النص المفهرس

صفحات 201-220

صلاة الجماعة
٢٠١
ومعلوم أن المغرب إن أعادها، كانت احدى صلاته تطوعا ؛ وسنة
التطوع ان تصلى ركعتين، وغير جائز ان يكون وتران في ليلة، لان
ذلك لو كان صار شفعا، وبطل معنى الوتر، فلما كان في إعادة
المغرب مخالفة لهذين الحديثين، منع مالك من اعادتها.
ولا يدخل على من قال بقوله في إعادة العصر والصبح مع الإمام،
مخالفة لحديث النهي عن التطوع بالنافلة بعد الصبح والصعر ؛ لأنهم
لا يقولون ان الثانية نافلة، بل يقولون اننا لا نعلم اي الصلاتين
فرضه، ولا يأمرونه ان يدخل مع الإمام الا بنية الفرض ؛ ثم ذلك الى
الله يجعلها أيتهما شاء، فأيتهما جعلها، فالأخرى تطوع.
والأغلب عندهم في الظن أن الثانية فرضة، لفضل صلاة الجماعة
على الصلاة الفذ، وتأولوا في قول رسول الله وَ خله في حديث يزيد
ابن الأسود: فإنها لكما نافلة . قالوا: معنى نافلة: فضيلة، وزيادة
خير؛ ولا يوجب ان يكون معنى قوله ذلك ان يكون تطوعا؛ واحتجوا
بقول الله تعالى: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: (٧٩)]. أي فضيلة وبقوله
[الأنبياء: (٧٢)] . _ أي
عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً
فضيلة.
ومن أدل دليل على أن الأولى فرضه والثانية نفل على مذهب مالك
وأصحابه، مما لم يختلفوا فيه - أنهم لم يختلفوا ان من صلى وحده،
لا يكون إماما في تلك الصلاة، فدل على أنها غير فريضة واذا كانت
غير فريضة، كانت تطوعا - وبالله التوفيق.

٢٧ - كتاب
صلاة الجمعة

صلاة الجمعة
٢٠٥
الوعيد فيمن ترك الجمعة من غير عذر
[١] مالك، عن صفوان بن سليم، قال مالك: لا أدري أعن النبي ◌َّ أم لا؟
قال: من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة، طبع الله على
قلبه(١).
قال ابوعمر: هذا الحديث يستند من وجوه عن النبي وَل أحسنها
اسنادا حديث أبي الجعد الضمري: أخبرنا محمد بن عبد الملك،
وعبيد بن محمد، قالا حدثنا عبد الله بن مسرور، قال حدثنا عيسى
ابن مسكين، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر، قال حدثنا ابو
أسامة، ويزيد بن هارون، قالا حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن
عبيدة بن سفيان الحضرمي، قال سمعت ابا الجعد الضمري - وكانت
له صحبة - يقول: قال رسول الله وَ خلقه : من ترك الجمعة ثلاث
مرات تهاونا بها، طبع الله على قلبه(٢).
أخبرنا عبد الرحمن بن مروان، قال أخبرنا الحسن بن حي القلزمي،
قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود، قال حدثنا عبد الله بن
هاشم، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمرو: قال حدثني
عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال:
قال رسول الله وَطه: من ترك ثلاث جمع تهاونا، طبع الله على
قلبه(٢) .
-
(١) سيأتي موصولا.
-
(٢) حم (٤٢٤/٣). د (٦٣٨/١ / ١٠٥٢). ت (٢/ ٣٧٣ / ٥٠٠) وحسنه.
ن (١٣٦٨/٩٧/٣).
ك (٦٢٤/٣). وصححه وحسنه الذهبي. وصححه ابن خزيمة (١٨٥٧/٣-١٨٥٨) .=

