النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
صفات الصلاة
فقد برئ، ومن کره فقد سلم، ولکن من رضی وتابع. قالوا يا رسول
الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا الخمس(١).
وفيه دليل على أنهم ان لم يصلوا الخمس، قوتلوا.
ومن حجتهم أيضا قوله وَجُله: نهيت عن قتل المصلين(٢)، وفي ذلك
دليل على أن من لم يصل لم ينه عن قتله، والله أعلم، ألا ترى الى
قوله والله لأصحابه الذين شاوروه في قتل مالك بن الدخشم: أليس
يصلي؟ قالوا: بلى، ولا صلاة له، فنهاهم عن قتله لصلاته، اذ قالوا
له: بلى انه يصلي، ولو قالوا انه لا يصلي ما نهاهم عن قتله والله
أعلم. ولم يحتج عليهم في المنع من قتله، الا بالشهادة والصلاة، لانه
قال لهم: أليس يشهد أن لا إله الا الله؟ قالوا: بلى، ولا شهادة له،
فقال أليس يصلي؟ قالوا: بلى، ولا صلاة له. قال أولئك الذين نهاني
الله عن قتلهم(٣). وقد قال في غير ذلك الحديث: نهيت عن قتل
المصلین.
(١) حم: (٢٩٥/٦)، م: (٣/ ١٤٨٠- ١٨٥٤/١٤٨١[٦٤])، د: (٤٧٦٠/١١٩/٥)، ت:
(٤٥٨/٤ /٢٢٦٥).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: د: (٤٩٢٨/٢٢٤/٥)، أبو يعلى في مسنده
(٦١٢٦/٥٠٩/١٠)، هق: (٢٢٤/٨) كلهم من طريق أبي أسامة عن مفضل بن يونس عن
الأوزاعي عن أبي يسار القرشي عن أبي هاشم عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ أتي بمخنث قد
خضب يده ورجليه بالحناء، فذكره. وأبو يسار القرشي: قال أبو حاتم مجهول (كما في
التهذيب) وقال الحافظ في التقريب: " مجهول الحال". وقال الذهبي في الميزان
(١٠٧٤٦/٥٨٨/٤): أبو يسار عن أبي هاشم عن أبي هريرة إسناد مظلم لمتن منكر وهو أن
النبي # مر برجل مخضوب اليدين والرجلين فنفاه.
(٣) أصل الحديث عند: م: (٤٥٥/١-٣٣/٤٥٦) من رواية عتبان بن مالك وليس فيه موضع
الشاهد.
فتح البر
٤٢٢
واعتلوا في دفع الآثار المروية في تكفير تارك الصلاة، بأن قالوا:
معناها من ترك الصلاة جاحدا لها معاندا، مستكبرا. غير مقر
بفرضها. قالوا ويلزم من كفرهم بتلك الآثار، وقبولها على ظاهرها
فيهم، أن يكفر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني، وشارب
الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه. فقد صح عنه
وَّ لله أنه قال سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر(١). وقال: لا يزني
الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة
ذات شرف يرفع الناس اليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن(٢).
وقال: لا ترغبوا عن آبائكم، فانه كفر بكم ان ترغبوا عن
آبائكم(٣). وقال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب
بعض (٤). إلى آثار مثل هذه، لا يخرج بها العلماء المؤمن من
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود:
حم: (٣٨٥/١ و٤١١ و٤٣٣ و٤٣٩ و٤٥٤ و٤٥٥)، خ: (٤٨/١٤٧/١)،
م: (١ / ٦٤/٨١)، ت: (١٩٨٣/٣١١/٤)، ن: (١٣٨/٧-٤١١٧/١٣٩ إلى ٤١٢٣)،
جه: (١/ ٦٩/٢٧).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
حم: (٢٤٣/٢ و٣١٧ و٣٧٦ و٣٨٦ و٤٧٩)، خ: (١٥٠/٥-٢٤٧٥/١٥١)،
م: (٧٦/١-٥٧/٧٧)، د: (٦٤/٥-٤٦٨٩/٦٥)، ت: (١٦/٥-٢٦٢٥/١٧)،
ن: (٤٣٥/٨-٤٨٨٥/٤٣٦ و٤٨٨٦ و ٤٨٨٧)، جه: (١٢٩٨/٢-٣٩٣٦/١٢٩٩).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم: (٥٢٦/٢)، خ: (٦٢/١٢-٦٣ /٦٧٦٨)،
م: (١ / ٨٠/ ٦٢)
(٤) أخرجه من حديث عبد الله بن عمر: حم: (٨٥/٢ و٨٧ و١٠٤)،
خ: (٦١٦٦/٦٧٦/١٠)، م: (٦٦/٨٢/١)، د: (٤٦٨٦/٦٣/٥)، ن: (٤١٣٦/١٤٣/٧)
جه: (٣٩٤٣/١٣٠٠/٢).
