النص المفهرس
صفحات 21-40
الزكاة
٢١ -
قد روى أبو البختري عن أبي سعيد الخدري أحاديث غير هذا- وسنه
فوق إدراك أبي سعيد، وقد تقدم عن جابر عن النبي ◌َّ مثل ذلك، ولكنه
غريب غير محفوظ، حدثناه عبد الوارث بن سفيان: قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي، قال حدثنا أبو حذيفة موسى بن
مسعود، قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دینار، قال: كان
جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَّطي: لا صدقة في شيء من الزرع أو
النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق، ولا في الرقة حتى تبلغ مائتي
درهم(١). وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول.
قال أبو عمر:
أما قوله ليس فيما دون خمس ذود صدقة، فالذود واحد من الإبل؛ فكأنه
قال: لیس فیما دون خمس من الإبل أو خمس إبل أو خمس جمال أو خمس نوق
صدقة، والذود واحد من هذه كلها ومنه قیل الذود إلى الذود إبل، وقد قيل
إن الذود القطعة من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، والأول أكثر وأشهر،
قال الحطيئة:
ونحن ثلاثة وثلاث ذود لقد عال الزمان علی عیالي
أي مال عليهم، والصدقة الزكاة المعروفة ــ وهي
المفروضة، سماها الله صدقة وسماها زكاة؛ قال: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: (١٠٣)]، وقال: ﴿﴿ إِنَّمَا
الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: (٢٠)] الآية يعني الزكوات،
﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [النور: (٥٦)] وقال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ
[فصلت: (٧)] فهي الصدقة وهي الزكاة، وهذا ما لا
الزَّكَوَةَ ﴾
(١) جه: (١٧٩٤/٥٧٢/١)، قال في الزوائد: إسناده حسن، الطحاوي في شرح المعاني (٣٥/٢)
وفي مشكل الآثار (٢٠/٢).
فتح البر
=
٢٢
تنازع فيه ولا اختلاف؛ ففي هذا الحدیث دلیل علی أن ما کان دون خمس
من الإبل فلا زكاة فيه، وهذا إجماع أيضا من علماء المسلمين، فإذا بلغت
خمسا ففيها شاة، واسم الشاة يقع على واحدة من الغنم، والغنم الضأن
والمعز جميعا، وهذا أيضا إجماع من العلماء أنه ليس في خمس من الإبل إلا
شاة واحدة، وهي فريضتها إلى تسع، فإذا بلغت الإبل عشرا، ففيها شاتان،
وهي فريضتها إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه،
وهي فريضتها إلى عشرين، فإذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه، وهي
فريضتها إلى أربع وعشرين؛ فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها ابنة مخاض-
وهي ابنة حول کامل؛ فإن لم تكن بنت مخاض، فابن لبون ذكر؛ وقد وصفنا
أسنان الإبل كلها من أولها إلى آخرها وما يؤخذ منها في الصدقات وفي
الديات في باب عبد الله بن أبي بكر من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادة ذلك
ههنا (*).
وابنة مخاض أو ابن لبون- إن لم توجد ابنة مخاض فريضة خمس وعشرين
من الإبل إلى خمس وثلاثين منها، فإذا كانت ستا وثلاثين، ففيها ابنة لبون،
وهي فريضتها إلى خمس وأربعين؛ فإذا كانت ستا وأربعين، ففيها حقة،
وهي فريضتها حتى تبلغ ستين؛ فإذا كانت إحدى وستين، ففيها جذعة،
وهي فريضتها إلى خمس وسبعين؛ فإذا كانت ستة وسبعين، ففيها ابنتا لبون،
وهي فريضتها إلى تسعين؛ فإذا كانت إحدى وتسعين، ففيها حقتان، وهي
فريضتها إلى عشرين ومائة؛ فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، فهذا موضع
اختلاف بين العلماء، وكل ما قدمت لك إجماع لا خلاف فيه؛ وأما
اختلافهم في هذا الموضع، فإن مالكا قال: إذا زادت الإبل على عشرين
(*) انظر كتاب الدیات.
الزكاة
٢٣ =
ومائة واحدة، فالمصدق بالخيار- إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون، وإن شاء
أخذ حقتین.
قال ابن القاسم: وقال ابن شهاب: اذا زادت واحدة على عشرين ومائة،
ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وابنتا
لبون. قال ابن قاسم: يتفق ابن شهاب ومالك في هذا، ويختلفان فيها بين
واحد وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة، قال ابن القاسم: ورأيي على
قول ابن شهاب.
وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز بن أبي حازم
وابن دينار يقولون بقول مالك: إن الساعي مخير إذا زادت الإبل على
عشرين ومائة في حقتين أو ثلاث بنات لبون- كما قال مالك. وذكر أن
المغيرة المخزومي كان يقول: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففيها
حقتان لا غير - إلى ثلاثين ومائة، وليس الساعي في ذلك مخيرا، قال: وأخذ
عبد الملك بن الماجشون بقول المغيرة في ذلك.
قال أبو عمر: إذا بلغت الإبل ثلاثين ومائة، ففيها حقة وابنتالبون بإجماع
من العلماء؛ لأن الأصل في فرائض الإبل المجتمع عليها: في كل خمسين
حقة، وفي كل أربعين بنت لبون؛ فلما احتملت الزيادة على عشرين ومائة
للو جھین جمیعا، وقع الاختلاف کما رأيت للاحتمال في الأصل.
