النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
المواقيت
فضل شهود العشاء والصبح
[١٤] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن
أبي عمرة أنه قال: جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء، فرأى أهل
المسجد قليلا، فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر الناس أن يكثروا، فأتاه
ابن أبي عمرة فجلس إليه، فسأله من هو، فأخبره، فقال له: ما معك من
القرآن؟ فأخبره، فقال عثمان: من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن
شهد الصبح فكأنما قام ليلة (١).
وهذا أيضا لا يكون مثله رأيا، ولا يدرك مثل هذا بالرأي، وقد
روي مرفوعا عن النبي وَلقيم(٢).
ورواه ابن جريج عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال:
خرج عثمان إلى العشاء الآخرة -فذكر مثل حديث مالك سواء إلى
آخره بلفظه ومعناه- موقوفا لم يرفعه. ذكره عبد الرزاق عن ابن
جريج(٣)، وكذلك رواه عن يحيى بن سعيد - موقوفا كما رواه
مالك، وابن جريج ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب الثقفي.
ورواه عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف - وهو عندهم ثقة لا
بأس به، وليس كيحيى بن سعيد في الإتقان والجلالة، عن محمد بن
إبراهيم، عن ابن أبي عمرة، عن عثمان- مرفوعا. رواه عن
عثمان بن حكيم: سفيان الثوري، وعبد الواحد بن زياد العبدي،
(١) حم: (٥٨/١ و٦٨)، م: (٦٥٦/٤٥٤/١)، د: (٥٥٥/٣٧٦/١)، ت:
(٢٢١/٤٣٣/١).
(٢) انظر الذي قبله.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (٢٠٠٩/٥٢٥/١).
:

١٦٢
فتح البر
ذكره عبد الرزاق عن الثوري، عن عثمان بن حكيم، عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان عن النبي وَجَله: من
صلى العشاء في جماعة فهو كنصف قيام ليلة، ومن صلى العشاء
والصبح في جماعة، فهو كقيام ليلة (١).
وأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو
داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسحق بن يوسف، قال حدثنا
سفيان، عن أبي سهيل، يعني عثمان بن حكيم، قال حدثنا
عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله
وَله: من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى
العشاء والفجر في جماعة، كان كقيام ليلة (٢).
هكذا في حديث عثمان بن حكيم هذا المرفوع: من صلى العشاء
والفجر في جماعة فكأنما قام ليلة.
وفي حديث يحيى بن سعيد من قول عثمان رضي الله عنه: من
شهد الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة - لم يذكر معها العشاء،
وكذلك في حديث الشفاء عن عمر بن الخطاب من قوله، ذكره مالك
عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عمر بن
الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا
إلى السوق- ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم
سليمان، فقال: لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي
فغلبته عيناه، فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح، أحب إلى من أن
أقوم ليلة(٣) .
(١) انظر تخريجه فيما قبله.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٣) رواه مالك في الموطأ (٧/١٣١/١).

١٦٣
المواقيت
هكذا رواه مالك، وخالفه معمر في إسناده، والقول في ذلك قول
مالك- والله أعلم.
ورواه أبو حفص الأبار، عن يحيى بن سعيد- مرفوعا، إلا أنه
جعل في موضع العشاء الصبح، وفي موضع الصبح العشاء، حدثناه
أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أحمد بن الحسن
الصيرفي، حدثنا أبو الربيع الزهراني: عن عمر بن عبد الرحمن
الأبار، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله
وَليلة: صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام ليلة، وصلاة الصبح في
جماعة تعدل قيام نصف ليلة (١).
ذكر عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سليمان بن أبي
حثمة، عن الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل علي بيتي عمر بن
الخطاب، فوجد عندي رجلين نائمين، فقال: ما شأن هذين؟ أما شهدا
معنا الصلاة؟ قالت: يا أمير المومنين، صليا مع الناس - وكان ذلك
في رمضان، فلم يزالا يصليان حتى أصبحا، ثم صليا الصبح ثم ناما،
فقال عمر: لأن أصلي الصبح في جماعة، أحب إلي من أن أصلي
ليلة حتى أصبح(٢).
ليس في هذا الحديث حكم، وإنما فيه فضل صلاة الفريضة في
جماعة، وزعم بعض الناس أن فيه دليلا على جواز صلاة الرجل
وحده - وإن كانت مفضولة، وليس ذلك بالبين في هذا الحديث، لأنه
يجوز أن يكون صلاها بعد كالفائتة، وقد مضى القول في هذه
المسألة.
(١) تقدم في حديث الباب لكن وقع هنا مقلوبا.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠١١/٥٢٦/١).