فتح البر
٢٠٦
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد
ابن وضاح، قال حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة، قال حدثنا داود ابن عبد
الله الجعفري، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن اسید
ابن أبي أسيد البراد، عن ابن أبي قتادة، عن ابيه، أن رسول الله وَلهم
قال: من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة، فقد طبع على
قلبه(١) .
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، قال حدثنا علي بن
محمد بن لؤلؤ، قال حدثنا ابو يزيد خالد بن النضر، قال حدثنا
محمد بن موسى الحرشي، قال حدثنا عبد الله بن جعفر، قال حدثنا
أسيد بن أبي أسيد، عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر، قال: قال
رسول الله وَّ جله : من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة، طبع الله
على قلبه(٢).
هكذا قال عبد الله بن جعفر في هذا الحديث، جعله عن جابر،
والأول - عندي - أولى بالصواب على رواية الدراوردي وعبد الله بن
جعفر هذا، هو والد علي بن المديني، وهو علي بن عبد الله بن جعفر
ابن نجيح، وعلي أحد أئمة أهل الحديث وابوه عبد الله بن جعفر مدني
ضعيف.
= وحب: الاحسان (٢٧٨٧/٧). وحسنه البغوي (شرح السنة: ١٠٥٣/٢١٣/٤) وقال:
((ولا يعرف لابي الجعد الضمري الا هذا الحديث وله صحبة ولا يعرف اسمه)».
(١) حم (٣٠٠/٥). ك (٤٨٨/٢) وقال صحيح الإسناد. وحسن اسناده المنذري في الترغيب
والترهيب (٥٠٩/١). وتبعه الهيثمي في المجمع (١٩٥/٢). وحسن اسناده ايضا ابن حجر
في التلخيص الحبير (٢/ ٥٢).
(٢) حم (٣٣٢/٣). ن (١٣٦٨/٩٨/٣). جه (١١٢٦/٣٥٧/١). ك (٢٩٢/١) وابن خزيمة في
صحيحه (١٨٥٦/٣). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال
البوصيري في زوائد ابن ماجه: (واسناد حديث جابر صحيح رجاله ثقات). وذكر الحديث
الحافظ في التلخيص الحبير(٥٢/٢). ونقل عن الدارقطني قوله: ((انه اصح من حديث أبي
الجعد».

صلاة الجمعة
٢٠٧.
وحدثنا يعيش بن سعيد، واحمد بن قاسم، ومحمد بن ابراهيم،
قالوا أخبرنا محمد بن معاوية، قال حدثنا محمد بن الحسين بن
مرداس، ابو العباس الأيلي، قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال
حدثنا عبد الله بن نافع، عن ابي معشر، عن محمد بن عمرو بن
علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلّه قال: من
ترك الجمعة ثلاثا ولاء من غير عذر، طبع الله على قلبه(١).
اخبرنا خلف بن سعید، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
أحمد بن خالد ؛ وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا احمد
ابن ابراهيم بن جامع، قالا حدثنا علي بن عبد العزيز، قال حدثنا
عاصم بن علي، قال حدثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبي وَُّلُ يقول: لينتهين أقوام
عن تركهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم يكونون من
الغافلين(٢).
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا محمد بن احمد بن المسور،
وبكير بن الحسن الرازي - بمصر، قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال
حدثنا اسد بن موسى، قال حدثنا الفرج بن فضالة، عن يحيى بن
سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبي وَلّ يقول:
لينتهين قوم عن تركهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم
ليكونن من الغافلين (٣).
(١) رواه الطبراني في الأوسط (٢٨٤٩/٣٩٥/٣) من طريق حسان بن ابراهيم عن أبي معشر عن
محمد بن عمرو عن أبي سلمة به. وقال: ((لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن أبي
سلمة الا ابو معشر، تفرد به حسان)).
(٢)و(٣) م (٢/ ٨٦٥/٥٩١) من حديث ابن عمر وأبي هريرة. ن (١٣٦٩/٩٨/٣).
جه (١/ ٧٩٤/٢٦٠). من حديث ابن عمر وابن عباس.

