النص المفهرس

صفحات 61-80

صلاة الجماعة
٦١ -
ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا
[١٠] مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن عن ابيه واسحاق ابي عبد الله أنهما
أخبراه انهما سمعا ابا هريرة يقول: قال رسول الله وَ* اذا ثوب بالصلاة
فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة: فما أدركتم فصلوا،
وما فاتكم فأتموا ؛ فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة (١).
هذا الحديث لم يختلف على مالك - فيما علمت - في إسناده ولا
في متنه، وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من وجوه كثيرة،
أجلها: ما حدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا ابراهيم بن حمزة، قال حدثنا
ابراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن،
وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ جلان: اذا
أقيمت الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وانتم تمشون وعليكم
السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (١).
وحدثنا سعید، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا اسماعیل، قال حدثنا
ابراهيم بن حمزة، عن ابراهيم بن سعيد، عن أبيه، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ مثله.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
ابو داود، قال حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، أخبرني يونس،
(١) خ (٦٣٦/١٤٩/٢). م (١ / ٦٠٦/٤٢٠). د (١ / ٣٨٤ / ٥٧٢).
ت (١٤٨/٢ - ٣٢٧/١٤٩). ن (٢ / ٨٦٠/٤٥٠). جه (٢٥٥/١/ ٥٧٥).

٦٢
فتح البر
عن ابن شهاب، قال أخبرني سعيد بن المسيب وابو سلمة ابن
عبدالرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله وَّجله يقول: اذا
أقيمت الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها تمشون وعليكم
السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا(١) .
قال أبو داود: وكذلك قال الزبيدي، وابن أبي ذئب، ومعمر
وابراهيم بن سعد وشعيب بن أبي حمزة - كلهم عن الزهري بإسناده؛
قالوا: وما فاتكم فأتموا. وقال ابن عيينة وحده: وما فاتكم فاقضوا.
وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة .
وجعفر بن ربيعة عن الأعرج عن ابي هريرة: فأتموا .
وكذلك روى ابن مسعود وابو قتادة وأنس عن النبي وَ خُلّ: فأتموا .
واختلف عن ابي ذر، فروي عنه: فأتموا وفاقضوا .
قال ابو داود: وحدثنا ابو الوليد الطيالسي، قال حدثنا شعبة، عن
سعد بن ابراهيم قال: سمعت ابا سلمة عن أبي هريرة، عن النبي وَل ◌ّ-
قال: ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما
سبقكم. قال ابو داود: وكذلك قال ابن سيرين وابو رافع عن أبي
هريرة: واقضوا .
قال ابو عمر: اما قوله: اذا ثوب بالصلاة، فإنه أراد بالتثويب ههنا
الإقامة، وقد ذكرنا هذا المعنى مجودا في باب أبي الزناد، وقد بان في
رواية سعيد بن المسيب، وابي سلمة، عن أبي هريرة لهذا الحديث ان
التثويب المذكور في حديث العلاء هو الإقامة.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

٦٣ .
صلاة الجماعة
واما قوله: فلا تأتوها وأنتم تسعون، فالسعي ههنا في هذا الحديث:
المشي بسرعة والاشتداد فيه والهرولة، هذا هو السعي المذكور في هذا
الحديث: وهو معروف مشهور في كلام العرب، ومنه السعي بين
الصفا والمروة، وقد يكون السعي في كلام العرب العمل، من ذلك
قوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: (١٩)]. و﴿إِنَّ سَعْيَكْ
لَشَقَّ﴾ [الليل: (٤)]. ونحو هذا کثیر.
ذكر سنيد قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن
كعب، قال: السعي العمل .
واختلف العلماء في السعي إلى الصلاة لمن سمع الإقامة، فروى
مالك عن نافع عن ابن عمر انه سمع الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع
المشي، وروى ذلك عن ابن عمر من طرق .
وروي عن عمر انه كان يهرول إلى الصلاة وفي اسناده عنه لين
وضعف - والله أعلم .
أخبرنا أحمد بن عبدالله، حدثنا الحسن بن اسماعيل، حدثنا
عبدالملك بن بحر، حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا سنيد بن
داود، حدثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن ابراهيم، عن ابن
مسعود، قال لو قرأت: ﴿فَأَسْعَوْاْ﴾ [الجمعة: (٩)]. لسعيت حتى يسقط
ردائي، وكان يقرأ: ((فامضوا إلى ذكر الله)).
قال ابو عمر: وهي قراءة عمر رحمه الله وروي عن ابن مسعود انه
قال: احق ما سعينا اليه: الصلاة، رواه عنه ابنه أبو عبيدة ولم يسمع
منه .
وروي عن الأسود بن يزيد، وعبدالرحمن بن يزيد، وسعيد بن