وقال الشافعي والأوزاعي: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففيها
ثلاث بنات لبون، في کل خمسین حقة، وفي کل أربعین بنت لبون.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة،
استقبل الفريضة؛ وهذا الذي ذكرت لك أنه إجماع من العلماء في هذا الباب،
٢٤
فتح البر
هو الثابت عن النبي ﴾﴾ بنقل الكافة؛ ونقله الآحاد أيضا في كتاب عمرو بن
حزم وغيره، وفي كتاب أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق إلى العمال، وهو
المعمول به عند جماعة العلماء في جميع الآفاق؛ والأحاديث في ذلك كثيرة قد
ذكرها المصنفون وكثروا فيها، وما ذكرنا وحكينا يغنى عنها؛ وأحسن شيء
منها ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا المطلب بن شعيب، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني
اللیث، قال حدثني يونس، عن ابن شهاب في الصدقات؛ قال ابن شهاب:
هذه نسخة كتاب رسول الله وَ ل﴿ في الصدقة، وهي عند آل عمر بن
الخطاب؛ قال يونس: حدثني ابن شهاب، قال: أقرأنيها سالم فوعيتها على
وجهها؛ وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد
الله بن عمر، وأمر عماله بالعمل بها، ولم يزل الخلفاء يعملون بها؛ وهذا
کتاب تفسیرها: لا يؤخذ في شيء من الإبل صدقة حتى تبلغ خمس ذود،
فإذا بلغت خمسا، ففيها شاة حتى تبلغ عشرا؛ فإذا بلغت عشرا، ففيها شاتان
حتى تبلغ خمس عشرة؛ فإذا بلغت خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه حتى تبلغ
عشرين؛ فإذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه حتى تبلغ خمسا وعشرين؛
فإذا بلغت خمسا وعشرين، افترضت، فكان فيها فريضة ابنة مخاض؛ فإن لم
تو جد ابنة مخاض، فابن لبون ذکر. حتى تبلغ خمسا وثلاثين؛ فإذا كانت ستا
وثلاثين، ففيها ابنة لبون- حتى تبلغ خمسا وأربعين؛ فإذا كانت ستا
وأربعين، ففيها حقة طروقة الجمل حتى تبلغ ستين؛ فإذا كانت إحدى
وستين، ففيها جذعة حتى تبلغ خمسا وسبعين؛ فإذا بلغت ستا وسبعين،
ففيها ابنتا لبون حتى تبلغ تسعین؛ فإذا كانت إحدى وتسعین، ففيها حقتان
طروقتا الجمل حتى تبلغ عشرين ومائة؛ فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة،
ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة؛ فإذا كانت ثلاثین
الزكاة
٢٥ _
ومائة، ففيها حقة وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة؛ فإذا كانت
أربعين ومائة، ففيها حقتان وابنة لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة؛ فإذا
كانت خمسين ومائة، ففيها ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة؛ فإذا
كانت ستين ومائة، ففيها أربع بنات لبون حتى تبلغ تسعا وستين ومائة؛
فإذا بلغت سبعين ومائة، ففيها حقة وثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا
وسبعین ومائة؛ فإذا بلغت ثمانین ومائة، ففيها حقتان وابنتا لبون حتى تبلغ
تسعا وثمانين ومائة؛ فإذا كانت تسعين ومائة، ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون
حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة؛ فإذا كانت مائتين، ففيها أربع حقاق أو
خمس بنات لبون- أي السنين وجدت أخذت؛ ولا تؤخذ من الغنم صدقة
حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين، ففيها شاة حتى تبلغ عشرين ومائة؛
فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها شاتان حتى تبلغ مائتي شاة؛ فإذا
کانت مائتي شاة وشاة، ففيها ثلاث شیاه حتى تبلغ ثلاثمائة؛ فإذا زادت على
ثلاثمائة شاة، ففي كل مائة شاة؛ فليس فيها إلا ثلاث شیاه حتى تبلغ
أربعمائة شاة، ففیھا أربع شیاہ؛ حتی تکون خمسمائة، ففيها خمس شیاه؛ ثم
ذکرها هکذا إلى ألف، فیکون فيها عشر شیاه في کل مائة شاة شاة؛ قال: ثم
كلما زادت مائة، ففيها شاة. وليس في الورق صدقة حتی تبلغ مائتي درهم،
فإذا بلغت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم؛ ثم في کل أربعین درهما زاد على
مائتي درهم درهم؛ وليس في الذهب صدقة حتى يبلغ صرفها مائتي
درهم، فإذا بلغ صرفها مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم؛ ثم في كل ما يبلغ
صرفه أربعين درهما درهم - حتى تبلغ أربعين دينارا؛ فإذا بلغت أربعين
دينارا، ففيها دينار؛ ثم ما زاد على ذلك من الذهب؛ ففي صرف أربعين
درهما درهم، وفي كل أربعين دينارا دينار؛ وليس في السوائم من الإبل
والبقر، ولا بقر الحرث صدقة، من أجل أنها سوائم الزرع وعوامل الحرث؛
فتح البر
= ٢٦
وفي كل ثلاثين بقرة تبيع ذكر، وفي كل أربعين بقرة بقرة(١).
