النص المفهرس

صفحات 241-260

صدقة التطوع
٢٤١ -
وحدثنا ابن القاسم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن المسور، قال: حدثنا
مقدام بن داود قال: حدثنا عبد الاحد بن الليث بن عاصم أبو زرعة، قال:
حدثني اللیث بن سعد عن یحیی بن سعید عن سعيد بن المسيب ان سلمان
الخير كان خالط الناس من أصحاب دانيال بأرض فارس قبل الاسلام،
فسمع ذکر النبي ێێ، وصفته، فاذا في حديثهم: انه یأکل الهدية، ولا یأکل
الصدقة في اشياء من صفته، فأراد الخروج في التماسه فمنعه أبوه، ثم هلك
أبوه، فخرج الى الشام يلتمس رسول الله والتي، فكان هناك في كنيسة، ثم
سمع بخروج رسول الله وَ الز، وذكره، فخرج يريده فأخذه أهل تيماء
فاسترقوه فقدموا به المدينة، فباعوه ورسول الله وَلقر بمكة، فلما قدم المدينة
أتاه سلمان بشيء، فقال: ما هذا؟ فقال صدقة، فأمر بها، فصرفت، ثم جاء
بشيء فقال ما هذا؟ فقال: هدية. فأكل منها رسول الله ێے، فأسلم سلمان
عند ذلك، فأخبر رسول الله وَلفي انه مملوك، فقال: كاتبهم بغرس مائة ودية
فرماه الانصار من ودية ووديتين فغرسها، فأقبل يوما آخر، وانه لفي سقى
ذلك الودي(١).
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي، قال
حدثنا محمد بن جعفر بن حفص الامام، قال: حدثنا علي بن المديني، قال
حدثنا زید بن الحباب، قال: حدثنا الحسین بن واقد، قال: حدثنا عبدالله بن
يزيد عن أبيه أن سلمان أتى رسول الله و الله بصدقة، فقال: صدقة عليك،
وعلى أصحابك، فقال رسول الله وقال: انا لا تحل لنا الصدقة فدفعها، ثم
جاء من الغد بمثلها، فقال: هذه هدية لك، فقال وآل ﴾ لا صحابه: كلوا، قال:
ثم اشتری رسول الله پ* سلمان بکذا و کذا درهما من يهود وعلی ان یغرس
لهم كذا وكذا من النخل یقوم علیه حتى يدرك.
(١) عبد الرزاق: مصنف (١٥٧٦٥/٤١٧/٨).

فتح البر
=٢٤٢
قال: فغرس رسول الله وَليل النخل كله الا نخلة غرسها عمر، قال:
فأطعم النخل كله الا النخلة التي غرسها عمر، فقال رسول الله ومؤلف ه: من
غرس هذه النخلة؟ فقالوا: عمر، قال: فقطعها، وغرسها رسول الله وَ لاته)
فأطعمت من عامها(١).
حدثنا خلف بن سعید، قال: حدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن
خالد، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا ابن الاصبهاني، قال:
أخبرنا شريك عن عبيد المكتب عن أبي الطفيل عن سلمان، قال: ((أتيت
النبي وَ الز بصدقة فردها، واتيته بهدية فقبلها))(٢).
وانما لم تجز صدقة التطوع للنبي وَّ ر - والله أعلم- ؛ لان الصدقة لا يثاب
عليها صاحبها، لانه لا يبتغي بها الا الآخرة، وأبيحت له الهدية لانه يثيب
عليها، ولا تلحقه بذلك منة.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ان رسول الله وَ الآن)
قال: ((لا تحل الصدقة لغني الا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها،
أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على
المسكين، فأهدى المسكين للغني(٣)))، وهذا في معنى حديث بريرة سواء في
قوله مَّاج: ((هو لها صدقة، ولنا هدية(٤)) وسيأتي هذا الحديث، ويأتي القول
فیه، وفي اسناده ومعانيه في باب زید بن أسلم من كتابنا هذا ان شاء الله.
(١) ذكره الهيثمي في المجمع (٣٣٩/٣) وقال رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٣) أخرج الحديث مرسلا مالك وكما أخرجه: د: (١٦٣٥/٢٨٦/٢)
وأخرجه مسندا من حديث أبي سعيد الخدري أحمد وابن ماجه وأبو داود. حم (٥٦/٣).
د (٢/ ٢٨٨/ ١٦٣٦). جه (١٨٤١/٥٨٩/١).
(٤) حم (٤٥/٦-٤٦). خ (٩/ ١٧٢/ ٥٠٩٧). م (٢/ ٧٥٥/ ١٠٧٥ (١٧٢)) و(١٥٠٤/١١٤٣/٢
(١٠)- (١١)-(١٤)). ن (٦/ ٣٤٤٧/٤٧٤-٢٤٤٨). جه (١/ ٦٧١ /٢٠٧٦).

