النص المفهرس
صفحات 281-300
الصيام
٢٨١
قال أبو عمر: هذه الاحاديث كلها تفسر حديث أبي سهيل على المعنى
الذي وصفنا، وهي كلها مسندة، ولهذا ذكرنا هذا الحديث في المسند؛ لأن
توقیفه لا وجه له، اذ لا يكون مثله رأیا- وبالله التوفيق.
أخبرنا يحيى بن يوسف، حدثنا يوسف بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم
أبو ذر، حدثنا محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي، حدثنا الحسين بن
الاسود العجلي البغدادي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا الحسن بن صالح،
عن أبي بشر، عن الزهري، قال تسبيحة في رمضان، أفضل من ألف تسبيحة
في غيره(١)- وبالله تعالى التوفيق.
(١) ت: (٣٤٧٢/٤٨٠/٥).
٢٨٢
فتح البر
الصائم لا يرفث ولا يجهل
[٣] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ير قال: ((الصيام
جنة، فإذا كان أحدکم صائما، فلا یرفث ولا يجهل، فإن امر ؤ قاتله أو شاتمه،
فلیقل: إني صائم، إني صائم(١)».
أما الصيام في الشريعة، فمعناه الإمساك عن الأكل والشرب ووطء
النساء نهارا إذا کان تارك ذلك يريد به وجه الله وینویه، هذا معنی الصيام في
الشريعة عند جميع علماء الأمة، وأما أصله في اللغة، فالامساك مطلقا، و کل
من أمسك عن شيء فقد صام عنه، ویسمی صائما، ألا ترى قول الله عز
وجل: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] فسمى
الامساك عن الكلام صوماً، وكل ممسك عن حركة أو عمل أو طعام أو
شراب، فهو صائم في أصل اللسان، لكن الاسم الشرعي ما قدمت لك،
وهو يقضي في المعنى على الاسم اللغوي، وقد ذكرنا شواهد الشعر على
الاسم اللغوي في الصيام، واستوعبنا القول في معناه في باب ثور بن زید -
والحمد لله.
وأما قوله: الصيام جنة في هذا الحديث، فكذلك رواه القعنبي، ویحیی،
وأبو مصعب، وجماعة، ولم يذكر ابن بكير في هذا الحديث الصيام جنة، وإنما
قال عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله
وَلّه قال: إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث (٢) - الحديث. والجنة: الوقاية
والستر من النار، وحسبك بهذا فضلا للصائم.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
(١) حم: (٢٥٧/٢)، خ: (١٨٩٤/١٣٠/٤)، م: (١١٥١/٨٠٦/٢)، د: (٢٣٦٣/٧٦٨/٢).
(٢) سبق تخريجه في الذي قبله.
الصيام
٢٨٣:
إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا عبد الله بن عبد
الوهاب الحجبي، قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، قال
حدثنا عنبسة الغنوي، عن الحسن - أن عثمان بن أبي العاص كان يحدث أن
نبي الله وَ الله يقول: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار. وأما قوله: فإذا
كان أحدكم صائما فلا يرفث(١)، فإن الرفث هنا الكلام القبيح والتشاتم
والخنا والتلاعن ونحو ذلك من قبيح الكلام الذي هو سلاح اللئام، ومنه
اللغو كله، والباطل، والزور. قال العجاج:
عن اللغا ورفث الكلام
قرأت على أبي عبد الله محمد بن عبد الملك، أن أبا محمد عبد الله بن
مسروق، حدثھم قال حدثنا عیسی بن مسکین، قال حدثنا محمد بن عبد الله
ابن سنجر الجرجاني، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا فطر، قال حدثني زياد
ابن الحصين، عن رفيع أبي العالية، قال خرجنا مع ابن عباس حجاجا
فأحرم فأحرمنا، ثم نزل يسوق الابل- وهو يرتجز ويقول:
وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير نجامع لميسا
قلت: يا أبا عباس، ألست محرما؟ قال: بلى، قلت: فهذا الكلام الذي
تكلم به؟ قال: انه لا يكون الرفث إلا ما واجهت به النساء - وليس معي
نساء.
وفي غير هذه الرواية في هذا الحديث:
وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير تنك لميسا
(١) أخرجه بهذا اللفظ: طب: (٨٣٨٦/٤٩/٩)، وأخرجه: حم: (٢٢/٤-٢١٦-٢١٧)،
ن: (٤٧٦/٤-٢٢٢٩/٤٧٧-٢٢٣٠). جه: (١٦٣٩/٥٢٥/١) حب: الإحسان (٤٠٩/٨-
٣٦٤٩/٤١٠) وابن خزيمة في صحيحه (٢١٢٥/٣٠١/٣) بلفظ: (( ... كجنة أحدكم من
القتال». کلھم من حديث عثمان بن أبي العاص.