١٦٤
فتح البر
العناية بصلاة العشاء والاستعداد لصلاة الصبح
[١٥] مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول: يكره النوم قبل العشاء
والحديث بعدها(١).
وهذا وإن لم يكن فيه ذكر النبي وَ ل وكان على ذكر من لم يسم
فاعله، فإنه مروي عن النبي ◌َّجُلّ مشهور محفوظ عند أهل الحديث من
حديث أبي برزة الأسلمي(١)، وغيره.
حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا هوذة بن خليفة، قال حدثنا عوف،
عن أبي المنهال، قال: انطلقت إلى أبي برزة الأسلمي في حديث ذكره
فيه طول: قال: وقلت له: حدثنا كيف كان رسول الله 3َ * يصلي
المكتوبة؟ فذكر الحديث. قال: وكان يستحب ان تؤخر العشاء التي
تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها(٢). وذكر تمام
الحدیث .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، وحدثنا محمد بن إبراهيم،
قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا
محمد بن بشار، قالا جميعا أخبرنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا
(١) أخرجه متصلا من حديث أبي برزة: خ: (٥٦٨/٦٢/٢)، م: (٦٤٧/٤٤٧/١)،
د: (٣٩٨/٢٨١/١)، ت: (١٦٨/٣١٢/١)، ن: (٥٢٩/٢٨٦/١)، جه:
(٧٠١/٢٢٩/١).
(٢) انظر الذي قبله.

المواقيت
١٦٥
عوف، قال حدثني أبو المنهال سيار بن سلامة، عن أبي برزة، قال:
كان رسول الله وَّجله ينهى عن النوم قبلها والحديث بعدها (١) - يعني
العشاء الآخرة. وهذا لفظ حديث عبد الوارث، وحديث محمد بن
إبراهيم أتم. وروي من حديث علي، عن النبي وَّ قال: مررت ليلة
أسري بي، فإذا بقوم تضرب رؤوسهم بالصخر، فقلت: يا جبريل،
من هؤلاء؟ فقال: يا محمد من أمتك، قلت: وما حالهم؟ قال: كانوا
ينامون عن العشاء الآخرة. وهذا الحديث وإن كان إسناده عن علي
ضعيفا، فإن في حديث أبي برزة ما يقويه، ولكن معناه -عندي-
يوضح انهم كانوا ينامون عنها ولا يصلونها - والله أعلم.
وعلى هذا حمل الطحاوي قوله {وَ ل فيمن نام ليله كله حتى
أصبح، ذلك الرجل بال الشيطان في أذنه. قال: هذا -والله أعلم-
على أنه نام عن صلاة العشاء فلم يصلها حتى انقضى الليل كله.
واختلف العلماء في هذا الباب: فقال مالك: أكره النوم قبل صلاة
العشاء الآخرة، وأكره الحديث بعدها، وذكر أنه بلغه عن سعيد بن
المسيب- ما ذكرنا في هذا الباب عنه، وذكر ايضا في الموطأ أنه بلغه أن
عائشة زوج النبي وسلو كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول:
ألا تريحون الكتاب.
ومذهب الشافعي في هذا الباب كمذهب مالك سواء.
وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال حدثنا اسماعيل بن
عبد الملك عن مجاهد قال: لأن أصليها وحدي أحب إلي من أن أنام
قبلها ثم أصليها في جماعة. قال محمد: وبه نأخذ نكره النوم قبل
صلاة العشاء، ولم يحك عن أحد من أصحابه خلافا .
(١) انظر حديث الباب.

