن عمر فله مذهب ذهب اليه وتأوله في معنى ما رواه من قوله والآه
فاقدروا له، وأكثر أهل العلم في ذلك على خلافه، وسنذكر مذهبه في ذلك
عنه، ونذكر من تابعه عليه بعد في هذا الباب ان شاء الله. وقال أهل اللغة
فاقدروا له كقوله قدروا له، يقال قدرت الشيء وقدرته وأقدرته.
(١) حم: (١٢٢/٢)، خ: (١٩١٣/١٥٩/٤)، م: (١٠٨٠/٧٦١/٢) د: (٢٣١٩/٧٣٩/٢)
ون: (٤٤٦/٤-٢١٣٩/٤٤٧ -٢١٤٠).
(٢) حم: (٢٥٨/١)، م: (٧٦٠/٢-٠١٨٠/٧٦١[١١-٤]) ن: (٢١٣٨/٤٤٦/٤).

فتح البر
٣٠٤
قال أبو عمر: أما صوم يوم الشك تطوعا، فقد مضى القول فيه في باب
ثور بن یزید، وأما صومه على أن يكون من رمضان إن ظهر الهلال خوفا ان
یکون من رمضان، وهل يجزىء ذلك إن ثبت انه من رمضان أم لا؟ فقد
اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا، فجملة قول مالك وأصحابه في ذلك،
أن يوم الشك لا يصام على الاحتياط، خوفا ان يكون من رمضان، ويجوز
صومه تطوعا، ومن صامه تطوعا أو احتياطا، ثم ثبت أنه من رمضان، لم
يجزه، و کان علیه قضاؤه، وان أصبح فيه ینوي الفطر ولم یأکل أو أكل، ثم
صح انه من رمضان، کف عن الأكل في بقية يومه وقضاه، وان أكل بعد
علمه بذلك، لم يكن عليه كفارة إلا أن يقصد الانتهاك من حرمة اليوم، عالما
بما في ذلك من الاثم، فيكفر حينئذ إن كان لم يأكل فيه شيئاً حتى ورد أنه من
رمضان، ثم أكل متعمدا منتهكا لحرمة الشهر، وقد مضى القول فيما يجب
على من أفطر عامدا في رمضان بأكل أو غيره بأتم ما يكون في باب ابن
شهاب عن مالك عن حميد بن عبد الرحمن والحمد لله.
ذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا داود بن قيس قال سألت القاسم بن محمد
عن صيام اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقال إذا كان مغيما يتحرى أنه
من رمضان فلا يصمه. وقال الوليد بن مزيد: قلت للأوزاعي إن صام
رجل آخر يوم من شعبان تطوعا، أو خوفا - أن يكون من رمضان، ثم صح
أنه من رمضان، أيجزئه؟ قال نعم- وقد وفق لصومه. وقال الحسن بن حي
أكره صوم يوم الشك، فان صامه أحد على ذلك، فعليه القضاء ان ثبت أنه
من رمضان. وقال ابن علية لا ينبغي لأحد ان يتقدم رمضان بصوم، فان
فعل ثم صح أنه من رمضان، أجزا عنه.
وقال الثوري: إذا أصبح الرجل في اليوم الذي يشك فيه ولم ينو الصوم،
ثم بلغه أنه من رمضان، قال یتم صومه ويقضي يوما مكانه، قال فإن أصبح

الصيام
٣٠٥ =
في ذلك اليوم وهو ينوي الصوم وقال انظر، فإن كان من رمضان صمت،
والا لم أصم، فأصبح على ذلك، علم أنه من رمضان، قال يجزئه اذا نوی
ذلك من اللیل.
وقال ربیعة بن عبد الرحمن، و حماد بن أبي سلیمان، وابن أبي لیلی: من
صام يوم الشك على أنه من رمضان لم يجزه، وعليه الإعادة، وروي عن
عمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار، وأبي هريرة، وابن عباس،
وانس بن مالك: النهي عن صيام يوم الشك- مطلقا؛ وروي أيضا مثل
ذلك عن سعيد بن المسيب وأبي وائل، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وابن
سيرين. وذكر عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، عن حبيب بن الشهيد،
قال سمعت محمد بن سيرين يقول: لان أفطر يوما من رمضان، لا اتعمده
أحب إلي من أن أصوم اليوم الذي يشك فيه من شعبان. وقال ابن سيرين:
خرجت في اليوم الذي يشك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم الا
وجدته یأکل، الا رجلا کان یحسب ويأخذ بالحساب، ولو لم يعلم ذلك،
كان خيرا له. وقال مالك: كان أهل العلم ينهون عن صيامه. وقال
الشافعي: لا يجب صوم رمضان حتى يستيقن بدخوله. ولا يصام يوم
الشك على أنه من رمضان، وقال الشافعي: لو أصبح يوم الشك لا ينوى
الصوم ولم یأکل ولم یشرب حتی علم أنه من شهر رمضان فأتم صومه،
رأيت أن عليه إعادة صوم ذلك اليوم، وسواء كان ذلك قبل الزوال أو
بعده- إذا أصبح لا ینوی صیامه من شهر رمضان، قال: وكذلك لو أصبح
ینوي صومه متطوعاً لم يجزه من رمضان، ولا أری رمضان يجزئه إلا
بإرادته - والله أعلم، قال ولا فرق- عندي بين الصوم والصلاة في هذا
المعنی. وقال أبو حنيفة وأبو یوسف، ومحمد: لو أن رجلا أصبح صائما في
أول يوم من شهر رمضان، ولا ینوي أنه من شهر رمضان، وينوى بصيامه