صدقة التطوع
٢٤٣ =
وقوله: لا تحل الصدقة لغني الا لخمسة، يريد الصدقة المفروضة، وأما
التطوع فغير محرمة على أحد غير من ذكرنا على حسب ما وصفنا في هذا
الباب، الا ان التنزه عنها حسن، وقبولها من غير مسألة لا بأس به،
ومسألتها غير جائزة الا لمن لم يجد بدا، وسنبين هذه الوجوه كلها في
مواضعها من كتابنا هذا ان شاء الله.
وقد استدل جماعة من أهل العلم على جواز شراء المتصدق صدقته من
الساعي إذا قبضها الساعي، وبان بها الى نفسه بحديث بريرة هذا، وقالوا:
شراء الصدقة من الساعي، ومن المتصدق عليه جائز، لانها ترجع الى
مشتريها من غير ملك الجهة؛ لانه ليس بمانع للصدقة، ولا عائد فيها من
وجهها، وقالوا: كما رجعت الصدقة على بريرة هدية الى رسول الله وَ طلوم ولم
یکن بذلك باس، و کذلك إذا اشتراها المتصدق بها، وقالوا کما انه لو ورثها
لم يكن بذلك عند أهل العلم باس، وقيل: ((ان استقاء عمر بن الخطاب
اللبن الذي سقيه من نعم الصدقة انما استقاءه؛ لأن الذي سقاه ایاہ کان من
الاغنياء الذين لا تحل لهم الصدقة، ولا يصح ملكها، ولو كان ممن تحل له
الصدقة، ويستقر عليها ملكه ما استقاءه عمر؛ لأنه كان يحل له حينئذ؛ لأنه
غني اهدى إليه رجل مسكين مما تصدق عليه على حديث بريرة، وغيره مما
قد ذكرناه في هذا الباب والحمد لله.
قال أبو عمر:
اما اهداء المسكين الى الغني فقد ثبت عن النبي 9ّ جوازه من حديث
عائشة هذا، وغيرها، في قصة بريرة من حديث أبي سعيد الخدري أيضا
وغيره، وكذلك ما رجع بالميراث الى المتصدق، فقد روي عن النبي وَّل
جوازه أيضا، فوجب الوقوف عند ذلك كله على حسب ما نقل عنه من
ذلك ێ.

فتح البر
-٢٤٤
واما شراء الصدقة من المتصدق عليه، ومن الساعي فقد ثبت عن النبي
** النهي عن ذلك بقوله * لعمر في الفرس التي حمل عليها عمر في سبيل
الله: ((لا تشترها، ولا تعد في صدقتك(١)))، الحدیث، فکیف یجمع بین أمرین
فرق رسول الله وثيقة بينهما. الا أن أهل العلم حملوا نهيه على شراء الصدقة،
والعودة فيها على سبيل التنزه عنها، لا على سبيل التحريم، ولما في ذلك من
قطع الذريعة لئلا يطلق للناس اشتراء صدقاتهم، فيشترونها من الساعي،
والمتصدق عليه قبل القبض، فيدخل في ذلك بيع ما لم يقبض، واعطاء
القيمة عن العين الواجبة، وسنذكر ما للعلماء في هذا المعنى في باب زید بن
أسلم من کتابنا هذا عند ذكر حديث عمر في الفرس ان شاء الله.
واما رجوعها بالميراث الى المتصدق بها فلا تهمة فيها، ولا كراهية تدخله،
الی ما روي عن النبي گآل﴾ من جوازه.
حدثنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود،
قال: حدثنا أحمد بن عبدالله بن یونس، قال: حدثنا زهیر، قال: حدثنا
عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة عن أبيه، ان امرأة أتت رسول الله وَله
فقالت: ((كنت تصدقت على أمي بولیدة، وانها ماتت وتركت تلك الوليدة،
فقال: وجب أجرك، ورجعت اليك بالميراث))(٢).
أخبرنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث بن سفیان، قالا: حدثنا قاسم بن
(١) خ (١٤٨٩/٤٤٩/٣) و(٢٧٧٥/٥٠٨/٥) و(٢٩٧٠/١٥٣/٦).
م (١٦٢٠/١٢٣٩/٣-١٦٢١). د (٢/ ١٥٩٣/٢٥١). ت (٦٦٨/٥٦/٣) وقال حسن
صحيح. ن (٢٦١٤/١١٤/٥-٢٦١٥-٢٦١٦).
(٢) حم (٣٥٩/٥). م (١١٤٩/٨٠٥/٢). ت (٦٦٧/٥٤/٣). البغوي (١٧٠١/٢١١/٦).
ك (٤ / ٣٤٧) من طريق أبي معاوية عن عبد الله بن عطاء به ومن طريق الثوري عن عبد الله بن
عطاء به وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