٤٢٣
صفات الصلاة
الاسلام، وان كان بفعل ذلك فاسقا عندهم، فغير نكير أن تكون
الآثار في تارك الصلاة كذلك.
قالوا: ومعنى قوله: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر (١)، أنه ليس
بكفر يخرج عن الملة؛ وكذلك كل ما ورد من تكفير من ذكرنا، ممن
يضرب بعضهم رقاب بعض، ونحو ذلك.
وقد جاء عن ابن عباس، وهو أحد الذين روي عنهم تكفير تارك
الصلاة أنه قال في حكم الحاكم الجائر: کفر دون كفر:
حدثني محمد بن ابراهيم، قال حدثنا احمد بن مطرف، قال:
حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا اسحق بن اسماعيل، قال حدثنا
سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: قال ابن
عباس: ليس بالكفر الذي تذهبون اليه، انه ليس بكفر ينقل عن
الملة(٢)، ثم قرأ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
[المائدة: (٤٤)]. واحتجوا أيضاً بقول عبد الله بن عمر لا يبلغ المرء حقيقة
الكفر، حتی یدعوا مثنی، مثنی.
وقالوا: يحتمل قوله و14َ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.
يريد مستكمل الإيمان؛ لأن الايمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛
وكذلك السارق، وشارب الخمر، ومن ذكر معهم. وعلى نحو ذلك
تأولوا قول عمر بن الخطاب: لاحظ في الاسلام لمن ترك الصلاة.
قالوا: اراد أنه لا كبير حظ له، ولا حظا كاملا له في الاسلام، ومثله
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) أخرجه ابن جرير: (٢٥٦/٦).
فتح البر
٤٢٤
قول ابن مسعود وما أشبهه، وجعلوه كقوله: لا صلاة لجار المسجد إلا
في المسجد(١)، أي انه ليس له صلاة كاملة.
ومثله الحديث: ليس المسكين بالطواف عليكم(٢)، يريد ليس هو
المسكين حقا، لأن هناك من هو أشد مسكنة منه، وهو الذي لا يسأل
ونحو هذا مما اعتلوا به.
وقد رأى مالك استتابة الاباضية، والقدرية، فان تابوا، والا قتلوا.
ذكر ذلك اسماعيل القاضي عن أبي ثابت، عن ابن القاسم، وقال:
قلت لابي ثابت: هذا رأي مالك في هؤلاء حسب؟ قال بل في كل
أهل البدع، قال القاضي: وانما رأى مالك ذلك فيهم، لافسادهم في
الارض، وهم أعظم افسادا من المحاربين؛ لان افساد الدين، أعظم من
افساد المال، لا أنهم كفار.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: قط: (٤٢٠/١)، ك: (٢٤٦/١) وسكت عنه، وهق:
(٥٧/٣) كلهم من طريق سليمان بن داود اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه
وسليمان بن داود اليمامي قال فيه البخاري: "منكر الحديث" وقال: ((من قلت فيه منكر
الحديث فلا تحل رواية حديثه)) انظر الميزان (٢٠٢/٢)، وأخرجه من حديث جابر: قط:
(١/ ٤٢٠)، وفي سنده: محمد بن سكين الشقري: قال الذهبي في الميزان
(٧٦٠٩/٥٦٧/٣): لا يعرف وخبره منكر، وقال البخاري في إسناد حديثه نظر». ثم ذكر
هذا الحديث بسند الدارقطني وقال: قال الدارقطني: هو ضعيف. وأخرجه من حديث علي
موقوفا: هق: (٥٧/٣) وقال: وقد روي من وجه آخر مرفوعا وهو ضعيف. قال الحافظ في
التلخيص: (٣١/١): (( حديث لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد مشهور بين الناس وهو
ضعیف لیس له إسناد ثابت.)).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: خ: (١٤٧٩/٤٣٤/٣)، م: (١٠٣٩/٧١٩/٢)،
ن: (٨٩/٥ - ٩٠ /٢٥٧٠ و٢٥٧١)
٤٢٥
صفات الصلاة
قال أبوعمر :
فهذا مالك يريق دماء هؤلاء، وليسوا عنده كفارا؛ فكذلك تارك
الصلاة عنده من هذا الباب قتله، لا من جهة الكفر.
ومما يدل على ان تارك الصلاة ليس بكافر كفرا ينقل عن الاسلام اذا
كان مؤمنا بها، معتقدا لها، حديث ابن مسعود عن النبي وَجّ قال:
أمر بعبد من عباد الله ان يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل
الله ويدعوه، حتى صارت جلدة واحدة، فامتلأ قبره نارا، فلما أفاق،
قال علام جلدتموني؟ قالوا: انك صليت صلاة بغير طهور، ومررت
على مظلوم فلم تنصره(١).