فتح البر
١٦٦
وقال الثوري: ما يعجبني النوم قبلها .
وقال الليث: قول عمر بن الخطاب فيمن رقد بعد المغرب فلا أرقد
الله عينه، إنما ذلك قبل ثلث الليل الأول.
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبيد بن
آدم، حدثنا ثابت بن نعيم، حدثنا آدم، حدثنا شعبة قال: سألت
الحكم عن النوم قبل صلاة العشاء في رمضان فقال: كانوا ينامون قبل
صلاة العشاء. وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم، عن الأسود أنه
كان يقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلتين وينام ما بين المغرب
والعشاء.
وروي عن ابن عمر أنه كان يرقد قبل صلاة العشاء- ويوكل من
يوقظه، وروي أنه ما كانت نومة أحب إلى علي -رضي الله عنه- من
نومه بعد العشاء قبل العشاء.
قال الطحاوي: يحتمل أن تكون الكراهية عن النوم بعد دخول
وقت العشاء قبل العشاء، والاباحة قبل دخول وقتها.
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكريا بن
أعين ببيت المقدس، حدثنا إبراهيم بن معاوية القيسراني، حدثنا محمد
ابن يوسف الفرياني، حدثنا مسعر بن كدام، عن منصور، عن
خيثمة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: لا سمر بعد
العشاء إلا لمصل أو مسافر (١).
(١) حم: (٣٧٩/١ و٤١٢ و٤٤٤ و٤٦٣)، عبد الرزاق في المصنف (٢١٣٠/٥٦١/١)،
البيهقي (٤٥٢/١)، وأورده الهيثمي في المجمع (٣١٩/١) وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى
والطبراني في الكبير والأوسط فأما أحمد وأبو يعلى فقالا عن خيثمة عن رجل عن ابن
مسعود، وقال الطبراني عن خيثمة عن زياد بن حدير، ورجال الجميع ثقات، وعند أحمد
في رواية عن خيثمة عن عبد الله بإسقاط الرجل))

١٦٧.
المواقيت
تعظيم أمر الصلاة والعناية بها
[١٦] مالك، عن يحيى بن سعيد أنه قال: إن الرجل ليصلي الصلاة- وما فاتته،
ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله.
وهذا موقوف في الموطأ، ويستحيل أن يكون مثله رأيا، فكيف وقد
روي مرفوعا بإسناد ليس بالقوي.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ، قال حدثنا عبيد الله بن
محمد بن حبابة ببغداد، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
البغوي، قال حدثني جدي، قال حدثنا يعقوب بن الوليد، عن ابن
أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: إن
أحدكم ليصلي الصلاة وما فاته من وقتها أشد عليه من أهله وماله(١).
وهذا يدل على أن أول الوقت أفضل، وكان مالك- فيما حكى ابن
القاسم عنه لا يعجبه قول یحیی بن سعيد هذا.
قال أبو عمر:
أظن ذلك -والله أعلم- من أجل قوله وَله: ما بين هذين وقت(٢).
فجعل أول الوقت وآخره وقتا، ولم يقل: إن أوله أفضل، والذي
يصح -عندي- من ترك مالك الاعجاب بهذا الحديث، لأن فيه وما
فاته من وقتها أفضل من أهله وماله أو أشد عليه من ذهاب أهله
وماله. وهذا اللفظ قد ثبت عن النبي بَجلال أنه قال فيمن فاتته صلاة
(١) قط: (٢٤٨/١) وسكت عنه الزيلعي في نصب الراية (٢٤٤/١)
(٢) سبق تخريجه: في الباب الأول من المواقيت.

فتح البر
١٦٨
العصر فوتا عند أهل العلم- كليا حتى يخرج وقتها كله، ولا يدرك
منها ركعة قبل الغروب، وهذا المعنى يعارض ظاهر قوله في هذا
الحديث: وما فاتته ولما فاته من وقتها، لأن قوله فاته وقتها غير قوله
فاته من وقتها، فكأن مالكا- رحمه الله- لم ير أن بين أول الوقت
ووسطه وآخره من الفضل ما يشبه مصيبة من فاته ذلك بمصيبة من
ذهب أهله وماله، لأن ذلك إنما ورد في ذهاب الوقت كله. هذا عندي
معنى قول مالك- والله أعلم، لأن في هذا الحديث أن فوات بعض
الوقت كفوات الوقت كله، وهذا لا يقوله أحد من العلماء لا من
فضل أول الوقت على آخره ولا من سوى بينهما، لأن فوت بعض
الوقت مباح، وفوت الوقت كله لا يجوز، وفاعله عاص لله- إذا
تعمد ذلك، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره، وإن كان
من صلى في أول الوقت أفضل منه، وتدبر هذا تجده كذلك- ان
شاء الله .
قال أبو عمر:
من فضل أول الوقت فله دلائل وحجج قد ذكرناها في مواضع
من هذا الكتاب- والحمد لله، وهذا الحديث من أحسنها، والوجه فيه
أنه غير معارض لحديث ابن عمر، لأن الاشارة في حديث هذا الباب
إلى تفضيل أول الوقت وتعظيم عمل الصلاة والبدار إليها فيه،
والتحقير للدنيا، يقول: إن من ترك الصلاة إلى آخر وقتها- وهو
قادر- على فعلها، فقد ترك من الفضل وعظيم الأجر ما هو أعظم
وأفضل من أهله وماله، لأن قليل الثواب في الآخرة فوق ما يؤتى
المرء في الدنيا من الأهل والمال، ولموضع سوط في الجنة، خير من