فتح البر
٢٠٨
وبهذا الاسناد عن أسد بن موسى، قال حدثني مروان بن معاوية،
قال حدثنا عوف الأعرابي، قال حدثنا سعيد بن ابي الحسن، قال
سمعت ابن عباس، يقول: من ترك أربع جمع متواليات، فقد نبذ
الاسلام وراء ظهره(١).
وبه عن أسد قال: حدثنا محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن
سعيد بن المسيب، عن النبي وَخلال قال: من ترك الجمعة ثلاث مرات
من غير عذر، طبع على قلبه(٢) .
حدثنا محمد بن قاسم بن محمد وأحمد بن قاسم بن
عبد الرحمن، ومحمد بن ابراهيم بن سعيد، قالوا: حدثنا محمد بن
معاوية، قال حدثنا حمزة بن محمد بن عیسی الکاتب، قال حدثنا
نعيم بن حماد، قال حدثنا عبد الله بن المبارك، قال حدثنا عوف
الأعرابي، عن سعيد بن ابي الحسن، عن ابن عباس، قال: من ترك
ثلاث جمع متواليات - من غير عذر، فقد نبذ الاسلام وراء ظهره(٣).
ورواه سفيان الثوري، عن عوف عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن
عباس - مثله.
وبالاسناد عن نعيم بن حماد، قال: حدثنا عبد الله بن ادريس،
وجرير بن عبد الحميد، عن ليث بن ابي سليم، عن مجاهد أن رجلا
سأل ابن عباس شهرا كل يوم يسأله ما تقول في رجل يصوم بالنهار
ويقوم الليل، ولا يحضر صلاة الجمعة ولا جماعة ؟ فكل ذلك يقول
له ابن عباس: صاحبك في النار.
(١) أخرجه أبو يعلى (زوائد أبي يعلى: ٣٧١/١) من حديث ابن عباس موقوفا. واسناده صحيح
كما قال المنذري في الترغيب والترهيب (٥١١/١) وقال الهيثمي في المجمع
(١٩٦/٢): ((رجاله رجال الصحيح)).
(٢) هذا حديث مرسل وقد تقدم موصولا.
(٣) تقدم تخريجه.

صلاة الجمعة
٢٠٩
قال ابو عمر: قد يجوز أن یکون ابن عباس علم منه مع ذلك ما
أوجب أن يقول له: صاحبك في النار، وروي عن النبي وَّ باسناد
فيه لين أنه قال: من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر، كتب منافقا(١).
وروي عنه وَّ جله أنه قال: الجمعة واجبة الا على امرأة، أو صبي
أو مملوك، أو مريض، أو مسافر(٢).
وأما قوله في الحديث: من غير عذر، فالعذر يتسع القول فيه،
وجملته كل مانع حائل بينه وبين الجمعة مما يتأذى به، أو يخاف
عدوانه، أو يبطل بذلك فرضا لا بد منه؛ فمن ذلك السلطان الجائر
يظلم، والمطر الوابل المتصل، و المرض الحابس وما كان مثل ذلك ؛
ومن العذر أيضا أن تكون عنده جنازة لا يقوم بها غيره، وان تركها
ضاعت وفسدت؛ وقد روينا هذا في الجنازة عن يحيى بن سعيد
الانصاري، ويحيى بن ابي كثير، والأوزاعي والليث بن سعد؛ وعن
عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن رجل كان مع الإمام - وهو يخطب
في الجمعة، فبلغه أن أباه أخذه الموت فرخص له أن يذهب اليه،
ويترك الإمام في الخطبة.
(١) الطبراني في الكبير (١/ ٤٢٢/١٧٠) عن اسامة. وقال الهيثمي في المجمع (١٩٦/٢):
(وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف عند الاكثرين)).
(٢) د (١ /٦٤٤ /١٠٦٧) وقال: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع
منه شيئا. ك (٢٨٨/١) موصولا من حديث أبي موسى، وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وذكر البيهقي في سننه (١٧٣/٣) بأن ذكر أبي موسى
الاشعري في الحديث ليس بمحفوظ. ثم اخرجه عن اسحاق بن منصور مرسلا (١٨٣/٣)
وقال: ((هذا الحديث وإن كان فيه ارسال فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين وممن
رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يسمع منه، ولحديثه هذا شواهد)). وانظر إرواء
الغليل (٥٩٢/٥٤/٣).

فتح البر
٢١٠٠
قال ابو عمر : هذا - عندي - على انه لم يكن لأبيه أحد غيره
يقوم لمن حضره الموت بما يحتاج - الميت اليه من حضوره للتغميض
والتلقين، وسائر ما يحتاج اليه ؛ لان تركه في مثل تلك الحال عقوق،
والعقوق من الكبائر؛ وقد تنوب له عن الجمعة - الظهر، ولم يأت
الوعيد في ترك الجمعة الا من غير عذر - ثلاثا، فكيف بواحدة من
عذر بين، فقول عطاء صحيح - والله أعلم.
وقد وردت في فرض - الجمعة آثار قد ذكرتها في غير هذا
الموضع، وأصح ما في ذلك ما ذكرته في هذا الباب، وقد ذكرنا على
من تجب الجمعة من أهل المصر وغيرهم في باب ابن شهاب
والحمد لله.