صدقة التطوع
٢٤٥ = ١١
أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا عبدالله بن
نمیر عن عبدالله بن عطاء عن ابن بريدة عن أبيه، قال: كنت جالسا عند
النبي وسلّز اذ جاءت امرأة فقالت يا رسول الله: ((اني كنت تصدقت على أمي
بجارية، فماتت وبقيت الجارية، فقال لها النبي تليفون: وجب أجرك، ورجعت
اليك بالميراث))(١).
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن بكر بن
داسة، قال: حدثنا سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال:
حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك: ((ان النبي ◌َّلو أتي بلحم، فقال: ما
هذا؟ فقالوا: شيء تصدق به على بريرة، قال: هو لها صدقة، ولنا هدية))(٢).
قال أبو عمر:
ففي هذه الآثار ما يدل على أن الصدقة إذا تحولت الى غير معناها حلت
لمن لم تكن تحل له قبل ذلك.
وفي قوله هو عليها صدقة، وهو لنا هدية دليل على ان ما لم يحرم لعينه
كالميتة والخنزير، والدم، والعذرات، وسائر النجاسات، وما أشبهها، وحرم
لعلة عرضت من فعل فاعل الى غيره من العلل، فان تحريمه يزول بزوال
العلة، الا ترى ان الدرهم المغصوب والمسروق حرام على الغاصب،
والسارق من اجل غصبه له، وسرقته اياه، فان وهبه له المغصوب منه
والمسروق منه طيبة به نفسه، حل له، وهو الدرهم بعينه.
وقد اعتل قوم ممن نفى القياس في الاحكام، وزعم ان التعبد بالاسماء
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
-٢٤٦
دون المعاني بحديث بريرة هذا في قصة اللحم، والصدقة به، والهدية، وزعم
ان ذلك اللحم لما سمى صدقة حرم، فلما سمى هدية حل، فجاء بتخليط
من القول وخطل منه، واحتج على مذهبه في ذلك بقوله تعالى: ﴿ لَا
تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ﴾ [البقرة: (١٠٤)]. وللكلام في هذا
الباب موضع غير هذا، ولو ذكرناه ها هنا خرجنا عما شرطنا، وعما له
قصدنا، وبالله توفیقنا، وعليه توكلنا .

صدقة التطوع
٢٤٧ -
باب منه
[١٩] مالك أنه بلغه أن رسول الله وسلم قال: ((لا تحل الصدقة لآل محمد، إنما هي أوساخ
الناس))(١).
وهذا حدیث یرويه مالك مسندا، رواه عنه سعید بن داود ابن أبي زند،
وجویریة بن أسماء.
وقد روي من غیر حديث مالك أيضا. وهو حديث فیه طول يستند من
حديث عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال:
حدثنا أبو عبيدة بن أحمد، قال حدثنا محمد بن علي بن داود، قال حدثنا
سعيد بن داود، قال حدثنا مالك بن أنس أن ابن شهاب حدثه أن عبدالله بن
عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، حدثه أن عبدالمطلب بن ربيعة
ابن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث، وعباس بن عبدالمطلب،
فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين لي والفضل ابن عباس الى رسول الله إليهم
فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقة، فأدیا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيب
الناس؛ قال: فبينا هم كذلك، جاء علي بن أبي طالب فدخل عليهما فذكرا
ذلك له؛ فقال علي: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث
فقال: والله ما تفعل هذا الا نفاسة علينا، فوالله لقد نلت صهر رسول الله
وَلّ فما نفسناه عليك، فقال: أنا أبو حسن أي قرم، فأرسلوهما فانظروا ثم
اضطجع؛ قال: فلما صلى رسول الله وَل﴿ الظهر، سبقناه إلى الحجر، فقمنا
عندها حتى جاء؛ فأخذ بأيدينا ثم قال: اخرجا ما تصدران؛ ثم دخل
(١) هكذا رواه بلاغا، وسيأتي موصولا بعد.

