النص المفهرس

صفحات 21-40

صلاة النوافل
٢١ _
عمدا فيها لغير صلاحها يفسدها وهذه اصول هذا الباب فاضبطها
ورد فروعها اليها تصب وتفقه -إن شاء الله .
وأما حديث هذا الباب فقد ذكر فيه محمد بن اسحاق انه كان في
صلاة الفريضة فمن قبل زيادته وتفسيره جعل حديثه هذا اصلا في
جواز العمل في الصلاة ولعمري لقد عول عليه المصنفون للحديث
في هذا الباب إلا ان الفقهاء على ماوصفت لك .
وروى ابن عيينة عن عثمان بن ابي سليمان وابن عجلان سمعا
عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث عن عمرو بن سليم الزرقي عن
أبي قتادة الانصاري قال: رأيت رسول الله وَلخل يؤم الناس -وأمامة
بنت أبي العاصي وهي بنت زينب بنت رسول الله وح لول على عاتقه
-فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها (١) . ذكره مسلم بن
الحجاج عن ابن ابي عمر المقري عن سفيان بن عيينة . وذكره ايضا
عن ابي الطاهر وهارون الايلي عن ابن وهب عن مخزمة بن بكير
عن ابيه عن عمرو بن سليم الزرقي قال : سمعت ابا قتادة
الانصاري قال: رأيت رسول الله وَخلال يصلي بالناس -وأمامة بنت
ابي العاص على عاتقه ، فإذا سجد وضعها (٢).
وأما رواية محمد بن اسحاق لهذا الحديث فحدثنا عبد الله بن
محمد قال حدثنا محمد بن بکر قال حدثنا ابوداود قال حدثنا یحیی
ابن خلف قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن اسحاق عن
سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة
(١) حم (٢٩٦/٥). م (٥٤٣/٣٨٥/١). ن (٨٢٦/٤٣١/٢).
(٢) م (١ / ٣٨٦/ ٥٤٣). د (١ / ٥٦٥ /٩١٩).

فتح البر
٢٢
صاحب رسول الله وَ له قال: بينما نحن ننتظر رسول الله وَله في
الظهر أو العصر - وقد دعا بلال إلى الصلاة - إذ خرج علينا -
وامامة بنت ابي العاصي ابنة ابنته على عاتقه -فقام رسول الله وعلاجاله
في مصلاة فقمنا خلفه - وهي في مكانها الذي وضعها فيه قال:
فكبر فكبرنا حتى إذا أراد رسول الله وَجلو ان يركع اخذها فوضعها،
ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام اخذها فردها في
مكانها ؛ فما زال رسول الله وَخلال يصنع ذلك بها في كل ركعة حتى
فرغ من صلاته (١).
قال ابو عمر :
روی هذا الحدیث الليث بن سعد عن سعيد بن ابي سعید بإسناده
ولم يقل في الظهر ولافي العصر ولا فيه ما يدل على ان ذلك كان
في فريضة .
حدثنا احمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم
ابن اصبغ قال حدثنا الحرث بن ابي اسامة قال حدثنا أبو النضر
هاشم بن القاسم: وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن
بكر قال حدثنا ابو داود، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قالا جميعا،
حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، وقال ابو النضر،
حدثني سعيد بن أبي سعيد، ثم اتفقا عن عمرو بن سليم أنه سمع
أبا قتادة يقول: بينا نحن في المسجد جلوس، خرج علينا رسول الله
وَالله يحمل أمامة بنت ابي العاصي، وأمها زينب بنت رسول الله
(١) د (١ / ٥٦٥ / ٠ ٩٢) .