فتح البر
٢٨٤
قال أبو عمر:
الرفث في كلام العرب على وجهين، أحدهما: الجماع، والآخر الكلام
القبيح، والفحش من المقال. واختلف العلماء في قول الله عز وجل: ﴿فَلاَ
رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَيْ﴾ [البقرة: (١٩٧)]. فأكثر العلماء على
أن الرفث ههنا جماع النساء وغشيانهن، والفسوق المعاصي بإجماع،
والجدال: المراء، وقيل السباب والمشاتمة، وقيل: ألا تغضب
صاحبك. وقيل: أن لا جدال في الحج اليوم؛ لأنه قد استقام في ذي
الحجة، ولم يختلف العلماء في قول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: (١٨٧)]- أن الرفث ههنا الجماع.
وأما قوله: ان امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يقول للذي يريد مشاتمته ومقاتلته: إني صائم - وصومي
يمنعني من مجاوبتك؛ لأني أصون صومي عن الخنا والزور من القول، بهذا
أمرت، ولولا ذلك لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي سواء، ونحو ذلك.
والمعنى حينئذ على هذا التأويل في الحديث، أن الصائم نهي عن مقاتلته
بلسانه، ومشاتمته وصونه صومه عن ذلك، وبهذا ورد الحديث.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن يونس، قال حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ويطلقون: من لم يدع قول الزور والعمل به،
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه(١).
(١) حم: (٤٥٢/٢-٤٥٣-٥٠٥)، خ: (١٩٠٣/١٤٦/٤)، د: (٢٣٦٢/٦٧٦/٢)
ت: (٧٠٧/٨٧/٣) وقال: حديث حسن صحيح. ن: في الكبرى (٣٢٤٧/٢٣٨/٢)
من الكبرى، جه: (١٦٨٩/٥٣٩/١) والبغوي في شرح السنة (١٧٤٦/٢٧٢/٦).
الصيام
٢٨٥ _
وقال أحمد بن يونس: فهمت الإسناد من ابن أبي ذئب، وأفهمني
الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه، ورواه ابن المبارك عن ابن أبي ذئب
باسناده مثله.
والقول الثاني: أن الصائم یقول في نفسه لنفسه: إني صائم يا نفسي، فلا
سبيل الى شفاء غيظك بالمشاتمة. ولا يظهر قوله: إني صائم، لما فيه من الرياء
واطلاع الناس على عمله؛ لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر، ولذلك
يجزي الله الصائم أجره بغير حساب علی حسبما نذکر في الباب بعد هذا- إن
شاء الله.
وللصیام فرائض وسنن، وقد ذكرنا فرائضه في باب ثور بن زید، ومن
سننه أن لا يرفث الصائم، ولا يغتاب أحداً، وأن يجتنب قول الزور والعمل
به على ما جاء في آثار هذا الباب وغيرها. وأما قوله وَليه: من لم يدع قول
الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. فمعناه
الكراهية والتغليظ، كما جاء في الحديث: من شرب الخمر؛ فليشقص
الخنازير (١) - أن يذبحها أو ينحرها، أو يقتلها بالمشقص، وليس هذا على
الأمر بشقص الخنازير، ولكنه على تعظيم إثم شارب الخمر؛ فكذلك من
اغتاب، أو شهد زورا، أو منکرا، لم یؤمر بأن يدع صيامه، ولکنه یؤمر
باجتناب ذلك، لیتم له أجر صومه، فاتقی عبد ربه، وأمسك عن الخنا
والغيبة والباطل بلسانه، صائما کان أو غير صائم، فإنما یکب الناس في النار
على وجوههم حصائد ألسنتهم- والله الموفق للرشاد.
(١) حم: (٤/ ٢٥٣)، د: (٧٥٨/٣-٧٥٩) والدارمي (١١٤/٢) كلهم بلفظ: ((من باع الخمر
فلیشقص الخنازير)).
١١ = ٢٨٦
فتح البر
ما جاء في الصيام برؤية الهلال والإفطار به
[٤] مالك، عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله (چ ذکر رمضان
فقال ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا
العدةثلاثین(١)».
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك عن ثور بن زيد
عن ابن عباس ليس فيه ذكر عكرمة، والحديث محفوظ لعكرمة عن ابن
عباس، وانما رواه ثور عن عكرمة. وقد روى عن روح بن عبادة هذا
الحديث عن مالك عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله وَلاقه
ذكر رمضان ثم ساقه الى آخره سواء. وليس في الموطأ في هذا الاسناد
عكرمة. وزعموا أن مالكاً أسقط ذكر عكرمة منه؛ لأنه كره أن يكون في
كتابه لكلام سعيد بن المسيب وغيره فيه. ولا أدري صحة هذا لان مالكا قد
ذكره في كتاب الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس وترك
رواية عطاء في تلك المسألة، وعطاء أجل التابعين في علم المناسك والثقة
والأمانة. روى مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد
الله بن عباس انه سئل عن رجل وقع على امرأته وهو بمنى قبل ان یفیض
فأمره ان ينحر بدنة. وروى مالك أيضا عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة
مولى ابن عباس قال أظنه عن ابن عباس انه قال: الذي يصيب أهله قبل ان
یفیض یعتمر ويهدي. وبه قال مالك.
