النص المفهرس
صفحات 441-460
صلاة السفر
٤٤١
صَلى الله
وسلم
قالوا : وان كان شرط الخوف مذكورا في الآية ، فإن النبي
وهو المبين عن الله مراده - قد بين بسنته أن المسافر يقصر الصلاة في
الخوف وفي غير الخوف؛ لانه كان يقصر وهو آمن لا يخاف إلا الله،
فكان القصر في السفر مع الأمن زيادة بيان على لسان رسول الله وَالاله
وان لم ينزل به وحي يتلى ، ومثله كثير في الشرع ؛ واحتجوا من
الأثر بما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد
ابن بكر ، قال حدثنا ابو داود، قال حدثنا احمد بن حنبل ، ومسدد،
قالا حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال حدثني عبد الرحمن
بن عبدالله بن ابي عامر ، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية؛
قال قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة اليوم - وإنما
قال الله عز وجل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: (١٠١)]
فقد ذهب ذلك اليوم، فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك
لرسول الله وَّجله قال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا
صدقته(١). هكذا قال يحيى القطان عن ابن جريج حدثني
عبدالرحمن بن عبد الله بن ابي عمار ، وقال عبد الرزاق ومحمد بن
بكر البرساني وأبو عاصم ، وحماد بن مسعدة ، عن ابن جريج ،
قال: سمعت عبد الله بن ابي عمار، وقال الفزاري عن ابن جريج،
عن ابن ابي عمار، قالوا ففي قوله وَطُله: إن القصر في السفر مع
الأمن صدقة تصدق الله بها عليكم دليل على أن ذلك توسعة ورخصة
ورحمة وليس بواجب.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: أما
قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: (١٠١)]. فإنما ذلك إذا
خافوا الذين كفروا، وسن النبي ◌َّ بَعْدُ الركعتين وليستا بقصر،
ولكنهما وفاء.
(١) تقدم في الباب السابق.
٤٤٢
فتح البر
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا احمد بن زهير، قال حدثنا موسى بن اسماعيل، قال حدثنا
يزيد بن ابراهيم، عن محمد بن سيرين ، قال: أنبئت أن ابن عباس
قال: كان رسول الله وَل يخرج ما بين مكة والمدينة لا يخاف الا
الله يقصر الصلاة (١). ومما يدل على أن رسول الله وَ له كان يقصر
وهو آمن غير خائف، قصره الصلاة في حجته حجة الوداع ، وهو
يومئذ قد أمن ، وهذا ما لا يجهله أحد من أهل العلم .
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي، قال حدثنا
سليمان بن حرب، وعارم بن الفضل، قالا حدثنا حماد بن زيد، عن
أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: صلى رسول الله
وَخاله الظهر بالمدينة أربعا (٢)، والعصر بذي الحليفة ركعتين - زاد عارم:
وبينهما ستة أميال، قال أنس: وسمعتهم يصرخون بهما جميعا:
الحج والعمرة .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد،
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى، عن سفيان، قال حدثني محمد
ابن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك يحدث قال:
صلينا مع رسول الله وَله بالمدينة الظهر أربعا وصلينا العصر بذي
الحليفة ركعتين(٣) . فاستدلوا بهذه الآثار على أن القصر في السفر سنة
(١) تقدم في الباب الماضي.
(٢) حم (١١١/٣-١٨٦-٢٦٨)، خ (١٥٤٧/٥١٩/٣). م (١ / ٦٩٠/٤٨٠).
ن (١ / ٢٥٧ / ٤٧٦).
(٣) حم (١٧٧/٣). خ (١٠٨٩/٧٢٤/٢). م (١ / ٤٨٠ /٦٩٠[١١]). د (٨/٢-٩/ ١٢٠٢).
ت (٢/ ٥٤٦/٤٣١). ن (١/ ٤٦٨/٢٥٣).
٤٤٣
صلاة السفر
سنها رسول الله وَّجله وليس بفريضة واحتجوا أيضا بما حدثنا عبد
الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر ، قالا حدثنا قاسم ، قال حدثنا
عبد الله بن روح، حدثنا عثمان بن عمر، قال أخبرنا مالك بن مغول،
عن ابي حنظلة الحذاء، قال: قلت لابن عمر: أصلي في السفر
ركعتين - والله يقول: ((إن خفتم)) ونحن نجد الزاد والمزاد؟ فقال:
كذلك سن رسول الله وَ﴿ فهذا ابن عمر قد صرح بأن القصر سنة
من رسول الله لا فريضة من الله ولا من رسوله ؛ ولو فرضها رسول
الله لقال ابن عمر فرضها - كما قال في زكاة الفطر، وقد مضى في
هذا المعنى ما فيه كفاية في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن
أسيد من كتابنا هذا .