المواقيت
١٦٩
الدنيا وما فيها(١)، ويدلك على ما ذكرنا حديث العلاء عن أنس
مرفوعا: تلك صلاة المنافقين (٢)- يعيب تارك العصر إلى اصفرار
الشمس من غير عذر، وحكم صلاة الصبح وصلاة العشاء كحكم
صلاة العصر عند العلماء، لأنها لا تشترك مع غيرها بعدها، فحديث
هذا الباب ورد في تفضيل الصلاة- لأول وقتها على ما ذكرنا، لا أن
فاعل ذلك كمن وتر أهله وماله- والله أعلم.
وقد مضى القول في معنى قوله -عليه الصلاة والسلام -: من فاتته
صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله- في باب نافع من كتابنا هذا-
والحمد لله .
قرأت على عبد الوارث بن سفيان- أن قاسم بن أصبغ حدثهم،
قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، قال حدثنا محمد بن بشار،
قال حدثنا عثمان بن عمر، قال حدثنا مالك بن مغول، عن الوليد بن
العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله، قال: سألت رسول
الله وَله: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها(٣).
(١) قد سبق تخريج هذا مرفوعا في العقيدة.
(٢) سيأتي في بابه من هذا الكتاب.
(٣) خ: (٥٢٧/١١/٢) من طريق شعبة عن الوليد بن العيزاربه، بلفظ (( الصلاة على وقتها))
خ: (٢٧٨٢/٤/٦)، من طريق محمد بن سابق عن مالك بن مغول به ولفظه: « الصلاة
على ميقاتها)). وأخرجه من طريق عثمان بن عمر عن مالك بن مغول به: ابن خزيمة
(٣٢٧/١٦٩/١)، حب: (الإحسان: ٣٣٩/٤ و١٤٧٥/٣٤٣ و١٤٧٩)، هق:
(٤٣٤/١)، ك: (١٨٨/١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي. ولفظ الحديث: ((الصلاة في أول وقتها)) قال ابن حبان تفرد به عثمان بن عمر،
وزاد ابن حجر في الفتح (١٢/٢): ((والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة كذا
أخرجه المصنف وغيره)) قلت: يعني البخاري.

فتح البر
١٧٠
قال: وحدثنا عثمان بن عمر، قال حدثنا المسعودي، عن عبد الملك
ابن عمير، عن أبي حثمة، عن الشفا: أن رسول الله وَله: قال:
أفضل العمل الصلاة على أول وقتها.
قال: وحدثنا عثمان بن عمر، قال حدثنا عبيد الله بن عمر، عن
القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته عن أم فروة- أنها سألت رسول الله
وَله: أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها.
وروى الليث بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن
غنام، عن جدته الدنيا، عن جدته القصوى: أم فروة- وكانت من
المبايعات- أن النبي وَجُل سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة
لأول وقتها(١).
وهذه الآثار قد عارضها من صحيح الآثار ما هو مذكور في موضعه
من هذا الكتاب- إن شاء الله.
(١) انظر باب وقت صلاة الصبح.

المواقيت
١٧١
ما جاء في النوم عن الصلاة
[١٧] مالك، عن زيد بن أسلم أنه قال: عرس رسول الله وَ لآه ليلة بطريق
مكة، ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا، حتى
استيقظوا- وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم وقد فزعوا،
فأمرهم رسول الله وَجلال أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال:
إن هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم
رسول الله ◌ُّله أن ينزلوا وأن يتوضأوا، وأمر بلالا أن ينادي بالصلاة أو
يقيم، فصلى رسول الله وَّ له بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من
فزعهم، فقال: يا أيها الناس، إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا
في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، فليصلها كما
كان يصليها في وقتها، ثم التفت رسول الله وَخلاله إلى أبي بكر فقال: إن
الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه، فلم يزل يهدئه كما يهدأ
الصبي حتى نام، ثم دعا رسول الله وح له بلالا، فأخبر بلال رسول الله وَاه
مثل الذي أخبر رسول الله وَّ له أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك
رسول الله.
هكذا هذا الحديث في الموطآت لم يسنده عن زيد أحد من رواة
الموطأ، وقد جاء معناه متصلا مسندا من وجوه صحاح ثابتة في نومه
وَالله عن صلاة الصبح في سفره، روى ذلك جماعة من الصحابة،
وأظنها قصة، لم تعرض له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار- والله
أعلم، إلا أن بعضها فيه مرجعه من خيبر، كذا قال ابن شهاب عن
سعيد بن المسيب في حديثه هذا(١)، وهو أقوى ما يروى في ذلك،
(١) سيأتي تخريجه في الباب الذي بعده.