فتح البر
التطوع، ثم علم بعد ذلك ان يومه ذلك من رمضان، فإنه يجزىء عنه
صيامه وليس عليه قضاء ذلك اليوم، وقالوا لو أن رجلا أصبح ينوي الفطر
في أول يوم من شهر رمضان- وهو لا يعلم أنه من رمضان، ويظن أنه من
شعبان، فاستبان له قبل انتصاف النهار أنه من رمضان، فانه يجزيء عنه ان
لم يكن أكل أو شرب قبل أن يستبين له، وقالوا إن علم أن ذلك اليوم من
رمضان بعدما انتصف النهار، فانه يصوم بقية يومه، وعليه قضاء ذلك
اليوم، قالوا ولو كان هذا الصيام قضاء من رمضان، أو من صيام كان عليه،
فانه لا يجزئه؛ لانه قد أصبح مفطراً، قالوا ويجزئه أن يتطوع به، ولا يجزئه
من شيء واجب عليه، قال أبو ثور لو أن رجلا أصبح ينوى الفطر في اول
يوم من شهر رمضان - وهو لا يعلم أنه من رمضان ويرى أنه من شعبان،
فاستبان له أنه من شهر رمضان- قبل أن ينتصف النهار، لم يجزه عن شهر
رمضان، و کان علیه قضاء ذلك اليوم، قال ولو نوی بصوم ذلك اليوم
التطوع- وهو لا يعلم أنه من رمضان لم يجزه أيضا وكان عليه قضاؤه.
قال أبو عمر: أما من ذهب الى إبطال صوم من عقد نيته على تطوع عن
الواجب، أو صام يوم الشك على غير يقين أنه من رمضان، فالحجة له قول
رسول الله وَي: الاعمال بالنيات، وانما لامرئ ما نوى(١)، وقد صح أن
التطوع غير الفرض، فمحال أن ينوي التطوع ويجزئه عن الفرض، ومن
جهة النظر أیضا فرض رمضان قد صح بیقین، فلا يجوز اداؤه بشك؛ ووجه
آخر وهو أنهم قد أجمعوا على أن من صلى أربعا بعد الزوال متطوعا أو شاكا
في دخول الوقت، انه لا يجزئه ذلك من صلاة الظهر، فكذلك هذا والله
أعلم؛ وأما ما ذهب اليه الأوزاعي، وأبو حنيفة، والثوري، وابن علية،
(١) حم: (٢٥/١-٤٣)، خ: (١/٩/١) م: (٩١٠٧/٥١١٥/٣)، د: (٢٢٠١/٦٥١/٢)،
ت: (٤/ ٦١٤٧/٥١٤)، ن: (٧٥/٦٢/١) وجه: (٢/ ٤٢٢٧/٤١١٣).

