النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ صلاة السفر رخصة وإباحة، وأن الإتمام أفضل، فكانت تفعل ذلك وهي التي روت عن رسول الله وَ أنه لم يخير بين أمرين قط الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما(١). فلعلها ذهبت إلى أن رسول الله وَا لم يختر القصر في أسفاره الا توسعة على أمته وأخذا بأيسر أمر الله. وبنحو هذا القول ذكرنا جواب عطاء بن أبي رباح فيما تقدم عنه، أن القصر سنة ورخصة ، وهو الذي روى عن عائشة ما حدثنا سعيد بن نصر قال قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع قال: حدثنا المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة أن رسول الله وَ﴾ كان يتم في سفره ويقصر(٢). وقد أتم جماعة في السفر، منهم سعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وعائشة، وقد عاب ابن مسعود عثمان بالإتمام، وهو بمنى، ثم لما أقام الصلاة عثمان مر ابن مسعود فصلى خلفه، فقيل له في ذلك فقال الخلاف شر، ولو أن القصر عنده فرض، ما صلى خلف عثمان أربعا . أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن ابي أسامة قال: حدثنا ابو نعيم، قال حدثنا طلحة عن عطاء عن عائشة قالت : كان قد فعل رسول الله وَلخلّ قد صام وأفطر وأتم وقصر في السفر(٢). (١) سيأتي تخريجه في الباب نفسه. (٢) الطحاوي (٤١٥/١)، هق (١٤١/٣-١٤٢)، البزار " كشف الأستار" (٦٨٢/٣٢٩/١)، ابن أبي شيبة (٨١٨٧/٢٠٦/٢)، قط (٤٥/١٨٩/٢)، وقال فى المجمع (٢/ ١٦٠): وفيه المغيرة ابن زياد واختلف في الاحتجاج به. فتح البر ٤٢٢ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن الجهم ، حدثنا عبد الوهاب، قال : أنبأنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن عائشة أنها قالت: كل ذلك كان يفعل رسول الله وَسَه صام وأفطر وقصر الصلاة وأتم(١). وقد روى زيد العمي وإن لم يكن ممن يحتج به فإنه ممن يستظهر به عن أنس قال: كنا أصحاب رسول الله وَلخلال نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد(٢). وإن كان زيد العمي، وطلحة بن عمرو، ممن لا يحتج بهما، فإن الأحاديث الثابتة والاعتبار بالأصول تصحح ما جاء به مع فعل عائشة رحمها الله تعالى . فإن قال قائل: ما معنى قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى ؟ قيل له أما ظاهر هذا القول، فيدل على أن الركعتين في السفر فرض، ولكن الآثار والنظر والاعتبار كل ذلك يدل على غير ما دل عليه ظاهر الحديث، وسنبين ذلك في باب صالح بن كيسان من كتابنا هذا إن شاء الله تعالی. وقد أوردنا في هذا الباب ما فيه بيان لمن تدبر وحسبك بتوهين ظاهر حديث عائشة ، وخروجه عن ظاهره مخالفتها له وإجماع جمهور فقهاء المسلمين أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم. ومن الدليل أيضا على أن القصر في السفر سنة وتوسعة، وإن كان ما ذكرنا في هذا الباب كافيا، حديث يعلى بن أمية عن عمر بن (١) سبق تخريجه في الباب نفسه (انظر ما قبله). (٢) البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٤٥/٣). ٤٢٣ صلاة السفر الخطاب، حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن ادريس، عن ابن جريج، عن ابن ابي عمار، عن عبد الله ابن بابيه، عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، وقد أمن الناس، فقال: عجبت مما تعجب منه فسألت رسول الله وَالله عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته(١). وهذا كله يدل على أن القصر سنة وتوسعة وكذلك قال ابن عمر، وابن عباس، وعطاء وعمرو بن دينار، والقاسم بن محمد كلهم، قال: سنة مسنونة، ولم يقل واحد منهم أنها فريضة ، وقد ذكرنا الأخبار عنهم فيما تقدم من هذا الباب فتدبره. ومعلوم