فتح البر
١٧٢
وهو الصحيح - ان شاء الله. وقول زيد بن أسلم في حديثه هذا بطريق
مكة، ليس بمخالف، لأن طريق خيبر وطريق مكة من المدينة، يشبه أن
يكون واحدا، وربما جعلته القوافل واحدا. وحديث زيد بن أسلم هذا
مرسل، وليس مما يعارض حديث ابن شهاب، وفي حديث ابن
مسعود: من يوقظنا؟ فقلت أنا أوقظكم(١). وليس في ذلك دليل على
أنها غير قصة بلال، لأنه لم يقل له أيقظنا، ويحتمل أن لا يجيبه إلى
ذلك ويأمر بلالا. وقال ابن مسعود في هذا الحديث -زمن الحديبية-
وهو زمن واحد، في عام واحد، لأنه منصرفه من الحديبية، مضى إلى
خيبر من عامه ذلك، ففتحها الله عليه، وفي الحديبية نزلت ﴿ وَعَدَكُمُ
اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٌ﴾ [الفتح: (٢٠)]. يعني خيبر، وكذلك قسمها رسول الله
وَلخير على أهل الحديبية. وروى خالد بن سمير، عن عبد الله بن
رباح، عن أبي قتادة في هذا الحديث، انه كان في جيش الامراء(٢).
وهذا وهم عند الجميع، لأن جيش الامراء كان في غزاة مؤتة،
وكانت سرية لم يشهدها رسول الله وَ له، كان الامير عليها زيد بن
(١) حم: (٣٦٤/١ و٣٨٦ و٣٩١ و٤٥٠)، د: (٤٤٧/٣٠٩/١)،
حب: (الإحسان (٤٤٩/٤- ١٥٨٠/٤٥٠)، وذكره الهيثمي في المجمع (٣٢٤/١) وقال:
((قلت له حديث عند أبي داود غير هذا رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وأبو يعلى
باختصار عنهم وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط في آخر عمره))، ثم ذكر
رواية أخرى لابن مسعود عند أحمد والبزار وقال:
((رجاله موثقون وليس فيه المسعودي)»
(٢) د: (٤٣٨/٣٠٦/١)، وخالد بن سمير قال فيه الحافظ في التقريب: ((صدوق يهم قليلا))
وتابعه سليمان التيمي عن عبد الله بن رباح: انظر الحديث الذي بعده.

المواقيت
١٧٣
حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، وفيها قتلوا-
رحمهم الله.
وقد روى هذا الحديث ثابت البناني، وسليمان التيمي، عن عبد الله
ابن رباح(١)- على غير ما رواه خالد بن سمير، وما قالوه فهو عند
العلماء الصواب، دون ما قاله خالد بن سمير. وقد قال عطاء بن يسار
أنها كانت غزوة تبوك، وهذا لا يصح، والآثار الصحاح على خلاف
قوله مسندة ثابتة، وقوله مرسل، ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج،
قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، أنها غزوة تبوك،
وأن النبي ◌َّ أمر بلالا فأذن في مضجعه ذلك بالأولى، ثم مشوا
قليلا، ثم أقام فصلوا الصبح(٢). وسنذكر في هذا الباب جميع هذه
الآثار- إن شاء الله. ونومه وَل في ذلك الوقت عن صلاة الصبح
حتى طلعت الشمس، أمر خارج -والله أعلم- عن عادته وطباعه،
وطباع الأنبياء قبله، وأظن الانبياء مخصوصين بأن تنام أعينهم ولا تنام
قلوبهم- على ما روي عنه وَلَهُ(٣)، وإنما كان نومه ذلك، ليكون سنة-
والله أعلم، وليعلم المؤمنون كيف حكم من نام عن الصلاة أو نسيها
حتى يخرج وقتها، وهو من باب قوله عليه السلام: إني لأنسى أو
(١) م: (١/ ٦٨١/٤٧٢)، د: (٣٠٤/١-٤٣٧/٣٠٥)، ت: (١٧٧/٣٣٤/١) ن:
(٦١٦/٣٢١/١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٢٣٩/٥٨٨/١) بلفظ: ((نام رسول الله وَظهر فلم يستيقظ
إلا لحر الشمس فسار حتى جاز الوادي، وقال: لا نصلي حيث أنسانا الشيطان، قال: فصلى
رکیتین وأمر بلالا فأذن وأقام فصلى. » والحديث مرسل.
(٣) انظر ما بعده.