قال أبو عمر:
أما قوله في زكاة الذهب وبقر الحرث والسوائم وعوامل الإبل، فليس
ذلك في شيء من الأحاديث المرفوعة إلا في هذا الحديث- وهو من رأي ابن
شهاب محفوظ؛ وكثيرا ما كان يدخل في أواخر الأحاديث رأيه، فيظن
السامع أن ذلك في الحديث؛ وكل ما في هذا الحديث فإجماع من العلماء، إلا
في زكاة الذهب، فإن الجمهور على خلاف ابن شهاب في ذلك؛ والخلاف
فيه على ما نذكره بعد في هذا الباب، وكذلك الخلاف في موضع واحد من
زكاة الغنم، وفي زكاة العوامل من الإبل والبقر.
فأما اختلافهم في زكاة الإبل العوامل والبقر العوامل، فذهب مالك إلى
أن الزكاة فيها واجبة كغير العوامل سواء؛ وهو قول مكحول وقتادة،
وروایة عن اللیث رواها ابن وهب عنه.
وقال الثوري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعي، وأبو
حنيفة وأصحابها، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو
عبيد، وداود، والطبري: ليس في العوامل من الإبل والبقر صدقة؛ وروي
ذلك عن علي، ومعاذ، وجابر بن عبد الله - ولا مخالف لهم من الصحابة.
وروى عبد الله بن صالح، عن الليث مثل ذلك، وهو قول جماعة التابعين
بالحجاز والعراق؛ وحجة من أوجب الزكاة في العوامل من الإبل والبقر،
ظاهر الأحاديث في الإبل والبقر في كل ثلاثين بقرة تبيع، وفي كل أربعين
مسنة - لم يخص عاملا عن غير عامل.
(١) خ: (١٤٤٨/٣٩٨/٣)، (١٤٥٣/٤٠٣/٣)، (١٤٥٤/٤٠٤/٣)، د: (١٥٦٧/٢١٤/٢)،
ن: (٢٤٤٦/٢٠/٥)، وجه: (١٨٠٠/٥٧٥/١)
الزكاة
٢٧=
وحجة من أسقط عنها الزكاة: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده؛
قال: سمعت رسول الله وَلويقول: في كل إبل سائمة من كل أربعين بنت
لبون- الحديث(١).
قالوا: والسائمة هي الراعية التي يطلب نماؤها في نسلها ورسلها.
قالوا: وفي ذكر السائمة نفي للزكاة عن العاملة، وبين أصحاب مالك
وبين مخالفيهم في زكاة العوامل من جهة النظر والمقايسات ما رغبت عن
ذكره.
قال أبو عمر:
وأما الموضع الذي اختلفوا فيه من زكاة الغنم، فهو إذا زادت على
ثلاثمائة شاة، فإن الحسن بن صالح بن حي قال: إذا كانت الغنم ثلاثمائة
شاة وشاة، ففيها أربع شياه؛ وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة، ففيها خمس
شياه؛ ثم هكذا- كلما زادت في كل مائة شاة. وروي عن منصور عن
إبراهیم نحوه.
وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وسائر الفقهاء: في مائتي
شاة وشاة ثلاث شياه؛ ثم لا شيء فيها زائدة إلى أربعمائة، فتكون فيها أربع
شياه؛ ثم كلما زادت مائة، ففيها شاة - اتفاقا وإجماعا. والآثار المروية عن
النبي والقر كلها تدل على ما قال مالك وسائر الفقهاء، دون ما قال الحسن بن
حي؛ لأن في جميعها في صدقة الغنم: فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة
شاة؛ وهذا يقتضي ما قال الفقهاء وجماعة العلماء، دون ما قال الحسن بن
(١) د (١٥٧٥/٢٣٣/٢)، ن (٢٤٤٨/٢٥/٥)، ك (٣٩٨/١) وقال: صحيح الإسناد ووافقه
الذهبي.
-= ٢٨
فتح البر
حي؛ وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر، وحكى فيها عن العلماء الخطأ،
وغلط وأكثر الغلط.
وأما قول رسول الله ټ في حدیث هذا الباب: ولیس فيما دون خمس
أواق صدقة، فإنه إجماع من أهل العلم أيضا؛ وفي هذا القول معنيان،
أحدهما: نفي الزكاة عما دون خمس أواق؛ والمعنى الثاني إيجابها في ذلك
المقدار، وفيما زاد عليه بحسابه؛ هذا ما يوجبه ظاهر هذا الحديث، لعدم
النص عن العفو بعد الخمس الأواقي حتى تبلغ مقداراً ما؛ فلما عدم النص
في ذلك، وجب القول بإيجابها في القليل والكثير؛ بدلالة العفو عما دون
الخمس الأواقي، وعلى هذا أكثر العلماء؛ وسنذكر القائلين به، والخلاف فيه
في هذا الباب بعد- إن شاء الله.