صلاة النوافل
٢٣ _
وَّ وهي صبية يحملها على عاتقه، فصلى وهي على عاتقه يضعها
إذا ركع، ويعيدها إذا قام - حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها (١).
ورواه بكير بن الأشج، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة -
مثله. ورواه ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن
عجلان - جميعا عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن
سليم، عن أبي قتادة مثل حديث مالك سواء .
وفي حديث محمد بن إسحاق: وقد دعا بلال إلى الصلاة،
وهذا الدعاء يحتمل أن يكون الأذان المعروف اليوم ويحتمل أن يكون
كان في أول الإسلام قبل أن يبين الأذان، ثم أحكمت الأمور بعد-
والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا محمد ابن
بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا
علي بن المبارك، قال حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم ابن
جوشن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: اقتلوا الأسودين
في الصلاة: الحية والعقرب(٢).
ورواه معمر وغیره عن یحیی بن أبي کثیر بإسناده مثله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد. وأخبرنا عبد الله بن
محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا
(١) حم (٣٠٣/٥). خ (٥٩٩٦/٩٨/٧). م (١/ ٣٨٦/ ٥٤٣). ن (٣٧٦/٢ / ٧١٠).
د (١ / ٦٤ ٥ / ١٨ ٩).
(٢) حم (٢٣٣/٢). ن (١٢٠١/١٤/٣). د (٩٢١/٥٦٦/١). ت (٢٣٣/٢/ ٣٩٠). وقال:
حديث حسن صحيح . جه (١/ ١٢٤٥/٣٩٤)

فتح البر
٢٤
أحمد بن حنبل ومسدد، قالا حدثنا بشر بن المفضل، قال حدثنا برد
ابن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت : كان رسول
الله وَخّ يصلي والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، فمشى ففتح
لي ثم رجع إلى مصلاه، قال أحمد بن حنبل: وذكرت أن الباب
كان في القبلة(١).
قال أبو عمر :
هذا كان منه في النافلة وَخلو لا يختلفون في ذلك، ومحمل هذا
-عندهم - أن الباب كان قريبا منه، وأنه من العمل الخفيف على ما
ذكرنا، وهذه الأحاديث هي أصول هذا الباب.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل .
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، (قال حدثنا ابن وضاح)، قال حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، قالا حدثنا بشر بن المفضل، قال حدثنا غالب القطان، عن
بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال كنا نصلي مع رسول الله
وَخّ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من
الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه(٢) . فهذا كله وما كان قبله من
العمل الخفيف جائز في الصلاة إذا لم يقصد المصلي إلى العبث في
صلاته والتهاون بها وإفسادها، وحمله أمامة في هذا الحديث عند
أهل العلم: أنها كانت عليها ثياب طاهرة، وأنه وَخَلّ لم ير منها ما
(١) حم (٣١/٦). ن (١٢٠٥/١٥/٣). د (١/ ٩٢٢/٥٦٦). ت (٢ /٦٠١/٤٩٧) وقال: هذا
حديث حسن غريب.
(٢) حم (١٠٠/٣). خ (٣٨٥/١٢٧/١). م (٤٣٣/١/ ٦٢٠). د (١ / ٤٣٠ / ٦٦٠). جه
(١٠٣٣/٣٢٩/١).

صلاة النوافل
٢٥ -
يحدث من الصبيان من البول ؛ وجائز أن يعلم من ذلك رسول الله
وَخلال ما لا يعلم غيره. وقد كان رسول الله وَله رؤوفا رحيما
بالأطفال وغيرهم، وكان ربما تجاوز في صلاته وخففها لبكاء الطفل
يسمعه خشية أن يشق على أمه خلفه.
أخبرنا أحمد بن فتح، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد ابن
ثرثال البغدادي قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة البلخي، قال
حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت
البناني، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله وَخلال يسمع بكاء
الصبي مع أمه، وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة القصيرة، أوقال
الخفيفة (١) .
وقال الأثرم: سئل أحمد بن حنبل عن رجل أحرم - وأمامه
سترة فسقطت فأخذها فأركزها، فقال: أرجو ألا يكون به بأس .
فحكوا له عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع هذا أن يعيد التكبير،
فقال : أما أنا فلا آمره أن يعيد التكبير، وأرجو أن لا يكون به
بأس.
قال أبو عمر:
الفرق بين العمل القليل الجائز مثله في الصلاة ما لم يكن عبثا
ولعبا، وبين العمل الكثير الذي لا يجوز مثله في الصلاة ليس عن
العلماء فيه حد محدود، ولا سنة ثابتة، وإنما هو الاجتهاد والاحتياط
في الصلاة أولى للنهي، وبالله العصمة والهدى.
(١) حم (١٥٣/٣). م (١ / ٣٤٢ / ٤٧٠).