فتح البر
١٧٤
أنسى لأسن(١). والذي كانت عليه جبلته وعادته وعَ لّ، أن لا يخامر
النوم قلبه، ولا يخالط نفسه، وإنما كانت تنام عينه، وقد ثبت عنه أنه
قال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٢). وهذا على العموم، لأنه جاء
عنه وَّل: إنا معشر الانبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا(٣). ولا يجوز
أن يكون مخصوصا بذلك، لأنها خصلة، لم يعدها في الست التي
أوتيها ولم يؤتها أحد قبله من الانبياء، فلما أراد الله منه ما أراد، ليبين
لأمته وَلّة، قبض روحه وروح من معه في نومهم ذلك، وصرفها
إليهم بعد طلوع الشمس، ليبين لهم مراده على لسان رسول الله وَ له
وعلى هذا التأويل جماعة أهل الفقه والأثر، وهو واضح، والمخالف
فيه مبتدع، وللكلام عليه موضع غير هذا، وبالله تعالى التوفيق.
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا الحسن بن الخضر
الأسيوطي، وحدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن
معاوية، قالا جميعا: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، قال: أخبرنا
قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، انه أخبره أنه سأل عائشة أم المؤمنين كيف
كانت صلاة رسول الله وَخلال في رمضان؟ فذكر الحديث. وفيه قالت
عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٤). وأما قوله في هذا الحديث:
عرس رسول الله وَّ له فلا خلاف علمته بين أهل اللغة، أن التعريس
نزول المسافرين في آخر الليل، ولا يقال لمن نزل أول الليل: عرس.
(١) هذا من بلاغات مالك التي لم تأتي مسندة ولا مرسلة: انظر كتاب النبوة والوحي
(٢)، (٣) و (٤) خ: (١١٤٧/٤١/٣)، م: (٧٣٨/٥٠٩/١)، د: (٨٦/٢ - ٨٧ / ١٣٤١)،
ت: (٣٠٢/٢-٤٣٩/٣٠٣)، ن: (٣ / ٢٦٠/ ١٦٩٦)

١٧٥
المواقيت
وأما قوله يهدئه كما يهدأ الصبي، فمعناه يسكنه ويعلله حتى نام،
روى أهل الحديث هذه اللفظة بترك الهمز، وأصلها الهمز عند أهل
اللغة. قال إبراهيم بن هرمة:
خود تعاطیك بعد رقدتها إذا تلاقى العیون مهدؤها
ومنه الحديث: إياكم والسمر بعد هدأة الرجل(١). وفي فزع
أصحاب رسول الله وَل حين انتبهوا لما فاتهم من صلاتهم، أوضح
الدلائل على ما كان القوم عليه من الوجل والاشفاق والخوف لربهم،
وأظنهم -والله أعلم- لم يكونوا علموا أن القلم مرفوع عن النائم،
وأن الاثم عنه ساقط، لأنهم بعث إليهم وهم لا يعلمون شيئا،
فعرفهم رسول الله وَ لّ أن الاثم عن النائم والناسى ساقط، وأن
الصلاة غير ساقطة، وأنه يلزمه فعلها متى انتبه وذكرها. وقد ظن
بعض الناس أن فزعهم كان لخوف عدوهم، وليس في شيء من الآثار
ما يدل على ذلك، ولا يعرف أهل السير، ان منصرفه من خيبر، أو
من حدیبیة، كان انصراف خائف.
وفي هذا الحديث لمن تدبره، ما يبين به تأويلنا، لأن فيه: ثم
انصرف رسول الله وَل إليهم وقد رأى من فزعهم فقال يا أيها الناس،
إن الله قبض أرواحنا- الحديث. فآنسهم رسول الله وَلّ، وأخبرهم أن
من نام عن الصلاة أو نسيها، قضاها إذا انتبه أو ذكر. وقال لهم عند
(١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٢١٣٩/٥٦٣/١) عن رجل من بني سلمة يرفعه إلى النبي
وَالر، ك: (٢٨٤/٤) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن جابر بن عبد الله
وقال: ((صحيح على شرط مسلم)» ووافقه الذهبي. قلت: ومحمد بن عجلان صدوق كما
قال الحافظ في التقريب.