قال أبو عمر:
عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه،
لانه لا حجة مع أحد تكلم فيه، وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن
(١) سيأتي تخريجه في الذي بعده.
الصيام
٢٨٧
الرواية عنه، لانه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب. ويحتمل أن
یکون لما نسب اليه من رأي الخوارج، وكل ذلك باطل عليه ان شاء الله.
وقد قال الشافعي في بعض كتبة نحن نتقي حديث عكرمة. وقدروى
الشافعي عن إبراهيم بن ابي يحيى والقاسم العمري وإسحاق ابن أبي فروة
وهم ضعفاء متروكون. وهؤلاء كانوا أولى ان يتقى حديثهم، ولكنه لم يحتج
بهم في حكم. وكل أحد من خلق الله يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله
وَ له. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن إسحاق الطباع قال سألت
مالك بن أنس قلت أبلغك ان ابن عمر قال لنافع لا تكذب علی کما کذب
عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا ولكن بلغني ان سعيد بن المسيب قال ذلك
لبرد مولاه، وقيل لابن أبي أويس لم لم يكتب مالك حديث عكرمة مولى ابن
عباس؟ قال: لأنه كان يرى رأي الاباضية. واما قول سعيد بن المسيب فيه،
فقد ذكر العلة الموجبة للعداوة بينهما أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في
كتاب الانتفاع بجلود الميتة. وقد ذكرت ذلك وأشباهه في كتابي كتاب جامع
بيان أخذ العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، في باب قول العلماء
بعضهم في بعض، فأغنی ذلك عن اعادته هاهنا وتكلم فیه ابن سیرین، ولا
خلاف أعلمه بين نقاد أهل العلم انه أعلم بكتاب الله من ابن سيرين، وقد
يظن الانسان ظنا يغضب له ولا يملك نفسه، ذكر الحلواني عن زيد بن
الحباب قال سمعت الثوري يقول: خذوا تفسير القرآن عن أربعة، عن
عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك، فبدأ بعكرمة. وقال ابن علية
عن أيوب عن عمرو بن دينار قال دفع الی جابر بن زيد مسائل اسأل عنها
عكرمة، قال: فجعل جابر يقول: هذا عكرمة، هذا مولى ابن عباس، هذا
البحر فاسألوه. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أعطاني جابر
بن زيد صحيفة فيها مسائل فقال سل عنها عكرمة، قال فكأني تبطأت
فانتزعها من يدي وقال: هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا أعلم الناس
فتح البر
=٢٨٨
وقال جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: قيل لسعيد بن جبير تعلم أحدا
أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة. قال فلما قتل سعید بن جبير قال إبراهيم: ما
خلف بعده مثله. قال: أبو عبد الله المروزي وحدثنا یحیی بن یحیی قال
حدثنا إسماعيل بن علیة عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير انه قال: لو
كف عنهم عكرمة من حديثه لشدت اليه المطايا. قال وحدثنا إسحاق بن
راهویه، قال أخبرنا یحیی بن ضریس عن أبي سنان عن حبيب بن أبي ثابت
قال : اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا، عطاء، وطاوس،
ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، فتذاكروا التفسير فأقبل مجاهد وسعيد
ابن جبیر علی عکرمة یسئلانه عن التفسیر وھو یجیبھما. قال وحدثنا محمد
ابن عبيد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال اجتمع عكرمة وسعيد بن
جبير وطاوس وعدة من أصحاب ابن عباس، فكان عكرمة صاحب
الحدیث. قال وأخبرنا محمد بن یحیی قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا
حماد بن زيد قال، قال رجل لأيوب كان عكرمة يتهم؟ فسكت هنيئة ثم
قال: اما أنا فاني لم أكن أتهمه. وبه عن أيوب قال: قال عكرمة أرأيت هؤلاء
الذین یکذبونني من خلفي أفلا یکذبونني في وجهي؟ قال وحدثنا الحلواني
قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا سلام بن مسكين قال سمعت قتادة
يقول كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام، وكان عطاء من أعلم
الناس بالمناسك، وكان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير. قال وحدثنا
الحلواني قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال حدثنا
عبدالصمد بن معقل ان عكرمة قدم على طاوس الیمن فحمله طاوس على
نجيب وأعطاه ثمانين دينارا، فقيل لطاوس في ذلك، فقال ألا اشتري علم
ابن عباس لعبد الله بن طاوس بنجيب وثمانين دينارا؟ وذكر عباس عن
يحيى بن معين قال حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا عثمان بن حكيم قال
الصيام
٢٨٩
جاء عكرمة الى أبي أمامة بن سهل وانا جالس فقال يا أبا امامة، أسمعت
ابن عباس يقول ما حدثكم به عكرمة فصدقوه فانه لم يكذب علي. قال
نعم. وقد روینا أن عبد الله بن عباس قال له اخرج یا عكرمة فافت الناس
ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته فانك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس.