قال الطحاوي: في هذا الحديث ما يدل على أن تارك الصلاة ليس
بكافر، لان من صلى صلاة بغير طهور، فلم يصل، وقد أجيبت
دعوته، ولو كان كافرا ما أجيبت له دعوة، لان الله تبارك وتعالى
يقول: ﴿ وَمَا دُعَّءُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ [الرعد: (١٤)].
وقد ذكرنا اسناد حديث ابن مسعود هذا في باب يحيى بن سعيد
عند قوله وَّله: خمس صلوات كتبهن الله على العباد، ثم قال: ومن
لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، ان شاء عذبه، وان شاء غفر
له(٢) .
(١) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب بصيغة التمريض (١٩٠/٣)
وقال: ((رواه أبو الشيخ بن حبان في كتاب التوبيخ)» وذكره ابن عبد البر رحمه الله بسند
الطحاوي في صلاة النوافل حكم صلاة الوتر (باب منه) وفي إسناده انقطاع.
(٢) أخرجه من حديث عبادة بن الصامت: حم: (٣١٧/٥)، د: (١٤٢٠/١٣٠/٢)، ن:
(٢٤٨/١/ ٤٦٠)، جه: (٤٤٨/١-١٤٠١/٤٤٩)، حب: (الإحسان: (
١٧٤/٦-٢٤١٧/١٧٥)).
___ ٤٢٦
فتح البر
ومما يدل على ان الكفر منه ما لا ينقل عن الاسلام، قوله ◌َله:
يكفرن العشير، ويكفرن الاحسان(١)، وكافر النعمة يسمى كافرا،
وأصل الكفر في اللغة الستر، ومنه قيل لليل كافر، لانه يستر.
قال لبيد :
في ليلة كفر النجوم غمامها
أي سترها وفي هذه المسألة قول ثالث قاله ابن شهاب، رواهشعيب بن
أبي حمزة عنه، قال: إذا ترك الرجل الصلاة، فإن كان إنما تركها، لأنه ابتدع
دينا غير الإسلام قتل، وإن كان إنما هو فاسق، فإنه يضرب ضرباً مبرحاً،
ويسجن حتى يرجع. قال: والذي يفطر في رمضان كذلك. قال أبو
جعفر الطحاوي: وهو قولنا، واليه يذهب جماعة من سلف الأمة من
أهل الحجاز والعراق.
قال أبو عمر:
بهذا يقول داود بن علي، وهو قول أبي حنيفة في تارك الصلاة انه
یسجن ويضرب ولا يقتل.
وابن شهاب القائل ما ذكرنا، هو القائل أيضا في قول النبي وَلقوله:
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. كان ذلك في أول
الاسلام، ثم نزلت الفرائض بعد، وقوله هذا يدل على أن الايمان عنده
قول وعمل والله أعلم، وهو قول الطائفتين اللتين ذكرنا قولهم قبل
قول ابن شهاب، كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل.
وقد اختلفوا في تارك الصلاة كما علمت، واحتج من ذهب هذا
المذهب أعني مذهب ابن شهاب، في انه يضرب ويسجن ولا يقتل
(١) حم: (٢٩٨/١ و٣٥٨-٣٥٩)، خ: (٢٩/١١٣/١)، م: (٦٢٦/٢ /٩٠٧)، ن:
(١٦٢/٣-١٤٩٢/١٦٤)، د: (١١٨٩/٧٠٢/١) مختصرا.
٤٢٧
صفات الصلاة
بقول رسول الله وَّ جله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
الله، فاذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها(١). قالوا:
وحقها الثلاث التي قال النبي وَله: لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى
ثلاث: كفر بعد ايمان، أو زنا بعد احصان، أو قتل نفس بغير
نفس(٢) .
قالوا: والكافر جاحد، وتارك الصلاة المقر بالاسلام ليس بجاحد
ولا كافر، وليس بمستكبر ولا معاند، وانما يكفر بالصلاة من جحدها،
واستكبر عن أدائها .
قالوا وقد كان مؤمنا عند الجميع بيقين قبل تركه للصلاة، ثم
اختلفوا فيه اذا ترك الصلاة فلا يجب قتله الا بيقين، ولا يقين مع
الاختلاف، فالواجب القول بأقل ما قيل في ذلك، وهو الضرب
والسجن. وأما القتل، ففيه اختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات.