فتح البر
١٧٦
ذلك في حديث أبي قتادة: ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في
اليقظة لمن لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى(١)، وقد قام
رسول الله وَّله حين كسفت الشمس إلى الصلاة فزعا، يجر ثوبه-
رواه أبو بكرة وغيره(٢). وذلك خوف لربه، وشفقة من قيام
الساعة .
(١) سبق تخريجه في باب: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك
الصبح.
(٢) خ: (١٠٦٣/٦٩٦/٢)، ن: (١٤٦٣/١٤٤/٣).

١٧٧
المواقيت
باب منه
[١٨] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، إن رسول الله وَاجله حين
قفل من خیبر أسری، حتی إذا کان من آخر اللیل عرس، وقال لبلال:
اکلا لنا الصبح، ونام رسول الله گآگلا وأصحابه، و کلا بلال ما قدر له، ثم
استند إلى راحلته- وهو مقابل الفجر، فغلبته عيناه، فلم يستيقظ
رسول الله وَجُله، ولا بلال، ولا أحد من الركب، حتى ضربتهم الشمس،
ففزع رسول الله وَ لے، فقال بلال: يا رسول الله، اخذ بنفسى الذي اخذ
بنفسك. فقال رسول الله وَ له: اقتادوا، فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا، ثم
امر رسول الله څټ بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، ثم قال: حین
قضى الصلاة: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تبارك وتعالى
يقول: ((واقم الصلاة لذكرى)) (١). [طه - ١٤]
هكذا روى هذا الحديث عن مالك مرسلا- جماعة رواة الموطأ عنه،
لا خلاف بينهم في ذلك، وكذلك رواه سفيان بن عيينة، ومعمر - في
رواية عبد الرزاق عنه عن الزهري - مرسلا، كما رواه مالك(٢).
وقد وصله أبان العطار عن معمر، ووصله الأوزاعي أيضا،
ويونس، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعبد الرزاق أثبت
في معمر من أبان العطار.
وقد وصله محمد بن إسحق عن الزهري - فیما حدثنا به أحمد بن
محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا الحسن بن علي
الرافقي، حدثنا أبو شعیب صالح بن زياد السوسي بالرقة، حدثنا
(١) أخرجه البغوي في شرح السنة: (٤٣٧/٣٠٥/٢)، وعبد الرزاق في المصنف
(٢٢٣٧/٥٨٧/١) عن سعيد بن المسيب مرسلا.
(٢) انظر تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
١٧٨
يعلى، عن محمد بن إسحق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله وَ ظله من خيبر، حتى إذا كان
ببعض الطريق، أراد التعريس من آخر الليل، فاضطجع رسول الله
وَله، وأسند بلال ظهره إلى بعيره فاستقبل الشرق، فغلبته عينه فنام،
فلم يوقظه الا الشمس، فكان أولهم رفع رأسه- رسول الله وَلا قال:
ماذا صنعت بنا يا بلال؟ قال: اخذ بنفسي يا رسول الله، الذي اخذ
بنفسك؟ فقال: صدقت، فاقتاد غير كبير، فتوضأ وتوضأ الناس، ثم
صلى الصبح، ثم اقبل عليهم فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا
ذكرتموها، فإن الله تعالى يقول: ((اقم الصلاة لذكرى)) (١). [طه - ١٤]
وأما حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَل حين قفل من خيبر، سار
ليله حتى إذا أدركه الكرى، عرس وقال لبلال: اكلأ لنا الصبح-
وساق الحديث بتمامه إلى آخره(٢). قال يونس: وسمعت ابن شهاب
يقرؤها للذكرى.
ووصل من هذا الحديث ابن عيينة ومعمر، عن الزهري، عن
سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي وَ ل قوله: من نسي صلاة فليصلها
إذا ذكرها، فان الله عز وجل يقول: ((اقم الصلاة لذكرى))(٣). [طه - ١٤]
وقد روي عن النبي بَّ في نومه عن الصلاة في السفر - آثار كثيرة
من وجوه شتى، رواها عنه جماعة من أصحابه، منهم: ابن مسعود،
(١) و (٢): حم: (٤٢٨/٢-٤٢٩)، م: (١/ ٤٧١ /٦٨٠)، د: (٤٣٥/٣٠٢/١)، ن:
(٣٢٢/١-٦١٧/٣٢٤ و٦١٨ و٦٢٢)، جه: (٦٩٧/٢٢٧/١)، هق: (٢١٧/٢) و
(٤٠٣/١)، حب: ( الإحسان ١٤٥٩/٣١٦/٤) و (٢٠٦٩/٤٢٢/٥)
(١) انظر الذي قبله .. ٧

