النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
المواقيت
فهذا الحديث يبيح الصلاة في حين الطلوع، والغروب، لمن ذكر
صلاة بعد نسيان، أوغفلة، أو تفريط.
ويؤيد هذا الظاهر أيضا قوله عَّة: من نام عن صلاة أو نسيها
فليصلها اذا ذكرها(١). ولم يخص وقتا من وقت، فذلك على كل
حال وقت لمن نام، أو نسي.
حدثنا احمد بن قاسم بن عبد الرحمن، وعبد الوارث بن سفيان،
قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة،
قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة
عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة: أن النبي ◌َُّ قال: ((من
صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وطلعت فليصل اليها
اخرى(٢)» .
وهذا نص في ابطال قول أبي حنيفة، ومن تابعه.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن
بكر بن داسة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمد بن كثير،
قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي عَّه قال:
من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك(٣).
ولا وجه لقول من ادعى النسخ في هذا الباب، لأن النسخ إنما
يكون فيما يتعارض، ويتضاد، ولو جاز لقائل أن يقول: إن نهيه عن
الصلاة في تلك الأوقات ناسخ لقوله: من أدرك ركعة من الصبح قبل
أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم: (٣٤٧/٢ و٤٨٩ و٥٢١)، هق: (٣٧٩/١)، ك: (٢٧٤/١) وصححه ووافقه
الذهبي، وابن خزيمة في صحيحه (٩٨٦/٩٤/٢).
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
١٢٢
أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وناسخ لقوله: من نام عن
صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ولا يأتي على ذلك بدليل لا
معارض له لجاز لقائل أن يقول: إن هذين الحديثين قد نسخا نهيه عن
الصلاة في تلك الأوقات، وهذا لا يجوز لأحد أن يدعى النسخ فيما
ثبت بالإجماع، وبدليل لا معارض له، فلهذا صح قول من قال: إن
النهي انما ورد في النوافل دون الفرائض ليصح استعمال الاثار كلها،
ولا يدفع بعضها ببعض، وقد أمكن استعمالها .
ألا ترى أنه عَّه لو قال في مجلس واحد: لا صلاة بعد العصر،
ولا بعد الصبح، ولا عند طلوع الشمس، وعند استوائها، وغروبها،
إلا من نسي صلاة وجبت عليه، أو نام عنها، ثم فزع إليها لم يكن
في هذا الكلام تناقض، ولا تعارض، وكذلك هو اذا ورد هذا اللفظ
في حديثين لا فرق بينه وبين أن يرد في حديث واحد، ولا فرق أن
یکون ذلك في وقت أو وقتین.
فمن حمل قوله عَّه: من أدرك ركعة من العصر، أو الصبح، قبل
الطلوع، والغروب، فقد أدرك، على الفرائض، ورتبه على ذلك،
وجعل نهيه عن الصلوات في تلك الأوقات مرتبا على النوافل، فقد
استعمل جميع الآثار، والسنن، ولم ينسب إليه أنه رد سنة من سنن
رسول الله ئه .
وعلى هذا التأويل في هذه الآثار عامة علماء الحجاز، وفقهاؤهم،
وجميع أهل الاثر.
وهذا أصل عظيم جسيم في ترتيب السنن والآثار، فتدبره، وقف
علیه، ورد کل ما يرد عليك من بابه إليه.
ومن قبيح غلطهم في ادعائهم النسخ في هذا الباب أنهم أجازوا لمن
غفل، أو نام عن عصر يومه أن يصليها في الوقت المنهي عنه، فلم

١٢٣
المواقيت
يقووا أصلهم في النسخ، ولا فرق بين عصر يومه، وغير يومه في
نظر، ولا أثر.
ولو صح النسخ دخل فيه عصر يومه، وغير يومه، وفي قولهم هذا
إقرار منهم بالخصوص في أحاديث النهي، والخصوص أن يقتصر بها
على التطوع دون ما عداه من الصلوات المنسيات المكتوبات.
هذا قول مالك، وأصحابه، وزاد الشافعي وأصحابه المسنونات.
وأما قولهم: إن رسول الله عَّه أخر الفائتة حين انتبه عند طلوع
الشمس فليس كما ظنوا، لأنا قد روينا أنهم لم ينتبهوا يومئذ إلا لحر
الشمس، والشمس لا تكون لها حرارة إلا في وقت تحل فيه الصلاة ان
شاء الله.
أخبرنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال:
حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير بن
مطعم عن أبيه أن رسول الله عَّه، كان في سفر، فقال: من يكلؤنا
الليلة لا نرقد عن صلاة الفجر؟ فقال بلال: أنا، فاستقبل مطلع
الشمس فضرب على آذانهم حتى أيقظهم حر الشمس، ثم قاموا،
فقادوا ركابهم، فتوضأوا، ثم أذن بلال، ثم صلوا ركعتي الفجر، ثم
صلوا الفجر (١).
وسنذكر أحاديث النوم عن الصلاة في باب مرسل زيد بن أسلم،
وباب ابن شهاب، عن ابن المسيب ان شاء الله.
(١) حم: (٨١/٤)، ن: (١ /٣٢٤ -٦٢٣/٣٢٥)، وللحديث شواهد سيأتي تخريجها في باب
ما جاء في النوم عن الصلاة.