قال عباس قال يحيى بن معين: مات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه علي بن
عبد الله فقيل له، تبيع علم أبيك؟ فاسترجعه وقال عثمان بن سعيد قلت
ليحيى بن معين عكرمة أحب اليك أوسعيد بن جبير؟ فقال ثقة ثقة، قلت
فعكرمة أو عبيد الله بن عبد الله؟ فقال كلاهما ولم يختر. وقال أبو الحسن
أحمد بن عبد الله بن صالح الکوفي عكرمة مولى ابن عباس ثقة وهو برئ مما
رماه الناس به من الحرورية. وذكر عيسى بن مسكين عن محمد بن الحجاج
ابن رشدين عن أحمد بن صالح المصري قال: عكرمة مولى ابن عباس
بربري من المغرب، وقال أبو العرب سمعت قدامة بن محمد يقول: كان
خلفاء بني أمية يرسلون الى المغرب يطلبون جلود الخرفان التي لم تولد بعد
العسلیة، قال: فربما ذبحت المائة شاة فلا يوجد في بطنها الا واحد عسلي،
كانوا يتخذون منها الفراء فكان عكرمة يستعظم ذلك ويقول: هذا كفر،
هذا شرك، فأخذ ذلك عنه الصفرية والاباضية فكفروا الناس بالذنوب.
قال أبو عمر:
لهذا کان سحنون یقول: يزعمون ان عكرمة مولی ابن عباس أضل
المغرب.
قال أبو عمر:
نزل عكرمة مولى ابن عباس المغرب ومکث بالقیروان برهة، ومن الناس
من يقول انه مات بها، والصحيح انه مات بالمدينة هو وكثير عزة الشاعر في
فتح البر
١ = ٢٩٠
يوم واحد، وذكر ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الاسود قال أنا مدحت
المغرب لعكرمة مولى ابن عباس، ذكرت له حال أهلها فخرج الى المغرب
فمات بها. قال أبو عبد الله المروزي: قد اجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج
بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل
عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهویه، وأبو ثور، ویحیی بن
معين. ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال لي:
عكرمة عندنا امام الدنيا وتعجب من سؤالي اياه. قال وأخبرني غير واحد
انهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بحديث
عكرمة فأظهر التعجب، قال المروزي: وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة
ابن عباس وملازمته ایاه، وبأن غير واحد من أهل العلم رووا عنه وعدلوه،
وما زال أهل العلم بعدهم یروون عنه. قال وممن روى عنه من جلة
التابعین محمد بن سیرین، وجابر بن زيد، وطاوس والزهري، وعمرو بن
دینار، ويحيى ابن سعيد الانصاري وغيرهم. قال أبو عبد الله المروزي: وكل
رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه وحملهم حديثه فلن يقبل فيه
تجريح أحد جرحه حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل ان يكون جرحة فأما
قولهم فلان کذاب فلیس مما يثبت به جرح حتی یتبین ما قاله. حدثنا محمد
بن إبراهيم حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب الرقي قال
سمعت أبا بكر أحمد بن عمرو البزار يقول: روى عن عكرمة مائة وثلاثون،
أو قال قريب من مائة وثلاثين رجلا من وجوه البلدان بين مكي ومدني
و کوفي وبصري ومن سائر البلدان، کلهم روى عنه ورضي به.
قال أبو عمر: جماعة الفقهاء وأئمة الحديث الذين لهم بصر بالفقه والنظر
هذا قولهم انه لا يقبل من ابن معين ولا من غيره فيمن اشتهر بالعلم وعرف
به وصحت عدالته وفهمه الا أن یتبین الوجه الذي يجر حه به علی حسب ما
ہے
الصيام
٢٩١-
يجوز من تجريح العدل المبرز العدالة في الشهادات، وهذا الذي لا يصح ان
يعتقد غيره ولا يحل أن يلتفت الى ما خالفه. وقد ذكرنا بيان ذلك في باب
قول العلماء بعضهم في بعض من كتابنا كتاب العلم فأغنى ذلك عن اعادته
هاهنا وبالله توفيقنا.