٢٦
فتح البر
ما جاء في فضيلة القيام في صلاة النافلة
[٦] مالك، عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مولى لعمرو
ابن العاص أو لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن
العاص أن رسول الله پ# قال صلاة احدکم وهو قاعد مثل نصف صلاته
وهو قائم(١).
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك، لا خلاف بينهم فيه عنه،
ورواه ابن عيينة عن اسماعيل بن محمد بن سعد عن أنس(٢)،
والقول عندهم قول مالك، والحديث محفوظ لعبد الله بن عمرو بن
العاص، وقد ذكرنا طرقه في باب مرسل ابن شهاب من كتابنا هذا
مستقصاة، وبالله التوفيق.
ومعنى هذا الحديث المقصود بالخطاب اليه الفضل، يريد أن صلاة
احدكم وهو قائم أفضل من صلاته وهو قاعد مرتين وضعفين في
الفضل، وفضل صلاته وهو قاعد مثل نصف صلاته في الفضل اذا
قام فيها، وذلك والله أعلم، لما في القيام من المشقة، أو لما شاء الله
أن يتفضل به. وقد سئل رسول الله وَ ل عن افضل الصلوات فقال
طول القنوت.
والمراد بهذا الحديث ومثله، صلاة النافلة والله أعلم، لأن المصلي
فرضا جالسا، لا يخلو من أن يكون مطيقا على القيام، أو عاجزا
عنه ، فان كان مطيقا وصلى جالسا فهذا لا تجزيه صلاته عند الجميع
وعليه اعادتها، فكيف يكون لهذا نصف فضل مصل، بل هو عاص
(١) م (١/ ٧٣٥). د (١ / ٩٥٠). ن (٣ / ٢٢٣).
(٢) حم (٢١٤/٣). جه (٣٨٨/١/ ١٢٣٠) وصحح إسناده الألباني في صفة الصلاة (٧٨).

٢٧
صلاة النوافل
بفعله، وأما اذا كان عن القيام عاجزا، فقد سقط فرض القيام عنه اذا
لم يقدر عليه، لان الله لا يكلف نفسا الا وسعها، واذا لم يقدر
على ذلك صار فرضه عند الجميع ان يصلي جالسا، فاذا صلى كما
أمر، فليس المصلي قائما بافضل منه، لان كلا قد أدى فرضه على
وجهه. والأصل في هذا الباب أن القيام في الصلاة لما وجب فرضا
بقوله: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدْنِتِينَ﴾ [البقرة: (٢٣٨)] وقوله: ﴿قُرِ آَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[المزمل: (٢)]، وقعت الرخصة في النافلة أن يصليها الإِنسان جالساً من
غير عذر، لكثرتها واتصال بعضها ببعض.
وأما الفريضة فلا رخصة في ترك القيام فيها، وانما يسقط ذلك
بعدم الاستطاعة عليه، وقد اجمعوا على أن القيام في الصلاة فرض
على الايجاب لا على التخيير، وان النافلة فاعلها مخير في القيام
فيها، فكفى بهذا بيانا شافيا وبالله التوفيق.
وهذا الحديث أصل في اباحة الصلاة جالسا في النافلة، حدثني
أبو عثمان سعيد بن نصر قال حدثنا أبو عمر احمد بن دحيم قال
حدثنا محمد بن الحسين بن زيد ابو جعفر قال حدثنا ابو الحسن
علان بن المغيرة قال حدثنا عبد الغفار بن داود قال حدثنا عيسى بن
يونس عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن بابيه
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مر بي رسول الله وَله، وأنا
أصلي قاعدا، فقال اما إن للقاعد نصف صلاة القائم (١). وهذا
اسناد صحيح أيضا عند أهل العلم، وقد روى هذا المعنى عن النبي
وَ لخلّ عمران بن حصين والسائب بن أبي السائب وام سلمة وانس،
(١) جه (١٢٢٩/٣٨٨/١). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١٠١٤).