صلاة الجمعة
٢١١.
ما جاء في فضيلة يوم الجمعة
[٢] مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لل ذكر
يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله
شيئا إلا أعطاه إياه - وأشار رسول الله بيده يقللها(١).
هكذا يقول عامة رواة الموطأ في هذا الحديث وهو قائم يصلي الا
قتيبة بن سعيد، وأبا مصعب ، فإنهما لم يقولا في روايتهما لهذا
الحديث عن مالك: وهو قائم ، ولا قاله ابن ابي أويس في هذا
الحديث عن مالك، ولا قاله التنيسي، وإنما قالوا فيه: فيه ساعة لا
يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه، وبعضهم يقول:
أعطاه إياه، والمعروف في حديث أبي الزناد هذا، قوله: وهو قائم من
رواية مالك وغيره.
وكذلك رواه ورقاء في نسخته عن ابي الزناد، وكذلك رواه ابن
سيرين عن أبي هريرة .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال اخبرنا عبيد الله بن
محمد بن أبي غالب، قال أخبرنا محمد بن بدر، قال اخبرنا رزق الله
ابن موسى، قال حدثنا ورقاء بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة عن النبي وَّ في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم
- وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. قال: وأشار رسول
الله وَّجُلَّه بيده وقبض أصابعه كأنه يقللها (١).
(١) حم (٤٨٦/٢). خ (٩٣٥/٥٢٧/٢). م (٢/ ٨٥٢/٥٨٣). من طريق مالك.

فتح البر
٢١٢
وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال
حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن زرارة، وحدثنا أحمد
ابن محمد، قال حدثنا احمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جریر،
قال حدثني يعقوب بن ابراهيم، قالا أخبرنا إسماعيل، عن أيوب،
عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال ابو القاسم وَّ: إن في
الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئا الا أعطاه
إياه، قلنا: ما يقللها ؟ قال: يزهدها، وغيره يقول - يصغرها -
كأنه يشير الى ضيق وقتها(١).
وقد روى ابن جريج ، عن عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول: في
الجمعة ساعة لا يسأل الله فيها المسلم شيئا وهو يصلي الا أعطاه،
قال: ويقول أبو هريرة بيده يقللها هكذا موقوفا.
في هذا الحديث دليل على فضل يوم الجمعة، ودليل على ان بعضه
أفضل من بعض؛ لان تلك الساعة أفضل من غيرها، واذا جاز ان
يكون يوم أفضل من يوم، جاز أن تكون ساعة أفضل من ساعة،
والفضائل لا تدرك بقياس، وإنما فيها التسليم والتعلم والشكر.
وأما قوله فيه: وهو قائم يصلي، فإنه يحتمل القيام المعروف،
ويحتمل أن يكون القيام ههنا المواظبة على الشيء لا الوقوف، من
قوله عز وجل: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: (٧٥)] . - أي مواظباً
بالاختلاف والاقتضاء، والى هذا التأويل يذهب من قال: إن الساعة
بعد العصر؛ لانه ليس بوقت صلاة ، ولكنه وقت مواظبة في
انتظارها، ومن هذا قول الأعشى :
(١) حم (٢٣٠/٢). خ (٦٤٠٠/٢٣٧/١١). م (٢ / ٥٨٣/ ٨٥٢(١٤)).
ن (١٢٩/٣/ ١٤٣١).

صلاة الجمعة
٢١٣
يقوم على الوغم في قومه ويعفو اذا شاء أو ينتقم
لم يرد بقوله ههنا يوم الوقوف من غير شيء، ولكنه أراد المطالبة
بالوغم (١) حتی یدرکه بالمواظبة عليه.
وأما الساعة المذكورة في يوم الجمعة فاختلف فيها: فقال قوم :
رفعت - وهذا عندنا - غیر صحیح:
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، قال أخبرنا أحمد بن الفضل،
قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا عبيد بن محمد الوراق ، قال
حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا ابن جريج، قال اخبرني داود بن ابي
عاصم، عن عبد الله بن أنيس، عن مولى معاوية، قال: قلت لأبي
هريرة: زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة التي لا يدعو فيها
المسلم الا استجيب له قد رفعت، قال: كذب من قال ذلك ؛ قلت:
فهي في كل جمعة أستقبلها ؟ قال: نعم، هكذا قال عبد الله ابن
أنيس .
وذكر سنيد عن حجاج، عن ابن جريج ، قال اخبرني داود بن ابي
عاصم، عن عبد الله بن أنيس ، مولى معاوية، قال: قلت لأبي
هريرة زعموا أن الساعة - فذكر مثله سواء.
قال أبو عمر: على هذا القول جماعة العلماء ، الا أنها اختلفت
فيها الآثار وعلماء الأمصار، فذهب عبد الله بن سلام الى أنها بعد
العصر الى غروب الشمس وتابعه على ذلك قوم.
ومن حجة من ذهب الى ذلك: ما حدثناه عبد الله بن محمد، قال
حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا ابو داود، قال حدثنا أحمد بن
صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث - أن
الجلاح مولى عبد العزيز بن مروان، حدثه ان أبا سلمة بن
(١) الوغم: هو الحرب والقتال.
-