٦٤
فتح البر
جبير انهم كانوا يهرولون الى الصلاة، فهؤلاء كلهم ذهبوا الى أنه من
خاف الفوت سعى، ومن لم يخف، مشى على هيئته.
وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبدالرحمن قال: قال
عبد الله بن مسعود: اذا أتيم الصلاة فائتوها وعليكم السكينة، فما
أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
وروى المسعودي أيضا عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص قال:
قال عبدالله: لقد رأيتنا وإنا لنقارب بين الخطى.
وروى ابو الاشهب جعفر بن حيان، عن ثابت، عن انس بن
مالك، قال: خرجت مع زيد بن ثابت الى المسجد، فأسرعت في
المشي فحبسني .
وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار عن أبي نضرة، عن
أبي ذر قال: اذا أقيمت الصلاة فامش اليها كما كنت تمشي، فصل ما
أدركت، واقض ما سبقك .
قال ابو عمر: قد اختلف السلف في هذا الباب، كما ترى وعلى
القول بظاهر حديث النبي وَّجُلّ في هذا الباب، جمهور العلماء،
وجماعة الفقهاء . وقد روى ابن القاسم في سماعه قال: سئل مالك
عن الاسراع في المشي إلى الصلاة اذا أقيمت ؟ قال: لا أرى بذلك
بأسا ما لم يسع أو يخب، (١) قال: وسئل عن الرجل يخرج الى
الحرس فيسمع مؤذن المغرب في الحرس، فيحرك فرسه ليدرك الصلاة،
قال مالك: لا أرى بذلك بأسا .
سـ
(١) قال ابن الاثير في النهاية: الخبب: ضرب من العدو.

٦٥
صلاة الجماعة
وقال اسحاق: اذا خاف فوات التكبيرة الأولى فلا بأس ان يسعى .
قال أبو عمر: معلوم ان النبي ◌َّ انما زجر عن السعي من خاف
الفوت، قال: فما ادركتم فصلوا، فالواجب ان يأتي الصلاة من خاف
فوتها ومن لم يخف ذلك فالوقار والسكينة، وترك السعي وتقريب
الخطى، لامر النبي وَلخلو بذلك، وهو الحجة، وَخله. واما قوله: وما
فاتكم فأتموا على ما روى مالك وغيره ممن تقدم ذكره في هذا الباب،
ففيه دليل على ان ما أدرك المصلي مع إمامه فهو أول صلاته، وهذا
موضع اختلف فيه العلماء .
فأما مالك، فاختلفت الرواية عنه فيما أدرك المصلي من صلاة
الامام: هل هو أول صلاته او آخرها ؟ فروى سحنون عن جماعة من
أصحاب مالك منهم: ابن القاسم عنه - أن ما ادرك فهو أول صلاته،
ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة، وهذا هو المشهور من المذهب .
وقال ابن خواز بنداد: وهو الذي عليه أصحابنا، وهو قول
الاوزاعي والشافعي، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل،
والطبري، وداود بن علي، وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن
عبدالحكم عن مالك، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك: ان ما
ادرك فهو آخر صلاته، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن حي
قال ابو عمر: هكذا حكى ابن خواز بنداد عن مالك وأصحابه، عن
محمد بن الحسن وذكر الطحاوي عن محمد، عن أبي يوسف، عن
أبي حنيفة، ان الذي يقضيه اول صلاته، وكذلك يقرأ فيها، ولم يحك
خلافا، ولا خلاف عن مالك وأصحابه ان من أدرك مع الإمام ركعتين
انه يقرأ فيهما بأم القرآن وحدها معه في كل ركعة، ثم يقوم اذا سلم