الصيام
٣٠٧ =
فحجتهم أن رمضان لا يحتاج الى نية، ولا يكون صومه تطوعا ابدا؛ كما أن
من صام شعبان ینوي به رمضان لا یکون عن رمضان، ولا یکون في
رمضان صوم عن غيره، لانه وقت لا تحيل فيه النية العمل.
قال أبو عمر: قد قال بكلا القولين جماعة من التابعين، وممن قال بقول
الأوزاعي عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ولكن القول الاول أصح وأحوط
من جهة الاثر والنظر إن شاء الله، والله الموفق للصواب.
وقد ذكرنا ما للعلماء من التنازع في وجوب النية والتبييت في صيام
الفرض والتطوع في باب ابن شهاب، ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن
جريج، قال أخبرني مزاحم، قال خطب عمر بن عبد العزيز في خلافته فقال
انظروا هلال رمضان، فان رأيتموه فصوموا، وان لم تروه فأكملوا ثلاثين
يوما؛ قال وأصبح الناس منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يروا الهلال،
فجاءهم الخبر بأن قد رؤي الهلال، قال فكلم الناس عمر وبعث الحرس في
العسكر: من أصبح صائماً فليتم صومه فقد وفق له؛ ومن أصبح مفطرا لم
يذق شيئا، فليتم بقية يومه، ومن كان طعم شيئا، فليتم ما بقي من يومه،
وليقض يوما مكانه؛ واني لعقت لعقا من عسل، فأنا صائم بقية يومي ثم
أبدله بعد. وروي عن ابن عمر في معنى ما رواه عن النبي څ من قوله: فان
غم غليكم فاقدروا له. شيء لم يتابعه على تأويله ذلك فيما علمت الا
طاوس، وأحمد بن حنبل؛ وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثل ذلك، وروي
عن عائشة نحوه، وذلك أن ابن عمر كان يقول اذا لم ير الهلال ولم يكن في
السماء غيم ليلة ثلاثين من شعبان وكان صحوا، أفطر الناس ولم يصوموا،
وان كان في السماء غيم في تلك الليلة، اصبح الناس صائمين وأجزأهم من
رمضان إن ثبت بعد ان الشهر تسع وعشرون، وربما کان شعبان حينئذ
تسعا وعشرين وروي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تصوم اليوم الذي

فتح البر
١ - ٣٠٨
يغمى على الناس فيه، وروي عن عائشة أنها قالت: لأن أصوم يوما من
شعبان، أحب الي من أن أفطر یوما من رمضان.
وأما الرواية بذلك عن ابن عمر، فذكر عبد الرزاق عن معمر، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، انه اذا كان سحاب اصبح صائما، وان لم
یکن سحاب اصبح مفطرا؛ قال وأخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه
مثله. وقال أحمد بن حنبل صیام یوم الشك واجب، وهو مجزئ من رمضان
إن ثبت أنه من رمضان: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا القاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن الجھم، قال حدثنا عبد الوهاب، قال حدثنا
سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ لي قال: إذا رأيتم
الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فان غم عليكم فاقدروا له (١). قال
نافع: فکان ابن عمر یبعث مساء ثلاثین من شعبان من ینظر له الهلال، فان
کان صحوا ورآه صام، وان لم يره لم يصم، وان حال بينه وبينه قتر، أصبح
صائما. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زید، قال حدثنا
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّهو: الشهر تسع
وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم
علیکم، فاقدروا له(٢).
و کان ابن عمر إذا مضی لشعبان تسع وعشرون، نظر له الهلال، فان
رؤي فذاك، وان لم يروا لم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطرا،
وان حال دون منظرہ سحاب أو قتر أصبح صائما؛ قال و کان ابن عمر یفطر
مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
(١) حم: (٢/ ٤١٥) من طريق سالم عنه. خ: (٤١١/٤-٩١٠٠/٤١٢) من طريق سالم عنه.
وم: (١٠٨٠/٧٦٠/٢) بلفظ: ((الشهر تسع وعشرون فإذا رأيتم الهلال فصوموا ... فذكره»
ون: (٤/ ٢١٩٠/٤٤٠) من طريق سالم عنه.
(٢) حم: (٥/٢)، خ: (٤/ ١٩٠٧/١٥٠) وم: (١٠٨٠/١٥٠/٢).