والأوقية عندهم: أربعون درهما كيلا، لا خلاف في ذلك؛ والأصل في
الأوقية ما ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال قال: كانت الدراهم غير معلومة
إلى أيام عبد الملك بن مروان، فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن
سبعة مثاقيل؛ قال: وکانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زیف،
ودرهم من أربعة دوانق جيد؛ قال: فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد
الملك على أن جمعوا الأربعة الدوانق إلى الثمانية، فصارت اثني عشر دانقا،
فجعلوا الدرهم ستة دوانق، وسموه کیلا؛ واجتمع لهم في ذلك أن في كل
مائتي درهم زكاة، وأن أربعين درهما أوقية؛ وأن في الخمس الأواقي التي
قال رسول الله ﴿﴿ ليس فيما دونها صدقة مائتي درهم لا زيادة، وهي
نصاب الصدقة.
قال أبو عمر:
ما حكاه أبو عبيد يستحيل؛ لأن الأوقية على عهد رسول الله وق لقه لم يجز أن
تكون مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزن، ثم يوجب الزكاة عليها - وهي
الزكاة
٢٩ = ١١
لا یعلم مبلغ وزنها؛ ووزن الدينار درهمان أمر مجتمع عليه، معروف في
الآفاق عند جماعة أهل الإسلام؛ إلا أن الوزن عندنا بالأندلس مخالف
لوزنهم، فالدرهم الكيل عندهم هو عندنا بالأندلس درهم وأربعة أعشار
درهم؛ لأن دراهمنا مبنية على دخل أربعين ومائة في مائة كيلا؛ هكذا أجمع
الأمراء والناس عليها عندنا بالأندلس في جميع نواحيها، فعلى ما ذكرنا في
الدرهم المعهود عندنا: أنه درهم وخمسان تكون المائتا درهم كيلا مائتي
درهم وثمانين درهما. وقيل: إن الدرهم المعهود بالمشرق وهو الدرهم الكيل
المذكور، هو بوزننا المعهود اليوم بالأندلس درهم ونصف، وأظن ذلك
بمصر وما والاها. وأما أوزان العراق، فعلى ما ذكرت لك لم يختلف عليها
أن درهمهم درهم وأربعة أعشار درهم بوزننا. وقد حكى الأثرم عن أحمد
ابن حنبل، أنه ذکر اختلاف الدینار والدرهم بالیمن وناحیة عدن فقال: قد
اصطلح الناس على دراهمنا- وإن كان بينهم في ذلك اختلاف، قال: وأما
الدنانير، فليس فيها اختلاف؛ فجملة النصاب ومبلغه عندنا اليوم بوزننا،
ودخلنا على حسبما وصفنا: خمسة وثلاثون ديناراً دراهم حساب الدينار
ثمانية دراهم بدراهمنا التي هي دخل أربعين ومائة في مائة كيلا؛ وهذا على
حساب الدرهم الكيل درهم وأربعة أعشار درهم؛ وعلى حساب الدرهم
درهم ونصف، يكون سبعة وثلاثين ديناراً دراهم وأربعة دراهم؛ فإذا ملك
الحر المسلم وزن المائتي درهم المذكورة من فضة- مضروبة أو غير
مضروبة، وهي الخمس الأواقي المنصوصة في الحديث حولا كاملا، فقد
وجبت عليه صدقتها؛ وذلك ربع عشرها: خمسة دراهم للمساكين والفقراء
ومن ذكر في آية الصدقات؛ إلا المؤلفة قلوبهم، فإن الله قد أغنى الإسلام
وأهله اليوم عن أن يتألف عليه؛ وسائر الأصناف المذكورات من وضع
زكاته في صنف منهم أجزأه، إلا العاملين على الصدقات، فإن لهم بقدر
فتح البر
-
٣٠
عمالتهم؛ وقد ذكرنا ما للعلماء في قسم الصدقات على الأصناف المذكورين
في الآية من التنازع في غير هذا الموضع؛ وما ذكرت لك ههنا، فهو المعتمد
عليه المعمول به؛ وما زاد على المائتي درهم من الورق، فبحساب ذلك في
كل شيء منه ربع عشره - قل أو كثر؛ هذا قول مالك، والليث، والشافعي،
وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن
حنبل، وأبي ثور، وإسحاق، وأبي عبيد، وروي ذلك عن علي، وابن عمر.
وقالت طائفة من أهل العلم: لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى
تبلغ الزیادة أربعین درهما، فإذا بلغتها، کان فيها درهم- وذلك ربع
عشرها، هذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي،
وابن شهاب الزهري، ومكحول، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وأبي
حنيفة.
وأما زكاة الذهب فأجمع العلماء على أن الذهب إذا كان عشرون دينارا
قيمتها مائتا درهم فما زاد، أن الزكاة فيها واجبة؛ إلا رواية جاءت عن
الحسن، وعن الثوري، مال إليها بعض أصحاب داود بن علي أن الذهب لا
زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا؛ والدينار من الذهب هو المثقال الذي وزنه
درهمان عددا بدراهمنا لا كيلا، وهذا أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه إلا ما
کان من اختلاف الأوزان بین أهل البلدان.