فتح البر
٢٨
وفي حديث عمران بن حصين، زيادة ليست موجودة في غيره،
وهي، وصلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد.
وجمهور أهل العلم، لا يجيزون النافلة مضطجعا، وهو حديث
لم يروه الا حسين المعلم وهو حسين بن ذكوان عن عبد الله بن بريدة
عن عمران بن حصين، وقد اختلف أيضا على حسين المعلم، في
اسناده ولفظه، اختلافا يوجب التوقف عنه، وان صح حديث حسين
عن ابن بريدة عن عمران بن حصين هذا، فلا أدري ما وجهه، فان
كان احد من اهل العلم قد اجاز النافلة مضطجعا لمن قدر على
القعود او القيام فوجه ذلك الحديث النافلة، وهو حجة لمن ذهب الى
ذلك، وإن أجمعوا على كراهية النافلة راقدا لمن قدر على القعود
او القيام فيها فحديث حسين هذا اما غلط واما منسوخ، وقد روي
بالفاظ تدل على انه لم يقصد به النافلة وانما قصد به الفريضة، وهو
الذي تدل عليه الفاظ من يحتج بنقله له.
قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال: حدثنا محمد
ابن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن سليمان
الانباري، قال: حدثنا وكيع عن ابراهيم بن طهمان عن حسين
المعلم، عن أبي بريدة عن عمران بن حصين، قال كان بي الناسور
فسألت النبي ◌ٍَّلّ فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم
تستطع فعلى جنب (١).
قال ابو عمر:
هذا يبين لك أن القيام لا يسقط فرضه الا بعدم الاستطاعة، ثم
كذلك القعود اذا لم يستطع، ثم كذلك شيء شيء، يسقط عند عدم
(١) حم (٤٢٦/٤). خ (١١١٧/٣٣٩/٢). د (١ / ٥٨٥ / ٩٥٢).
ت (٣٧٢/٢٠٨/٢). جه (١٢٢٣/٣٨٦/١).

٢٩
صلاة النوافل
القدرة عليه، حتى يصير الى الاغماء، فيسقط جميع ذلك . وهذا
كله في الفرض لا في النافلة وأما حديث عبد الله بن عمرو بن
العاصى في هذا الباب فانما هو في النافلة والدليل على ذلك، أن في
نقل ابن شهاب له، أن أصحاب رسول الله وَخلية، كانوا يصلون في
سبحتهم قعودا، فخرج عليهم رسول الله وَله، فقال ذلك القول،
والسبحة عند أهل العلم، النافلة، ودليل ذلك أيضا، قوله وَلّ في
الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، صلوا الصلاة لوقتها
واجعلو صلاتكم معهم سبحة(١) يعني نافلة.
وفرض القيام في الصلاة المكتوبة ثابت من وجهين، أحدهما
اجماع الامة كافة عن كافة، في المصلي فريضة وحده او كان اماما،
انه لا تجزيه صلاته، اذا قدر على القيام فيها وصلى قاعدا، وفي
اجماعهم على ذلك دليل واضح، على أن حديث عبد الله بن عمرو
ابن العاص المذكور في هذا الباب، معناه النافلة على ما وصفنا،
والوجه الثاني قوله عز وجل ((وقوموا لله قانتين،)) أي قائمين، ففي
هذه الآية فرض القيام ايضا عند أهل العلم، لقوله عز وجل وقوموا
ولقوله قانتين، ويريد قوموا قائمين لله يعني في الصلاة، فخرج
على غير لفظه لأنه اعم في الفائدة لاحتمال القنوت وجوها، كلها
تجب في الصلاة.
والدليل على ان القيام يسمى قنوتا، قول النبي وَخَلّ إذا سئل أي
الصلاة أفضل؟ قال طول القنوت (٢)، يعني طول القيام.
(١) حم (٤٥٥/١). م (١ / ٣٧٨ / ٥٣٤).
(٢) حم (٣٠٢/٣). م (١ / ١٦٥/٥٢٠).

فتح البر
٣٠
وزعم أبو عبيد ان القنوت في الوتر، وهو عندنا في صلاة
الصبح، انما سمي قنوتا لأن الانسان فيه قائم للدعاء من غير أن يقرأ
القرآن فكأنه سكوت وقيام اذ لا يقرأ فيه، وقد يكون القنوت
السكوت، روي عن زيد بن ارقم انه قال: كنا نتكلم في الصلاة
حتى نزلت، ((وقوموا لله قانتين،)) فأمرنا بالسكوت(١)، وليس في
هذا الحديث رد لما ذكرنا، لأن الآية يقوم منها هذان المعنيان
وغيرهما، لاحتمالهما في اللغة لذلك، لأن القنوت في اللغة له
وجوه منها أن القنوت الطاعة، دليل ذلك، قول الله عز وجل: ﴿كُلٌّ لَّهُ
قَدِئُونَ﴾ أي مطيعون، وقوله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْـ
يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: (١٢٠)] أي مطيعاً لله، وهذا كثير مشهور، ومنها
أن القنوت الصلاة، فيما زعم ابن الأنباري واحتج بقول الله يا مريم
اقنتي لربك واسجدي وارکعي.
ثم يقول الشاعر:
قانتا لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل
وقال تحتمل هذه الآية وهذا البيت جميعا عندي معنى الطاعة
ايضا، والله اعلم، ومنها أن القنوت الدعاء دليل ذلك، القنوت في
الصلاة، وقولهم قنت رسول الله وَ له شهرا يدعو(٢)، ومثل هذا كثير
وبالله التوفيق .
واختلف الفقهاء في كيفية صلاة القاعد في النافلة، وصلاة
المريض، فذكر ابن عبدالحكم عن مالك في المريض، أنه يتربع في
(١) خ (١٢٠٠/٩٤/٣). م (١ / ٥٣٩/٣٨٣).
(٢) حم (١١٦/٣). خ (١٠٠٣/٣٠٣/٢). م (١/ ٦٧٧/٤٦٨). ن (٢ / ٥٤٥).

٣١
صلاة النوافل
قيامه وقعوده فاذا أراد السجود، تهيأ للسجود فسجد على قدر ما
يطيق، وكذلك المتنفل قاعدا وقال الثوري " يتربع في حال القراءة
والركوع ويثني رجليه في حال السجود، فيسجد، وهذا نحو مذهب
مالك، وكذلك قال الليث واحمد واسحاق وقال الشافعي: يجلس
في صلاته كلها، كجلوس التشهد ، في رواية المزني، وقال البويطي
عنه، يصلي متربعا في موضع القيام، وقال ابو حنيفة وزفر يجلس
كجلوس الصلاة في التشهد، وكذلك یرکی ویسجد، وقال ابو
يوسف ومحمد يكون متربعا في حال القيام وحال الركوع، وقد
روي عن أبي يوسف انه يتربع في حال القيام، ويكون في حال
رکوعه وسجوده کجلوس التشهد .
قال ابو عمر :
روي عن ابن مسعود انه كره ان يتربع احد في الصلاة، قال عبد
الرزاق يقول اذا صلى قائما فلا يجلس للتشهد متربعا فاما إذا صلى
قاعدا فليتربع، وروي عن ابن عباس انه كان يكره التربع في صلاة
التطوع قال شعبة فسألت عنه حمادا فقال لا بأس به في التطوع
وروي عن ابراهيم، ومجاهد ومحمد بن سيرين، وانس ابن مالك
أنهم كانوا يصلون في النافلة جلوسا متربعين، ومالك انه بلغه عن
عروة وسعيد بن المسيب انهما كانا يصليان النافلة وهما محتبيان ،
ومعمر عن ايوب أن ابن سيرين، كان يصلي في التطوع محتبيا، قال
معمر ورأيت عطاء الخراساني، يحتبي في صلاة التطوع، وقال ما
اراني اخذته الا من ابن المسيب، ومعمر عن الزهري عن ابن المسيب
انه كان يحتبي في آخر صلاته في التطوع، وذكر الثوري عن ابن ابي
ذئب عن الزهري، عن ابن المسيب، مثله، قال فاذا اراد أن يسجد