وقد جاء في هذا الباب عن ابن عباس ، نحو ما جاء عن ابن
عمر: ذكر عبد الرزاق، اخبرنا ابن جريج، قال سأل حميد الضمري
ابن عباس فقال: إني أسافر، أفأقصر الصلاة في السفر أم أتمها ؟ فقال
ابن عباس: ليس بقصرها ولكنه تمامها وسنة النبي وَلا : خرج
رسول الله ولي آمنا لا يخاف الا الله، فصلی اثنتين - حتى رجع،
ثم خرج أبو بكر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع، ثم
خرج عمر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى، اثنتين - حتى رجع؛ ثم فعل
ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها، ثم صلاها أربعا ثم أخذ بها بنو
أمية ، قال ابن جريج: وبلغني إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى - من
أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال: يا أمير المؤمنين،
ما زلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام أول - صليتها ركعتين ،
فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان ، وإنما كان
أوفاها بمنى فقط(١).
(١) عبد الرزاق (٥١٨/٢-٤٢٧٧/٥١٩).
٤٤٤
فتح البر
قال ابو عمر: قد اختلف في المعنى الذي من أجله أتم عثمان
الصلاة في سفره إلى مكة وبمكة ، فقال قوم: أخذ بالمباح في ذلك،
اذ للمسافر أن يقصر وأن يتم كما أن له أن يصوم وأن يفطر.
ومن ذهب الى هذا المذهب احتج بما قدمنا ذكره من ظاهر الكتاب
والسنة ، وبما حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا ابو بكر بن
ابي شيبة، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا المغيرة بن زياد، عن عطاء عن
عائشة، ان رسول الله وَّ كان يتم في السفر ويقصر(١).
وأخبرنا احمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن ابي أسامة، قال حدثنا
أبونعيم، قال حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء عن عائشة، قالت :
كل قد فعل رسول الله وَله: قد صام وأفطر، وأتم وقصر في
السفر(١).
حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا مسلمة بن قاسم حدثنا جعفر بن
محمد بن الحسن الاصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا سليمان
ابن داود الطيالسي، حدثنا حبيب بن يزيد الانماطي، حدثنا عمرو بن
هرم، عن جابر بن زيد، قال: قالت عائشة: كان رسول الله وَلَيه
يصلي ركعتين - يعني الفرائض، فلما قدم المدينة وفرضت عليه
الصلاة أربعا وثلاثا ، صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة
تماما للمسافر . فهذه عائشة قد اضطربت الآثار عنها في هذا الباب،
واتمامها في السفر يقضي بصحة ما وافق معناه منها.
(١) تقدم في الباب نفسه.
٤٤٥
صلاة السفر
وروى زيد العمي عن أنس، قال: كنا أصحاب رسول الله
استعم
نسافر فيتم بعضنا ، ويقصر بعضنا، ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا ولا
يعيب أحد على أحد .
وقال آخرون: إن عثمان إنما أتم في السفر؛ لانه كان له في تلك
المناهل أهل ومال ؛ وهذا موجود في حديث رواه عكرمة بن ابراهيم
الأزدي المرطي، عن عبد الله بن الحارث بن ابي ذباب، عن أبيه، عن
عثمان بن عفان، أنه صلى بأهل منى أربع ركعات ، فلما سلم أقبل
على الناس فقال: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله وعلاجه
يقول: من تأهل في بلدة ، فهو من أهلها، فليصل أربعا(١)، فلذلك
صليت أربعا . ذكره الطحاوي، عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن
عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي ؛ وعن اسماعيل بن حمدويه، عن
الحميدي عن عبد الله بن عبد الرحمن مولى بني هاشم ، قالا جميعا:
اخبرنا عكرمة بن ابراهيم - بإسناده - كما ذكرناه . والحارث بن أبي
ذباب قد عمل لعمر بن الخطاب على الصدقة، وقال آخرون: اتمامه
إنما كان على نحو إتمام عائشة، وقد ذكرنا الوجوه التي تؤولت على
عائشة في إتمامها، في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن
أسید .
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن
عمر، قال: صليت مع رسول الله وَجل بمنى ركعتين، ومع أبي بكر
(١) حم (٦٢/١). الحميدي في مسنده (٣٠/٢١/١). وذكره الهيثمي في المجمع (١٥٩/٢)
وعزاه لأحمد وأبي يعلى وقال: فيه عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف.
فتح البر
٤٤٦
ركعتين ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرا من خلافته ، ثم صلاها
أربعا(١).
قال ابن شهاب: فبلغني أن عثمان أيضا صلاها أربعا؛ لانه أزمع
أن يقيم بعد الحج.
قال ابو عمر : هذا وجه صحيح مجتمع عليه فيمن نوى الإقامة أنه
يلزمه الإتمام وقال وهيب عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر، ان النبي وَجُل وأبا بكر وعمر - صلوا بمنى ركعتين، وعثمان
شطر إمارته، ثم أتمها عثمان أربعا بمنى(٢). قال: لانه اتخذ أموالا
بالطائف، فأجمع المقام فأتم الصلاة . أما قوله بالطائف فليس بشيء؛
لانه بلد آخر، وقال معمر عن قتادة إن عثمان لما صلى أربعا، بلغ
ذلك ابن مسعود، فاسترجع ثم قام أربعا، فقيل له: استرجعت ثم
صليت أربعا ؟ قال الخلاف شر(٣).