واحتجوا أيضا بقوله وَلجلال: سيكون عليكم بعدي أمراء، يؤخرون
الصلاة عن ميقاتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم
سبحة(٣). قالوا: وهذا يدل على أنهم غير كفار بتأخيرها، حتى يخرج
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) أخرجه من حديث عثمان: حم: (٦١/١-٦٢ و٦٢ و٦٥ و ٧٠)، د:
(٦٤٠/٤/ ٤٥٠٢)، ت: (٤٠٠/٤-٤٠١ /٢١٥٨) وقال: هذا حديث حسن. ن:
(٤٠٣١/١٠٦/٧)، جه: (٢٥٣٣/٨٤٧/٢)، وله شاهد من حديث ابن مسعود: خ:
(٦٨٧٨/٢٤٧/١٢)، م: (١٣٠٢/٣ -١٦٧٦/١٣٠٣)، د: (٤ /٤٣٥٢/٥٢٢)،
ت: (١٢/٤- ١٤٠٢/١٣)، ن: (٤٧٣٥/٣٨١/٨)، جه: (٢٥٣٤/٨٤٧/٢)، ومن
حديث عائشة: م: (١٦٧٦/١٣٠٣/٣ [٢٦])، بمثل حديث ابن مسعود. د:
(٥٢٢/٤-٤٣٥٣/٥٢٣)، ن: (١٠٥/٧-٤٠٢٩/١٠٦).
(٣) أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود: حم: (٢٣١/٥-٢٣٢)،
م: (٣٧٨/١-٥٣٤/٣٧٩)، د: (٣٠٠/١-٤٣٢/٣٠١)، جه: (١ / ١٢٥٥/٣٩٨)، وفي
الباب عن أبي ذر وغيره.
(٤٢٨
فتح البر
وقتها، ولو كفروا بذلك، ما أمرهم بالصلاة خلفهم بسبحة ولا
غيرها.
قال أبو عمر:
هذا قول قد قال به جماعة من الأئمة ممن يقول: إلايمان قول
وعمل. وقالت به المرجئة أيضا، إلا أن المرجئة تقول: المؤمن المقر
مستكمل الايمان.
وقد ذكرنا اختلاف أئمة أهل السنة والجماعة في تارك الصلاة.
فأما أهل البدع، فان المرجئة قالت تارك الصلاة مومن مستكمل
الايمان، اذا كان مقرا غير جاحد، ومصدقا غير مستكبر.
وحكيت هذه المقالة عن أبي حنيفة وسائر المرجئة، وهو قول جهم.
وقالت المعتزلة تارك الصلاة فاسق، لا مؤمن ولا كافر، وهو مخلد
في النار، الا أن يتوب.
وقالت الصفرية والأزارقة من الخوارج: هو كافر، حلال الدم
والمال.
وقالت الإباضية هو كافر، غير أن دمه وماله محرمان، ويسمونه
كافر نعمة، فهذا جميع ما اختلف فيه أهل القبلة في تارك الصلاة.
صفات الصلاة
٤٢٩
أول ما ينظر من عمل العبد الصلاة
[٢] مالك، عن يحيى بن سعيد أنه قال : بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل
العبد الصلاة، فإن قبلت منه، نظر فيما بقي من عمله؛ وإن لم تقبل منه، لم
ينظر في شيء من عمله.
وهذا لا يكون رأيا ولا اجتهادا، وإنما هو توقيف؛ وقد روي
مسندا عن النبي صَلّ من وجوه صحاح.
حدثنا أحمد بن فتح، قال حدثنا الحسن بن عبد الله بن الخضر،
قال حدثنا إسحاق بن ابراهيم بن يونس، قال حدثنا عمر بن موسى
السامي، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن ابي هند، عن زرارة بن
أوفى، عن تميم الداري، قال: قال رسول الله ◌َُّلو: أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة صلاته(١).
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة، قال حدثنا يزيد بن هارون،
عن سفيان بن حسين، عن علي بن زيد، عن أنس بن حكيم الضبي،
قال: قال لي أبو هريرة: إذا أتيت أهل مصرك فأخبرهم أني سمعت
رسول الله وَّ له يقول: أول ما يحاسب به العبد المسلم، الصلاة
المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له
(١) حم: (٤/ ١٠٣)، د: (١/ ٨٦٦/٥٤١)، جه: (١٤٢٦/٤٥٨/١)، ك: (١/ ٢٦٢-٢٦٣)
واعتبره شاهدا لحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا حيث قال فيه (( حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم)).
فتح البر
٤٣٠
تطوع، أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة
مثل ذلك(١) .