وذکر الزبير قال حدثني عمی مصعب قال حدثني الواقدي قال حدثني
خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن عبد
الرحمن الخزاعي صاحب عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة فرأيتهما
جميعا صلي عليهما بعد الظهر في مسجد الجنائز فقال الناس مات اليوم أفقه
الناس وأشعر الناس. وقال المفضل بن فضالة: مات عكرمة وكثير عزة في
يوم واحد، فأخرج جنازتهما، فما علمته تخلف رجل ولا امرأة بالمدينة عن
جنازتيهما. قال وقيل مات اليوم أعلم الناس وأشعر الناس. قال وغلب
النساء على جنازة کثیر یبکینه ویذکرن عزة في ندبتهن إياه.
وهذا الحديث صحیح لعكرمة عن ابن عباس حدثنا أبو عبدالله محمد بن
إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال
حدثنا قتيبة بن سعيدح وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن
أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قالا جميعا حدثنا أبو
الاحوص قال حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال، قال رسول الله
مَ﴾ ((لا تصوموا قبل رمضان صوموا للرؤية وافطروا للرؤية فإن حالت
دونه غيابة فأكملوا ثلاثين(١))) ورواه شعبة وأبو عوانة وحاتم بن أبي صغيرة
عن سماك مثله.
(١) حم: (٢٢٦/١)، د: (٢٣٢٧/٧٤٥/٢)، ت: (٦٨٨/٧٢/٣) وقال: حديث ابن عباس
حديث حسن صحيح. والنسائي (٢/ ٢٤٣٩/٧١) في الكبرى. والحاكم (٤٢٥/١) وقال: هذا
حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وابن حبان: الإحسان
(٣٥٩٤/٣٦٠/٨).
فتح البر
٢٩٢
=
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبدالحميد بن أحمد
الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا عبد
الله بن بکر السهميح وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قال حدثنا
حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم
قال أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم قالا جميعا، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن
سماك قال سمعت عكرمة یقول، سمعت ابن عباس یقول، سمعت رسول
الله ◌َل و يقول: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان حال بينكم وبينه سحابة
أو غيابة فأكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا لا تستقبلوا رمضان
بيوم من شعبان(١)) اللفظ بحديث ابن عبد المؤمن وقرأت على أحمد بن
قاسم التميمي ان قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة
قال حدثنا عبد الله بن بكر قال حدثنا حاتم عن سماك قال دخلت على
عكرمة في يوم وقد أشكل علي أمره أمن رمضان هو أم من شعبان،
فأصبحت صائماً وقلت ان كان من رمضان لم يسبقني وان كان من شعبان
كان تطوعا، فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً فقال: هلم الى
الغداء فقلت: اني صائم، فقال أحلف عليك لتفطرنه، فقلت سبحان الله،
فقال أحلف بالله لتفطرنه، قال فلما رأيته لا يستثنى أفطرت. فعدت لبعض
الشيء وانا شبعان فقلت هات. فقال: سمعت ابن عباس يقول سمعت
رسول الله وَلل يقول «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان حال بينكم وبينه
سحابة أو غيابة فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا، لا تستقبلوا
رمضان بيوم من شعبان(٢)) وروى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عمرو
ابن دینار عن ابن عباس ولم یسمعه عمرو من ابن عباس وانما یرویه عمرو
ابن دینار، عن محمد بن حنین عن ابن عباس عن النبي ټٹ مثلہ. حدثنا
(١) و(٢) تقدم تخريجه في الذي قبله.
الصيام
٢٩٣
عبدالوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال
حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زکریا بن
إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار ان محمد بن حنين أخبره انه سمع ابن
عباس یقول: اني لأعجب من هؤلاء الذین یصومون قبل رمضان. انما قال
رسول الله وَ﴾ ((اذا رأيتم الهلال فصوموا واذا رأيتموه فافطروا فان غم
علیکم فعدوا ثلاثین(١)) اما قوله وآل﴾ في هذا الحديث اذ ذكر رمضان لا
تصوموا حتى تروا الهلال، فالصيام لاسمه معنيان أحدهما: لغوي،
والآخر: شرعي تعبد الله به عباده. فأما معنى الصيام في اللغة فمعناه
الامساك عما كان يصنعه الانسان من حركة أو كلام أو أكل أو شرب أو
مشي ونحو ذلك من سائر الحركات، فاذا امسك عما كان يصنعه سمي
صائما في اللغة، وليس ذلك معنى الصيام المأمور به المسلمون في القرآن
والسنة، والدليل على أن الإمساك يسمى صوما قول الله عز وجل حاكيا
عن مريم ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا
[مريم: (٢٦)] أي إمساكاً عن الكلام وقال المفسرون، أي صمتا وتقول
العرب خيل صائمة إذا كانت واقفة دون أكل ولا رعي قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
يقول خیل ممسكة عن الأكل وخيل آكلة.