وروى أبو معاوية عن الاعمش ، عن ابراهيم، عن عبد الرحمن
ابن يزيد، عن عبد الله ، قال: صلى عثمان بمنى أربعا - قال: فقال
عبد الله: صليت مع النبي وَّيه ركعتين ، ومع ابي بكر ركعتين ومع
عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق ، ولوددت أن لي من أربع
ركعات ركعتين متقبلتين(٤).
(١) م (١ / ٦٩٤/٤٨٢). عبد الرزاق في المصنف (٤٢٦٨/٥١٦/٢).
(٢) خ (١٠٨٢/٧١٦/٢). م (١ / ٤٨٢ / ٩٤ ٦[١٧]). ن (١٣٦/٣/ ١٤٤٩).
(٣) عبد الرزاق (٤٢٦٩/٥١٦/٢).
(٤) حم (١/ ٤١٦ -٤٢٥ -٤٦٤). خ (٢ / ٧١٧ / ١٠٨٤). م (١ / ٤٨٣ /٦٩٥[١٩]). د
(٤٩١/٢ /١٩٦٠). ن (١٣٦/٣ / ١٤٤٧).
٤٤٧
صلاة السفر
قال الاعمش: فحدثني معاوية بن قرة أن عبد الله صلاها بعد
أربعا، فقيل له عبت على عثمان وتصلي أربعا ؟ قال: الخلاف
شر (١) .
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا احمد بن زهير،
قال حدثني ابي، قال حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم، قال حدثنا
الأعمش، عن ابراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبدالله، قال:
صلى عثمان - فذكره . قال : وحدثنا ابي قال حدثنا جرير عن
مغيرة، عن أصحابه، عن ابراهيم، عن الأسود، قال: كنت مع عبد
الله بمنى، فلما صلى عثمان أربعا، قال عبد الله: صليت مع رسول
الله وَّ في هذا المكان ركعتين ، وصلى أبوبكر ركعتين، وصلى
عمر ركعتين ؛ قال الأسود: فقلت: يا أبا عبد الرحمن: ألاسلمت
في ركعتين وجعلت الركعتين الاخريين تسبيحا؟ قال الخلاف شر (١).
قال ابو عمر: فهذا يدلك على أن القصر عند ابن مسعود ليس
بفرض، وإنما أنكر لمخالفة عثمان الأفضل عنده ؛ لان الافضل عنده
اتباع السنة، ثم رأى اتباع إمامه فيما أبيح له أولى من اتيان الأفضل في
القصر ؛ لان مخالفة الأئمة لا تجوز الا فيما لا يحل وأما فيما أبيح،
فلا يجوز فيه مخالفة الأئمة - اذا حملهم على ذلك الاجتهاد ؛ ولعل
عثمان ذهب إلى أن اختيار رسول الله وَّل في سفره القصر؛ كان
لانه أيسر على أمته ، فاختاره لذلك ؛ وقالت عائشة: ما خير رسول
الله وَله بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما (٢) - الحديث.
وهذا لا حجة فيه؛ لان ما اختاره رسول الله وَ لاه لأمته وسنه
(١) هق (١٤٣/٣- ١٤٤).
(٢) حم (٣١/٦-٣٢ - ١٣٠ - ١٩٠). خ (٧٠٢/٦/ ٣٥٦٠). م (٤/ ٢٣٢٧/١٨١٣). د
(٤٧٨٧/١٤٢/٥).
فتح البر
٤٤٨
وواظب عليه، كان أفضل مما سواه، ومثل حديث ابن مسعود هذا
حديث سلمان : ذكر عبد الرزاق، عن اسرائيل ، عن أبي اسحاق،
عن أبي ليلى الكندي، عن سلمان أنه كان مع قوم في السفر فحضرت
الصلاة، فقالوا له: صل بنا ؛ فقال: إنا لا نؤمكم ، ولا ننكح
نساءكم ؛ فأبى ؛ فتقدم رجل من القوم، فصلى بهم أربع ركعات؛
فلما سلم، قال سلمان: ما لنا وللمربعة ؟ وإنما كان يكفينا نصف
المربعة - ونحن الى الرخصة أحوج(١). الا ترى أن سلمان لم يعد
الصلاة ، بل تمادى مع إمامه فصلى أربعا - وإن كان لم يحمد ذلك
له؛ فهذا يدل على أن القصر عند سلمان رخصة وسنة، وقد تقدم عن
ابن عباس وابن عمر - أن ذلك سنة .
وحدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
احمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا هشام بن
عبد الملك، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة ، قال:
سألت ابن عباس قلت: أكون بمكة فكيف أصلي ؟ قال: ركعتين -
سنة أبي القاسم - {وَلَ﴾(٢)، فحسبك بهذا عن ابن عباس، وفيه
تصريح أن ذلك سنة.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له : فيم
جعل القصر في الخوف - وقد أمن الناس ؟ قال: السنة ، قلت:
(١) عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٤٢٨٣/٥٢٠). الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤١٩/١).
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٤٤/٣). ابن أبي شيبة (٢٠٤/٢/ ٨١٦٠). وذكره الهيثمي
في ((المجمع)) (٣٥٩/٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير. وأبو يعلى الكندي ضعفه ابن
معین .
(٢) تقدم تخريجه في الباب الماضي.
صلاة السفر
٤٤٩
ورخصة ؟ قال: نعم (١)، قال: وقال لي عمرو بن دينار مثله. قال:
وحدثنا ابن جريج، عن عطاء قال: كان سعد بن أبي وقاص وعائشة
يوفيان الصلاة في السفر ويصومان، قال وسافر نفر من أصحاب النبي
وَ له فأوفى سعد الصلاة ، وصام وقصر القوم وافطروا؛ فقالوا لسعد:
كيف نفطر ونقصر الصلاة وأنت تتمها وتصوم؟ فقال: دونكم أمركم،
فإني أعلم بشأني؛ قال: فلم يحرمه سعد عليهم ، ولم ينههم عنه؛
قال ابن جريج: فقلت: لعطاء: فأي ذلك أحب اليك ؟ قال:
قصرها ، قال: وكل ذلك قد فعله الصالحون والاخيار.
قال ابو عمر: حديث عطاء هذا وما حكاه عن سعد، وعائشة -
أعرف من رواية جويرية عن مالك، عن الزهري، عن رجل، عن
عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة - أن سعد بن أبي وقاص ، والمسور
ابن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد يغوث، كانوا جميعا؛ فكان سعد
يقصر الصلاة ويفطر، وكانا يتمان الصلاة ويصومان ؛ فقيل لسعد في
ذلك ؟ فقال سعد: نحن أعلم .
المشهور عن سعد ما ذكره عطاء، وعلى أي حال كان، ففيه دليل
إباحة القصر والتمام ؛ وعلى هذا يخرج - اختلاف الرواية عن سعد،
كأنه كان يتم مرة ويقصر أخرى ؛ وكذلك كل من روي عنه مثل ذلك
من الصحابة - والله اعلم .
وروى ابن وهب عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن القاسم
ابن محمد، أن رجلا قال له: عجبت من عائشة حين كانت تصلي
حَخلا كان يصلي ركعتين ! فقال له
أربعا في السفر - ورسول الله
القاسم: عليك بسنة رسول الله وَله فإن من الناس من لا يعاب.
(١) عبد الرزاق (٥١٦/٢-٤٢٧٢/٥١٧).
فتح البر
٤٥٠
وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري ، عن عروة،
عن عائشة، أنها كانت تتم في السفر، قال: واخبرنا الثوري عن
هشام بن عروة، عن ابيه عروة، عن عائشة - أنها كانت تتم في
السفر.
قال ابو عمر: رد الذين ذهبوا الى أن القصر في السفر مع الأمن
سنة مسنونة غير فريضة - حديث عائشة حيث قالت: فرضت الصلاة
ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر . فردوه
بأن قالوا قد صح عنها أنها كانت تتم في السفر، وهذا من فعلها يرد
قولها ذلك؛ وان صح قولها ذلك عنها - ولم يدخله الوهم من جهة
النقل ، فهو على غير ظاهره ؛ وفيه معنى مضمر باطن، وذلك -
والله أعلم - كأنها قالت: فأقرت صلاة السفر لمن شاء، أو نحو هذا؛
قالوا : ولا يجوز على عائشة أن تقر بأن القصر فرض في السفر،
وتخالف الفرض، هذا ما لا يجوز لمسلم أن ينسبه اليها ؛ قالوا: وغير
جائز تأويل من تأول عليها أن اتمامها كان من أجل أنها كانت أم
المؤمنين، فكانت حيثما نزلت على بنيها فلم تقصر ؛ لان ذلك كان
منها كأنها كانت في بيتها ، وهذا لا يجوز لاحد أن يعتقده ؛ لان
النبي عليه السلام به صارت عائشة وسائر أزواجه أمهات المؤمنين،
وكان وَّ للمؤمنين أبا رؤوفا رحيما ؛ وكان يقصر في أسفاره كلها
صياالله
وفي غزواته وعمره وحجته ◌َ
وسلم.
وفي قراءة أبي بن كعب: (( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم
وأزواجه أمهاتهم)) وهو أب لهم، فمما يرد حديث عائشة: إتمامها
في أسفارها ؛ ومما يرده أيضا حديث ابن عباس، وغيره، أن الصلاة
٤٥١
صلاة السفر
فرضت في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين . وما روي عنها مما
قدمنا ذكره في هذا الباب، أن رسول الله وَجل أتم في السفر، وقصر
وصام وأفطر. ومما يعارضه أيضا، حديث القشيري عن النبي وَل
أنه قال: ((وضع الله عن المسافر الصوم وشطر الصلاة))(١). والوضع لا
يكون في الأغلب الا مما قد ثبت فوضع منه.
وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر اذا دخل في صلاة
المقيمين فأدرك منها ركعة، أنه يلزمه أن يصلي أربعا، فلو كان فرض
المسافر ركعتين لم ينتقل فرضه إلى أربع، كما أن المقيم اذا دخل خلف
المسافر، لم ينتقل فرضه إلى اثنين، وهذا واضح لمن تدبر وأنصف ؛
قالوا: وكيف يجوز للمسافر أن يكون مخيرا - إن شاء دخل خلف
الإمام المقيم فصلى أربعا، وإن شاء صلى وحده ركعتين ، ولا يكون
مخيرا في حال انفراده - إن شاء صلى ركعتين ، وإن شاء أربعا ؛
قالوا: ولو كان فرض المسافر ركعتين، ما جاز له تغيير فرضه
بالدخول مع المقيم في صلاته ولبطلت صلاته، كما لو صلى الصبح
خلف إمام يصلي الظهر إلى آخرها ؛ وهذا بين واضح - والحمد لله.
أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال أخبرنا محمد بن حاتم، قال اخبرنا حبان، قال
حدثنا عبد الله، عن ابن عيينة، عن أيوب ، عن شيخ من بني قشير،
عن عمه، أنه انتهى إلى النبي وَ ل وهو يأكل أو قال يطعم ؛ فقال:
(١) ن (٢٢٧٤/٤٩١/٤)، وفي الباب من حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه عند:
حم (٣٤٧/٤)، د (٢٤٠٨/٧٩٦/٢)، ن (٢ / ٢١٨١/٤٩٠). ت (٧١٥/٩٤/٣) وقال:
حديث حسن، جه (١٦٦٧/٥٣٣/١).
٤٥٢
فتح البر
ادن فكل، فقلت: إني صائم، فقال: إن الله وضع عن المسافر شطر
الصلاة والصيام، وعن الحبلى والمرضع (١).
ورواه عبد الله بن الشخير، وعمرو بن أمية الضمري، عن النبي
عليه السلام . فأما حديث ابن الشخير ، فرواه أبو عوانة عن ابي
بشر، عن هانيء بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه ، عن النبي عليه
السلام - أنه قدم عليه - فذكر مثل حديث القشيري (٢)؛ وأما حديث
عمرو بن أمية، فرواه الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي
قلابة، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، عن النبي عليه
السلام(٢) . - هكذا حدث به الوليد بن مسلم عن الأوزاعي .
ورواه ابو المغيرة، ومحمد بن حرب، عن الأوزاعي ، عن يحيى
عن أبي قلابة ، عن ابي المهاجر ، عن أبي أمية الضمري - يعني
عمرو بن أمية ؛ وكذلك رواه معاوية بن سلام ، عن يحيى بن ابي
کثیر - باسناده مثله .
وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال
اخبرنا احمد بن شعيب، قال أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم، عن محمد
ابن شعيب، قال اخبرنا الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة، قال
حدثني عمرو بن أمية الضمري، قال: قدمت على عهد رسول الله
وَّ من سفر، فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية ، فقلت: إني صائم .
قال: ادن مني حتى أخبرك عن المسافر، إن الله وضع عنه الصيام
ونصف الصلاة (٣).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه، (انظر ما قبله).
(٢) ن (٤ / ٤٩٣ /٢٢٨٠). الطحاوي، كتاب الصلاة: (٤٢٣/١). ويشهد له الحديث السابق
فيتقوی به .
(٣) ن (٤/ ٢٢٦٧/٤٩٠) الطحاوي (٤٢٣/١) ويشهد له ما قبله.
صلاة السفر
٤٥٣
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن ابي
شيبة، قال حدثنا ابن علية، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة ، قال:
مر عمران بن حصين في مجلسنا فقال: غزوت مع رسول الله وَاجله
فلم يصل الا ركعتين حتى رجع الى المدينة ؛ وحججت معه، فلم
يصل الا ركعتين حتى رجع الى المدينة ؛ وشهدت معه الفتح، فأقام
بمكة ثمان عشرة لا يصلي الا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد:
صلوا أربعا فإنا قوم سفر ؛ واعتمرت معه ثلاث عمر لا يصلي الا
ركعتين (١).
فهذا يدلك على أن الإمامة لا تنقل فرضا عن حاله، ألا ترى الى
قوله وَخلّ لمن خلفه من أهل الحضر: صلوا أربعا، فإنا قوم سفر.
وكذلك قال عمر لأهل مكة أيضا حین صلى بهم ثم سلم من ركعتين،
وقال لهم: أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر .
فلما لم يكن اتباع الإمام يحمل المقيم اذا صلى خلف المسافر على
أن يجتزيء بركعتين ويقتصر على السلام معه، لان كلا على فرضه ؛
وكان المسافر - اذا أدرك ركعة من صلاة المقيم، انتقل حكمه الى حكم
المقيم، ولزمه أن يصلي أربعا ؛ علمنا بذلك أن قصر الصلاة ليس
بفرض واجب لانه لو كان فرضا، لأضاف المسافر الى ركعته التي
أردكها من صلاة المقيم - ركعة أخرى، واستجزى بذلك ؛ فلما
أجمعوا على غير ذلك، علم أن القصر للمسافر سنة لا فرض ؛ ألا
ترى أنهم قد أجمعوا أنه جائز للمسافر أن يصلي خلف المقيم - من
(١) حم (٤/ ٤٣٠- ٤٣١ - ٤٣٢)، د (٢ / ٢٣ / ١٢٢٩)، الطحاوي في شرح معاني الآثار
(٤١٧/١). وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
فتح البر
٤٥٤
كره ذلك منهم ومن استحسنه كلهم يجيزه، وقد أجمعوا على أن
المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم ، لزمه الإتمام، بل قد قال
أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه، أنه تلزمه صلاة
المقيم، وعليه الإتمام، فلو كان القصر فرضا واجبا، ما دخل المسافر مع
المقيم في صلاته ، والأمر في هذا واضح بين لمن لم يعاند وألهم
رشده .
أخبرنا محمد بن عبد الملك، وعبيد بن محمد، قالا حدثنا عبد الله
ابن مسرور، قال حدثنا عيسى بن مسكين، قال حدثنا محمد بن
سنجر، قال حدثنا الفضل بن دكين، قال حدثنا شريك، عن جابر،
عن عامر، عن ابن عباس، وابن عمر، قالا: سن رسول الله وعَظجله
للمسافر ركعتين (١)- وهما تمام قالا : والوتر في السفر من السنة .
فهذا ابن عمر، وابن عباس قد قالا: إن صلاة المسافر سنة، كما
قالا: ان الوتر في السفر من السنة؛ وقد مضى في هذا الباب عن ابن
عمر أيضا، وابن عباس، مثل ذلك .
وعن عطاء، وعمرو بن دينار، والقاسم بن محمد - مثل ذلك؛
وقد أشبعنا هذا المعنى عند ذكر حديث ابن شهاب، عن رجل من آل
خالد بن أسيد في كتابنا هذا - والحمد لله.
وأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب، فروي عن مالك أنه قال مرة
في مسافر أم مقيمين فأتم بهم الصلاة - جاهلا، ومنهم المسافر
والمقيم؛ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا . وروي عنه أيضا أنه
قال: يعيد ما كان في الوقت، وما مضى وقته فلا إعادة عليه.
وقال ابن المواز فيمن صلى أربعا ناسيا لسفر، أو ناسيا لإقصاره، أو
ذاكرا فليعد في الوقت ؛ وكذلك قال سحنون فيمن صلى في السفر
(١) سبق تخريجه في الباب الماضي.
٤٥٥
صلاة السفر
ناسيا أو ذاكرا ؛ وزاد: أو جاهلا أربعا أنه يعيد في الوقت، وقال ابن
المواز: لو افتتح على ركعتين فأتمهما أربعا تعمدا، أعاد أبدا ؛ وان
كان سهوا، سجد لسهوه وأجزأه، وقال سحنون: بل يعيد أبدا لكثرة
السهو .
وقال ابن المواز: ليس كسهو مجتمع عليه.
وذكر أبو الفرج عن مالك قال: ومن أتم في السفر أعادها مقصورة
- ما دام في وقتها الى أن ينوي مقاما فيعيدها كاملة - ما دام في
وقتها. قال: ولو صلى مسافر بمسافرين فسها فقام ليتم، فليجلس من
وراءه حتى يسلموا بسلامه ، وعليه إعادة الصلاة - ما دام في الوقت.
قال القاضي أبو الفرج: أحسبه أنه ألزم هذا الإعادة؛ لانه سبح به
فتمادى في صلاته - عامدا عالما بذلك ؛ وأما إن كان ساهيا، فلا وجه
لأمره بالإعادة، لأنه بمنزلة مقيم صلى الظهر خمسا ساهيا ، فلم يكن
عليه إعادة؛ وذكر ابن خواز منداد ان مالكا يقول: إن القصر في السفر
مسنون غير واجب، وهو قول الشافعي.
قال ابو عمر : في قول مالك إن من أتم الصلاة في السفر لم
تلزمه الإعادة الا في الوقت، دليل على أن القصر عنده ليس بفرض.
وقد حكى أبو الفرج - في كتابه عن ابي المصعب، عن مالك،
القصر في السفر للرجال والنساء سنة .