فتح البر
= ٢٤٨
ودخلنا علیه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش؛ قال: فتواکلنا الكلام، ثم
تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا
النكاح فجئنا لتؤمرنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي العمال،
ونصیب ما یصیبون؛ قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نکلمه، حتى
جعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب: الا تكلماه؛ ثم قال: إن الصدقة
لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية وكان على
الخمس، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فجاءاه فقال لمحمية: أنكح
هذا الغلام ابنتك للفضل بن عباس فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث:
أنکح هذا الغلام لي فأنکحني؛ ثم قال محمية: اصدق عنهما من الخمس كذا
وكذا(١). قال ابن شهاب: ولم يسمه لي.
وهكذا رواه جويرية بن أسماء، عن مالك بإسناده مثله، إلا أنه قال: أنا
أبو حسن القرم، وكذلك في حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن
الحارث، عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث: أنا أبو حسن القرم، وفيه:
إنما الصدقة غسالة أوساخ الناس.
وحديث الزهري هذا أتم معنى وأحسن سياقة، وأثبت من جهة
الإسناد؛ وقد تقدم في تحريم الصدقة المفروضة على محمد وعلى آله ما فيه
کفایة وشفاء وبیان فیما سلف من كتابنا هذا والحمد لله.
حدثنا محمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبدالله بن حکم، قالا حدثنا محمد بن
معاوية، قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا
شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي وَلّم قال: ((لا تحل
(١) حم: (٤/ ٣٠٠)، م: (٢ / ٧/٥٢ ١٠٧٢/٧٥٣)، د: (٢٩٨٥/٣٨٦/٣)،
ن: (٥/ ١١٠-٢٦٠٨/١١١).

صدقة التطوع
٢٤٩
الصدقة لمحمد ولا لآل محمد، ومولى القوم من أنفسهم))(١).
أخبرنا أحمد بن عبدالله، قال حدثني أبي، قال حدثنا أبوسعيد عثمان بن
جریر. وحدثنا إبراهيم بن شاکر، قال حدثنا عبدالله بن محمد بن عثمان، قال
حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي، قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، قال
حدثنا یعلی بن عبيد الله، قال حدثنا أبو حيان التیمی عن یزید بن حيان،
قال: قيل ليزيد بن أرقم: من آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة؟ قال: آل
علي وآل جعفر، وآل عباس، وآل عقيل.
قال أبو عمر:
الذي عليه جماعة أهل العلم: أن بني هاشم بأسرهم لا يحل لهم أكل
الصدقات المفروضات أعني الزكوات، وقد مضى من بيان هذا المعنى في
باب ربيعة وغيره ما فيه كفاية.
(١) د: (١٦٥٠/٢٩٨/٢)، ت: (٦٥٧/٤٦/٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح،
ن: (١١٢/٥ / ٢٦١١).

٢٥٠
-
فتح البر
لا تجوز الزكاة في المشرك لكن التطوع
[٢٠] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء تباع
عند باب المسجد، فقال يا رسول الله، لو اشتريت هذه الحلة فلبستها يوم
الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك؟ فقال: ((إنما يلبس هذه من لا خلاق له في
الآخرة))، ثم جاءت رسول الله وَليل منها حلل فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر:
يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ فقال رسول الله وَلاه:
((لم أكسكها لتلبسها»، فكساها عمر أخا له مشر كا بمكة(١).
وفيه قبول الخليفة للهدايا من قبل الروم وغيرهم، وقد مضى القول في
هذا المعنى في باب ثور بن زيد من كتابنا هذا. وفيه بعض ما كان عليه
رسول الله وَيه من السخاء وصلة الإخوان بالعطاء. وفيه أنه جائز أن يعطي
الرجل ما لا يجوز له لباسه إذا جاز له ملكه والتصرف فيه. وفيه صلة
القريب المشرك ذميا كان أو حربيا؛ لأن مكة لم يبق فيها بعد الفتح مشرك،
وكانت قبل ذلك حربا؛ ولم يختلف العلماء في الصدقة التطوع أنها جائزة من
المسلم على المشرك - قريبا كان أو غيره، والقريب أولى ممن سواه، والحسنة
فيه أتم وأفضل؛ وإنما اختلفوا في كفارة الأيمان، وزكاة الفطر؛ فجمهور
العلماء على أنه لا تجوز لغير المسلمين، لقوله وَ لفي ((أمرت أن آخذ الصدقة من
أغنيائكم، وأردها على فقرائكم)،(٢)، وكذلك كل ما يجب أن يؤخذ منهم،
فواجب أن يرد على فقرائهم.
(١) حم: (٢٠، ٣٩، ٤٩)، خ: (٤٧٤/٢-٨٨٦/٤٧٥)، م: (٢٠٦٨/١٦٣٨/٣)،
د: (١٠٧٦/٦٤٩/١)، ن: (٥٣١٠/٥٨٣/٣).
(٢) حم: (١/ ٢٣٣)، خ: (١٣٩٥/٣٣٣/٣)، م: (١٩/٥٠/١)، د: (١٥٨٤/٢٤٢/٢)،
ت: (٦٢٥/٢١/٣)، ون: (٢٤٣٤/٥/٥) من حديث معاذ بن جبل لما بعثه وَّر إلى اليمن.
ولعل المؤلف روى هذا الحديث بمعناه، والله أعلم.