فتح البر
٣٢
ثنى رجليه وسجد، وكان عمر بن عبد العزيز يصلي جالسا محتبيا،
فقيل له في ذلك، فقال بلغني ان رسول الله وَالّ لم يمت حتى كان
اكثر صلاته وهو جالس صلوات الله عليه، وسياتي القول فيمن
صلى بعض صلاته مريضا ثم صح فيها في باب هشام بن عروة ان
شاء الله عز وجل . وصلى الله على محمد.

صلاة النوافل
٣٣
باب منه
[٧] مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، انه قال: لما قدمنا
المدينة، نالنا وباء من وعكها شديد، فخرج رسول الله وَلير وهم يصلون في
سبحتهم قعودا، فقال رسول الله ويتلقى: صلاة القاعد مثل نصف صلاة
القائم (١).
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة فيما علمت
بهذا الإسناد مرسلا.
وروي فيه عن ابن أبي زائدة، عن مالك، عن الزهري، عن
سالم، عن أبيه - ولا يصح.
ورواه الحسين بن الوليد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عیسی
ابن طلحة، عن عبد الله بن عمرو - ولم يتابعه على ذلك أحد من
رواة مالك، وإنما يرويه هكذا عن ابن شهاب، عن عيسى بن
طلحة، عن عبد الله بن عمرو - ابن عيينة - وحده- ومن بين
أصحاب ابن شهاب على اختلاف على ابن عيينة في ذلك أيضا .
ومن اختلاف أصحاب ابن شهاب في ذلك، ان صالح بن أبي
الاخضر، وابن جريج، روياه عن ابن شهاب، عن أنس كذلك ذكره
عبد الرزاق، عن ابن جريج؛ وكذلك رواه النضر بن شميل، عن
صالح بن أبي الاخضر ؛ ورواه صالح بن عمر، عن صالح بن أبي
الاخضر، عن الزهري عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي
وداعة .
(١) النسائي في الكبرى (١٣٧٢/٤٣١/١) وصوب إرساله.

فتح البر
٣٤
ورواه معمر، عن الزهري، أن عبد الله بن عمر قال : قدمنا
المدينة - بمثل رواية مالك سواء في الإسناد والمتن ؛ هذه رواية
الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، رواه خشيش عن عبد الرزاق،
عن معمر عن الزهري، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو.
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثني أبي، قال حدثنا
أحمد بن خالد، قال حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا أبو عاصم
خشيش بن أصرم، قال أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن
الزهري، عن رجل، عن عمرو بن العاص - فذكره.
ورواه بكر بن وائل، عن الزهري، عن مولى لعبد الله ابن عمرو
ابن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص . ورواه حجاج ابن
منيع، عن جده عن الزهري، عن ثعلبة ابن أبي مالك، عن عبد الله
بن عمرو.
ورواه يزيد بن عياض عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن عبد
الله بن عمرو.
ورواه ابراهيم بن مرة، وعبد الرزاق بن عمر، عن الزهري، عن
سالم، عن أبيه وكل هذا خطأ - والله أعلم.
فأما رواية النضر بن شميل: عن صالح بن أبي الاخضر، فأخبرنا
سعيد بن عثمان، حدثنا أحمد بن دحيم بن خليل، حدثنا بكر بن
محمد بن حفص الشعراني بتنيس، حدثنا ابراهيم بن محمد
الصفار، حدثنا خلاد، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا صالح ابن
أبي الاخضر، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: لما قدم الناس
المدينة، أصابهم وعك من وباء المدينة فمر رسول الله وَّ جله - والناس