أن الصلاة ركن عظيم من أركان الدين، بل أعظم أركانه بعد التوحيد ومحال أن يضاف الى أحد من الصحابة الذين أتموا في أسفارهم والى سائر السلف الذين فعلوا فعلهم، أنهم زادوا في فرضهم عامدين ما يفسد عليهم به فرضهم. هذا ما لا يحل لمسلم أن يتأوله عليهم ولا ينسبه اليهم. وقد حكى أبو مصعب عن مالك وأهل المدينة في مختصره، قال: القصر في السفر سنة للرجال والنساء ، وحسبك بهذا في مذهب مالك، مع أنه لم يختلف قوله أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت . وذلك استحباب عند من فهم لا إيجاب، أخبرنا ابراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن عثمان قال: حدثنا سعد بن معاذ قال : (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ٤٢٤ حدثنا الربيع بن سليمان، عن الشافعي قال: القصر في الخوف مع السفر بالقرآن والسنة، والقصر في السفر من غير خوف بالسنة . أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال: أنبأنا الخضر بن داود، قال: أنبأنا ابو بكر يعني الأثرم قال: حدثنا موسى بن اسماعيل قال: حدثنا أبان قال: حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز القاري، أنه سأل عبدالله بن عمر عن الصلاة في السفر، فقال : ركعتان، من خالف السنة فقد كفر(١). ورواه معمر بن قتادة، عن مورق العجلي، قال سئل ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتين، ركعتين من خالف السنة كفر (١). قال أبو عمر: الكفر ههنا كفر النعمة وليس بكفر ينقل عن الملة، كأنه قال: كفر لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبي وَله ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته، كما في امتثال عزيمته وَ جله . والكلام في هذا على قول المعتزلة والخوارج يطول وليس هذا موضعه خروجنا عما له قصدنا، وبالله توفیقنا. واختلف الفقهاء فيمن صلى أربعا في السفر، عامدا أو ساهيا، فقال مالك من صلى في سفر تقصر فيه الصلاة أربعا، أعاد في الوقت صلاة سفر . ولم يفرق بين عامد وناس، هذه رواية ابن القاسم، قال ابن القاسم، ولو رجع الى بيته في الوقت لأعادها أربعا، قال: ولو أحرم مسافر وهو ينوي أربعا، ثم بدا له فسلم من اثنتين لم يجزه. (١) عبد الرزاق (٤٢٨١/٥١٩/٢). الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤٢٢/١). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٧/٢-١٥٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. ٤٢٥ صلاة السفر وروى ابن وهب عن مالك في مسافر أم قوما فيهم مسافر ومقيم فأتم الصلاة بهم جاهلا، قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا، وهذا قد يحتمل أن تكون الإعادة في الوقت . وقال ابن المواز من صلى أربعا ناسيا لسفره أو لإقصاره أو ذاكرا لذلك، وقال سحنون أو جاهلا، فليعد في الوقت . ولو افتتح على ركعتين فأتمها أربعا تعمدا أعادها أبدا، وإن كان سهوا سجد لسهوه وأجزاته. وقال سحنون بل یعید لكثرة سهوه، وقال محمد: ليس هو سهو مجتمع عليه . وقال أبو حنيفة وأصحابه إن قعد في اثنتين قدر التشهد مضت صلاته، وإن لم يقعد فصلاته فاسدة . وقال الثوري اذا قعد في اثنتين لم يعد. وقال حماد بن أبي سليمان اذا صلى أربعا متعمدا أعاد، وإن كان ساهيا لم يعد . وقال الحسن بن حي اذا صلى أربعا متعمدا أعاد، اذا كان ذلك منه الشيء اليسير فاذا طال ذلك في سفره وكثر لم يعد. وقال عمربن عبد العزيز الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما. وقال الأوزاعي إن قام المسافر لثالثة وصلاها، ثم ذكر ، فإنه يلغيها ویسجد سجدتي السهو . وقال الحسن البصري فيمن صلى في سفر أربعا متعمدا بئس ما صنع وقضت عنه، ثم قال للسائل لا أبالك، ترى أصحاب