وقال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول اذا صام النهار وسجرا
ومعناه اذا أمسكت الشمس عن الجری واستوت في كبد السماء.
وقال بشر بن أبي حازم:
نعاما بوجرة صفر الخدود ما تطعم النوم الاصياما
(١) حم: (٢٢١/١)، ن: (٢١٢٤/٤٤١/٤)، والدارمي: (٣/٢).
فتح البر
٢٩٤
وأما الصيام في الشريعة فالامساك عن الأكل والشرب والجماع من
اطلاع الفجر إلى غروب الشمس وفرائض الصوم خمس، وهي العلم
بدخول الشهر، والنية، والامساك عن الطعام والشراب والجماع، واستغراق
طرفي النهار المفترض صيامه وسنن الصيام أن لا يرفث الصائم ولا يغتاب
أحداً. وسنذكر ذلك في موضعه ان شاء الله، واما قوله فان غم عليكم،
فذلك من الغيم والغمام، وهو السحاب. يقال منه يوم غم، وليلة غمة،
وذلك أن تكون السماء مغيمة، وفي الآثار المذكورة في هذا الباب ما يوضح
لك ذلك والحمد لله.
وروى هذا الحديث عن النبي ◌َّقة، كما رواه ابن عباس وأبو هريرة من
حدیث ابي سلمة عنه، ومن حديث محمد بن زیاد عنه، ومن حديث سعيد
ابن المسيب عنه، ومن حديث الاعرج عنه، وحذيفة بن اليمان من رواية
جرير عن منصور عن ربعى عن حذيفة. ورواه ابن عمر عن النبي وَلو
مثله، الا أنه قال: فان غم علیکم فاقدروا له، وحديث ابن عباس يفسر
حديث ابن عمر في قوله فاقدروا له(١)، وكذلك جعله مالك في كتابه بعده
مفسرا له. وقد کان ابن عمر یذهب في قوله فاقدروا له مذهبا سنذكره عنه
في باب حدیث نافع من كتابنا هذا ان شاء الله، ونذكر من تابعه على تأويله
ذلك ومن خالفه فیه، ونذكر هنا کثیرا من معاني هذا الباب ان شاء الله ولا
قوة الا بالله.
وفي حديث ابن عباس هذا من الفقه، أن الشهر قد يكون تسعا
وعشرين، وفيه ان الله تعبد عباده في الصوم برؤية الهلال لرمضان، أو
باستكمال شعبان ثلاثين يوماً، وفيه تأويل لقول الله عزوجل: ﴿فَمَن شَهِدَ
(١) حم: (٢/ ٦٣)، خ: (١٩٠٦/١٥٠/٤)، م: (١٠٨٠/٧٥٩/٢)، ن: (٢١٢٠/٤٤٠/٤)،
البغوي: (١٧١٣/٢١٧/٦)، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.
الصيام
٢٩٥ =
مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] أن شهوده رؤيته أو العلم برؤيته. وفيه
ان اليقين لا يزيله الشك، ولا يزيله الا يقين مثله. لانه و لو أمر الناس ألا
يدعوا ماهم عليه من يقين شعبان الا بيقين رؤية واستكمال العدة وان
الشك لا يعمل في ذلك شيئا. ولهذا نهى عن صوم يوم الشك اطراحا
لاعمال الشك، واعلاما ان الأحكام لا تجب الا بيقين لا شك فيه، وهذا
أصل عظيم من الفقه، ان لا يدع الانسان ما هو عليه من الحال المتيقنة الا
بيقين من انتقالها. وقوله ( فان غم عليكم فأكملوا العدد ثلاثين يوماً،
يقتضي استكمال شعبان قبل الصیام واستكمال رمضان أيضا، وفيه دليل
على أنه لا يجوز صيام يوم الشك خوفا ان یکون من رمضان. وقد ذكرنا في
باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا اختلاف الفقهاء في صيام يوم الشك
على أنه من رمضان بأتم من ذلك هاهنا؛ لأن ذلك الموضع اولى به، لقول
النبي 98ُّ في حديث ابن عمر فاقدروا له واختلف العلماء في صوم آخر يوم
من شعبان تطوعا، فأجازه مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، وأبو
حنيفة وأصحابه، وأكثر الفقهاء اذا كان تطوعا ولم يكن خوفا ولا احتياطا
ان يكون من رمضان. ولا يجوز عندهم صومه على الشك. قال مالك ان
تيقن انه من شعبان جاز صومه تطوعا، وهو قول الشافعي. وقال أبو
حنيفة لا يصام يوم الشك الا تطوعا، وقال الثوري لا يتلوم يوم الشك ولا
يصوم أحد يوم الشك، وسيأتي القول فيمن صامه على الشك هل يجزئه من
رمضان عند قوله فاقدروا له في باب نافع ان شاء الله.