قال ابو الفرج: فلا معنى للاشتغال بالاستدلال على مذهب مالك
مع ما ذكره ابو المصعب: أن القصر عنده سنة لا فرض، قال: ومما
يدل على ذلك من مذهبه، أنه لا يرى الإعادة على من أتم في السفر
الا في الوقت.
قال ابو عمر : فهذا أصح ما في هذه المسألة، وذلك أصح الأقاويل
فيها من جهة النظر والأثر - وبالله التوفيق.
فتح البر
١٤٥٦
٤٥٦
وأما الشافعي ، وأبو ثور، فكانا يقولان: إن شاء المسافر قصر ،
وإن شاء أتم، وذكر ابو سعد القزويني المالكي أن الصحيح في مذهب
مالك التخيير للمسافر في الاتمام والقصر - كما قال الشافعي، الا أنه
يستحب له القصر ، ولذلك يرى عليه الإعادة في الوقت - إن أتم .
وقال ابو حنيفة وأصحابه: اذا صلى المسافر أربعا ، فان كان قعد
في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامة، وان لم يكن قعد في
الركعتين الأوليين قدر التشهد، فعليه أن يعيد .
قال ابو عمر: هذا على أصولهم في أن التشهد والسلام ليسا
بواجبين والجلوس مقدار التشهد عندهم واجب، وبه يخرج عندهم من
الصلاة؛ وللرد عليهم في ذلك موضع غير هذا .
وقال حماد بن ابي سليمان: من أتم في السفر أعاد ، والإعادة -
عنده وعند أبي حنيفة - علي ما قدمنا من أصولهم أبدا .
وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يدل على أن القصر في السفر
واجب؛ لانه قال: الركعتان للمسافر حتم لا يصلح غيرهما.
واختلف في هذه المسألة عن أحمد بن حنبل ، فقال مرة: أنا أحب
العافية من هذه المسألة، وقال مرة أخرى: لا يعجبني أن يصلي أربعا،
السنة ركعتان ، وقد مضى القول في كثير من مسائل هذا الباب في
باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد من كتابنا هذا، فلا
وجه لإعادة ذلك ههنا .
صلاة السفر
٤٥٧
ما جاء فى الجمع فى السفر
[٣] مالك، عن ابي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل اخبره، أنهم خرجوا
مع رسول الله وَّر في غزوة تبوك، فكان رسول الله وَالر يجمع بين الظهر
والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر
والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ؛ ثم قال:
انكم ستأتون غدا - إن شاء الله - عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى
النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي .
قال: فجئناها - وقد سبقنا اليها رجلان، والعين تبض بشيء من
ماء، فسألهما رسول الله وَ له هل مسستما من مائها شيئا ؟ فقالا:
نعم، فسبهما رسول الله وَخليه وقال لهما ما شاء الله أن يقول: ثم
غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل
رسول الله وَلخلّ منه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء
كثير، فاستقى الناس؛ ثم قال رسول الله وَله: يوشك - يا معاذ -
إن طالت بك حياة - أن ترى ما ههنا قد مليء جنانا (١).
قال ابو عمر: هذا حديث صحيح ثابت، وأبو الطفيل من كبار
التابعين وجلتهم وعلمائهم؛ ممن ولد على عهد رسول الله وَله وقد
ذكرناه في كتابنا في الصحابة، على شرطنا فيه، فأغنى عن ذكره
ههنا، وقد ذكرنا معاذ بن جبل هناك ذكرا مجودا - إن شاء الله، وكان
أبو الطفيل محبا في علي، غير متنقص لغيره من الصحابة، وجهل
أمره من جعله من الشيعة الغالية.
(١) حم (٢٣٧/٥-٢٣٨). م (٤/ ١٧٨٤ - ٧٠٦/١٧٨٥). ن (٣٠٩/١ - ٣١٠/ ٥٨٦)
مختصرا. د (٢ / ١٠ - ١١/ ١٢٠٦). جه (١/ ٣٤٠/ ١٠٧٠).
فتح البر
٤٥٨
وفي هذا الحديث من الفقه غزو الإمام بنفسه العدو مع عسكره،
وفيه غزو الروم؛ لان غزوة تبوك كانت الى الروم بأرض الشام، وهي
غزاة لم يلق فيها رسول الله وَ له كيدا ولا قتالا، وانصرف لما قد ذكره
أهل السير ؛ وقد قيل إن غزو الروم وسائر أهل الكتاب أفضل من
غيرهم.
حدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا ابو
داود ، قال حدثنا عبدالرحمن بن سلام، قال حدثنا حجاج بن محمد
عن فرج بن فضالة، عن عبدالخبير بن محمد بن ثابت بن قيس بن
شماس، عن أبيه عن جده، قال: جاءت امرأة إلى النبي وَخُلّ يقال لها
أم خلاد - وهي منتقبة - تسأل عن ابنها - وهو مقتول، فقال لها
بعض أصحاب رسول الله وَله: تسألين عن ابنك - وأنت منتقبة ؟
فقالت: إن أرزأ ابني، فلن أرزا حيائي؛ فقال رسول الله وَله: ابنك
له أجر شهيدين، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه قتله أهل
الكتاب(١).