محمد تركوها لأنها ثقلت عليهم . ٤٢٦ فتح البر وقال الشافعي: القصر في غير الخوف سنة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة، ومن صلى أربعا فلا شيء عليه، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة، كما لا أحب لأحد نزع خفيه رغبة عن السنة، وليس للمسافر أن يصلي ركعتين الا أن ينوي القصر مع الاحرام، فإن أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعا. قال ابو عمر : قول الشافعي في هذا الباب أعدل الأقاويل إن شاء الله وقول مالك قريب منه نحوه ، لأن أمره بالاعادة في الوقت استحباب . وكذلك قول احمد بن حنبل في هذا الباب، قال الأثرم: قلت له: للرجل أن يصلي في السفر أربعا ؟ قال: لا يعجبني ثم قال: السنة ركعتان. وأما قول الكوفيين فضعيف لا أصل له الا أصل لا يثبت وقد أوضحنا فساد أصلهم واعتبارهم القعود مقدار التشهد في غير هذا الموضع. ومما يدل على ما اخترناه، إتمام من أتم من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه، وقد أخبر الله عنهم أنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فما لم ينكروه وأقروه فحق وصواب. وقلنا إن القصر أولى، لانه المشهور من فعل رسول الله وَ ل في سفره وهو فعل أكثر الصحابة والتابعين. فإن تكن رخصة ويسر وتوسعة فلا وجه للرغبة عنها، فإن الله قد أحب أن تقبل رخصته وصدقته ونأتيها، وإن تكن فضيلة، فهو الذي ظننا، وكيف كانت الحال، فامتثال فعله في كل ما أبيح لنا أفضل إن شاء الله . ٤٢٧ صلاة السفر وعلى هذا قال جماعة من أهل العلم، إن المسح أفضل من الغسل، لأنه كان يمسح وَلخل على خفيه. وهو المبين لعباد الله عز وجل مراد الله من كتابه، وهو الهادي إلى صراط مستقيم صراط الله وَالجيد . أخبرنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز، وأخبرنا خلف بن سعيد قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن علي، قال: أخبرنا احمد بن خالد قال: حدثنا اسحاق بن ابراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا ابن جريج عن عطاء قال : لا أعلم أحدا من أصحاب النبي ◌َّ كان يوف الصلاة في السفر الا سعد بن أبي وقاص وعائشة فإنهما كانا يوفيان الصلاة في السفر ويصومان . وَالر فأوفى سعد قال: وسافر سعد في نفر من أصحاب النبي الصلاة، وصام وقصر القوم وافطروا، فقالوا لسعد كيف نفطر ونقصر الصلاة وأنت تتمها وتصوم، فقال: دونكم أمركم فإني أعلم شأني، قال: فلم يحرمه سعد عليهم ولم ينههم عنه(١) . قال ابن جريج: فقلت لعطاء فأي ذلك أحب اليك، قال: قصرها، وكل ذلك قد فعله الصالحون والأخيار. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة أنها كانت تتم في السفر(٢). قال وأنبأنا الثوري، عن عاصم، عن أبي قلابة، أنه كان يقول : إن صليت في السفر أربعا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت رکعتین، فقد صلى من لا بأس به . (١) عبد الرزاق (٢ / ٤٤٥٩/٥٦٠). (٢) عبد الرزاق (٢/ ٤٤٦١/٥٦١- ٤٤٦٢). فتح البر ٤٢٨ واختلف الفقهاء أيضا في مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فقال مالك والشافعي، والليث أربعة برد، وهو قول ابن عباس وابن عمر، قال مالك: ثمانية وأربعون ميلا ومسيرة يوم وليلة ، وهو قول اللیث. وقال الشافعي: ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، أو يوم وليلة، وهو قول الطبري. وقال الأوزاعي: اليوم التام، وهذه كلها أقاويل متقاربة، وقال ابو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي: لا يقصر أحد في أقل من مسيرة ثلاثة أيام ولياليها . وقال داود: من سافر في حج أو عمرة أو غزو قصر في قصير السفر وطويله، ومن حجته حديث شعبة، عن يزيد بن خمير، عن حبيب بن عبيد، عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط الى قرية له على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين، فقلت له؟ فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له؟ فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله وَ له فعل(١). واختلفوا أيضا فيمن له أن يقصر، فقال مالك: من خرج الى الصيد متلذذا لم أحب له أن يقصر، ومن خرج في معصية لم يجز له أن یقصر، ومن كان الصيد معاشه قصر . وقال الشافعي: إن سافر في معصية فلا يقصر ولا يمسح مسح المسافر، وهو قول داود والطبري. (١) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤١٦/١) مختصرا. ٤٢٩ صلاة السفر وقال احمد بن حنبل لا يقصر مسافر الا في حج أو عمرة أو غزو. ورواه عن ابن مسعود، وهو قول داود، الا أن داود قال: في حج أو عمرة أو غزو. ولاحمد بن حنبل قول آخر مثل قول الشافعي: من سافر في غير معصية قصر ومسح. وقصر علي رضي الله عنه في خروجه الى صفين، وخرج ابن عباس الى ماله بالطائف فقصر الصلاة. وقال نافع كان ابن عمر يطالع ماله بخيبر فيقصر الصلاة، وأكثر الفقهاء على إباحة القصر للمسافر تاجرا وفي أمر أبيح له الخروج اليه. وكان الأوزاعي يقول في رجل خرج في بعث الى بعض المسلمين يقصر ويفطر في رمضان في مسيره ذلك وافق ذلك طاعة أو معصية. واختلف أصحاب داود في ذلك، فقال بعضهم بقوله: لا قصر الا في حج أو عمرة أو جهاد، وقال بعضهم للعاصي أن يقصر. وقال ابو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي : يقصر المسافر عاصيا كان أو مطيعا. واختلفوا في مدة الإقامة، فقال مالك والشافعي والليث والطبري وأبو ثور: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وهو قول سعيد بن المسيب في رواية عطاء الخراساني عنه. وقال ابو حنيفة واصحابه والثوري: اذا نوى إقامة خمس عشرة يوما أتم وإن كان أقل قصر. وهو قول ابن عمر، وقول سعيد بن المسيب في رواية هشیم عن داود بن هند عنه. وقال الأوزاعي: ان نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم وإن نوى أقل قصر. فتح البر ٤٣٠ وعن سعيد بن المسيب قول ثالث: اذا أقام ثلاثا أتم. وعن السلف في هذه المسألة أقاويل متباينة، منها اذا أزمع المسافر على مقام اثنتي عشرة أتم الصلاة رواه نافع عن ابن عمر، قال نافع وهو آخر فعل ابن عمر وقوله. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أقام رسول الله وَل تسع عشرة يقصر الصلاة فنحن اذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا(١). وروي عن علي وابن عباس: من أقام عشر ليال أتم الصلاة. والطرق عنهما في ذلك ضعيفة، وبذلك قال محمد بن علي، والحسن بن صالح. وروي عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن عتبة، من أقام أكثر من خمس عشرة أتم، وبه قال الليث بن سعد. وروي عن الحسن أن المسافر يصلي ركعتين أبدا حتى يدخل مصرا من الأمصار. وقال أحمد بن حنبل: اذا أجمع المسافر مقام احدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر وإن زاد على ذلك أتم. فهذه تسعة أقوال في هذه المسألة، وفيها قول عاشر، أن المسافر یقصر أبدا حتى يرجع وطنه أو ينزل وطنا له. وروي عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة. وقال ابو مجلز قلت لابن عمر: آتي المدينة فأقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالبا حاجة فقال: صل ركعتين. (١) حم (٢٢٣/١)، خ (٢ /١٠٨٠/٧١٤). د (٢/ ٢٤ /١٢٣٠). ت (٢ / ٥٤٩/٤٣٤). جه (١/ ٣٤١ / ١٠٧٥). ٤٣١ صلاة السفر وقال ابو اسحاق السبيعي: أقمنا بسجستان ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين. وأقام ابن عمر باذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وكان