صدقة التطوع
٢٥١ - ١
وأجمعوا أن الزكاة المفروضة لا تحل لغير المسلمين، فسائر ما يجب أداؤه
عليهم من زكاة الفطر، وكفارة الأيمان، والظهار؛ فقياس على الزكاة عندنا،
وأما التطوع بالصدقة فجائز على أهل الكفر من القربات وغيرهم، لا أعلم
في ذلك خلافا والله أعلم. روی الثوري عن الأعمش، عن جعفر بن إياس،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا
لأنسابهم من أجل الكفر، فنزلت ﴿﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَ كِنَّ اللَّهَ
يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: (٢٧٢)](١) .
أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال حدثنا
سعدان بن نصر، قال حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة أن صفية زوج
النبي ﴾ قالت لأخ لها يهودي: أسلم ترثني، فسمع ذلك قومه، فقالوا أتبيع
دینك بالدنيا، فأبى أن يسلم، فأوصت له بالثلث.
وحدثنا محمد، قال حدثنا ابن الأعرابي، قال حدثنا سعدان، قال حدثنا
سفيان، عن هشام بن عروة، عن فاطمة ابنة المنذر، عن جدتها أسماء بنت
أبي بكر، قالت سألت رسول الله و له، قلت: أتتني أمي وهي راغبة
فأعطيتها؟ قال: نعم، فصلیها.
وروى حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن أسماء بنت أبي
بکر قالت: قدمت علي أمي في عهد قریش ومدتهم التي كانت بينهم وبين
رسول الله وَ ليل وهي مشركة، وهي راغبة؛ فسألت رسول الله و القول: أصلها
قال: صلیھا(٢).
(١) ن: في الكبرى (١١٠٥٢/٣٠٥/٦)، إسناده صحيح، فرجاله رجال الصحيح غير شيخ النسائي
وهو ثقة. الفريابي هو محمد بن يوسف، وسفيان هو الثوري والأعمش هو سليمان بن مهران،
وجعفر بن إياس هو بشر المعروف، من أثبت الناس في ابن جبير.
(٢) حم: (٣٥٥/٦)، خ: (٢٦٢٠/٢٩١/٥)، وعبد الرزاق: (٩٩٣٢/٣٨/٦).

فتح البر
٢٥٢
ما جاء في الصدقة على الميت
[٢١] مالك، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه،
عن جده أنه قال: خرج سعد بن عبادة مع رسول الله وَيليه في بعض مغازيه،
فحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي - وإنما المال
مال سعد، فتوفیت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم، ذكر ذلك له فقال سعد: یا
رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال رسول الله وَّن: نعم، فقال سعد:
حائط كذا وكذا صدقة عنها - لحائط سماه(١).
هكذا قال يحيى: سعيد بن عمرو، وعلى ذلك أكثر الرواة، منهم: ابن
القاسم، وابن وهب، وابن كثير، وأبو المصعب، وقال فيه القعنبي: سعد بن
عمرو.
وكذلك قال ابن البرقي: سعد بن عمرو بن شرحبيل - كما قال القعنبي،
والصواب فيه: سعيد بن عمرو - والله أعلم.
وعلى ذلك أكثر الرواة، وهذا الحديث مسند؛ لأن سعيد بن سعد بن
عبادة له صحبة، قد روى عنه أبو أمامة بن سهل بن حنيف وغيره،
وشرحبيل ابنه غير نكير أن يلقى جده سعد بن عبادة، على أن حديث سعد
ابن عبادة هذا في قصة أمه قد روي مسندا من وجوه، ومقطوعا أيضا
بألفاظ مختلفة، وقد ذكرناها في أبواب سلفت من كتابنا هذا، منها باب ابن
شهاب عن عبيد الله، ومنها باب عبد الرحمن بن أبي عمرة، وقد يشبه أن
يكون حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة من رواية مالك وغيره
في صدقة الحي عن الميت- هو حديث سعد بن عبادة هذا- والله أعلم.
(١) انفرد النسائي بإخراجه بهذا السند (٦/ ٣٦٥٢/٥٦١) وأخرجه من حديث ابن عباس بغير هذا
الإسناد البخاري في (٢٧٥٦/٤٨٤/٥)، وغيره.