١٧٩
المواقيت
وأبو مسعود، وأبو قتادة، وذو مخبر الحبشى، وعمران بن حصين،
وأبو هريرة، وقد ذكرناها في باب زيد بن أسلم.
وبعضهم ذكر أنه أذن وأقام، ولم يذكر ذلك بعضهم. وبعضهم ذكر
أنه رکی رکعتي الفجر، وبعضهم لم یذکر ذلك.
والحجة في قول من ذكر، لا في قول من قصر. وقد ذكرنا ذلك
كله وما للعلماء فيه- في باب مرسل زيد بن أسلم، فلا معنى لاعادة
شيء من ذلك ههنا. وقول ابن شهاب في هذا الحديث عن سعيد بن
المسيب: أن رسول الله وَله حين قفل من خيبر أصح من قول من
قال: ان ذلك كان مرجعه من حنين، لأن ابن شهاب أعلم الناس
بالسير والمغازى، وكذلك سعيد بن المسيب، ولا يقاس بهما المخالف
لهما في ذلك. وكذلك ذكر ابن إسحق وأهل السير، أن نومه عن
الصلاة في سفره كان في حين قفوله من خيبر، وقد اختلف عن مالك
في ذلك، فروي عنه في هذا الحديث حين قفل من خيبر. والقفول:
الرجوع من السفر، ولا يقال قفل إذا سافر مبتدئا. قال صاحب
العين: قفل الجند قفولا وقفلا- إذا رجعوا، وقفلتهم أنا أيضا هكذا-
على وزن ضربتهم، وهم القفل.
وفيه أيضا خروج الامام بنفسه في الغزوات، وذلك سنة. وكذلك
ارساله السرايا، كل ذلك سنة مسنونة. وأما قوله: أسرى، ففيه
لغتان: سرى وأسرى، قال الله عز وجل: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: (١)]. فهذا رباعي. وقال امرؤ القيس:
وحتی الجیاد ما یقدن بأرسان
سریت بهم حتی تکل مطیهم

فتح البر
__ ١٨٠
وهذا ثلاثي، وقرىء ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ [طه: (٧٧)]. بالوصل والقطع
على الثلاثي والرباعي جميعاً. وقال النابغة:
أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجى الشمال عليه جامد البرد
فجمع بين اللغتين، والسرى: مشي الليل وسيره، وهي لفظة
مؤنثة، قال الشاعر :
وقد جد شوق مطمع في وصالك
ولیل وصلنا بین قطریه بالسری
أعدن الطريق النهج وعر المسالك
أربت علینا من دجاه حنادس
وقال غيره :
يفوت الغنى من لا ينام عن السرى وآخر يأتي رزقه وهو نائم
ولا يقال لمشي النهار سرى، ومنه المثل السائر: عند الصباح يحمد
القوم السرى.
فأما قوله: حتى إذا كان من آخر الليل عرس، فالتعريس: النزول
في آخر الليل كما في الحديث، ولا تسمى العرب نزول أول الليل
تعريسا، كذلك قال أهل اللغة. وكذلك في حديث عطاء بن أبي رباح
الذي ذكرناه: حتى إذا كان آخر الليل نزلوا للتعريس. فكلهم قال آخر
الليل، وهو المعروف عند العرب. وأما قوله اكلأ لنا الصبح، فمعناه:
ارقب لنا الصبح، واحفظ علينا وقت صلاتنا. وأصل الكلاءة الحفظ
والرعاية والمنع، وهي كلمة مهموزة، منها قوله عز وجل: ﴿ قُلّ مَنْ
يَكْلَؤُكُمْ بِالَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنْ﴾ [الأنبياء: (٤٢)]. ومنها قول ابن
هرمة :
ان سلیمی- والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها
وفي هذا الحديث أيضا، اباحة الاستخدام بالصاحب في السفر-
وإن كان حرا، لأن بلالا كان في ذلك الوقت حرا، كان أبو بكر
اشتراه بمكة فأعتقه وله ولاؤه، وذلك قبل الهجرة.