فتح البر
== ٦٦
الإمام فيقرأ بأم القران وسورة فيما يقضي في كل ركعة، وهذا قول
الشافعي أيضا: فكيف يصح مع هذا المذهب الدعوى على من قال
بهذا القول ان ما ادرك فهو أول صلاته، بل الظاهر الصحيح على ما
ذكرنا ان ما أدرك آخر صلاته ؛ وأما البناء فلا أعلم خلافا فيه بين
العلماء ان المصلي يبني فيه على صلاة نفسه، ولا يجلس الا حيث
يجب له اذا قام لقضاء ما عليه ؛ وقد صرح الشافعي بأن قال: ما
أدرك فهو أول صلاته، وقوله في القضاء والقراءة كقول مالك سواء ؛
وكذلك صرح الأوزاعي بأن ما أدرك من صلاة الامام فهو أول
صلاته، وأظنهم راعوا الإحرام، لانه لا يكون الا في أول الصلاة،
والتشهد والتسليم لا يكون الا في آخرها، فمن ههنا قالوا: إن ما
أدرك فهو اول صلاته - والله أعلم .
وقال الثوري: يصنع فيما يقضي مثل ما يصنع الإمام فيه .
وقال الحسن بن حي: فيما ذكر الطحاوي: أول صلاة الإمام أول
صلاتك، وآخر صلاة الإمام آخر صلاتك اذا فاتك بعض صلاته .
وأما المزني، واسحاق، وداود، فقالوا: ما أدرك فهو أول صلاته،
يقرأ فيه مع الإمام بالحمد لله وسورة إن أدرك ذلك معه، واذا قام
للقضاء قرأ بالحمد لله وحدها - فيما يقضي لنفسه لانه آخر صلاته،
وهو قول عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون، فهؤلاء اطرد على أصلهم
قولهم وفعلهم .
وأما السلف رضي الله عنهم فروي عن عمر، وعلي وابي الدرداء -
بأسانيد ضعاف - ما أدركت فاجعله آخر صلاتك .
وثبت عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن
عبدالعزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وسعيد بن

٦٧
صلاة الجماعة
عبدالعزيز: ما أدركت فاجعله أول صلاتك، والذي يجيء على
أصولهم إن لم يثبت عنهم نص في ذلك: ما قاله المزني وإسحاق
وداود .
وروي عن ابن عمر انه قال: ما أدركت فاجعله آخر صلاتك، وعن
مجاهد وابن سيرين مثل ذلك .
وذكر ابن المنذر ان مالكا، والثوري والشافعي، وأحمد بهذا يقولون
قال ابو عمر: ظن ذلك من أجل قولهم في القراءة في القضاء -
والله أعلم. واحتج القائلون بأن ما أدرك هو أول صلاته بقوله وَلاته:
وما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا. قالوا: والتمام هو الآخر.
واحتج الآخرون بقوله: وما فاتكم فاقضوا، قالوا والذي يقضيه هو
الفائت ؛ والحجج متساوية لكلا المذهبين من جهة الأثر والنظر، الا ان
رواية من روى: فاتموا أكثر. وأما من جعل ما أدرك مع الإمام أول
صلاته - فليس يطرد فيه ويستقيم الا ما قاله ابن ابي سلمة، والمزني،
واسحاق وداود - والله أعلم، وبه التوفيق والسداد لا شريك له .
وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا ان من ذهب مذهب ابن ابي
سلمة والمزني في هذه المسألة، أسقط سنة الجهر في صلاة الليل، وسنة
السورة مع أم القرآن، وهذا ليس بشيء ؛ لان إمامه قد جاء بذلك،
وحصلت صلاته على سنتها في سرها وجهرها، وغير ذلك من
أحكامها ؛ وإنما هذا كرجل أحرم - والإمام راكع ثم انحنى، فلا يقال
له: أسقطت سنة الوقوف والقراءة، وكرجل أدرك مع إمامه ركعة،
فجلس معه في موضع قيامه او انفرد ؛ فلا يقال له أسأت أو أسقطت
شيئا، وحسبه اذا أتم صلاته - ان يأتي بها على سنة آخرها، ولا

٦٨
فتح البر
يضره ما سبقه إمامه في أولها؛ لأنه مأمور باتباع إمامه، وإنما جعل
الإمام ليؤتم به .
وقال ابو بكر الأثرم: قلت لأبي عبدالله- يعني أحمد بن حنبل -:
أرأيت قول من قال: يجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته، ومن قال
يجعله آخر صلاته، أي شيء الفرق بينهما؟ قال: من أجل القراءة فيما
يقضي، قلت له فحديث النبي ◌َّ على أي القولين يدل عندك؟ قال:
على انه يقضي ما فاته، قال ◌َله: صلوا ما أدركتم، واقضوا ما
سبقكم. وقد احتج داود وغيره من القائلين بأن من أدرك الإمام يوم
الجمعة في التشهد صلى ركعتين - بهذا الحديث: قوله ◌َله: ما أدركتم
فصلوا، وما فاتكم فأتموا أو فاقضوا. قالوا: فالذي فاته ركعتان لا
أربع، فإنما عليه ان يقضي ما فاته، ويتم صلاته .
قال ابو عمر: ولعمري ان هذا لوجه - لو لم يكن هناك ما يعارضه
وينقضه، لكن لما قال ◌َله: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك
الصلاة(١) . كان في هذا القول دليل كالنص على ان من لم يدرك
ركعة من الصلاة فلم يدرك الصلاة ؛ ومعلوم أن من لم يدرك الجمعة
يصلي أربعا، على ان داود قد جعل مثل هذا الدليل اصلا جاريا في
الاحكام، وترك الاستدلال به ههنا لما ذكرنا - والله والمستعان.
وقد ذكرنا هذه المسألة في باب ابن شهاب عن أبي سلمة من هذا
الكتاب - والحمد لله .
(١) سيأتي في بابه. يعني في باب[من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة]