صدقة التطوع
III=
٢٥٣
وأما معنى هذا الحديث، فمجتمع عليه في جواز صدقة الحي عن الميت
لا يختلف العلماء في ذلك، وأنها مما ينتفع الميت بها، وکفی بالاجتماع حجة،
وهذا من فضل الله على عباده المؤمنين أن يدركهم بعد موتهم عمل البر
واخیر بغیر سبب منهم، ولا یلحقهم وزر یعمله غيرهم، ولا شر إن لم یکن
لهم فیه سبب يسببونه أو یبتدعونه، فیعمل به بعدهم.
حدثنا عبد الرحمن بن یحیی، قال حدثنا أحمد بن سعید، قال حدثنا أحمد
ابن عبد العزيز بن أبي عبيد اللؤلؤي البغدادي بمكة، قال حدثنا علي بن
حرب، قال حدثنا عبد الملك ابن عبد العزيز بن أبي سلمة، قال حدثنا مالك
ابن أنس، عن سعید بن عمرو بن شرحبیل، عن أبيه، عن جده، عن سعد
بن عبادة، أنه خرج مع رسول الله و98َّ في بعض مغازيه، وحضرت أمه
الوفاة، فقيل لها: أوصي، فقالت: بم أوصي؟ إنما المال كله لسعد. قال: فلما
قدمت، أخبرت بذلك، فقلت للنبي وَلجر: أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال:
نعم(١). وهذا الاسناد عن مالك يدل على الاتصال- وهو الأغلب منه-
والله أعلم.
وكذلك حديث الدراوردي في ذلك: أخبرنا أحمد بن عبدالله أن أباه
أخبره قال حدثنا عبد الله بن يونس، قال حدثنا بقي ابن مخلد، قال حدثنا
یحیی بن عبد الحميد، قال حدثنا عبدالعزيز بن محمد، عن سعيد بن عمرو
ابن شرحبيل، عن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، أن أمه توفیت- وهو
غائب - فسأل النبي وسر أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم. وقد روي
متصلا من حديث أنس: حدثناه أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثني أبي،
حدثنا عبد الله بن يونس، حدثنا بقي، قال حدثنا يعقوب بن حميد بن
(١) أنظر الحدیث قبله.

فتح البر
٢٥٤
کاسب، قال حدثنا مروان، قال حدثنا حمید الطویل، عن أنس قال: قال
سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن
أتصدق عنها؟ قال: نعم وعليك بالماء(١).
قال: وحدثنا یحیی بن عبد الحميد، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن
عمارة بن غزية، عن حميد بن أبي الصعبة، عن سعيد بن سعد بن عبادة - أن
النبي ◌َّله أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء(٢).
وسئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ثم قال: ألم
تروا إلى أهل النارِ حين استغاثوا بأهل الجنة: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ
ج
أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: (٥٠)].
(١) ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٤١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.
وذكره المنذري في الترغيب (٧٣/٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورواته محتج بهم في
الصحيح.
(٢) انظر الحديث قبله.

صدقة التطوع
٢٥٥ -
باب منه
[٢٢] مالك، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، أن أمه أرادت أن توصي ثم
أخرت ذلك إلى أن تصبح فهلکت، وقد كانت همت بأن تعتق، قال عبد الرحمن
فقلت القاسم بن محمد: أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال القاسم بن محمد: إن سعد
ابن عبادة قال لرسول الله وآله: إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال
رسول الله وَ﴾: نعم(١).
قال أبو عمر:
طائفة تقول في هذا الحديث عن مالك: نعم أعتق عنها، منهم: ابن أبي
أويس، ورواية يحيى قائمة المعنى صحيحة.
هذا حديث منقطع؛ لأن القاسم لم يلق سعد بن عبادة، ولكن قصة سعد
ابن عبادة وحديثه في ذلك قد روي من وجوه كثيرة متصلة ومنقطعة
صحاح كلها، وهو حديث مشهور عند أهل العلم من حديث سعد بن
عبادة وغيره، إلا أن الرواية في ذلك مختلفة المعاني، فمنها: الصدقة عن
الميت، ومنها: العتق عن الميت، ومنها الصيام عن الميت، ومنها: قضاء
النذر مجملا، فأما الصدقة، فمن حديث مالك، عن سعيد بن عمرو بن
شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده، أن سعد بن عبادة
توفيت أمه- وهو غائب، فلما قدم سعد، قال: يا رسول الله، أينفعها أن
أتصدق عنها؟ فقال رسول الله يتلقى: نعم (٢). وسنذكر هذا الحديث في باب
سعید بن عمرو من كتابنا هذا- إن شاء الله.
(١) هق: (٢٧٩/٦) وقال: هذا مرسل ورواه هشام بن حسان عن الحسن عن النبي ◌َّل مرسلا
ببعض معناه.
(٢) ن: بهذا السند: (٦/ ٣٦٥٢/٥٦١)، خ: (٢٧٥٦/٤٨٤/٥) وغيره بسند آخر من حديث ابن
عباس.