الصيام
٣٠٩= ١
قال أبو عمر: هذا الاصل ينتقض على من أصله؛ لأن من أغمي عليه
هلال رمضان، فصام علی فعل ابن عمر، ثم أغمي عليه هلال شوال، لا
يخلوا ان يكون يجزئ على احتياطه خوفا أن يفطر يوما من رمضان، أو يترك
احتياطه؛ فان ترك احتياطه نقض ما أصله، وان جرى على احتياطه، صام
واحدا وثلاثين يوما؛ وهذا خلاف ما أمر الله به عند الجميع، ولكنه وان
کان کما وصفنا فان لا صحابنا مثله من الاحتیاط کثیرا في الصلاة، مثل
قولهم يتمادی ویعید، ويسجد سجدتي السهو؛ وهو خلاف ما أمر الله به من
الخمس صلوات، وهو يشبه مذهب ابن عمر في هذا الباب، ويشبه أيضا
إعمال مالك الشك في مواضع من الطهارة والطلاق والله الموفق للصواب.
وقد كان بعض جلة التابعين فيما حكاه عنه محمد بن سيرين يذهب في
هذا الباب الى اعتباره بالنجوم، ومنازل القمر، وطريق الحساب وذهب
بعض فقهاء البصریین الی أن معنى قوله {ێ فاقدروا له ارتقاب منازل
القمر، وهو علم كانت العرب تعرف منه قريبا من علم العجم.
قال أبو عمر: من ذهب الى هذا المذهب يقول في معنى قوله {آ﴾ فاقدروا
له: إن التقدير في ذلك یکون اذا غم على الناس ليلة ثلاثین من شعبان بأن
يعرف مستهل الهلال في شعبان في أول ليلة، ويعلم أنه يمكث فيها ستة
أسباع ساعة ثم يغيب، وذلك في أدنى مفارقته الشمس، ولا يزال في کل
ليلة يزيد على مكثه في الليلة التي قبلها ستة أسباع ساعة، فاذا كان في الليلة
السابعة، غاب في نصف الليل، وإذا كان ليلة أربع عشرة تأخر ستة أسباع
ساعة، ولا يزال في كل ليلة يتأخر طلوعه عن الوقت الذي طلع فيه في
الليلة التي قبلها ستة اسباع إلى ان يكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع
الغداة، فان لم ير صبح ثمان وعشرين، علم أن الشهر ناقص وأنه من تسع
وعشرین. وان رئی علم أنه تام، وأن عدته ثلاثون يوما. وقال وقد یتعرف

فتح البر
= ٤٣١٠
أيضا بمكث الهلال في ليالي النصف الأول من الشهر ومغيبه من الليل،
وأوقات طلوعه لیالي النصف الآخر من الشهر، وتأخره عن أول الليل
بضرب آخر من العلم والعمل عندهم. ويتعرف أيضا من المنازل، فإن
الهلال إذا طلع أول ليلة من شعبان في الشرطين فكان شعبان ناقصا طلع في
البطین، ونحو هذا.
قال أبو عمر: يمكن أن يكون ما قاله هذا القائل على التقريب، لان أهل
التعديل والامتحان ينكرون أن يكون هذا حقيقة، ولذا لم يكن حقيقة
وكانت الحقيقة عندهم فيما لم توقف الشريعة عليه، ولا وردت به سنة،
وجب العدول عنه إلى ما سن لنا وهدينا له؛ وفيما ذكر هذا القائل من
الضيق والتنازع والاضطراب، ما لا يليق أن يتعلق به أولو الا لباب، وهو
مذهب تركه العلماء قديما وحديثا، للاحاديث الثابتة عن النبي وتلقى: صوموا
لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين. ولم يتعلق أحد من
فقهاء المسلمین فیما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وانما هو شيء روي عن
مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه والله أعلم؛ ولو صح، ما وجب
اتباعه عليه لشذوذه، ولمخالفة الحجة له؛ وقد تأول بعض فقهاء البصرة في
معنى قوله في الحديث فاقدروا له نحو ذلك، والقول فیه واحد؛ وقال ابن
قتيبة في قوله: فاقدروا له، أي فقدروا السیر والمنازل. وهو قول قد ذكرنا
شذوذه ومخالفة أهل العلم له، وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن
يعرج عليه في هذا الباب؛ وقد حكي عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه
الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال
اللیلة و غم علیه، جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه، والصحيح عنه في
کتبه وعند أصحابه، انه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية أو شهادة عادلة،
لقوله ◌َ﴾ صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة

الصيام
٣١١ =
ثلاثين يوما. حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثنا
معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قیس، قال سمعت عائشة تقول: كان
رسول الله * يتحفظ من شعبان ولا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية
رمضان، فان غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام(١).
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن المثنی، قال حدثنا عبد الرحمن،
قال حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن بعض أصحاب النبي وَاهـ
قال: قال رسول الله وَلو لا تصوموا الشهر حتى تكملوا العدد أو تروا
الهلال، ثم صوموا ولا تفطروا حتى تكملوا العدة أو تروا الهلال(٢).
وهذان الحديثان ينتجان ببطلان تأويل ابن عمر ومذهبه، وكذلك آثار هذا
الباب، والله يوفق من يشاء للصواب. وقال عمار بن ياسر: من صام يوم
الشك فقد عصی أبا القاسم شل.
قال أبو عمر: أما الشهادة على رؤية الهلال، فأجمع العلماء على انه لا تقبل
في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان عدلان، واختلفوا في هلال رمضان
فقال مالك والثوري والأوزاعي واللیث والحسن بن حي، وعبيد الله بن
الحسن وابن علية: لا يقبل في هلال رمضان ولا شوال، الا شاهدا عدل
رجلان، وقال أبو حنيفة وأصحابه في رؤية هلال رمضان شهادة رجل
(١) حم: (١٤٩/٦)، د: (٢٣٢٥/٧٤٤/٢) وك: (٤٢٣/١)، وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين فقد حدث ابن وهب وغيره عن معاوية بن صالح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وهق: (٢٠٦/٤) والدار قطني (٥١٦/٢-٥١٧) وقال: هذا اسناد حسن صحيح.
حب: الإحسان (٣٤٤٤/٢٢٨/٨).
(٢) د: (٢٣٢٦/٧٤٤/٢)، ن: (٢١٢٦/٤٤٢/٤) وحب: الإحسان (٣٤٥٧/٢٣٨/٨) من
طريق حذيفة رضي الله عنه.

فتح البر
١١١ = ٣١٢
واحد عدل إذا كان في السماء علة، وان لم يكن في السماء علة لم يقبل الا
شهادة العامة، ولا يقبل في هلال شوال، وذي الحجة، إلا شهادة عدلين
يقبل مثلهما في الحقوق وان كان في السماء علة، وهو قول داود، هكذا حكاه
أبو جعفر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه في كتابه الكبير في الخلاف
اشترط العدالة ولم يذكر المرأة، وذكر عنه في المختصر في الشهادة على هلال
رمضان شاهد واحد مسلم، أو امرأة مسلمة. لم يشترط العدالة، وفي
الشهادة على هلال شوال رجل وامرأتان كسائر الحقوق؛ واختلف قول
الشافعي في هذه المسألة: فحکی المزني عنه أنه قال: ان شهد على رؤية هلال
رمضان رجل عدل واحد رأيت أن اقبله للأثر الذي جاء فيه، والاحتياط
والقياس الا يقبل الا شاهدان؛ قال ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا
عدلين، وقال في البويطي: ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من
شاهدین حرین مسلمین عدلین. وقال أحمد بن حنبل: من رأى هلال
رمضان وحده صام، فان كان عدلا صوم الناس بقوله، ولا يفطر الا
بشهادة عدلین، ولا يفطر إذا رأه وحده.
قال أبو عمر: لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده فلم تقبل
شهادته أنه يصوم؛ لانه متعبد بنفسه لا بغيره؛ وعلى هذا اکثر العلماء، لا
خلاف في ذلك الا شذوذ لا يشتغل به، ومن رأی هلال شوال وحده، افطر
عند الشافعي، والحسن بن حي. وروي عن مالك أنه لا يفطر للتهمة، وهو
قول أبي حنيفة، والثوري: انه لا يفطر؛ ومثله قول اللیث واحمد: لا يفطر
من رأه وحده. واستحب الشافعي أن يخفي فطره، وقال مالك: من رأى
هلال رمضان وحده فأفطر، فعليه الكفارة مع القضاء. وقال أبو حنيفة لا
كفارة عليه، والشافعي على أصله في الاكل، فان وطى كفر عنده وكان
الشعبي، والنخعي يقولان: لا يصوم أحد إلا مع جماعة الناس وقال
الحسن، وابن سيرين: يفعل الناس ما يفعل إمامهم.