صلاة الجماعة
٦٩
يجهر بعضكم على بعض بالقرآن
[١١] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي،
عن أبي حازم التمار، عن البياضي - ان رسول الله وَليل خرج على الناس
وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه،
فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن(١).
محمد بن ابراهيم بن الحارث هذا هو أحد ثقات أهل المدينة،
ومحدثيهم معدود في التابعين، روي عنه انه قال: رأيت سعد بن ابي
وقاص، وعبد الله بن عمر يأخذان برمانة المنبر ثم ينصرفان، ویکنی ابا
عبدالله، وهو محمد بن ابراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن
عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، قال الواقدي: كان جده
الحارث بن خالد من المهاجرين الأولين، وتوفي محمد بن ابراهيم سنة
عشرين ومائة في خلافة هشام .
وابو حازم التمار يقال: اسمه دينار مولى الانصار، ويقال: مولى
ابي رهم الانصاري، وذكر حبيب عن مالك ان اسم ابي حازم التمار:
يسار مولى قيس بن سعد بن عبادة .
وأما البياضي، فيقولون: اسمه فروة بن عمرو بن وذفة بن عبيد بن
عامر بن بياضة - فخذ من الخزرج .
وهذا الحديث معناه في صلاة النافلة: اذا كان كل أحد يصلي
لنفسه، وأما صلاة الفريضة، فقد أحكمت السنة سرها وجهرها، وأنها
(١) حم (٤ / ٣٤٤). البغوي (٦٠٨/٨٦/٣). واورده الهيثمي في المجمع (٢٦٨/٢) وقال: رواه
أحمد ورجاله رجال الصحيح.

فتح البر
خلف إمام الجماعة أبدًا، هذه سنتها ؛ وكان أصل هذا الحديث في
صلاة رمضان؛ لان رسول الله وَلا لم يجمعهم لها الا على ما قد
مضى في باب ابن شهاب، عن عروة من أنه صلى بهم ليلة وثانية
وثالثة، ثم امتنع من الخروج اليهم خشية ان تفرض عليهم.
وقد روى هذا الحديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد - فقال
فیه: إن ذلك في رمضان .
حدثنا عبدالوارث بن سفيان - قراءة مني عليه - ان قاسم بن أصبغ
حدثھم، قال حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد
ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن ابراهيم، عن أبي حازم
مولى الانصار - ان رسول الله وَ لّ كان معتكفا في رمضان في قبة
على بابها حصير، قال: وكان الناس يصلون عصبا، عصبا، قال: فلما
كان ذات ليلة، رفع باب القبة، فأطلع رأسه، فلما رآه الناس أنصتوا ؛
فقال: إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم ما يناجي به ربه، ولا
يجهر بعضكم على بعض بالقرآن - هكذا قال حماد بن زيد في هذا
الباب عن يحيى بن سعيد، عن محمد عن أبي حازم، عن النبي وَّ
مرسلا لم يذكر البياضي ؛ كذلك رواه كل من رواه عن حماد بن
زید .
وقد روى هذا الحديث يزيد بن الهاد، عن محمد بن ابراهيم، عن
أبي حازم، عن البياضي، وعن محمد بن ابراهيم، عن عطاء بن
يسار، عن البياضي: حدثناه خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن
الحجاج الطبراني، حدثنا الحسين بن محمد المدني، حدثنا يحيي بن
بكير، حدثنا الليث حدثنا ابن الهاد، عن محمد بن ابراهيم، عن عطاء
ابن يسار، عن رجل من بني بياضة من الانصار - أنه سمع رسول الله