فتح البر
١١ = ٢٥٦
وعند مالك أيضا في هذا حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة-
مرفوعا في الصدقة عن الميت، وأكثر الأحاديث في قصة سعید هذه عن
سعد وغيره إنما هي في الصدقة.
وأما العتق، فلا یکاد یوجد إلا من حديث مالك، عن عبدالرحمن بن أبي
عمرة-هذا.
وأما الصيام عن الميت، فقد روي أيضا من وجوه مختلفة.
وأما النذر فمن حديث ابن شهاب عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن
سعد بن عبادة سأل النبي پ# عن نذر کان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضیه،
فقال اقضه عنها(١).
فأما الصدقة عن الميت- فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء
فيها، وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع أيضا، إلا أن العلماء اختلفوا في
الولاء: فذهب مالك وأصاحبه إلى أن الولاء للمعتق عنه.
وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق على كل حال، وذهب
الکوفیون إلی أن العتق إن کان بأمر المعتق عنه، فالولاء له، وإن کان بغیر
أمره فالولاء للمعتق، وقد ذكرنا هذه المسألة ووجوهها في باب ربيعة من
کتابنا هذا.
وأما الصيام عن الميت، فمختلف فيه، فجماعة أهل العلم على أنه لا
يصوم أحد عن وليه إذا مات- وعلیه صیام من رمضان، ولكنه يطعم عنه.
قال أکثرهم: إن شاء، وكذلك جمهورهم أيضا على أنه لا يصوم أحد عن
أحد لا في نذر ولا في غير نذر، وممن ذهب الى ذلك: مالك، والشافعي،
(١) خ: (٦٦٩٨/٧١٥/١١) م: (١٦٣٨/١٢٦٠/٣)، د: (٣٣٠٧/٦٠٣/٣)
ت: (١٥٤٦/٩٩/٤) ن: (٣٨٢٧/٢٧/٧)، جه: (٢١٣٢/٦٨٨/١).

صدقة التطوع
٢٥٧
وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، ومن أهل العلم من رأى أن يصوم ولي
المیت عنه في النذر دون صيام رمضان، منهم: إسحاق بن راهويه- وهو
الصحیح عن ابن عباس أنه قال: ما کان من شهر رمضان يطعم عنه، وما
کان من صیام النذر فإنه یقضی عنه.
وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول ابن عباس سواء، ومنهم من رأى
أن يصوم عنه في كل صيام عليه على عموم ما روي عن ابن عباس، عن
النبي وَلم أنه قال: من مات- وعليه صيام، صام عنه وليه(١). منهم: أحمد بن
حنبل على اختلاف عنه، ولم يختلف عن أبي ثور في جواز ذلك في الوجهين
جميعا، وقد ذكرنا الحكم في ذلك عن علماء الأمصار، وذكرنا ما جاء في ذلك
من الآثار في باب ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من كتابنا
عند ذكر حدیث مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن
سعد بن عبادة سأل رسول الله ﴿ عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن
تقضيه؟ فقال: اقضه عنها (٢). وذكرنا هناك حكم النذر المجمل وكفارته،
وما في ذلك للعلماء- والحمد لله.
وأما حديث سعد بن عبادة في هذا الباب، فأكثر ما روي فيه الصدقة من
حديث القاسم بن محمد، وغيره.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، أن أباه أخبره قال: حدثنا عبد الله بن
یونس، قال حدثنا بقي بن مخلد، قال حدثنا ابن کاسب، قال حدثنا ابن
عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن سعداً أتى النبي ◌َّ﴾ فقال: يا
(١) أخرجه من حديث عائشة حم: (٦٩/٦)، خ: (١٩٥٢/٢٤١/٤)، م: (٢/ ١١٤٧/٨٠٣)،
د: (٢ / ٢٤٠٠/٧٩١).
(٢) تقدم تخريجه.

فتح البر
١ = ٢٥٨
نبي الله، إن أمي ماتت ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها من مالها؟ قال:
نعم(١). قال: وحدثنا ابن کاسب، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال
أخبرني عمرو بن الحارث أن بكيراً حدثه عن سليمان بن يسار، أن سعد بن
عبادة قال للنبي وَّ: إن أمي توفيت ولم توص، فهل تنالها صدقتي إن
تصدقت عنها؟ قال: نعم(٢). قال: وحدثنا ابن کاسب، قال حدثنا هارون،
عن حميد الطويل، عن الحسن، قال: قال سعد الأنصاري: يا رسول الله، إن
أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها بعدها؟ قال: نعم،
وعليك بالماء(٣).
قال: وحدثني يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا عبد العزيز ابن محمد،
عن عمارة بن غزية، عن حميد بن أبي الصعبة، عن سعد بن عبادة، أن النبي
وَاليه أمره أن يسقي عنها الماء(٤).
قال: وحدثني يحيى بن عبد الحميد، قال حدثني عبدالعزيز بن محمد،
عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل، عن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، أن
أمه توفيت وهو غائب، فقال للنبي وَلهو: أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال:
نعم(٥).
ووجدت في أصل سماع أبي بخطه - رحمه الله - أن محمد بن أحمد بن قاسم
بن هلال حدثهم، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي، قال حدثنا نصر بن
مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا الربيع بن صبيح، عن
(١) تقدم تخريجه .
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٧٣)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورواته محتج
بهم في الصحيح.
(٤) انظر الحديث قبله
(٥) ن: (٣٦٥٢/٥٦١/٦) وابن خزيمة (٢٥٠٠/١٢٤/٤).