الصيام
٣١٣ = ١١
قال أبو عمر: قد أجمعوا على أن الجماعة لو أخطأت الهلال في ذي الحجة
فوقفت بعرفة في اليوم العاشر ان ذلك يجزئها، فكذلك الفطر والاضحى
والله أعلم. روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي
هريرة، عن النبي ◌َّ قال فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون(١)
واختلف العلماء في الحكم اذا رأى الهلال أهل بلد دون غيره من البلدان:
فروي عن ابن عباس، وعكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله أنهم
قالوا: لكل أهل بلد رؤیتهم، وبه قال إسحاق بن راهويه، وحجة من قال
هذا القول: ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد بن
بکر بن داسة، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال
حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال أخبرني محمد بن أبي حرملة، قال أخبرني
كريب، أن أم الفضل بنت الحارث بعثته الى معاوية بالشام، قال: فقدمت
الشام فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة
الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس ثم ذکر الهلال،
فقال متى رأيتم الهلال؟ قال قلت رأيته ليلة الجمعة، قال أنت رأيته؟ قلت
نعم، ورأه الناس وصاموا وصام معاوية قال لكن رأيناه ليلة السبت، فلا
نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه. قلت ولا تكتفي برؤية
معاویة؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ێ(٢). وفيه قول آخر روي عن
الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، قالوا إذا ثبت عند الناس ان
أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا. وهو قول مالك فيما روي لابن
القاسم، وقد روي عن مالك وهو مذهب المدنیین من أصحابه ان الرؤية لا
تلزم غير البلد الذي حصلت فيه، إلا ان يحمل الامام على ذلك؛ واما مع
(١) د: (٢/ ٢٣٢٤/٧٤٣)، هق: (٢٥١/٤)، قط: (١٦٣/٢ - ٢٢٤).
(٢) م: (١٠٨٧/٧٦٥/٢) د: (٢٣٣٢/٧٤٨/٢)، ت: (٧٦/٣ /٦٩٣)
ن: (٤٣٦/٤-٤٣٧ /٢١١٠).

فتح البر
٣١٤
=
اختلاف الكلمة فلا، الا في البلد بعينه وعمله؛ هذا معنى قولهم، وقد
لخصنا مذاهبهم في ذلك في الكتاب الكافي.
قال أبو عمر: الى القول الاول أذهب؛ لأن فيه أثراً مرفوعاً وهو حديث
حسن تلزم به الحجة، وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة،
وقول طائفة من فقهاء التابعين؛ ومع هذا، إن النظر يدل عليه عندي، لان
الناس لا یکلفون علم ما غاب عنهم في غیر بلدهم، ولو کلفوا ذلك لضاق
عليهم. أرأيت لو رئي بمكة أو بخراسان هلال رمضان اعواما بغير ما كان
بالاندلس، ثم ثبت ذلك بزمان عند أهل الاندلس، أو عند بعضهم، أو عند
رجل واحد منهم؛ أكان يجب عليه قضاء ذلك وهو قد صام برؤية، وأفطر
برؤية، أو بكمال ثلاثين يوما كما أمر. ومن عمل بما يجب عليه مما أمر به، فقد
قضى الله عنه؛ وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب والله الموفق
للصواب.
قال أبو عمر: قد مضى القول ممهدا في الهلال يرى قبل الزوال أو بعد
الزوال في باب ثور بن زيد، وأجمع العلماء على انه إذا ثبت ان الهلال من
شوال رؤي بموضع استهلاله ليلا، و کان ثبوت ذلك وقد مضی من النهار
بعضه أن الناس یفطرون ساعة جاءهم الخبر الثبت في ذلك، فان كان قبل
الزوال صلوا العيد باجماع من العلماء وافطروا؛ وان كان بعد الزوال
فاختلف العلماء في صلاة العيد حينئذ: فقال مالك وأصحابه لا تصلى صلاة
العید في غیر یوم العيد لا فطر ولا أضحى. وروي مثله عن ابي حنيفة ان
صلاة العيد اذا لم تصل في يوم العيد حتى تزول الشمس، لم تصل بعد.
وقال أبو يوسف، ومحمد: يصلي بهم من الغد فيما بينه وبين الزوال، ولو كان
في الاضحى صلى بهم في اليوم الثالث، وقال الثوري يخرجون في الفطر من
الغد، وقال الحسن بن حي لا يخرجون من الغد في الفطر، ويخرجون في

الصيام
٣١٥ _
الاضحى. وقال الليث يخرجون في الفطر والاضحى من الغد. وقال
الشافعي إذا لم تثبت الشهادة في الفطر الا بعد الزوال، لم تصل صلاة العيد
بعد الزوال، ولا من الغد، الا أن یثبت في ذلك حدیث.
قال أبو عمر: من ذهب في هذه المسألة إلى الخروج لصلاة العيد من الغد،
فحجته حديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية؛ أن أبا عمير بن أنس، حدثه
قال أخبرني عمومة لي من الانصار من اصحاب رسول الله وي﴿ قالوا: أغمي
علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركب من آخر النهار إلى النبي وَيه
فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالامس، فأمر النبي ◌َّله الناس بان يفطروا من
يومهم، وان يخرجوا لعيدهم من الغد(١). وهذا حديث لا يجى الا بهذا
الاسناد، انفرد به جعفر بن أبي وحشية أبو بشر، وهو ثقة، واسطي، روی
عنه أيوب، والاعمش، وشعبة، وهشيم، وأبو عوانة. وأما أبو عمير بن
أنس، فیقال انه ابن أنس بن مالك، واسمه عبد الله، ولم یرو عنه غیر أبي
بشر، ومن كان هكذا فهو مجهول لا يحتج به؛ وقد اجمع العلماء على أن صلاة
العيد لا تصلى يوم العيد بعد الزوال، فأحرى أن لا تصلى في يوم آخر قياسا
ونظرا، إلا أن يصح بخلافه خبر، وبالله التوفيق.
(١) حم: (٥٨/٥)، د: (١١٥٧/٦٨٤/١)، ن: (١٥٥٦/١٩٩/٣)،
جه: (١٦٥٣/٥٢٤/١) وهق: (٣١٦/٣).