قال ابو عمر: فلفضل غزو الروم - والله أعلم - غزاهم رسول
الله ◌َ لحقه .
وستعم .
قال ابو عمر: قال أهل السير: إن غزوة تبوك الى الروم كانت في
رجب من سنة تسع، وفيه الجمع بين صلاتي النهار وبين صلاتي الليل
للمسافر - وإن لم يجد به السير .
وفي قوله في هذا الحديث فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر
والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا؛ -
(١) د (١٣/٣ /٢٤٨٨) إسناده ضعيف. فيه عبد الخبير بن محمد. مجهول الحال كما نص عليه
ابن حجر في التقريب (٣٧٩٢/٥٥٧/١).
٤٥٩
صلاة السفر
دليل على أنه جمع بين الصلاتين - وهو نازل غير سائر، ماكث في
خبائه وفسطاطه، يخرج فيقيم الصلاة، ثم ينصرف الى خبائه، ثم
يخرج فيقيمها، ويجمع بين الصلاتين من غير أن يجد به السير .
وفي هذا الحديث أوضح الدلائل، وأقوى الحجج في الرد على من
قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين ، الا اذا جد به السير.
واختلف الفقهاء في ذلك، فروى ابن القاسم، عن مالك - وهو
رأيه - قال: لا يجمع المسافر في حج أو عمرة، الا أن يجد به السير،
ويخاف فوات أمر، فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر،
وكذلك في المغرب والعشاء، إلا أن يرتحل عند الزوال فليجمع حينئذ
في المرحلة بين الظهر والعصر، ولم يذكر في العشاءين الجمع عند
الرحيل أول الوقت، قال سحنون: وهما كالظهر والعصر.
وذكر ابو الفرج ، عن مالك ، قال: ومن أراد الجمع بين الصلاتين
جمع بينهما - إن شاء في آخر وقت الأولى منهما، وإن شاء في وقت
الآخرة منهما، وإن شاء أخر الأولى فصلاها في آخر وقتها، وصلى
الثانية في أول وقتها؛ قال وذلك كجواز الجمع بين الظهر والعصر
بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة .
قال ابو الفرج: وأصل هذا الباب، الجمع بين الظهر والعصر بعرفة،
والمغرب والعشاء بالمزدلفة؛ لان رسول الله بَ له سافر فقصر وجمع
بينهما كذلك، والجمع أيسر خطبا من التقصير، فوجب الجمع بينهما
في الوقت الذي جمع بينهما فيه رسول الله وَله .
وفي سماع ابن القاسم قال سحنون: وأحب ما فيه الي والذي
سمعت من مالك، أن يجمع المسافر في آخر وقت الظهر، وأول وقت
فتح البر
٠٤٦٠
٤٦٠
صَلىالله
وستكم
عَلـ
العصر؛ وإن جمع بعد الزوال بينهما، أجزأ ذلك عنه؛ لان النبي
فعله .
قال ابن حبيب -: وللمسافر أن يجمع ليقطع سفره - وان لم يخف
شيئا ولم يبادره ؛ وقال الليث بن سعد: لا يجمع الا من جد به
السير، وكان الأوزاعي يقول: لا يجمع بين الصلاتين الا من عذر؛
لان النبي 103* كان اذا جد به السير جمع (١). وعن الثوري نحو
هذا، وعنه أيضا ما يدل على إجازة جمع الصلاتين في وقت إحداهما
للمسافر، وإن لم يجد به السير .
وقال ابو حنيفة وأصحابه: لا يجمع أحد بين الصلاتين في سفر ولا
حضر، لا صحيح ولا مريض، في صحو، ولا في مطر ؛ الا أن
للمسافر أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها، ثم ينزل فيصليها في آخر
وقتها، ثم يمكث قليلا ويصلي العصر في أول وقتها، وكذلك
المريض؛ قالوا: فأما أن يصلي صلاة في وقت أخرى، فلا، الا بعرفة
والمزدلفة- لا غير.
وحجتهم ما رواه الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبدالرحمن
ابن يزيد، قال: قال عبدالله بن مسعود: والذي لا إله غيره ما صلى
رسول الله وَ له صلاة قط الا لوقتها، الا صلاتين: جمع بين الظهر
والعصر يوم عرفة، وجمع بين المغرب والعشاء بجمع(٢).
قال ابو عمر: ليس في هذا حجة؛ لان غير ابن مسعود حفظ عن
النبي وَ ل أنه جمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة، ومن
(١) خ (١٨٠٥/٧٩٦/٣). م (١/ ٧٠٣/٤٨٨).
(٢) خ (١٦٨٢/٦٧٦/٣). م (٢٩٢/٩٣٨/٢). د (١٩٣٤/٤٧٧/٢). ن (١/ ٦٠٧/٣١٧).