٧١
صلاة الجماعة
وَله يقول - وهو مجاور في المسجد يوما، فوعظ الناس وحذرهم
ورغبهم ؛ ثم قال: ليس مصل يصلي الا وهو يناجي ربه، فلا يجهر
بعضكم على بعض بالقرآن .
قال الليث، وحدثنا ابن الهادِ، عن محمد بن ابراهيم عن أبي حازم
مولى الغفاريين انه حدثهم هذا الحديث البياضي عن رسول الله وَ ظله .
وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن اسماعيل، وعبيد بن عبدالواحد ؛ قالا حدثنا ابن أبي
مریم، قال أخبرنا يحيى بن ايوب، وابن لهيعة، قالا حدثنا ابن الهاد
عن محمد بن ابراهيم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني بياضة
- انه سمع رسول الله وَخُل فذكره سواء الى آخره.
وقد روى هذا الحديث ابو سعيد الخدري، عن النبي وَّ أخبرنا
عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا ابو داود،
قال حدثنا الحسن بن علي، قال حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر، عن
إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول
الله وَّه في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال:
ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم
على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة (١) - لم يذكر ابو داود
حديث البياضي، وذكر حديث أبي سعيد هذا .
وقد روى خالد الطحان، عن مطرف، عن أبي إسحاق عن
الحارث، عن علي قال: نهى رسول الله وَ خُلّ ان يرفع الرجل صوته
(١) حم (٩٤/٣). د (١٣٣٢/٨٣/٢)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٢/٣٢/٥) بإسناد صحيح.

فتح البر
٧٢
-
بالقرآن قبل العشاء وبعدها يغلط اصحابه وهم يصلون(١) - وهذا تفرد
به خالد الطحان - وهو ضعيف، واسناده كله ليس مما يحتج به .
وحديث البياضي وحديث أبي سعيد، ثابتان صحيحان - والله أعلم
- والحمد لله، وليس فيهما معنى يشكل يحتاج الى القول فيه - إن
شاء الله .
واذا لم يجز للتالي المصلي رفع صوته لئلا يغلط ويخلط على
المصلّي إلى جنبه، فالحديث في المسجد مما يخلط على المصلي - أولى
بذلك وألزم وأمنع وأحرم - والله أعلم. واذا نهي المسلم عن أذى أخيه
المسلم في عمل البر، وتلاوة الكتاب، فأذاه في غير ذلك أشد تحريما،
وقد نظر عبد الله بن عمر الى الكعبة فقال: والله إن لك لحرمة، ولكن
المؤمن عند الله أعظم حرمة منك، حرم منه عرضه ودمه وماله، وان لا
يظن به الا خير، وحسبك بالنهي عن أذى المسلم في المعنى الوارد في
هذا الحديث، فكيف بما هو أشد من ذلك - والله المستعان .
(١) حم (٨٨/١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦٥/٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وفيه
الحارث وهو ضعيف.
1

صلاة الجماعة
٧٣
إنما جعل الإمام ليؤتم به
[١٢] مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، ان رسول الله پ ر کب فرسا
فصرع، فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد،
فصلينا وراءه قعودا، فلما انصرف، قال: انما جعل الإمام ليؤتم به، فاذا
صلی قائما، فصلوا قیاما، واذا رکع، فارکعوا، واذا رفع، فارفعوا، واذا
قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، واذا صلى جالسا،
فصلوا جلوسا أجمعون(١) .
لم يختلف رواة الموطأ في اسناد هذا الحديث عن مالك عن
الزهري عن أنس، ورواه سويد بن سعيد عن مالك عن الزهري، عن
الاعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَ لّ قال: انما جعل الإمام ليؤتم
به، فاذا كبر، فكبروا، واذا ركع، فاركعوا، واذا قال: سمع الله لمن
حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، واذا سجد فاسجدوا، واذا صلى
جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون (٢).
فأخطأ سويد في هذا الحديث خطأ لم يتابعه أحد عليه - فيما
علمت، وزاد فيه: اذا كبر، فكبروا، واذا سجد فاسجدوا، ولم يقل:
اذا رفع فارفعوا .
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن زكريا
النيسابوري، حدثنا اسحاق بن ابراهيم بن يونس، حدثنا كثير بن
(١) خ (٦٨٩/٢٢/٢). م (٣٠٨/١/ ٤١١/ (٨٠)). د (١ / ٤٠١ / ٦٠١).
ت (٢/ ٣٦١/١٩٤). ن (٢ / ٨٣١/٤٣٤).
(٢) خ (٧٣٤/٢٧٥/٢). م (٤١٤/٣٠٩/١).