وقد روي عن جابر بن عبد الله بإسناد لا يصح - أن النبي وَلّ قال:
الدينار أربعة وعشرون قيراطا. وهذا الحديث- وإن لم يصح إسناده- ففي
قول جماعة العلماء به، وإجماع الناس على معناه- ما يغني عن الإسناد فيه؛
والقيراط وزنه ثلاث حبات من حبوب الشعير الممتلئة غير الخارجة عن
المعهود من مقادير الحبوب- وذلك اثنتان وسبعون حبة، وزن جميعها
درهمان بدراهمنا اليوم- والحمد لله؛ وأجمعوا على أن لا زكاة فيما دون
الزكاة
٣١ = ١١
عشرين مثقالا إذا لم تبلغ قيمتها مائتي درهم، واختلفوا في العشرين دينارا
إذا لم تبلغ قيمتها مائتي درهم؛ وفيما يساوي من الذهب مائتي درهم وإن لم
يكن وزنه عشرين دينارا، فالذي عليه جمهور أهل العلم، أن الذهب تجب
فيه الزكاة على من ملكه حولا إذا كان وزنه عشرين دينارا فصاعدا، يجب
فیه ربع عشره، وسواء ساوى مائتي درهم كيلا أم لم يساو؛ وما زاد على
العشرين مثقالا، فبحساب ذلك في القليل والكثير؛ وما نقص من عشرين
دينارا، فلا زكاة فيه سواء كانت قيمته مائتي درهم أو أكثر، والمراعاة فيه
وزنه في نفسه من غير قيمة؛ هذا مذهب مالك، والشافعي، وأصحابها،
والليث بن سعد، والثوري في أكثر الروايات عنه، وأحمد، وإسحاق، وأبي
ثور، وأبي عبيد، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجماعة من
التابعين بالعراق، والحجاز؛ منهم: عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز،
وابن سيرين، والنخعي، والحكم وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف،
ومحمد، إلا أن أبا حنيفة قال: لا شيء فيما زاد على العشرين مثقالاً حتى يبلغ
أربعة مثاقيل وهو قول الأوزاعي.
وقال آخرون: ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم، فإذا
بلغ صرفها مائتي درهم، ففيها ربع العشر، وإن كان وزنها أقل من عشرين
ديناراً؛ ولو كانت عشرين دينارا أو أزيد ولم يبلغ صرفها مائتي درهم لم
تجب فيها زكاة حتى تبلغ أربعين دينارا؛ فإذا بلغت أربعين دينارا، ففيها
دينار؛ ولا يراعى فيها الصرف والقيمة إذا بلغت أربعين دينارا؛ هذا قول
الزهري، وقد رواه يونس عنه في الحديث المذكور عن سالم، وعبد الله ابني
عبد الله بن عمر في ذلك الكتاب؛ والصحيح عندي والله أعلم أنه من رأي
ابن شهاب، کذلك ذکره عنه معمر وغیره، وهو قول عطاء وطاوس، وبه
قال أيوب السختياني، وسلیمان بن حرب.
فتح البر
= ٣٢
وقالت طائفة: ليس في الذهب شيء حتى تبلغ أربعين دينارا، فإذا بلغت
أربعين دينارا، ففيها ربع عشرها دینار؛ ثم ما زاد، فبحساب ذلك؛ هذا قول
الحسن ورواية عن الثوري، وبه قال أكثر أصحاب داود بن علي؛ ولا
خلاف بين علماء المسلمين أن في كل أربعين دينارا من الذهب ديناراً يجب
إخراجه زكاة على مالكها حولاً كاملاً تاجراً كان أو غير تاجر، ما لم يكن
حليا متخذا للبس النساء؛ فإن كان حليا من ذهب، أو فضة قد اتخذ للبس
النساء، أو كان خاتم فضة لرجل، أو حلية سيف، أو مصحف من فضة
لرجل، أو ما أبيح له اتخاذه من غير الآنية، فإن العلماء اختلفوا في وجوب
الزكاة فيه: فذهب مالك وأصحابه إلى أن لا زكاة فيه، وبه قال أحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وهو قول الشافعي بالعراق، ووقف فيه
بعد ذلك بمصر، وقال: أستخير الله فيه.
وروي عن ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر رضي الله عنهم، أن لا
زكاة في الحلي؛ وعن جماعة من التابعين بالمدينة والبصرة مثل ذلك.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي: في ذلك كله الزكاة.
وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمر؛
وهو قول جماعة: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والزهري؛ وروي عنه وَلّل
بإسناد لا يحتج بمثله(١).
(١) لعل ابن عبد البر اعتمد في هذا على ما أورده الترمذي في جامعه حين إيراده لحديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده (٢٩/٣ - ٦٣٧/٣٠) وقال فيه: رواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن
شعيب. والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث والصحيح وجوب الزكاة في الحلي
لکون حديث الترمذي نفسه روي بأسانید صحیحة عند: د. (١٥٦٣/٢١٢/٢)، و ن:
(٢٤٧٨/٣٩/٥).
الزكاة
٣٣ ==
وقال اللیث: ما کان منه يلبس ويعار فلا زکاة فیه، وما صنع ليفر به من
الصدقة، ففيه الصدقة.