٣٥
صلاة النوافل
يصلون في سبحتهم قعودا، فقال رسول الله وَله: صلاة القاعد على
نصف صلاة القائم (١) .
و أما رواية ابن جريح، فحدثنا أحمد بن عبد الله، قال حدثنا
مسلمة بن القاسم، قال: حدثنا علان، ومحمد بن أبان، قالا حدثنا
سلمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج،
قال أخبرني ابن شهاب، قال أخبرني أنس بن مالك، قال: قدم
النبي وَلّ المدينة وهي محمة، فحم الناس فدخل المسجد والناس
قعود، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم، فتجشم الناس
القيام (٢) .
وأما رواية ابن عيينة فحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن
سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال
حدثنا حامد بن يحيى البلخي، قال حدثنا سفيان بن عينة، عن
الزهري، عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو - فذكره.
وأما رواية صالح بن عمر، عن صالح بن أبي الاخضر، فحدثنا
عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابو
الحسن علي بن الحسن علان، قال حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل:
قال حدثنا ابراهيم بن مهدي، قال حدثنا صالح بن عمر، قال حدثنا
صالح بن أبي الاخضر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد عن
المطلب، قال: رأى رسول الله وَخلال رجلا يصلي قاعدا، فقال: صلاة
القاعد على النصف من صلاة القائم. فتجشم الناس القيام .- وهذا
عندي خطأ من صالح بن أبي الاخضر. أو ممن دونه في الإسناد .
(١) و(٢) حم (١٣٦/٣). عبد الرزاق في المصنف (٤١٢١/٤٧١/٢).

فتح البر
٣٦
وأما حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي
وداعة، عن حفصة، أن النبي ◌َُّلّ كان يصلي في سبحته قاعدا
قبل وفاته بعام، ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول
منها (١) . - هكذا حدث به الحفاظ عن ابن شهاب بهذا الإسناد،
ومنهم مالك، وغيره.
وأما حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب من غير
رواية ابن شهاب، فحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم
ابن أصبغ قال حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا
يحيى، عن سفيان، قال حدثني منصور، عن هلال بن يساف، عن
أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو، قال رأيت رسول الله وَ طله يصلي
جالسا، فقلت: يارسول الله، حدثتك أنك قلت صلاة القاعد على
النصف من صلاة القائم، وأنت تصلي جالسا ؟ قال : أجل ولكني
لست كأحد منكم (٢).
وأخبرنا سعيد بن عثمان، حدثنا أحمد بن دحيم، حدثنا محمد
ابن الحسين بن زيد حدثنا أبو الحسن علان بن المغيرة، حدثنا عبد
الغفار بن داود، حدثنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، عن حبيب
ابن أبي ثابت، عن عبد الله بن بابيه، عن عبد الله بن عمرو بن
العاص قال: مر بي رسول الله وَّ وأنا أصلي قاعدا فقال: أما أن
للقاعد نصف صلاة القائم (٣).
(١) حم (٢٨٥/٦). م (٧٣٣/٥٠٧/١). ت (٣٧٣/٢١١/٢). ن (٢/ ١٦٥٧/٢٤٧).
(٢) م (١ / ٥٠٧/ ٧٣٥). البيهقي (٦٢/٧).
(٣) سبق تخريجه في الباب نفسه.