فتح البر
٧٤
عبيد، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا مالك، عن الزهري، عن
الاعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّجله قال: انما جعل الإمام
ليؤتم به، (١) - فذكره. ورواه ابن وهب، عن مالك عن الزهري عن
النبي وَخل*، وقال فيه: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه.
وتابعه على ذلك عن مالك، ابو علي الحنفي، وابنه يحيى بن مالك.
وهذه الزيادة ليست في الموطأ الا في بلاغات مالك - أعني قوله: فلا
تختلفوا علیه.
وقد رواها معن بن عيسى، وابو قرة موسى بن طارق، عن مالك،
عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَلاّ قال: انما
جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه - فذكره وذكر الحديث،
وسنذكره بتمامه في باب بلاغات مالك - إن شاء الله .
وزاد عبد الله بن وهب أيضا في هذا الحديث: واذا كبر، فكبروا،
واذا سجد فاسجدوا. وتابعه على ذلك، عبد الرحمن بن مهدي،
وجويرية بن أسماء. وذكر فيه ابراهيم بن بشير عن مالك التكبير، ولم
يذكر السجود وليس في الموطأ قوله: اذا كبر، فكبروا ولا قوله اذا
سجد فاسجدوا .
أخبرنا عبدالوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن
وضاح، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، ويونس بن عبدالاعلى،
قالا : حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، ومالك
ابن انس، والليث بن سعد، وابن سمعان، ان ابن شهاب اخبرهم
قال: أخبرني أنس بن مالك، ان رسول الله مَله ركب فرسا فصرع
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

صلاة الجماعة
٧٥
عنه، فجحش شقه الأيمن، فصلى لنا صلاة من الصلوات وهو
جالس، وصلينا معه جلوسا، فلما انصرف، قال: انما جعل الإمام
ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا صلى قائما، فصلوا قياما، واذا كبر،
فكبروا، واذا ركع، فاركعوا، واذا رفع فارفعوا، واذا قال: سمع الله
لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، واذا سجد فاسجدوا، واذا صلى
قاعدا، فصلوا قعودا أجمعون(١) . فقوله في هذا الحديث: فلا
تختلفوا عليه، ليس في الموطأ، ولا رواه بهذا الإسناد عن مالك غير
ابن وهب، وابنه يحيى بن مالك، وابي علي الحنفي، والله أعلم .
وقوله : واذا كبر فكبروا، واذا سجد فاسجدوا، ليس في الموطأ،
ولا رواه عن مالك غير ابن وهب، وابن مهدي، وجويرية - والله
أعلم. ورواه ابو حنيفة قحزم بن عبد الله بن قحزم الاسواني، عن
الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن انس فزاد فيه: في بيته، وقال
فيه أيضا: فأشار اليهم: ان اجلسوا، ولم يقل ذلك في هذا الحديث
عن مالك احد غير الشافعي في رواية قحزم عنه خاصة، وانما قال
مالك فأشار اليهم ان اجلسوا في حديثه عن هشام بن عروة، عن ابيه
عن عائشة، قال الدارقطني: ليس يحفظ في هذا الحديث انه صلى في
بيته، الا من رواية أبي حنيفة قحزم، عن الشافعي، عن مالك، عن
الزهري، عن انس. هو محفوظ من رواية أيوب، عن الزهري، عن
انس وان النبي بَّ صرع على فرسه، فجحش جنبه، فدخلوا عليه
يعودونه فصلى بهم قاعدا، وأومأ اليهم: ان اقعدوا، فلما قضى
صلاته، قال: انما جعل الإمام ليؤتم به(٢) - وذكر الحديث.
(١) حم (١٧١/٣ -١٨٠-٢٧٤-٢٩١). خ (٢٦٢٧/٣٠/٥). م (٤ /١٨٠٢/ ٢٣٠٧).
د (٥/ ٤٩٨٨/٢٦٣). ت (٤ / ١٧١ / ١٦٨٥).
(٢) حم (١٨٥/٣). خ (٢٨٢٠/٤٣/٦). م (٢٣٠٧/٤٨/١٨٠٢/٤).

فتح البر
=٧٦
قال ابو عمر: وأما حديث قحزم عن الشافعي، فأخبرناه علي ابن
ابراهيم، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا أبو الحسن فقير بن موسى بن
عيسى الاسواني، حدثنا أبو حنيفة قحزم بن عبد الله بن قحزم
الاسواني، حدثنا ابو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي، حدثنا مالك
ابن انس، عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ان رسول الله وَ طلال ركب
فرسا فصرع عنه، فجحش شقه الأيمن، فصلى في بيته قاعدا، وصلى
خلفه قوم قياما، فأشار اليهم ان اجلسوا، ثم قال: انما جعل الإمام
ليؤتم به، فاذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون، فخلط فيه
قحزم، وزاد ونقص ولم يتمه، والصحيح عن مالك فيه، ما في الموطأ
- والله أعلم .
وفي هذا الحديث من الفقه، ركوب الخيل وحركتها والتقلب عليها،
وهو يرد ما روي عن عمر من كراهيته ركوب الخيل لما فيه من الخيلاء.
وأما السقوط من ظهورها، فانه لا يكون في الاغلب لمن يحسن
ركوبها، إلا مع حركتها ودفعها واجرائها، وكان رسول الله وَلاه، من
أحسن الناس تقلبا عليها.
وفي حديث قتادة وثابت عن انس، أن رسول الله ◌َ ل ركب فرسا
عريا لابي طلحة(١). قال بعض أهل السير: كان ذلك منه حين أغار
عيينة بن حصن على لقاح المدينة. فخرج رسول الله وَاليه .
وفي حديث انس ان خيل المشركين أغارت على لقاح بالمدينة،
فوقعت الصيحة، فخرج رسول الله وَّل على فرس لابي طلحة عري،
ثم انصرف فقال: إنّ وجدناه لبحرا (٢). وذكر ابن المبارك، وغندر،
(١) و (٢) تقدم تخريجهما في الباب نفسه.