فتح البر
٢١٤
عبد الرحمن، حدثه عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله وَ ل أنه
قال: يوم الجمعة ثنتا عشر - يريد ثنتا عشرة ساعة، فيها ساعة لا
يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا الا أتاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد
العصر(١).
قال ابو عمر: يقال إن قوله في هذا الحديث فالتمسوها آخر ساعة
بعد العصر من قول ابي سلمة، وابو سلمة هو الذي روی حدیث ابي
هريرة وقصته مع كعب وعبد الله بن سلام في الساعة التي في يوم
الجمعة، وسيأتي حديثه ذلك في باب يزيد بن الهادٍ من كتابنا هذا -
ان شاء الله .
وقال آخرون: الساعة المذكورة في يوم الجمعة هي ساعة الصلاة
وحينها من الإقامة الى السلام، واحتجوا بما حدثناه سعيد ابن نصر،
وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة، قال حدثنا خالد
ابن مخلد .
وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا
محمد بن جرير ، قال حدثنا زياد بن أيوب، قال حدثنا أبو عامر، قالا
حدثنا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال سمعت رسول الله
وَلا يقول: إن في الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد فيها شيئا
الا أعطي سؤله، قيل: أي ساعة هي؟ قال: حين تقام الصلاة الى
الانصراف منها (٢).
(١) د (١٠٤٨/٦٣٦/١). ن (٣/ ١٣٨٨/١١٠)، ك (٢٧٩/١) وقال: ((صحيح على شرط
مسلم)) ووافقه الذهبي.
(٢) ت (٤٩٠/٣٦١/٢)، جه (١/ ١١٣٨/٣٦٠). كلاهما من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو
ابن عوف عن أبيه عن جده. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
والحديث في إسناده: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال الحافظ في التقريب ((ضعيف،
أفرط من نسبه الى الكذب)).

صلاة الجمعة
٢١٥
قال ابو عمر: كثير بن عبد الله هذا هو كثير بن عبد الله بن عمرو
ابن عوف المزني، ضعيف منسوب إلى الكذب، لا يحتج به ولا بمثله.
وقال آخرون: الساعة المذكورة في يوم الجمعة من حين يفتتح
الإمام الخطبة الى فراغ الصلاة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفیان ، ویعیش بن سعید، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن غالب التمتام، قال حدثنا
موسى بن مسعود النهدي ابو حذيفة، قال حدثنا أبو ذر محمد بن
غنيم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن ابيه، عن ابن عمر، ان النبي
وَاللّه قال: إن في الجمعة لساعة لا يسأل العبد فيها ربه شيئا الا أعطاه
إياه، قيل: يارسول الله، أي ساعة هي ؟ قال: من حين يقوم الإمام
في خطبته الى أن يفرغ من خطبته. هكذا في الحديث: الى أن يفرغ
من خطبته، والمحفوظ الى أن يفرغ من صلاته.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
ابو داود، قال أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال اخبرني
مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري،
قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله
وَخلال في شأن ساعة الجمعة، قال: قلت: نعم، سمعته يقول:
سمعت رسول الله ◌َلا يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام الى أن
تقضى الصلاة(١) .
وحدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد
ابن جرير، حدثنا عبيد بن محمد الوراق، حدثنا روح بن عبادة،
(١) م (١ / ٥٨٤/ ٨٥٣). د (١ / ٦٣٦ /١٠٤٩).