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس،
قال حدثنا الحسن بن علي الانطاكي، قال حدثنا محمد بن سعيد بن
غالب؛ وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا يعقوب بن ابراهيم، قالا حدثنا إسماعيل
ابن علية، قال حدثنا يونس عن الحسن، عن أنس بن حكيم الضبي أنه
أتى المدينة فلقي أبا هريرة فقال له: يا فتى، ألا أحدثك حديثا لعل الله
أن ينفعك به؟ قلت: بلى، قال: إن أول ما يحاسب به الناس يوم
(١) حم: (٢/ ٢٩٠-٤٢٥)، د: (٥٤٠/١- ٨٦٤/٥٤١)، جه: (٤٥٨/١ / ١٤٢٥)،
وك: (٢٦٦/١) كلهم من طريق أنس بن حكيم الضبي عن أبي هريرة. وقال الحاكم: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قلت: أنس بن حكيم: ((مستور)) كما
في التقريب. وأخرجه من طريق الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة: ت:
(٢٦٩/٢ - ٤١٣/٢٧٠)، ون: (٤٦٤/٢٥١/١) وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث
حسن غريب من هذا الوجه. وقال: (( وقد روى بعض أصحاب الحسن عن الحسن عن قبيصة
ابن حريث غير هذا الحديث والمشهور هو قبيصة بن حريث)) ورجح الحافظ أيضا في التقريب
أنه قبيصة بن حريث وقال فيه صدوق. وفي ترجمته روى عنه الحسن البصري وروی عن
سلمة بن المحبق. وروى عنه حديث من زنى بأمة امرأته كما قال الذهبي في الميزان؛ وهو
حديث أخرجه أبو داود في الحدود (٤٤٦٠) وقال الخطابي في معالم السنن
(١١٧٢/٢٨٦/٣) ((هذا حديث منكر وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله،
وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع)). وأخرجه من طريق الحسن عن رجل من
بني سليط عن أبي هريرة: د: (٨٦٥/٥٤١/١)، قال المزي في تهذيب الكمال
(٣٤٦/٣/ ترجمة ٥٦٥) وهو حديث مضطرب منهم من رفعه ومنهم من شك في رفعه،
ومنهم من وقفه، ومنهم من قال: عن الحسن عن رجل من بني سليط عن أبي هريرة، ومنهم
من قال: عن الحسن، عن أبي هريرة)).
صفات الصلاة
٤٣١
القيامة من أعمالهم: الصلاة، فيقول: ربنا تبارك وتعالى لملائكته وهو
أعلم: انظروا في صلاة عبدي: أتّها أم نقصها؟ فإن كانت تامة،
كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا، قال: انظروا هل لعبدي من
تطوع؟ فإن كان له تطوع، قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم
تؤخذ الأعمال على ذلك. قال يونس: وأحسبه عن النبي وَلاَ(١).
قال أبو داود: وحدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا حماد، عن
داود بن ابي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبي
وَ لّ بهذا المعنى. قال: ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على
حسب ذلك(٢) .
قال أبو عمر:
أما إكمال الفريضة من التطوع، فإنما يكون ذلك والله أعلم فيمن
سها عن فريضة فلم يأت بها أولم يحسن ركوعها ولم يدر قدر ذلك؛
وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا، واشتغل
بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له، فلا تكمل له فريضته تلك من
تطوعه والله أعلم.
وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث هو عندي
منكر والله أعلم، يرويه محمد بن حمير، عن عمرو بن قيس
السكوني، عن عبد الله بن قرط، عن النبي وَّ قال: من صلى صلاة
لم يكمل فيها ركوعه وسجوده وخشوعه، زيد فيها من سبحاته حتى
تتم .
(١) تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه
فتح البر
٤٣٢
وهذا لا يحفظ عن النبي وَجَلّ إلا من هذا الوجه وليس بالقوي؛
وإن صح، كان معناه أنه خرج من صلاته وقد أتمها عند نفسه،
وليست في الحكم بتامة والله أعلم. هذا على أنه قد كان يلزمه أن
يتعلم، فإن عذب عذب على ترك التعلم، وإن عفي عنه، فالله أهل
العفو وأهل المغفرة.
وأما قوله في حديث يحيى بن سعيد، فإن قبلت منه نظر فيما بقي
من عمله، فمعنى القبول والله أعلم أن توجد تامة على ما يلزمه منها
لزوم فرض؛ فإذا وجدت كذلك، قبلت ونظر في سائر عمله. وآثار
هذا الباب يعضد هذا التأويل إن شاء الله، ولا يصح غيره على
الأصول الصحاح والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا
أبان بن يزيد، قال حدثنا قتادة: عن الحسن، عن أنس بن حكيم، عن
أبي هريرة أن النبي وَلّ قال: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة
يحاسب بصلاته، فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد
خاب وخسر(١).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
٤٣٣
صفات الصلاة
فضيلة الصلوات الخمس
٣- مالك أنه بلغه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أنه قال: كان
رجلان أخوان، فهلك أحدهما قبل أن يهلك صاحبه بأربعين ليلة، فذكرت
فضیلة الأول عند رسول الله پڼ فقال: ألم یکن الآخر مسلما؟ قالوا: بلی یا
رسول الله وكان لا بأس به، فقال رسول الله وَله: وما يدريكم ما بلغت به
صلاته، إنما مثل الصلاة کمثل نهر غمر عذب بباب أحدكم. يقتحم فيه كل
يوم خمس مرات، فما ترون ذلك يبقي من درنه؟ فإنكم لا تدرون ما بلغت
به صلاته(١).