فتح البر
١٢٤
ونذكر أحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها
واستوائها، في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي،
ونبين معناها عند العلماء.
ونذكر حديث نهيه عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر في باب
محمد بن يحيى بن حبان، ونذكر أحاديث النوم عن الصلاة في باب
مرسل زيد بن أسلم، ونورد في كل باب من هذه الابواب ما للعلماء
في ذلك من المذاهب، والتنازع، إن شاء الله.

المواقيت
١٢٥
ما جاء فى الإبراد بالصلاة
[٧] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وَ له قال: إن
شدة الحر من فيح جهنم، فاذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، وقال: اشتكت
النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين في كل
عام: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف.
قال أبو عمر:
هذا الحديث يتصل من وجوه كثيرة ثابتة، منها: حديث مالك عن
عبد الله بن يزيد مولى الاسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة (١)،
عن النبي وَلله ومن حديثه أيضا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة، عن النبي ◌َّ إلا أنه ليس في حديثه عن أبي الزناد قوله:
اشتکت النار الى آخر الحديث.
رواه عن أبي هريرة جماعة، منهم: همام بن منبه، وأبو صالح
السمان، والاعرج، وأبو سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي
رباح، وغيرهم.
وقد رواه عن النبي وَيُّ جماعة من الصحابة، منهم: أبو ذر(٢)،
وأبو موسى الأشعرى(٣)، وهو حديث صحيح مشهور، فلا معنى
(١) سيأتي تخريجه في الباب الذي بعده.
(٢) خ: (٥٣٥/٢٢/٢)، م: (٦١٥/٤٣١/١)، د: (٤٠١/٢٨٣/١)، ت: (١٥٨/٢٩٧/١)
(٣) ن: (١ / ٥٠٠/٢٧٠) ويشهد له ما قبله.

فتح البر
١٢٦
لذكر الاسانيد فيه، إذ هو عند مالك متصل كما ذكرنا، ومشهور في
المسانيد و المصنفات كما وصفنا.
وفيه دليل على أن الظهر يعجل بها في غير الحر، ويبرد بها في
الحر، ومعنى الابراد: التأخير حتى تزول شمس الهاجرة، وهذا معنى
اختلف الفقهاء فيه:
فأما مذهب مالك في ذلك، فذكر اسماعيل بن اسحق، وأبو الفرج
عمرو بن محمد، أن مذهبه في الظهر وحدها أن يبرد بها، وتؤخر في
شدة الحر، وسائر الصلوات تصلى في أوائل أوقاتها، قال أبو الفرج:
اختار مالك رحمه الله لجميع الصلوات أول أوقاتها، إلا الظهر في
شدة الحر، لقوله وَ جاله: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة.
قال أبو عمر:
الحجة لهذا القول، الحديث المذكور في هذا الباب، مع ما قدمنا في
الباب الذي قبله من فضل الصلاة في أول وقتها. وتقدير الآثار في
ذلك، كأنه وَّجله قال: صلوا الصلوات في أوائل أوقاتها، لمن ابتغى
الفضل، إلا الظهر في شدة الحر، فإن الابراد بها أفضل، وهذا تقدير
محتمل، واستثناء صحيح ان شاء الله. وقد نزع أبو الفرج بأن جبريل
صلى بالنبي وَلّ في الوقت المختار في اليوم الأول، وصلى به في
اليوم الثاني، ليعلمه بالسعة في الوقت والرخصة فيه.
وأما ابن القاسم، فحكى عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء
ذراعا في الشتاء والصيف، للجماعة والمنفرد - على ما كتب به عمر
الى عماله. وقال ابن عبد الحكم وغيره من أصحابنا: أن معنى ذلك
مساجد الجماعات. وأما المنفرد، فأول الوقت أولى به، وهو الذي مال