الثلج حال بينهم وبين القفول(١). وأقام مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها يصلي ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنة . وذكر يعقوب بن شيبة، حدثنا معاوية بن عمر، حدثنا زائدة عن منصور، عن شقيق قال: خرجت مع مسروق الى السلسلة حين استعمل عليها فلم يزل يقصر حتى بلغ ولم يزل يقصر في السلسلة حتى رجع، فقلت: يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: اتباع السنة. وقال ابو حمزة نصر بن عمران، قلت لابن عباس إنا نطيل المقام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ قال: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنین . محمل هذه الأحاديث عندنا على من لانية له في الإقامة لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدد المتقاربة وإنما ذلك مثل أن يقول أخرج اليوم أخرج غدا، واذا كان هكذا فلا عزيمة ههنا على الإقامة. صَلى الله وقال الأثرم: سئل أحمد بن حنبل عن حديث أنس أن النبي وَسَلهم أقام عشرا يقصر الصلاة، فقال: قدم النبي وَلّ مكة لصبح رابعة قال: فرابعة وخامسة وسادسة وسابعة وثامنة الترويه وتاسعة وعاشرة ، قال : فإنما حسب أنس مقامه بمكة ومنى لا وجه لحديث أنس غير هذا(٢). (١) حم (٢/ ٨٣-١٥٤) بنحوه، هق في («السنن الكبرى)) (١٥٢/٣). وذكره الهيثمي في («المجمع» (١٦١/٢) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. والأثر صحح إسناده الألباني في الإرواء (٢٨/٣). (٢) خ (١٠٨١/٧١٤/٢). م (١/ ٦٩٣/٤٨١): د (٢٥/٢ - ١٢٣٣/٢٦). ت(٢/ ٢٤٣١ ٥٤٨/٤٣). ن (١٤٣٧/١٣٣/٣)، جه (١٠٧٧/٣٤٢/١). فتح البر ٤٣٢ قال أحمد فاذا قدم لصبح رابعة قصر وما قبل ذلك يتم، قال: أقام النبي وَلاّ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح بالأبطح في اليوم الثامن، فهذه احدى وعشرون صلاة، قصر فيها في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فمن أجمع أن يقيم كما أقام النبي وَلّ قصر، فإن أجمع على أكثر من ذلك أتم. قلت له فلم لا تقصر فيما زاد على ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فنأخذ بالاحتياط ونتم. قيل لأحمد بن حنبل فاذا قال: أخرج اليوم أخرج غدا يقصر: قال: هذا شيء آخر هذا لم يعزم. قال ابو عمر: أصح شيء في هذه المسئلة قول مالك ومن تابعه، والحجة في ذلك حديث العلاء بن الحضرمي عن النبي بَطلّ أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثة أيام ثم يصدر(١). ومعلوم أن الهجرة اذا كانت مفترضة قبل الفتح، كان المقام بمكة لا يجوز ولا يحل، فجعل رسول الله وَله للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهذيب أسبابه، ولم يحكم لها بحكم المقام، ولا جعلها في حيز الإقامة، لأنها لم تكن دار مقام، فاذا لم يكن كذلك، فما زاد على الثلاثة أيام إقامة لمن نواها، وأقل ذلك أربعة أيام، ومن نوى إقامة ثلاثة أيام فما دونها، فليس بمقيم، وإن نوی ذلك، كما أنه لو نوى إقامة ساعة أو نحوها، لم يكن بساعته تلك داخل في حكم المقيم، ولا في أحواله. (١) حم (٣٣٩/٤)، (٥٢/٥)، خ (٣٩٣٣/٣٣٩/٧). م (٩٨٥/٢ - ٩٨٦/ ١٣٥٢). ت (٩٤٩/٢٨٤/٣). ن (١٤٥٣/١٣٧/٣). جه (١٤٥٣/١٣٧/٣). ٤٣٣ صلاة السفر ومن الحجة أيضا في ذلك أن عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود جعل لهم إقامة ثلاثة أيام في قضاء أمورهم، وإنما نفاهم عمر لقول رسول الله وَله: لا يبقى دينان بأرض العرب(١). ألا ترى أنهم لا يجوز تركهم بأرض العرب مقيمين بها، فحين نفاهم عمر وأمرهم بالخروج، لم يكن عنده الثلاثة أيام إقامة . وهذا بين لمن لم يعاند، ويصده عن الحق هواه وعماه. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد المجيد قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، وحفص بن عبد الرحمن بن حميد، عن عبدالرحمن بن حميد، قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث عمر بن عبد العزيز، عن العلاء بن الحضرمي أنه سمع رسول الله وَ له يقول يقيم المهاجر، قال سفيان بعد نسكه ثلاثا؟ قال حفص بعد الصدر ثلاثا(٢) . وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن جعفر ابن مالك قال: حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثني عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن السائب بن يزيد ، عن العلاء بن الحضرمي، إن شاء الله، أن رسول الله وَ خلال قال: يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا(٢). قال عبدالله قال أبي: ما كان أشد على ابن عينة أن يقول حدثنا. (١) هق (٢٠٨/٩) من طريق مالك. ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤٥٤/٣) وعزاه لمالك. (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ٤٣٤ واحتج ابو ثور لقوله في هذه المسألة بأن قال: لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر فيها، واختلفوا في الأربع فما فوقها، كان عليه أن يتم وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف. واختلف الفقهاء أيضا في المسافر يدخل في صلاة المقيم، فقال مالك: إذا أدرك منها ركعة صلى صلاة المقيم، وإن لم يدرك ركعة صلى ركعتين وهو قول الزهري ، وقتادة وقول الحسن البصري، وابراهيم النخعي ، على اختلاف عنهما. وقال الشافعي ، وأبو حنيفة والثوري، والأوزاعي، وأصحابهم يصلي صلاة مقیم وان ادركه في التشهد، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، والحسن، وابراهیم، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، ومکحول ، وهو قول معمر بن راشد، وبه قال أحمد واسحاق وابو ثور . واختلفوا أيضا في مسافر صلى بمقيمين فقال مالك: اذا سلم المسافر فاحب الي أن يقدموا رجلا يتم بهم، وفي ذلك سعة وقال الشافعي، والثوري، وابو حنيفة، والأوزاعي: يصلون فرادى ، ولا يقدمون أحدا . وحجتهم قول رسول الله وَ ل لأهل مكة اتموا صلاتكم فإنا قوم سفر(١)، وقد فعله عمر(٢)، ولم يأمر أن يتم أحدهم بهم. واختلفوا أيضا في المسافر يؤم قوما فيهم مسافرون ومقيمون، فيحدث بعد ركعة فيقدم مقيما، فقال مالك يصلي المقيم تمام صلاة (١) حم (٤/ ٤٣٢٠٠٤٣٠)، د (٢ / ١٢٢٩/٢٣)، الطحاوي (٤١٧/١)، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. (٢) عبد الرزاق (٤٣٦٩) من حديث معمر عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال: (صلى عمر للناس بمكة، فلما انصرف قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر). وإسناده صحيح. ٤٣٥ صلاة السفر الأول، ثم يشير الى من خلفه بالجلوس، ثم يقوم وحده، فيتم صلاته أربعا، ثم يقعد ويتشهد ، ويسلم من خلفه من المسافرين ويقوم من خلفه من المقيمين، فيتموا لأنفسهم، وقال ابو حنيفة وأصحابه والثوري، يتم المستخلف صلاة الأول، ثم يتأخر ويقدم مسافرا يسلم بهم، فيسلم معه المسافرون، ويقوم المقيمون فيقضون وحدانا . وقال الشافعي والأوزاعي، والليث بن سعد، يتمون كلهم صلاة مقیم. قال ابو عمر: مسائل السفر تكثر جدا وإنما ذكرنا منها ما كان في معنى حديثنا وما يعين على فتح ما انغلق منها من معناه وبالله التوفيق. فتح البر ٤٣٦ باب منه ٢- مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - زوج النبي وَّل - أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (١). هذا حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النقل، لا يختلف أهل الحديث في صحة إسناده؛ وكل من رواه قال فيه عن