النهر الغمر: الكثير الماء، والدرن: الوسخ.
ويدل هذا الحديث والله أعلم على أن العذب من المياه أشد إنقاء
للدرن من غير العذب، كما أن الكثير أنقى من اليسير؛ وهذا مثل
ضربه رسول الله وَظله للصلاة يخبر بأنها تكفر ما قبلها من الذنوب إذا
(١) أخرجه متصلا من طريق ابن وهب: حم: (١٧٧/١)، ابن خزيمة في صحيحه
(٣١٠/١٦٠/١)، وك: (٢٠٠/١) وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
فإنهما لم يخرجا لمخرمة بن بكير والعلة فيه أن طائفة من أهل مصر ذكروا أنه لم يسمع من
أبيه لصغر سنه، وأثبت بعضهم سماعه منه)) وكذا قال الذهبي ومخرمة هذا ذكر المزي في
ترجمته أن مسلما أخرج له خلافا لما ذكره الحاكم. واختلفوا في سماعه من أبيه فبعضهم قال
روی من کتاب أبيه وقال آخرون لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا وهو حديث الوتر ( وهو
قول أبي داود) وقال ابن القيسراني في كتابه الجمع بين رجال الصحيحين (٢/ ٥١٠): سمع
أباه في الوضوء والزكاة والصلاة والحج في مواضع)). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع
الزوائد (٣٠٢/١) وقال: ((رواه أحمد والطبراني في الأوسط إلا أنه قال ثم عمر الآخر بعده
أربعين ليلة ورجال أحمد رجال الصحيح)).
فتح البر
٤٣٤
اجتنبت الكبائر؛ وقد مضى هذا المعنى مجودا في باب زيد بن أسلم
والحمد لله، والرواية الصحيحة: يبقى بالباء لا بالنون.
قال أبوعمر:
أما قصة الأخوين، فليست تحفظ من حديث سعد بن أبي وقاص
إلا في مرسل مالك هذا، وقد أنكره أبو بكر البزار وقطع بأنه لا يوجد
من حديث سعد البتة، وما كان ينبغي له أن ينكره؛ لأن مراسيل مالك
أصولها صحاح كلها، وجائز أن يروي ذلك الحديث سعد وغيره؛ وقد
رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عامر بن سعد،
عن أبيه مثل حديث مالك سواء؛ وأظن مالكا أخذه من كتب بكير بن
الأشج وأخبره به عنه مخرمة ابنه، أو ابن وهب والله أعلم؛ فإن هذا
حديث انفرد به ابن وهب، لم يروه أحد غيره فيما قال جماعة من
العلماء بالحديث.
قال أبو عمر:
تحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله، ومن حديث
أبي هريرة، ومن حديث عبيد بن خالد، ومن حديث سعد هذا من
رواية مالك هذه؛ ومرسل حديث مالك هذا أقوى من مسند بعض
حدیث هؤلاء.
وأما آخر هذا الحديث قوله: مثل الصلوات الخمس کمثل نهر عذب
غمر فهو محفوظ من حديث أبي هريرة، وحديث جابر، وحديث أبي
سعيد الخدري من طرق صحاح ثابتة. ويروى: مثل الصلوات الخمس
أيضا من حديث عامر بن سعد، عن أبان بن عثمان، عن عثمان، عن
النبي وَله. وزعم أبو بكر البزار أن حديث مالك هذا كله خطأ في
٤٣٥
صفات الصلاة
قصة الأخوين، وقصة: مثل الصلوات الخمس؛ قال البزار: ولم يرو
أحد عن سعد عن النبي وَّل قوله مثل الصلوات الخمس، ولا أعلمه
من حديث سعد والله أعلم.
قال أبو عمر :
قد رواه ابن وهب كما وصفنا عن مخرمة، عن أبيه، حدثناه
عبد الرحمن بن مروان، حدثنا الحسن بن علي بن داود، حدثنا عباس
بن محمد، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، قال أخبرني
مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال:
سمعت سعدا وأناسا من أصحاب رسول الله وَ له يقولون: كان رجلان
على عهد رسول الله وَّجله أخوان، وكان احدهما أفضل من الآخر؛
فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة ثم توفي؛
فذكر لرسول الله وَل فضيلة الأول على الآخر، فقال: أولم يكن
يصلي؟ فقالوا: بلى وكان لا بأس به يا رسول الله، فقال رسول الله
وَ له: ما يدريكم ما بلغت به صلاته؟ ثم قال عند ذلك: إنما الصلاة
كمثل نهر غمر عذب بباب رجل يقتحم فيه كل يوم خمس مرات،
فماذا ترون ذلك يبقي من درنه؟ إنكم لا تدرون ما بلغت به
صلاته(١). تفرد به ابن وهب.