وقال بعض أهل العلم من أهل الحديث انه لا يجوز صيام يومين قبل
رمضان من آخر شعبان، الا لمن كان له عادة صيام شعبان. واحتجوا
بحديث النبي ◌ٍُّ﴾ ((لا يقدم أحدكم رمضان بيوم ولا يومين الا أن يكون
صوما کان یصومه أحدكم فليتم صومه(١)) رواه یحیی بن أبي کثیر ومحمد بن
(١) حم: (٣٤٧/٢)، خ: (٤ /١٩١٤/١٦٠)، م: (٢/ ١٠٨٢/٧٦٢)، ن: (٢١٧١/٤٥٧/٤)،
جه: (١٦٥٠/٢٥٨/١).
فتح البر
٤ ٢٩٦
عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَلّ، قالوا وفي قوله ولا يومين
دلیل علی أن ذلك تطوع، لانه لا يجوز ان يكون الشك في یومین.
قال أبو عمر:
زعم بعض أصحابنا أن في صوم رسول الله ﴾ شعبان تطوعا دليلا على
أن نهیه عن صوم يوم الشك انما هو على الخوف ان یکون من رمضان، وان
هذا هو المكروه.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا
محمد بن إسماعيل قال حدثنا صالح قال حدثني معاوية بن صالح ان عبد
الله بن قيس حدثه أنه سمع عائشة تقول ((كان رسول الله ◌َ و يصوم شعبان
ويصله برمضان (١)) وروى سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة
عن النبي ◌َّقر انه «كان يصوم شعبان ويصله برمضان(٢)) رواه عن سالم
جماعة لم يختلفوا عليه. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة أن
رسول الله ﴾﴾﴾ «کان یصوم شعبان کله(٣)) قال: وهذه الآثار كلها تدل على
أن رسول الله ێ﴾ انما کان یصوم يوم الشك تطوعا لا خوفا ان یکون من
رمضان.
قال أبو عمر:
ليس في صيامه لشعبان تطوعا دفع لما تأوله اولئك في النهي عن صوم
يوم الشك تطوعا، لأن في الحديث الا أن يكون في صوم يصومه. وفي ذلك
دلالة على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين انما هو على ذلك الوجه
(١) د: (٢٤٣١/٨١٢/٢)، ن: (٤/ ٢٣٤٩/١٥٤).
(٢) حم: (٣٠٠/٦)، د. (٢/ ٢٣٣٦/٧٥٠)، ت: (٧٣٦/١١٣/٣)، وقال: حديث حسن.
ون:(٢١٧٤/٤٥٨/٤)، جه: (١٦٤٨/٥٢٨/١).
(٣) خ: (٢٦٧/٤/ ١٩٧٠)، م: (١١٥٦/٨١١/٢)، ن: (٢٣٥٤/٥١٥/٤).
الصيام
٢٩٧ :
والله أعلم. واما قوله ◌َّه صوموا لرؤيته، فمعناه صوموا اليوم الذي يلي
ليلة رؤيته من أوله، ولم يرد صوموا من وقت رؤيته، لأن الليل ليس
بموضع صيام. واذا رؤى الهلال نهارا فإنما هو لليلة التي تأتي هذا هو
الصحیح ان شاء الله.
وقد اختلفت الرواية في هذه المسألة عن عمر رضي الله عنه. ذکر عبد
الرزاق عن معمر عن الاعمش عن أبي وائل قال كتب الينا عمر ونحن
بخانقین، اذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان انهما رأياه
بالامس(١) ففي هذا الخبر عن عمر، اعتبار شهادة رجلين على رؤية الهلال.
ولم يخص عشيا من غير عشي. وقد ذكرنا مسألة الشهادة على الهلال في باب
نافع. حدثنا أحمد بن قاسم المقرىء قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة
قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا علي بن
الجعد، قال حدثنا زهير بن معاوية عن الاعمش عن شقيق بن سلمة قال:
كتب الينا عمر بن الخطاب ونحن بخانقين ان الأهلة بعضها أكبر من
بعض، فاذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد عدلان انهما رأياه
بالأمس(٢) وروى عن علي بن أبي طالب مثل ذلك(٣). ذكره عبد الرزاق
عن الحسن بن عمارة عن الحکم عن یحیی بن الجزار عن علي. وقد روي من
حديث أبي إسحاق عن الحارث ان هلال الفطر رؤي نهارا، فلم يأمر علي
ابن أبي طالب الناس أن يفطروا من يومهم ذلك. وروى الزهري عن سالم
عن ابن عمر قال: لا تفطروا حتى يرى من موضعه. وعن ابن مسعود
وأنس ابن مالك مثل ذلك. وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومحمد
بن الحسن والليث بن سعد والأوزاعي. وبه قال أحمد وإسحاق كل هؤلاء
(١) عبد الرزاق: (٧٣٣١/١٦٢/٤). هق: (٢٤٨/٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٣١/١٦٢/٤)، هق: (٢٤٨/٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق: (٧٣٣٣/١٦٣/٤).