فتح البر
== ٢١٦
حدثنا عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة بن ابي موسى، أنه
قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام الى أن
تقضى الصلاة، فقال ابن عمر: أصاب الله بك .
قال وحدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن واصل بن
حبان، عن أبي بردة، قال: قلت لأبي: إني لأ أعلم أي ساعة هي؟
فقال: وما يدريك ؟ فقلت: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام وهي
أفضل الساعات، فقال: بارك الله عليك . قال: وحدثني يعقوب بن
ابراهيم، حدثنا جرير، عن اسماعيل، وسالم، عن الشعبي، أنه كان
يقول في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة: هي ما بين خروج الإمام
الى انقضاء الصلاة.
قال: وحدثنا يعقوب، حدثنا اسماعيل بن علية، حدثنا ابن عون
عن محمد، قال: هي الساعة التي كان يصلي فيها النبي عليه
السلام.
قال: وحدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الله بن ادریس، حدثنا
حصين، عن الشعبي، عن عوف بن حضيرة، قال: الساعة التي ترجى
في الجمعة من حين تقام الصلاة الى انصراف الإمام.
قال وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن ابي
اسحاق، عن أبي بردة، قال: الساعة التي في الجمعة عند نزول الإمام
على المنبر.
قال ابو عمر: يشهد لهذه الأقاويل ما جاء في الحديث الثابت
قوله: وأشار بيده يقللها ويصغرها . ويحتج أيضا من ذهب الى ذلك
بحديث أبي الجلد عن علي بن ابي طالب عن النبي عليه السلام أنه
قال : إذا زالت الشمس وفاءت الأفياء وراحت الأرواح، فاطلبوا الى

صلاة الجمعة
٢١٧
الله حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين ثم تلا: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ
غَفُورًا﴾(١) .
وروى موسى بن معاوية، عن ابي عبد الرحمن المقريء، عن حيوة
بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن
عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبي ذر الغفاري، ان امرأته سألته عن
الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال: إنها بعد
زيغ الشمس بيسير الى ذراع، فإن سألتني بعدها، فأنت طالق .
وذكر سنيد عن وكيع، عن محمد بن قيس، قال: تذاكرنا عند
الشعبي الساعة التي ترجى في الجمعة، قال: هي ما بين أن يحرم البيع
الى أن يحل .
قال: وحدثنا معتمر، قال: قلت لابن عون: ما كان رأي ابن
سيرين في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة ؟ قال: قلت: لابن
سيرين: أي ساعة هي عندك ؟ قال: أكثر ظني أنها الساعة التي كان
يصلي فيها رسول الله وَّة . وقال آخرون : هي من صلاة العصر
الى غروب الشمس .
حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن
جرير، حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن سالم، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة
(١) ذكره الهندي في كنز العمال (٣٣٤٨/١٠٣/٢) ورمز الى شعب الإيمان للبيهقي في تخريجه
عن علي بن أبي طالب. واخرجه ابو نعيم في الحلية (٢٢٧/٧-٢٢٨) من طريق سفيان عن
مسعر عن ابراهيم السكسكي عن ابن أبي اوفى: وقال: ((غريب من حديث مسعر لم نكتبه الا
عنه». واخر جه عبد الرزاق
(المصنف: ٤٨١٨/٦٧/٣) عن أبي سفيان وهو مرسل: كما قال السيوطي في الجامع.

فتح البر
٢١٨٠
ما بين صلاة العصر الى غروب الشمس، وكان سعيد اذا صلى
العصر، لم يكلم احدا الى غروب الشمس.
قال أبو عمر: أما من قال: إنها بعد العصر، ومن قال إنها آخر
ساعة من يوم الجمعة، فقد ذكرنا القائلين بذلك في باب يزيد بن الهاد
في قصة عبد الله بن سلام مع ابي هريرة وكعب، والله عز وجل أعلم
بالساعة أي الساعات هي؛ لان أخبار الآحاد لا يقطع على معانيها،
والذي ينبغي لكل مسلم الاجتهاد في الدعاء للدين والدنيا في الوقتين
المذكورين رجاء الإجابة، فإنه لا يخيب إن شاء الله، ولقد أحسن عبيد
ابن الأبرص حيث قال:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
وقد احتج بعض من خالف مذهب عبد الله بن سلام في هذا الباب
بقوله وَّ في الأحاديث المذكورة في هذا الباب وهو قائم يصلي،
قالوا: فقوله قائم يصلي يدفع قول من قال إنها آخر ساعة من النهار
بعد العصر؛ لأنها ليست ساعة يجوز للعبد المسلم فيها أن يقوم
فيصلي؛ وقد ينفصل من هذا الادخال بوجهين، أحدهما: أن ابا
هريرة سلم لابن سلام تأويله ولم يعترض عليه بقوله قائم، فإن كان
صحيحا، فمعناه على ما قال بعض أهل اللغة إن قائما قد يكون بمعنى
مقيم، قالوا: ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَاً﴾
يعني مقيما، والوجه الآخر أنه لو كان عنده صحيحا في اللفظ
والمعنى، لعارض به ابن سلام - والله أعلم - وستأتي قصة؛ سلام مع
أبي هريرة في باب يزيد بن الهاد من هذا الكتاب إن شاء الله .