ـ= ٣١٦
فتح البر
باب منه
[٦] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَالر قال: الشهر
تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم
علیکم، فاقدروا له(١).
ھکذا هو عند جماعة الرواة عن مالك: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا
أحمد بن محمد بن الحسین العسكري، حدثنا إسماعيل بن یحیی المزني، حدثنا
الشافعي، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن
رسول الله ﴾﴾ قال: الشهر تسع وعشرون، لا تصوموا حتى تروا الهلال،
ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم، فاقدروا له(٢).
أما قوله: الشهر تسع وعشرون، فانه يحتمل وجهين لا ثالث لهما في
النظر، أحدهما: ان يكون الألف واللام اللذان في الشهر، إشارة الى شهر
بعينه، وهو الشهر -والله أعلم- الذي آلى فيه رسول الله وَله من أزواجه
فكأنه قال له: هذا الشهر تسع وعشرون، أو تكون إشارة إلى رمضان
بعينه، کأنه قال: شهرنا هذا تسع وعشرون.
ومعلوم أن من الشهور ما یکون تسعا وعشرين، ومنها ما یکون ثلاثین،
فأعلم رسول الله وَل و أصحابه أن ذلك الشهر تسع وعشرون. والوجه
الآخر: أن يكون أراد بقوله: الشهر تسع وعشرون: أي أن الشهر قد يكون
تسعا وعشرین، فلا تکون حينئذ إشارة الی معهود، ولا يجوز أن یکون أراد
بقوله: الشهر تسع وعشرون، أن الشهور کلها تسع وعشرون، ولیس
التعريف في الشهر ههنا إشارة إلى جنس الشهور، ولكن المعنى ما ذكرنا،
والأمر في ذلك بین لا تنازع فيه- والحمد لله.
(١) حم (٥/٢)، خ (٤/ ١٩٠٧/١٥٠)، م (٢ / ٧٦٠/ ١٠٨٠[٩]).
(٢) تقدم في الذي قبله.

الصيام
٣١٧ -
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا
الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا ابن جريج،
قال: أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: اعتزل رسول الله
وَلخير نساءه شهرا، فخرج صبح تسعة وعشرين، فقال النبي ◌َ ◌ّ و إن الشهر
تسع وعشرون، ثم صفق النبي ويطلق بيديه ثلاثا مرتين - الأصابع كلها،
والثالثة بتسع منها(١).
وعند ابن جريج في هذا المعنى، حديث أم سلمة أيضا، حدثنا أحمد بن
قاسم، حدثا قاسم، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا روح، حدثنا ابن
جريج، قال: أخبرني يحيى بن محمد بن صيفي، أن يحيى بن عبد الرحمن،
أخبره أن أم سلمة أخبرته، أن النبي وفر حلف أن لا يدخل على بعض أهله
شهرا، فلما مضی تسعة وعشرون يوما، غدا علیھن أو راح، فقيل له:
حلفت يا نبي الله لا تدخل عليهن شهرا، فقال: إن الشهر تسعة وعشرون
يوما(٢).
وروى شعبة قال: أنبأني سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا الحكم السلمي
يحدث عن ابن عباس، أن رسول الله ټ آلی من نسائه شهرا، فأتاه جبريل
عليه السلام فقال: يا محمد، الشهر تسع وعشرون(٣).
وروى هذا المعنى عن النبي ◌ّير جماعة، منهم: أنس بن مالك، وأم
سلمة، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وغيرهم بمعنى
حديث جابر هذا.
(١) حم: (٣٢٩/٣ - ٣٣٤)، م: (١٠٨٤/٧٦٣/٢[٢٤])،
حب: (الإحسان)(٢٤٥٢/٢٣٤/٨)).
(٢) حم (٣١٥/٦)، خ (٤ / ١٩١٠/١٥٠)، م (٢/ ١٠٨٥/٦٧٤)، ن (٩١٥٩/٣٦٨/٥).
(٣) ن (٤/ ٤٤٤/ ٢١٣٢).