وأما قوله {آل﴾ لیس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ففيه معنیان، أحدهما:
نفي وجوب الزكاة عما کان دون هذا المقدار، کما أن قوله: لیس فیما دون
خمس أواق من الورق صدقة قد نفى وجوب الزكاة فيما دون ذلك؛ والمعنى
الآخر: وجوب الزكاة في هذا المقدار فما فوقه. والوسق: ستون صاعا بإجماع
من العلماء بصاع النبي ◌َّةٍ، والصاع أربعة أمداد بمده وَّةٍ؛ ومده: زنته
رطل وثلث، وزيادة شيء، هذا قول عامة العلماء بالحجاز والعراق، فهي
ألف مد ومائتا مد؛ وهي بالكيل القرطبي عندنا بالأندلس خمسة وعشرون
قفيزاً، على حساب كل قفيز ثمانية وأربعون مدا؛ وإن كان القفيز اثنين
وأربعين مدا كما زعم جماعة من الشيوخ عندنا، فهي ثمانية وعشرون قفيزا
ونصف قفیز، أو أربعة أسباع قفیز؛ ووزن جميعها ثلاثة وخمسون ربعا وثلث
ربع، كل ربع منها من ثلاثين رطلا؛ فهذا هو المقدار الذي لا تجب الزكاة
فیما دونه، و تجب فيه وفيما فوقه کیلا؛ لأن الحدیث إنما نبه على الكيل، وهذا
إجماع من العلماء أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق إلا أبا حنيفة وزفر،
ورواية عن بعض التابعين، فإنهم قالوا: الزكاة في كل ما أخرجته الأرض
قليل ذلك وكثيره إلا الطرفاء والقصب الفارسي، والحشيش، والحطب.
وخالفه أصحابه فصاروا إلى ما عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين
وفقهاء المسلمين بالحجاز والعراق والشام ومصر في اعتبار الخمسة الأوسق
المذكورة في هذا الحديث؛ وأجمع العلماء كلهم من السلف والخلف على أن
الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا فيما سوى ذلك
من الحبوب: فقال مالك: الحبوب التي تجب فيها الزكاة: الحنطة، والشعير،
٣٤
فتح البر
والسلت، والذرة، والدخن، والأرز، والحمص، والعدس، والجلبان،
واللوبيا، وما أشبه ذلك من الحبوب والقطاني كلها؛ قال: وفي الزيتون
الزكاة.
وقال الشافعي: كل ما يزرعه الآدمیون، وييبس ويدخر، ويقتات مأكولا
خبزا وسويقاً وطحينا وطبيخا ففيه الصدقة. قال: والقطاني كلها فيها
الصدقة، قال: وليس في الابزار، والقت، والقثاء، ولا حبوب البقل، ولا
الشُّونيز صدقة. قال: ولا يؤخذ في شيء من ثمر الشجر صدقة، إلا في
النخل والعنب.
واختلف قوله في الزيتون، وآخر ما رجع اليه: أن لا زكاة فيه؛ لأنه إدام.
وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: لاشيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان
له ثمرة باقية تبلغ مكيلتها خمسة أوسق، ولا تجب الزكاة فيما دون خمسة
أوسق؛ وقال الثوري، وابن أبي ليلى: ليس في شيء من الزرع والثمار زكاة إلا
التمر والزبيب والبر والشعير، وهو قول الحسن بن حي.
وقول الطبري في هذا الباب كله كقول الشافعي، ولا زكاة عنده في
الزيتون. وقال أبو ثور: الزكاة في الحنطة والشعير والارز والحمص
والعدس والذرة وجميع الحبوب مما يدخر ويؤكل.
قال: وفي السلت والدخن واللوبيا والقرطم وما أشبه ذلك الزكاة.
وقال عطاء: الصدقة في النخل والعنب والحبوب كلها وهو قول أحمد.
وروي عن أحمد أيضا إن كان كل شيء يدخر ويبقى، ففيه الزكاة.
وقال إسحاق: كل ما وقع عليه اسم الحب وهو مما يبقى في أيدي الناس،
ويصير في بعض الأزمنة عند الضرورة طعاما لقوم، فهو حب يؤخذ منه
العشر.
الزكاة
٣٥ =
واختلفوا في ضم هذه الحبوب بعضها إلى بعض: فمذهب مالك: أن
البر والشعير والسلت صنف واحد يضم بعض ذلك الى بعض في الزكاة،
ولا يجوز فيها التفاضل قال: وتضم القطاني كلها بعضها إلى بعض في
الزكاة، وهي عنده أصناف مختلفة في البيوع، يجوز فيها التفاضل دون
النساء؛ والقطاني عنده: الفول والحمص واللوبيا والجلبان والعدس؛ قال:
وما يعرفه الناس من القطاني. فإذا بلغ جمیع ذلك خمسة أوسق، أخذ من کل
واحد بحصته، والدخن عنده صنف على حدة، وكذلك الذرة صنف،
والأرز صنف، ولا يضم شيء منها الى صاحبه في الزكاة.
وقال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف ومحمد: لا يضم
شعير الى حنطة، ولا يضم جنس ولا نوع الى غيره إذا خالفه في الاسم
واللون؛ ولا يضم من القطاني كلها وغيرها شيء الى غيره، ويعتبر من كل
واحد خمسة أوسق.