فأما حديث طلحة في قصة الأخوين، فحدثنا عبد الله بن محمد
ابن عبد المؤمن، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال حدثنا
(١) تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله.
فتح البر
٤٣٦٠
عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثنا أبي، قال حدثنا قتيبة بن
سعيد، قال حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهادي.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا سعيد
ابن ابي مريم، قال أخبرنا ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، قالا حدثنا
ابن الهادي، عن محمد بن ابراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين من بلي قدما على رسول الله وَله
فكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر؛ فغزا
المجتهد منهما فاستشهد، ثم مات الآخر بعده بسنة؛ قال طلحة: بينما
أنا عند باب الجنة، إذ أتي بهما، فخرج خارج من الجنة، فأذن للذي
توفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال:
ارجع، فإنك لم يأن لك بعد؛ فأصبح طلحة يحدث الناس، فعجبوا
لذلك؛ فبلغ ذلك رسول الله وَله فقال رسول الله وَله: من أي ذلك
تعجبون؟ قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم
استشهد في سبيل الله، ودخل هذا الجنة قبله، قال أليس هذا قد
مكث بعده سنة، قالوا: بلى؛ قال: وأدرك رمضان وصامه؟ قالوا:
بلى، قال: وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال
رسول الله وَله: بينهما أبعد مما بين السماء والأرض(١).
(١) حم: (١٦٣/١)، جه: (١٢٩٣/٢-٣٩٢٥/١٢٩٤)، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه:
(( هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، قال علي بن المديني وابن معين: أبو سلمة لم يسمع
من طلحة شيئا)). حب: ( الإحسان: (٢٤٨/٧-٢٩٨٢/٢٤٩).
صفات الصلاة
٤٣٧
سئل يحيى بن معين، عن حديث أبي سلمة، عن طلحة بن
عبيد الله، فقال: مرسل، لم يسمع من طلحة بن عبيد الله.
قال أبو عمر:
هو عند أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن طلحة، وسنذكره ههنا إن
شاء الله بعد هذا.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن
حمدان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا
محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن اسحق، عن محمد بن ابراهيم، عن
ابي سلمة، قال: نزل رجلان من أهل اليمن على طلحة بن عبيد الله،
فقتل أحدهما مع رسول الله وَلجلال ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم مات
على فراشه؛ فرأى طلحة بن عبيد الله أن الذي مات على فراشه دخل
الجنة قبل الآخر بحين، فذكر ذلك طلحة لرسول الله وَالجيد؛ فقال
رسول الله وَله: كم مكث بعده؟ قال: حولا، قال رسول الله وَله
على ألف وثمانمائة صلاة وصام رمضان(١).
وقد روى هذه القصة إبراهيم بن محمد بن طلحة عن جده في
ثلاثة إخوة بنحو هذا المعنى أخبرناه قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد
ابن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور، قال حدثنا محمد
ابن سنجر الجرجاني، قال حدثنا سعيد بن منصور، قال حدثنا صالح
ابن موسى بن عبيد الله بن إسحق بن طلحة عن أبيه عن إبراهيم بن
محمد بن طلحة عن جده طلحة بن عبيد الله قال: نزل علي ثلاثة
(١) حم: (١/ ١٦١-١٦٢) عن محمد بن عبيد به. وانظر الذي قبله.
فتح البر
٤٣٨
إخوة من بلي وهم من بني عذرة، فغزا رجل منهم في بعض مغازي
النبي وَلّ فقتل، وغزا الآخر بعده في بعض مغازي النبي بَّ فمات،
وبقي الآخر فمات بعدهما؛ فأريت في منامي كأنهم أحضروا باب
الجنة فبدئ بالذي مات فأدخل الجنة، ثم ثني بالذي مات في الغزو
فأدخل الجنة؛ ثم ثلث بالذي قتل في سبيل الله فأدخل الجنة؛ ثم
ذهبت لأدخل فحجبت، فأصبحت مذعورا؛ فأتيت رسول الله وَ الاله
فأخبرته، فقال: وما أذعرك يا أبا محمد؟ إن الذي مات على فراشه
أدرك من فضل العمل ما بدئ به، وأن الذي مات في سبيل الله،
أدرك من فضل العمل بعد صاحبه ما ثني به، وأن الذي قتل في سبيل
الله فأدخل الجنة بقتله في سبيل الله، وأنت فلم يحضرك أجلك
فتدخلها(١).