صلاة الجمعة
٢١٩
باب منه
[٣] مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن ابراهيم بن الحارث
التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه قال: خرجت
إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه فحدثني عن التوراة،
وحدثته عن رسول الله وَ لير، فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله وَله:
خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه
تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة ؛ وما من دابة الا وهي مصيخة يوم
الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة الا الجن
والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم - وهو يصلي يسأل الله شيئا الا
أعطاه إياه، قال كعب: ذلك في كل سنة مرة . فقلت: بل في كل جمعة،
فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله وَير قال أبو هريرة: فلقيت
بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور،
فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج اليه ما خرجت، سمعت رسول الله وال
يقول: لا تعمل المطي الا الى ثلاثة مساجد، الى المسجد الحرام، أو الى
مسجدي هذا، أو الى مسجد إيليا أو بيت المقدس يشك ؛ قال أبو هريرة:
ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب وما حدثته في يوم
الجمعة فقلت : قال كعب: ذلك في كل سنة مرة، قال: قال عبد الله بن
سلام: كذب كعب؛ فقلت: ثم قرأ كعب التوراة فقال: بل هي في كل
جمعة، قال عبد الله بن سلام: صدق کعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد
علمت أية ساعة هي، فقال أبو هريرة: أخبرني بها ولا تضن علي، فقال
عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال ابو هريرة: فقلت :
كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة - وقد قال رسول الله الخر: لا

فتح البر
٠٢٢٠
يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ؟ وتلك الساعة لا يصلى فيها ؛ فقال
عبدالله بن سلام: ألم يقل رسول الله وَلفرع : من جلس مجلسا ينتظر الصلاة
فهو في صلاة حتى يصلي، قال ابو هريرة : فقلت: بلى، قال: فهو
ذلك(١).
قال ابو عمر: لا أعلم أحدا ساق هذا الحديث احسن سياقة من
مالك عن يزيد بن الهاد ولا أتم معنى منه فيه، الا أنه قال فيه: بصرة
ابن أبي بصرة ولم يتابعه أحد عليه، وإنما الحديث معروف لابي
هريرة: فلقيت أبا بصرة الغفاري، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن
ابي أسامة عن ابي هريرة، وكذلك رواه سعيد بن المسيب و سعيد
المقبري عن أبي هريرة - كلهم يقول فيه: فلقيت أبا بصرة الغفاري،
لم يقل واحد منهم: فلقيت بصرة بن أبي بصرة كما في حديث مالك
عن يزيد بن الهادِ وأظن الوهم فيه جاء من قبل مالك أو من قبل
يزيد بن الهادٍ - والله أعلم .
وفيه من الفقه والعلم ضروب، فأما قوله: خرجت إلى الطور،
فقد بان في الحديث أنه لم يخرج اليه الا تبركا به ليصلي فيه ولهذا
المعنى لا يجب الخروج الا الى الثلاثة المساجد المذكورة في هذا
الحديث، وعلى هذا جماعة العلماء فيمن نذر الصلاة في هذه الثلاثة
المساجد أو في أحدها أنه يلزمه قصدها لذلك، ومن نذر صلاة في
مسجد سواها، صلى في موضعه ومسجده ولا شيء عليه، ولا يعرف
العلماء غير الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث: المسجد
(١) حم (٤٨٦/٢) و(٣٩٨/٦). د (١ / ١٠٤٦/٦٣٤). ت (٢ /٤٩١/٣٦٢) وقال ((حديث
حسن صحيح)). ن (١٤٢٩/١٢٧/٣). والحديث يوجد طرف منه في الصحيحين وهو (( لا
تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد ... )).