وذكر ابن وهب عن الليث قال: السلت والذرة والدخن والأرز والقمح
والشعير صنف واحد، يضم بعضه الى بعض، وتؤخذ منه الزكاة؛ ولا يباع
صنف منه بالآخر إلا مثلا بمثل، يداً بيد؛ والقطاني كلها عنده صنف واحد
في الزكاة ومختلفة الأجناس في البيع.
وعن الحسن والزهري في ضم الأصناف بعضها إلى بعض في هذا الباب
نحو قول مالك.
وعن عطاء، ومکحول، والحسن بن صالح، وشريك في ذلك مثل قول
الشافعي؛ وبه قال أبو عبيد، وأحمد، وأبو ثور؛ وأجمعوا أنه لا يضاف التمر
الى الزبيب؛ ولا الى البر، ولا البر الى الزبيب، ولا الإبل الى البقر، ولا البقر
الى الغنم والغنم الضأن، والمعز يضاف بعضها إلى بعض بإجماع؛ واختلفوا في
فتح البر
= ٣٦
ضم الذهب والورق بعضها إلى بعض في الزكاة: فقال مالك والأوزاعي
وأبو حنيفة وأصحابه والثوري: يضم أحدهما الى الآخر، فيكمل به
النصاب، إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة؛ وكذلك قال الثوري، إلا أنه
قال: يضم القليل إلى الكثير بقيمة الأكثر؛ وتفسير ضمها بالقيمة أن يقوم
أحدهما بالآخر، فإن بلغت قيمته ما تجب فيه الزكاة من ذلك الصنف،
جعلها کأنهما صنف واحد وزكاهما زكاة ذلك الصنف.
قال أبو حنيفة: فإن كانت قيمة كل واحد من الصنفين تبلغ مع الصنف
الآخر المقدار الذي تجب فيه الزكاة منه، نظر ما فيه الحظ للمساکین فجعل
الصنفين كأنهما من ذلك الصنف، وجعل فيهما جميعا زكاة ذلك الصنف،
وإن كان في التقويم بأحدهما دون الآخر زكاة، قوم بالذي يجب بالتقويم فيه
الزكاة وقد روى الثوري مثل هذا أيضا.
وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والأوزاعي: تضم بالأجزاء ويحسب
الدينار بعشرة دراهم على ما كانت في الزمان الأول، فمن كانت له عشرة
دنانير ومائة درهم، وجبت عليه الزكاة، وأخرج من كل واحد بحسابه منه
وهو قول الحسن وقتادة. ومن تفسير الضم بالأجزاء: أن تكون عنده من
كل واحد من الصنفين الذهب والورق نصف كل نصف منهما، أو يكون
عنده ثلث أحدهما، ومن الآخر ثلثاه على هذا المعنى؛ فإن كانت الأجزاء
على هذا المعنى غير متكاملة فلا زكاة، فإن تكاملت بأقل الأجزاء: مثل أن
تكون عنده تسعون ومائة درهم ودينار، أوتسعة عشر دينارا وعشرة
دراهم، وجبت فيهما جميعا الزكاة.
وقال ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك، والشافعي، وأصحابه،
وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والطبري، وداود بن علي: لا يضم
الزكاة
٣٧ == ١١
شيء منهما إلى صاحبه، ويعتبرون تمام النصاب في كل واحد منهما، وهو
قول صحيح في النظر، ومعنى الأثر، وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
أما التمر، فقد ثبت عن النبي ◌ّ﴾ من نقل الآحاد الثقات أنه قال: ليس
فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة من رواية مالك، عن محمد بن عبدالله
ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وقد ذكرناه في باب محمد من هذا الكتاب،
وذكرنا هناك من روی مثل روايته وما الصحيح من ذلك؛ وذكرنا في هذا
الباب من حدیث إسماعيل بن أمیة، عن محمد بن یحیی بن حبان، عن يحيى
ابن عمارة، عن أبي سعيد، عن النبي وّ﴾ قال: ليس فيما دون خمسة أوساق
من حب وتمر صدقة(١).
وأمر النبي آڼ بخرص التمر للزكاة، وقد ذكرنا طرق حديثه بذلك في
باب ابن شهاب من هذا الكتاب.
وأما البر فقد ذكرنا في الباب من روایة روح بن القاسم، عن عمرو بن
يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد عن النبي وَ لّ أنه قال: لا يجب أو يحل في البر
والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق(٢).
وذكرنا حديث جابر عن النبي ◌ّلهم أنه قال: لا صدقة في شيء من الزرع
أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق(٣).
وروی عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن
عتاب بن أسيد، قال: أمرني رسول الله وَ ليل أن أخرص العنب وآخذ زكاته
(١) سبق تخريجه في حديث الباب.
(٢) و(٣) سبق تخريجه في الباب نفسه.
٣٨
فتح البر
زبيبا، كما تؤخذ زكاة التمر تمرا(١).
فهذا ما في الأحاديث من ذكر الحبوب والتمر والزبيب، وحديث
إسماعيل بن أمية يجمع كل حب؛ وقد أجمع العلماء على أخذ الزكاة من البر
والشعير والتمر والزبيب كما ذكرنا، واختلفوا فيما سوی ذلك على ما وصفنا
وبالله توفيقنا.
وأما اختلافهم في زكاة الزيتون، فقال الزهري، ومالك، والأوزاعي،
والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور: فيه
الزكاة؛ قال الزهري والأوزاعي والليث يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا.