صلاة الجماعة
٧٧
وابن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك
يقول: كان بالمدينة فزع، فاستعار رسول الله وَ ل فرسا لابي طلحة
يقال له مندوب فرکبه، فلما انصرف قال: ان وجدناه لبحرا.
حدثنا أحمد بن محمد بن هشام، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن
فراس، حدثنا محمد بن ابراهيم الدیبلي، قال حدثنا محمد بن زنبور،
حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن انس بن مالك، قال:
كان رسول الله وسلّ أجمل الناس وجها، وأجود الناس كفا، وأشجع
الناس قلبا؛ خرج وقد فزع الناس، فركب فرسا لابي طلحة عريا، ثم
رجع وهو يقول: لن تراعوا، لن تراعوا، ثم قال: ان وجدناه
البحرا(١). قال ابو جعفر الديبلي: قال لنا ابن زنبور: لم اسمع من
حماد بن زيد غير هذا الحديث، لقيته عند زمزم، فحدثني بهذا
الحدیث.
وأما قوله: فجحش شقه، فان ذلك كما لو زاحم انسان جدارا،
فانخدش خدشا بينا، كما نقول نحن انسلخ وانجرح، فالجحش فوق
الخدش، وحسبك انه لم يقدر على الصلاة قائما، فصلى قاعدا.
وأما قوله انما جعل الإمام ليؤتم به، فقد أجمع العلماء على ان
الائتمام واجب على كل مأموم بإمامه في ظاهر أفعاله، وانه لا يجوز
له خلافه لغير عذر. وفيه حجة لمالك وأبي حنيفة وأصحابهما في
ابطال صلاة من خالفت نيته نية إمامه، فصلى ظهرا خلف امام يصلي
عصرا، أو صلى فريضة خلف إمام يصلي نافلة، لانه لم يأتم به في
صلاته، فوجب ان لا يجزيه. وأما اختلاف نية الامام والمأموم، فقد
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٧٨
أرجأنا القول في هذه المسألة، الى بلاغات مالك ومرسلاته عن نفسه،
حيث قال رسول الله وَطله: انما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه.
فهناك أولى المواضع به .
وقد ذكرنا هذه اللفظة مسندة من غير حديث مالك في هذا الباب
باسناد صحيح، وذكرنا هنالك ما للعلماء في جواز اختلاف نية المأموم
والإمام، من المذاهب والاقوال والتنازع والاعتلال - إن شاء الله.
وأما قوله: فإذا صلى قائما فصلوا قياما، فهذا كلام خرج على
صلاة الفريضة، لانه صلى بهم صلاة من الصلوات الخمس، حين ذكر
ذلك لهم وأمرهم بما في هذا الحديث، وهذا ما لا خلاف فيه، وقد
اجمعوا على جواز صلاة الجالس خلف القائم في النافلة، فدل ذلك
على ما ذكرنا، الا ان المصلي في النافلة جالسا وهو قادر على القيام،
له نصف أجر صلاة القائم، وقد مضى القول في حكم صلاة القاعد
في النافلة، وحكم صلاة المريض، في باب اسماعيل بن محمد بن
سعد بن أبي وقاص .
وفي قوله فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، بيان لقوله عز وجل:
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: (٢٣٨)]. وأجمع العلماء على أن القيام في
صلاة الفريضة، فرض واجب على كل صحيح قادر عليه، لا يجزيه
غير ذلك - ان كان منفردا أو إماما. واختلفوا في المأموم الصحيح
يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام، فأجازت ذلك طائفة
من أهل العلم، اتباعا لهذا الحديث وما كان مثله من قوله وَخلال في
الإمام: وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون. روي هذا الحديث
عن النبي ◌َُّله من طرق كثيرة متواترة، من حديث انس وحديث أبي
هريرة، وحديث عائشة، وحديث ابن عمر، وحديث جابر، كلها عن