صدقة التطوع
٢٥٩ = ١١
الحسن، عن سعد بن عبادة، قال: قلت: يا رسول الله، والدتي كانت تتصدق
من مالي، وتعتق من مالي حیاتها- فقد ماتت، أرأيت إن تصدقت عنها، أو
أعتقت عنها، أترجو لها شيئا؟ قال: نعم. قال: يا رسول الله دلني على
صدقة، قال: اسق الماء(١). قال: فما زالت جرار سعد بالمدينة بعد.
ومن أحسن ما يروى في العتق عن الميت: ما حدثناه عبدالله بن محمد،
قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا
الربيع بن سليمان - صاحب الشافعي، قال حدثنا عبد الله بن یوسف، قال
حدثنا عبد الله بن سالم، قال حدثني إبراهيم بن أبي عبلة، قال: كنت جالساً
باريجاء، فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئا على عبد الله بن الديلمي، فأجلسه
ثم جاء إلي فقال: عجب ما حدثني الشيخ - يعني واثلة! قلت: ما حدثك؟
قال: كنا مع النبي وَلّ في غزوة تبوك، فأتى نفر من بني سليم فقالوا: يا
رسول الله، إن صاحبنا قد أوجب، فقال رسول الله قالفيه: اعتقوا عنه رقبة،
يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار(٢).
(١) حم: (٢٨٤/٥-٢٨٥) و(٧/٦)، د: (١٦٨٠/٣١٣/٢)، ك: (٤١٤/١) وقال: تابعه همام عن
قتادة. وتعقبه الذهبي بقوله: لا، فإنه غير متصل.
(٢) ن: (٤٨٩٢/١٧٢/٣)، ك: (٢١٢/٢) وقال: على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. حب:
إحسان (٤٣٠٧/١٤٥/١٠). والحديث أخرجه: حم: (٤٩٠/٣-٤٩١) و(١٠٧/٤)،
د: (٤ /٢٧٣/ ٣٩٦٤). ن: في الكبرى (١٧٢/٣ / ٤٨٩١) من طرق عن إبراهيم بن أبي عبلة عن
الغريف بن عياش بن فيروز الديلمي، عن واثلة.

| - ٢٦٠
فتح البر
باب منه
[٢٣] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- أن رجلا قال لرسول الله وَل:
إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال
رسول الله وَ له: نعم (١).
وهذا الحديث أيضا مجتمع على القول بمعناه، ولا خلاف بين العلماء أن
صدقة الحي عن الميت جائزة، مرجو نفعها وقبولها إذا كانت من طيب، فإن
الله لا يقبل إلا الطيب، وليس الصدقة عندهم من باب عمل البدن في شيء،
فلا يجوز لأحد أن يصلي عن أحد، وجائز له أن يتصدق عن وليه وعن
غيره، وهذا مما ثبتت به السنة، ولم تختلف فيه الأمة، ويقولون إن الرجل
المذكور في هذا الحديث، هو سعد بن عبادة، وقد مضى القول في قصة سعد
ابن عبادة وصدقته عن أمه في غير موضع من كتابنا هذا- والحمد لله.
وأما قوله: افتلتت نفسها، فإنه أراد اختلست نفسها وماتت فجأة.
قال الشاعر:
من يأمن الأيام بعد صبيرة القرشي ماتا
سبقت منيته المشيب و کان ميتته افتلاتا
وقال خالد بن یزید:
فإن تفتلتها فالخلافة تنفلت بأكرم علقی منبر وسرير
وقال أبو بكر بن شاذان: سألت أبا زيد النحوي عن قول عمر: كانت
بيعة أبي بكر فلتة، فقال: أراد فجأة، وأنشد قول الشاعر:
وكان ميتته افتلاتا
قال: وتقول العرب- إذا رأت الهلال بغير قصد الى ذلك -: رأيت الهلال
فلتة.
(١) خ: (٢٧٦٠/٤٨٨/٥)، م: (١٠٠٤/٦٩٦/٢)، ن: (٣٦٥١/٥٦٠/٦).