= ٢٩٨
فتح البر
يقول اذا رؤي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة.
وقال سفيان الثوري وأبو يوسف، إن رؤي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي،
وإن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية. وروي مثل ذلك عن عمر، ذکر
عبد الرزاق وغيره عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال: كتب
عمر الی عتبة بن فرقد، اذا رأیتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام
ثلاثین فافطروا، واذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن اسباط بن محمد عن مطرف عن أبي إسحاق
عن الحارث عن علي مثل ذلك. ولا يصح في هذه المسألة من جهة الاسناد
شيء عن علي رحمه الله؟ وروي عن سلمان بن ربيعة مثل قول الثوري. واليه
ذهب عبد الملك بن حبيب، واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه
المسألة فروي عنه ما يدل على الوجهين جميعا والحديث عن عمر بمعنى ما
ذهب اليه مالك والشافعي وأبو حنيفة ومن تابعهم متصل. والحديث الذي
روي عنه بمذهب الثوري وأبو يوسف منقطع. والمصير الى المتصل أولى.
وعليه أكثر العلماء. حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا هشام بن خالد
قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالكا والليث والأوزاعي عن
الهلال يرى من أول النهار فقالوا هو لليلة التي تجىء. قال الأوزاعي وكتب
بذلك عمر بن الخطاب. واما قوله ﴿ ولا تفطروا حتى تروا الهلال، ففيه
رد لتأويل من تأول قوله {مَّ ﴿ شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة، انهما
لا ینقصان من ثلاثین ثلاثین یوما، لان قوله ولا تفطروا حتی تروه فإن غم
عليكم فأكملوا العدة ثلاثين دليل على جواز كون رمضان من تسع
وعشرين .. ومع هذا الدليل فان المشاهدة تثبت ما قلنا، وكفى بها حجة لما
ذكرنا.
الصيام
٢٩٩ - ١١
واما الحديث فحدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد
ابن بکر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد أن یزید بن زريع حدثهم قال
حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي وَا و،
قال: شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة(١)، ورواه حماد بن سلمة عن
علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي والقر مثله، ورواه
سالم أبو عبيد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي ◌َّ مثله
سواء وهذا معناه عندنا والله أعلم انهما لا ينقصان في الاجر وتكفير الخطايا
سواء كانا من تسع وعشرين، أو من ثلاثين، وان ما وعد الله صائم رمضان
على لسان نبيه ټټ من الاجر فهو منجزه له، سواء کان شهرہ ثلاثین أو
تسعا وعشرين. واما حديث أبي بكرة عن النبي ګ أنه قال: «کل شهر حرام
ثلاثون یوما وثلاثون لیلة(٢)»، فانه حدیث لا يحتج بمثله، لأنه یدور على
عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف. حدثناہ خلف ابن قاسم قال حدثنا
أحمد بن إبراهيم بن أحمد البغدادي المعروف بابن الحداد بمصر قال حدثنا
زکریا بن يحيى السجزي قال حدثنا يوسف بن سليمان قال حدثنا مروان بن
معاوية قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القرشي قال حدثنا عبد الرحمن
بن أبي بکرة عن أبيه قال، قال رسول الله پڼ: «کل شهر حرام ثلاثون يوما
وثلاثون ليلة(٣)).
قال أبو عمر:
الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وقد
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال
(١) حم: (١٥/٥)، خ: (١٩١٢/١٥٦/٤)، م: (١٠٨٩/٧٦٦/٢)، د: (٢٣٢٣/٧٤٢/٢)،
ت: (٣/ ٦٩٢/٧٥)، وقال: حديث حسن.
جه: (١٦٥٩/٣٥١/١).
(٢) ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٥٠ - ١٥١) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال
الصحيح.
(٣) تقدم في الذي قبله.
فتح البر
١ = ٣٠٠
حدثنا أحمد بن منيع عن ابن أبي زائدة عن عیسی بن دینار عن أبيه عن
عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود قال: لما صمنا مع رسول الله
** تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين(١). وهذا أيضا يدفع التأويل
المذکور في قوله شهرا عید لا ینقصان، ويوضح لك ان رمضان قد يكون
تسعا وعشرين. وفيما يدرك من ذلك معاينة ومشاهدة كفاية وبالله التوفيق.
وسیأتي ذکر الاختلاف في الشهادة على رؤية هلال رمضان، وذكر رؤية
هلال رمضان وهلال الفطر في بلد دون بلد في باب نافع إن شاء الله.
(١) حم: (١/ ٩٣٧)، د: (٢٣٢٢/٧٤٢/٢)، ت: (٦٨٩/٧٣/٣).