فتح البر
=٣١٨
وحدثنا سعید بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد
ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، قال:
حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ( ټ ذکر رمضان،
فضرب بيده وقال: الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، ثم عقف إبهامه الثالثة،
صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فان أغمي عليكم، فاقدروا له(١).
قال أبو عمر: لم يختلف عن نافع في هذا الحديث في قوله: فاقدروا له،
وکذلك روی سالم عن ابن عمر، ورواه الدراوردي عن عبد الله بن دینار
فقال فيه: فإن غم عليكم، فأحصوا العدة، وقد مضى القول- مستوعبا في
معنی: فاقدرو له، وما للعلماء في ذلك من وجوه في باب نافع عن ابن عمر -
من کتابنا هذا، فلا وجه لإعادة شيء من ذلك ههنا.
قرأت على سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ
حدثھم، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سابق، قال:
حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن عبد
الله بن عمر، أنه سمعه يقول: قال رسول الله وقال : الشهر تسع وعشرون،
ولا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، إلا أن يغم عليكم، فإن غم
عليكم، فأحصوا العدة (٢).
وروى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة - أعني حديث الشهر تسع
وعشرون- منهم: عمرو بن دينار، وسعد بن عبيدة، وسعيد بن عمرو،
وغيرهم. ومما يدل على ما ذكرنا في صدر هذا الباب، ما حدثناه أحمد بن
محمد، قال: حدثنا وهب ابن مسرة، وحدثنا سعید بن نصر، وعبد الوارث
ابن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال:
(١) م (٢ / ١٠٨٠/٥٧٩ [٤]).
(٢) خ (٤ / ١٥٠/ ١٩٠٧)، م (٢/ ٦٧١ / ١٠٨٠[٩]).

الصيام
٣١٩= ١١١
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن الأسود بن
قيس، قال: سمعت سعيد بن عمرو بن سعيد - يحدث أنه سمع ابن عمر
يحدث عن النبي وَ﴿ أنه قال: إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، والشهر
هكذا، وهكذا، وهكذا- وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا
وهكذا- يعني تمام الثلاثين(١).
(١) حم: (١٢٢/٢)، خ: (١٩١٣/١٥٩/٤)، م: (٦٧١/٢ / ١٠٨٠[١٥])،
د: (٢٣١٩/٣٧٩/٢)، ن: (٤٤٦/٤-٢١٣٩/٤٤٧-٢١٤٠).

١= ٣٢٠
فتح البر
ما جاء في الصائم يصبح جنباً
[٧] مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الانصاري، عن أبي يونس مولى
عائشة: أن رجلا قال لرسول الله ( الله - وهو واقف على الباب وأنا أسمع -: يا
رسول الله إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام؟ فقال رسول الله ويلي: ((وأنا أصبح
جنبا وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم»، فقال له الرجل: يا رسول الله، إنك
لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ولا تم
وقال: ((والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي(١)».
هكذا روی یحیی هذا الحدیث مرسلا، وهي رواية عبيد الله ابنه عنه،
وأما ابن وضاح في روايته عن يحيى في الموطأ، فإنه جعله عن عائشة، فوصله
وأسنده، وكذلك هو عند جماعة الرواة للموطأ مسندا عن عائشة، منهم:
ابن القاسم، والقعنبي، وابن بكير، وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف،
وابن عبد الحکم، وابن وهب.
حدثنا خلف بن قاسم: حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسین،
حدثنا يونس بن عبد الاعلى، حدثنا ابن وهب حدثنا مالك، عن عبد الله بن
عبد الرحمن بن معمر أبي طوالة الانصاري، عن أبي يونس مولى عائشة، عن
عائشة أن رجلا قال لرسول الله 3 38 وهو واقف بالباب: يا رسول الله: إني
أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله ويقول: ((وأنا أصبح جنبا، وأنا
أريد الصيام، فأغتسل وأصوم))، فقال يا رسول الله: إنك لست مثلنا، قد
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله الآ﴿ وقال:
((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي(٢)).
(١) رواه مالك مرسلا وجاء موصولا عن عائشة: حم (٦٧/٦ -١٥٦ -٢٤٥)،
م (٢ / ٧٨١ /١١١٠)، د (٢ / ٧٨٢ /٢٣٨٩).
(٢) تقدم تخريجه في الذي قبله.