٣٧
صلاة النوافل
قال أبو عمر : ذكرنا في هذا الباب من القول في إسناد حديثه،
ما بلغه علمنا مختصرا مهذبا، ولم نذكر شيئا من معانيه، لتقدم
القول فيها ممهدة في باب الألف من هذا الكتاب وأما الوباء،
فمهموز مقصور، وهو الطاعون، يقال : أرض وبيئة أي ذات وباء
وأمراض .
وأما الوعك، فقال أهل اللغة : لا يكون الا من الحمى دون
سائر الامراض ؛ وأما السبحة، فهي النافلة من الصلاة، وقد قيل أن
كل صلاة سبحة، والأول أصح ؛ ويشهد لصحته، حديث ابن
شهاب في هذا الباب لأنه لا وجه له الا النافلة - والله أعلم.
وقد مضى القول في هذا المعنى - مجودا في باب اسماعيل بن
محمد من هذا الدیوان - والحمد لله لا شريك له .

٣٨
فتح البر
باب منه
[٨] مالك، عن عبد الله بن يزيد، وأبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن عائشة، أن رسول الله وَ ل﴿ كان يصلي جالسا، فيقرأ وهو جالس، فإذا
بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم
ركع، ثم سجد، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك (١).
في هذا الحديث إباحة صلاة النافلة جالسا، وجواز أن يكون
المصلي في بعضها قائما، وفي بعضها جالسا؛ وجائز أن يفتتحها
جالسا ثم يقوم على ما في هذا الحديث ؛ وجائز أن يفتتحها قائما
ثم يجلس، كل ذلك مباح- والصلاة عمل بر ؛ وقد وردت الشريعة
بإباحة الجلوس في صلاة النافلة، وذلك إجماع تنقله الخاصة والعامة
من العلماء ؛ غير أن المصلي فيها جالسا على مثل نصف اجر
المصلي قائما، وقد مضى هذا المعنى مجودا فيما تقدم من هذا
الكتاب، فلا معنى لإعادة ذلك ههنا .
(١) حم (١٧٨/٦). خ (١١١٩/٣٣٩/٢). م (٧٣١/٥٠٥/١). ن (١٦٤٧/٢٤٣/٣).
د (١ / ٥٨٥ / ٩٥٤). ت (٢ / ٢١٣ / ٣٧٤).

صلاة النوافل
٣٩
باب منه
[٩] مالك عن عبد الله بن يزيد، وأبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن
رسول الله ﴿ كان يصلي جالسا، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته
قدر ما یکون ثلاثین آیة أو أربعین آیة، قام فقرا وهو قائم، ثم رکع و سجد،
ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك (١).
لا خلاف فيمن افتتح صلاة نافلة قاعدا - أن له أن يقوم فيها،
واختلفوا فيمن افتتحها قائما ثم قعد ؛ وقد ذكرنا ذلك في باب
هشام بن عروة . وهذا الحديث في الموطأ لمالك عن عبد الله بن يزيد
وأبي النضر- جميعا، عن أبي سلمة، عن عائشة ؛ وقال فيه
عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد،
عن أبي النضر ؛ فسقط له الواو، وإنما هو: وعن أبي النضر، هذا
مالا خلاف بين الرواة فيه - ولا إشكال، ورواية عبيد الله عن أبيه
وهم واضح لا يعرج عليه ؛ ولا يلتفت إليه ولا إلى مثله - والله
المستعان .
قال أبو عمر :
ومعنى هذا الحديث في النافلة " ولا يجوز لأحد أن يصلي في
الفريضة جالسا - وهو على القيام قادر، وقد مضى القول في هذا
المعنى مكررا في مواضع من هذا الكتاب، وجائز أن يصلي المرء في
النافلة جالسا صلاته كلها وبعض صلاته إن شاء على ما في هذا
الحديث وغيره ومن تطوع خيرا فهو خير له وهو مخير في النافلة
(١) سبق تخريجه في الباب الذي قبل هذا.

فتح البر
٤٠
كيف شاء عن قيام وقعود وأما الفريضة فإنه إذا ضعف عن إتمامه
قائما قعد وبنى على صلاته كالعريان يجد ثوبا في الصلاة فيتستر به
ويبني ما لم يطل عمله في ذلك وهذا بيان ليس هذا موضع استيفاء
القول فيه وبالله التوفيق.