عائشة: فرضت الصلاة - لا يقول: فرض الله ولا فرض رسول الله وَالله. الا ما حدث به ابو اسحاق الحربي: قال حدثنا أحمد بن الحجاج، قال حدثنا ابن المبارك، قال حدثنا ابن عجلان ، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرض - رسول الله- صَل الصلاة ركعتين ركعتين -فذكر الحديث(٢) . هكذا قال: فرض رسول الله، وعنه نقول فرضت ؛ الا أن الأوزاعي قال فيه عن ابن شهاب، عن عروة ، عن عائشة - ولم يروه مالك عن ابن شهاب، ولا عن هشام ، الا أن شیخا یسمی یحیی بن محمد بن عباد ابن هانيء، رواه عن مالك، وابن أخي الزهري - جميعا ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ان الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر (٢)؛ وهذا لا يصح عن مالك، والصحيح في إسناده عن مالك في الموطأ ؛ وطرقه عن عائشة - متواترة وهو عنها صحيح ليس في اسناده مقال ؛ الا أن أهل العلم (١) حم (٢٧٢/٦)، خ (٦١١/١-٦١٢/ ٣٥٠). م (٦٨٥/٤٧٨/١). د (٥/٢- ١١٩٨/٦). ن (٤٥٤/٢٤٥/١). (٢) خ (٧٢٤/٢ /١٠٩٠). م (٦٨٥/٤٧٨/١[٣]). ن (١/ ٢٤٤/ ٤٥٢). صلاة السفر ٤٣٧ ــ اختلفوا في معنى هذا الحديث: فذهب منهم جماعة الى ظاهره وعمومه ، وما يوجبه لفظه ؛ فأوجبوا القصر في السفر فرضا، وقالوا: لا يجوز لأحد أن يصلي في السفر الا ركعتين، ركعتين - كل صلاة أربع . قال ابو عمر : فأما المغرب والصبح، فلا خلاف بين العلماء أنهما كذلك فرضتا، وأنهما لا قصر فيهما في السفر ولا غيره ؛ وهذا يدلك على أن قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين - قول ظاهره العموم، والمراد به الخصوص ؛ الا ترى أن صلاة المغرب غير داخلة في قولها - فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ؛ وكذلك الصبح غير داخلة في قولها: فزيد في صلاة الحضر؛ لانه معلوم أن الصبح لم يزد فيها ولم ينقص منها، وأنها في السفر والحضر سواء؛ فحجة من ذهب الى إيجاب القصر في السفر - فرضا، قول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر . وهذا واضح في أن الركعتين في السفر للمسافر فرض لا يجوز خلافه ؛ لان الفرض الواجب لا يجوز خلافه ولا الزيادة عليه ؛ الا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له أن يصلي الظهر ستا، ولا العصر، ولا العشاء؛ ولا يجوز له أن يصلي المغرب أربعا، ولا الصبح أربعا؛ لانه لو فعل ذلك كان زائدا في فرضه عامدا لما يفسده ؛ وهذا كله إجماع لا خلاف فيه للحضري - أنه لا يجوز له ذلك، قالوا: فكذلك المسافر لا يجوز له أن يصلي في السفر أربعا؛ لان فرضه في السفر ركعتان على ما ذكرت عائشة وممن ذهب الى هذا، عمر بن عبد العزيز - إن صح عنه، وحماد ابن ابي سليمان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقول بعض فتح البر ٤٣٨ -أصحاب مالك ؛ وقد روي عن مالك أيضا -وهو المشهور عنه- انه قال: من أتم في السفر، أعاد في الوقت ؛ ومن حجة من ذهب الى إيجاب القصر فرضا في السفر، حديث عمر بن الخطاب، قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم(١) - أَله - وهو حديث رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر . وقال ابن معين وعلي بن المديني لم يسمعه من عمر، ورجاله ثقات. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عمر، قال سفيان: قال زبيد مرة عن عمر - قال: صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر - على لسان النبي وَلا (١). قال ابو عمر: روى هذا الحديث يزيد بن هارون، عن الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال: سمعت عمر - فخطؤوه فيه لقوله: سمعت عمر ؛ وقد رواه محمد بن طلحة ، قال: حدثنا زبيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال خطبنا عمر فقال: ألا إن صلاة يوم الفطر وصلاة يوم النحر ، وصلاة يوم الجمعة، وصلاة السفر ركعتان ركعتان -تمام غير قصر - على لسان النبي ◌َد (٢) فوهم أيضا فيه . ورواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة، عن عمر، عن النبي (١) حم (٣٧/١)، ن (١٤١٩/١٢٣/١). جه (١٠٦٣/٣٣٨/١). حب: الإحسان (٢٧٨٣/٢٢/٧). (٢) أبو نعيم في الحلية (٣٥٣/٤-٣٥٤). صلاة السفر ٤٣٩ وَالله مثله (١). فزاد كعب بن عجرة ادخله بين عبد الرحمن بن ابي ليلى وابن عمر وليس لهذا الحديث غير هذا الاسناد؛ ومن أهل الحديث من يعلله ويضعفه، ومنهم من يصحح إسناد يزيد بن أبي الجعد هذا فيه . قال علي بن المديني: هو أسندها وأحسنها وأصحها ، واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد. وحدثنا عبد الوارث أیضا، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا موسى بن داود، قالا حدثنا ابو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد ، عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم 18َ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (٢). وهذا أيضا حديث انفرد به بكير بن الاخنس، وليس بحجة فيما انفرد به واحتجوا أيضا بأن قالوا: وأما قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ ج الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: (١٠١)]. فغير جائز لمن جعل الطواف بين الصفا والمروة من أركان الحج - مع قول الله عز وجل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: (١٥٨)]. أن يحتج بهذه الآية في إباحة القصر في السفر، وقالوا: إنما نزلت على النبي وَّ بعسفان بين الظهر والعصر في صلاة الخوف. وذكروا في ذلك حديثا رواه مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي، عن (١) جه (١٠٦٤/٣٣٨/١). هق (١٩٩/٣). (٢) حم (٢٣٧/١-٢٤٣-٢٥٤)، م (٤٧٩/١ /٦٨٧). د (٢ / ٤٠ /١٢٤٧). ن (٣ / ١٣٤ / ١٤٤٠- ١٤٤١). فتح البر ٤٤٠ النبي عليه السلام. وقالوا: ذلك يدل على أن القصر إنما هو قصر المأموم خلف إمامه يصلي معه بعضها بشرط الخوف ولا يتمها معه . واذا كان ذلك كذلك، كان حديث عائشة في معنى غير معنى الآية ، قد أفاد حكما زائدا . واحتجوا أيضا بأن جابرا وابن عمر قالا: ليس الركعتين في السفرٍ بقصر، وأن ابن عباس قال: من صلى في السفر أربعا ، كمن صلى في الحضر ركعتين؛ فهذه جملة مانزع به الذين ذهبوا الى ان القصر في السفر فرض على ظاهر حديث عائشة . وقال آخرون: القصر في السفر سنة مسنونة، ورخصة وتوسعة ؛ فمن شاء قصر في السفر، ومن شاء أتم ؛ كما أن المسافر مخير - إن شاء صام ، وإن شاء أفطر؛ وحجتهم قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبُِّمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ [النساء: (١٠١)]. قالوا: نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَا ﴾ فالقرآن يدل على أن القصر ليس بحتم لأن الحتم لا يقال فيه ليس عليكم جناح أن تفعلوه. قالوا: كل ما قيل فيه: لا جناح، فإنما هو رخصة لا حتم، مثل قوله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ بُنَاحُ أَنْ : (١٩٨)]. ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ اَلْنِسَاءَ﴾ [البقرة: (٢٣٦)]. ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلَنَ فِيَ أَنْفُسِهِرَ﴾ [البقرة: (٢٤٠)]. وما كان مثل هذا؛ وكذلك قوله عز وجل في الصفا والمروة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: (١٥٨)]. نزلت في إياحة ما كان عندهم محظوراً، لأن العرب كانت تتحرج من العمرة في أشهر الحج، وتتحرج من فعل ما كانت تفعله في جاهليتها؛ وقد بينا معنى هذه الآية في مواضع من كتابنا هذا - والحمد لله .