وقال مالك: لا يخرص ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيل
الزيتون خمسة أوسق.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، تؤخذ الزكاة من حبه.
و کان ابن عباس یوجب في الزیتون الزكاة.
وروي عن عمر- ولا يصح عنه فيه شيء.
وكان الشافعي يقول بالعراق: في الزيتون الزكاة ثم قال بمصر: لا أعلم
أن الزكاة تجب في الزیتون.
أخبرني قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال سمعت سعید بن
عثمان يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: اجتمع على
(١) د(٢/ ٢٥٧/ ١٦٠٣) وقال عقبه: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئا.
ت (٦٤٤/٣٦/٣) وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن
ابن شهاب عن عروة عن عائشة. وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: حديث ابن جريج غیر
محفوظ. وحديث ابن المسيب عن عتاب بن أسيد أثبت وأصح. ن (٢٦١٧/١١٥/٥)، جه
(١٨١٩/٥٨٢/١).
الزكاة
٣٩ _
هذه المسألة ثلاثة أنا أخالفهم: مالك وابن القاسم وأشهب- يقولون إن في
الزيت الزكاة ما اجتمع الناس على حبه، فكيف علی زیته.
قال أبو عمر:
قد احتج الشافعي في إيجاب الزكاة بقول الله عز وجل: ﴿وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ونزع مالك بهذه الآية، كما صنع الشافعي فدل على
أن الآية عندهم محكمة غير منسوخة، واتفقا جميعا على أن لا زكاة في
الرمان، ثم اضطرب الشافعي في الزيتون وكان يلزمهما إيجاب الزكاة في
الزيتون والرمان بهذه الآية؛ فإن كان الرمان خرج باتفاق، فقد أبان بذلك
أن الآية ليست على عمومها، وأنها موقوفة على ما أخذ منه من الأموال، وما
عفي عنه؛ فكان الضمير على هذا التأويل عائدا على النخل والزرع، وقد
ذكرنا ما أجمعوا علیه من ذلك وما اختلفوا فيه.
وأما الزيتون، فواجب فيه الزكاة بهذه الآية؛ وجمهور العلماء على أن هذه
الآية محكمة. وروي عن ابن عباس أنه قال في تأويل قول الله عز وجل:
﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهُ﴾ قال: العشر ونصف العشر. وقال مرة
أخری حقه: الزكاة المفروضة یوم یکال أو یعلم کیله.
وروي عن أنس في قوله ﴿ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهِ﴾ قال: الزكاة؛ وبهذا
قال جابر بن زيد أبو الشعثاء، وسعيد بن المسيب، وطاوس، والحسن،
وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وأبو صالح، وعكرمة؛ وقال مجاهد:
حقه أن يلقي لهم من السنبل إذا حصد زرعه، ويلقي لهم من الشماريخ إذا
جد نخله، فإذا كاله زكاه؛ وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير: أوجبوا عند
الصرام والحصاد شيئا سوى الزكاة ثم الزكاة.
فتح البر
وروي عن ابن عمر نحوه قال: يعطون من اعتر بهم الشيء. وقال الربيع
ابن أنس: هو إلقاء السنبل، ونحوه عن علي بن الحسين؛ وهذا كله في معنی
قول مجاهد.
وقالت طائفة: هذه الآية منسوخة، نزلت قبل نزول الزكاة، لأن
السورة مكية؛ قالوا: لم تنزل آية الزكاة إلاَّ بالمدينة: قوله: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾ [التوبة: (١٠٣)] الآية، وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: (٤٣، ٨٣ و١١٠)] ونحو هذا؛ وممن قال: إن الآية منسوخة
بالزكاة : - العشر أو نصف العشر - محمد بن الحنفية، ومحمد بن
علي بن الحسين، وإبراهيم النخعي، والسدي، وعطية العوفي.
وأما الخضر والفواكه، فجمهور أهل العلم على أن لا زكاة فيها، وسنذكر
ذلك في باب الثقة عند مالك، عن سلیمان بن يسار، وبسر بن سعيد من هذا
الكتاب عند ذكر قوله ◌َّه: فيما سقت السماء والعيون والبعل: العشر، وما
سقي بالنضح نصف العشر، (١) ونبين المعنى في ذلك هنالك إن شاء الله.
قال أبو عمر:
أما زكاة الزرع والثمار والحبوب، فيجب أداؤها في حين الحصاد والجداد
بعد الدرس والذر، ویعتبر وجوب ذلك فیمن مات عن زرعه، أو باعه، أو
عن نخله بالإزهاء وبدو الصلاح في التمر، وبالاستحصاد واليبس
والاستغناء عن الماء في الزرع، وهذا إجماع من العلماء لا خلاف فيه إلا
شذوذ.
(١) ت (٣/ ٦٣٩/٣١) من حديث أبي هريرة. وقال وقد روي هذا الحديث عن بكير بن عبد الله بن
الأشج وعن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد عن النبي (98 مرسلا. وفي غريب الحديث:
النضح: وهو السقي بالرشاء. والمراد ما يحتاج إلى مؤنة الآلة. وقال ابن الأثير في النهاية: أي
ماسقي بالدوالي والاستقاء (٦٩/٥).