صلاة الجماعة
٧٩
النبي وَجُلّ بأسانيد صحاح، وممن ذهب الى هذا، حماد بن زيد،
وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، واليه ذهب داود في رواية
عنه، قال أحمد بن حنبل : وفعله أربعة من الصحابة بعده: اسيد بن
حضير، وقيس بن قهد، وجابر، وابو هريرة .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال حدثنا انس بن
عياض، قال حدثني يحيى بن سعيد الانصاري، عن بشير بن يسار،
ان أسيد بن حضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل فاشتکی، فخرج
عليهم بعد شكواه، فأمروه ان يتقدم لهم، فقال: لا أستطيع، فقالوا:
لا يصلي بنا ما كنت فينا - غيرك، فقال اني لا أستطيع ان أصلي
قائما فاقعدوا، فصلى قاعدا، وصلوا قعودا (١).
أخبرنا ابراهيم بن شاكر قراءة مني عليه، قال: حدثنا عبد الله بن
عثمان، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن عبد الله
ابن صالح، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، قال حدثنا اسماعيل، عن
قيس بن أبي حازم، عن قيس الانصاري، قال: اشتكى إمامنا أياما،
فكنا نصلي بصلاته جلوسا(٢).
وروى أبو معاوية عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن ابي
حازم، عن أبي هريرة قال: انما الامام أمير فاذا صلى قائما، فصلوا
قياما، واذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا(٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٨٥/٤٦٢/٢). ابن أبي شيبة (٧١٤١/١١٥/٢). قال ابن حجر في
الفتح (٢٢٤/٢): ((وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير: (إنه كان يؤم
قومه .. ) فذكر الحدیث».
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٨٤/٤٦٢/٢). ابن أبي شيبة (١١٥/٢/ ٧١٤٠). ونقله الحافظ ابن
حجر في الفتح (٢٢٤/٢) وصحح إسناده.
(٣) عبد الرزاق (٤٠٨٣/٤٦٢/٢). ابن أبي شيبة (٧١٣٩/١١٥/٢) وصحح إسناده الحافظ في
الفتح (٢٢٥/٢).

فتح البر
= ٨٠
=
وروى الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، انهم
شيعوا جابر بن عبد الله وهو مريض، فصلى بهم قاعدا، وصلوا معه
قعودا. وقال جمهور أهل العلم لا يجوز لاحد ان يصلي في شيء من
الصلوات المكتوبات جالسا - وهو صحيح قادر على القيام، لا إماما
ولا منفردا، ولا خلف امام؛ ثم اختلفوا، فمنهم من أجاز صلاة القائم
خلف القاعد المريض، لان كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته، اقتداء
وتأسيا برسول الله وَجاللاذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا، وابو
بکر الى جنبه قائما یصلي بصلاته، والناس قیام خلفه يصلون بصلاته،
فلم يشر الى ابي بكر، ولا اليهم بالجلوس، وأكمل صلاته بهم
جالسا، وهم خلفه قيام. ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن
فرسه، وصلاته حينئذ قاعدا، وقوله: فإذا صلى جالسا، فصلوا
جلوسا، فعلم ان الآخر من فعله ناسخ للأول فانهم ما قاموا خلفه
وهو جالس، الا لعلمهم بأنه قد نسخ ذلك بفعله وَالاول. والدليل على
ان حديث هذا الباب منسوخ بما كان منه في مرضه وَ لّه اجماع
العلماء على ان حكم القيام في الصلاة على الايجاب، لا على
التخيير، ولما أجمعوا على ان القيام في الصلاة لم يكن فرضه قط على
التخيير، وجب طلب الدليل على النسخ في ذلك، وقد صح ان صلاة
ابي بكر والناس خلفه قياما - وهو قاعد في مرضه الذي توفي فيه -
متأخر عن صلاته في حین سقوطه عن فرسه، فبان بذلك انه ناسخ
لذلك. وممن ذهب هذا المذهب، واحتج بنحو هذه الحجة، الشافعي،
وداود بن علي، واصحابهما. وقد أوضحنا معاني الآثار في صلاة
النبي وَلّ في مرضه، وأتينا على حكاية قول من قال: كان ابو بكر
المقدم في تلك الصلاة، ومن قال كان رسول الله وَلا فيها المقدم - في
باب هشام بن عروة- بما یغني عن ذكره هاهنا، وقد روى الوليد بن