ولم يسمعه إبراهيم بن محمد بن طلحة من جده، بينهما عبد الله
ابن شداد .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن
حمدان، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا
وكيع، حدثنا طلحة بن يحيى، عن ابراهيم بن محمد بن طلحة، عن
عبد الله بن شداد أن نفرا من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي وَ خلال فأسلموا،
قال: فقال النبي وَخُلّ من يكفلهم؟ قال طلحة: أنا، قال: فكانوا عند
طلحة؛ فبعث النبي وَلّ بعثا، فخرج فيه أحدهم فاستشهد؛ قال: ثم
(١) حم: (١٦٣/١)، وأبو يعلى (٨/٢-٦٣٤/٩) كلاهما من طريق عبد الله بن شداد عن
طلحة. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٠٧) وقال: رواه أحمد فوصل بعضه وأرسل أوله،
ورواه أبو يعلى والبزار فقالا عن عبد الله بن شداد عن طلحة فوصلاه بنحوه ورجالهم رجال
الصحيح)).
صفات الصلاة
٤٣٩
بعث بعثا فخرج فيه آخر فاستشهد؛ قال: ثم مات الثالث على فراشه؛
قال: قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة،
فرأيت الميت على فراشه أمامهم؛ ورأيت الذي استشهد أخيرا يليه،
ورأيت الذي استشهد أولهم أخرهم؛ قال: فدخلني من ذلك؛ فأتيت
النبي ◌َ * فذكرت ذلك له، فقال رسول الله وَ له: وما أنكرت من
ذلك؟ ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه
وتکبيره وتهلیله(١).
وأما رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عن طلحة لهذا الحديث،
فحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا محمد بن بشر،
قال حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال:
جاء رجلان من بلي من قضاعة، فأسلما مع رسول الله وَالچل،
فاستشهد أحدهما وأخر الآخر بعد سنة؛ قال طلحة بن عبيد الله:
فرأيت كأني أدخلت الجنة، فرأيت المؤخر منهما دخل قبل الشهيد،
فعجبت من ذلك؛ فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله وَ ظله؛ فقال:
أليس صام بعده رمضان وصلى بعده كذا وكذا ركعة صلاة السنة؟(٢).
وروى هذا المعنى عبيد بن خالد رجل من الصحابة، عن النبي
وَ جه: حدثناه قاسم بن محمد قراءة مني عليه أن خالد بن سعد
حدثهم، قال حدثنا محمد بن فطيس، قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق،
(١) تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله.
(٢) حم: (٢/ ٣٣٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢٠٧/١٠) والمنذري في الترغيب والترهيب
(٢٤٣/١-٢٤٤) وقالا: رواه أحمد بإسناد حسن)).
فتح البر
٤٤٠
٤٤٠
قال حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن
عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن ربيعة، عن عبيد بن خالد أن النبي
وَله آخى بين رجلين، فقتل أحدهما في سبيل الله، ثم توفي الآخر
بعده، فصلوا عليه؛ فقال رسول الله وَجالو: ما قلتم عليه؟ قالوا: دعونا
الله أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه، فقال رسول الله وَ ظله: فأين
صلاته بعد صلاته؟ وصيامه بعد صيامه؟ وعمله بعد عمله؟ لما بينهما
أبعد مما بين السماء والأرض(١).
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود،
حدثنا محمد بن كثير، قال أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال:
سمعت عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن ربيعة، عن عبيد بن خالد
السلمي، قال: آخى رسول الله وَ جله بين رجلين، فقتل أحدهما ومات
الآخر بعده بجمعة ونحوها، فصلينا عليه؛ فقال رسول الله وعليه ما
قلتم له؟ قالوا: دعونا له وقلنا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه، فقال
رسول الله وَ له: فأين صلاته بعد صلاته؟ أو صومه بعد صومه؟ شك
شعبة في صومه وعمله بعد عمله؟ إن بينهما كما بين السماء
والارض(١).
قال أبو عمر :
يفسر هذا المعنى ويوضحه قوله {عَ له: خير الناس من طال عمره
وحسن عمله(٢) .
(١) حم: (٥٠٠/٣) و (٢١٩/٤)، د: (٢٥٢٤/٣٥/٣)، ن: (٣٧٧/٤ /١٩٨٤)
سـ
(٢) أخرجه من حديث أبي بكرة: حم: (٤٠/٥ و٤٣-٤٤ و٤٧ و٤٨ و٤٩ و ٥٠)، ت:
(٢٣٣٠/٤٨٩/٤) وقال ((حسن صحيح))، ك: (٣٣٩/١) وقال ((صحيح على شرط مسلم))
ووافقه الذهبي، وهق: (٣٧١/٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢٠٦/١٠)، وقال: ((رواه
الطبراني في الصغير والأوسط وإسناده جيد)). وفي الباب حديث جابر وأبي هريرة وهو
الآتي.