١٢٧
المواقيت
إليه أهل النظر من المالكيين البغداديين، وتركوا رواية ابن القاسم في
المنفرد.
وقال الليث بن سعد: تصلى الصلوات كلها: الظهر وغيرها في
أول الوقت في الشتاء والصيف، وهو أفضل.
وكذلك قال الشافعي، إلا أنه استثنى فقال: إلا أن يكون امام
جماعة ينتاب إليه من المواضع البعيدة، فإنه يبرد بالظهر.
وقد روي عنه أن ذلك إنما يكون بالحجاز حيث شدة الحر، وكانت
المدينة ليس فيها مسجد غير مسجد رسول الله وَلا، وكان ينتاب من
بعد .
ومن حجتهم أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعرى، أن صل
الظهر حين تزيغ الشمس، وهو حديث متصل ثابت عن عمر، رواه
عن مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، وقد لقي عمر
وعثمان، والحديث المذكور فيه عن عمر إلى عماله: أن صلوا الظهر
إذا فاء الفيء ذراعا- منقطع. رواه مالك عن نافع عن عمر، ونافع لم
يلق عمر.
وقال العراقيون: تصلى الظهر في الشتاء والصيف في أول الوقت،
واستثنى أصحاب أبي حنيفة شدة الحر، فقالوا: تؤخر في ذلك حتى
يبرد، والاختلاف في هذا قريب جدا.
وقد احتج من لم ير الإبراد بالظهر في الحر بحديث خباب بن
الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله وَله حر الرمضاء فلم يشكنا،
يقول فلم يعذرنا(١). وتأول من رأى الإبراد في قول خباب بن الأرت
(١) حم: (١٠٨/٥ و١١٠)، م: (٦١٩/٤٣٣/١)، ن: (٢٦٩/١ / ٤٩٦)

فتح البر
=١٢٨
هذا فلم يشكنا أي لم يحوجنا إلى الشكوى، لأنه رخص لنا في
الابراد. وذكر أبو الفرج أن أحمد بن يحيى ثعلب فسر قوله فلم يشكنا
على هذا المعنى: أي لم يحوجنا إلى الشكوى.
قرأت على أبي القاسم يعيش بن سعيد بن محمد، وأبى القاسم
عبد الوارث بن سفیان، أن قاسم بن أصبغ حدثھما قال: حدثنا
محمد بن غالب التمتام، قال: حدثنا علي بن ثابت الدهان، قال
حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي اسحق، عن سعيد بن وهب، عن
خباب قال: شكونا إلى رسول الله وَلل حر الرمضاء فلم يشكنا (١).
قال زهير فقلت لابي اسحق في تعجيل الظهر؟ قال نعم في تعجيل
الظهر .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى- يعني
القطان، عن سفيان، عن أبي اسحق، عن سعيد بن وهب، عن
خباب، قال: شكونا الى رسول الله وَ له حر الرمضاء فما أشكانا(٢).
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث الاعمش، عن أبي اسحق، عن حارثة بن
مضرب، عن خباب، والقول عندهم قول الثوري، وزهير على ما
ذكرنا عن أبي اسحق، عن سعيد بن وهب، عن خباب والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد الجهني، قال: أخبرني حمزة بن محمد
ابن العباس الكناني، قال: حدثنا احمد بن شعيب النسائي، قال:
(١) و (٢) سبق تخريجهما في الذي قبلهما.

١٢٩
المواقيت
أخبرني كثير بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي عن
الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله وَ ل خرج حين
زاغت الشمس، فصلى بهم صلاة الظهر(١).
وفي حديث أبي برزة الاسلمى أن رسول الله وَّلو كان يصلي الظهر
حين تزول الشمس(٢).
وروى جابر عن النبي وَلّ معناه(٣).
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: أخبرنا محمد بن
بكر بن عبد الرزاق، قال أخبرنا سليمان بن الاشعث، قال: أخبرنا
عثمان بن أبي شيبة، قال أخبرنا عبيدة بن حميد، عن أبي مالك
الاشجعي، عن سعيد بن طارق، عن كثير بن مدرك، عن الاسود،
أن عبد الله بن مسعود، قال: كان قدر صلاة رسول الله وَجُلّ الظهر في
الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة، وفي الشتاء خمسة أقدام الى سبعة (٤).
وذكر النسائي عن أبي عبدالرحمن الأذرمي عن عبيدة بن حميد باسناده
مثله سواء.
وحدثنا محمد بن ابراهيم بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن
معاوية، قال: أخبرنا احمد بن شعيب، قال أخبرنا عبد الله بن سعيد،
(١) ت: (١٥٦/٢٩٤/١)، وقال: هذا حديث صحيح وهو أحسن حديث في هذا الباب،
ن: (٢٦٨/١ /٤٩٥).
(٢) حم: (٤٢٠/٤ و٤٢٣)، خ: (٥٤١/٢٧/٢)، م: (١/ ٦٤٧/٤٤٧)،
د: (٣٩٨/٢٨١/١)، ت: (١٦٨/٣١٣/١) ن: (١ / ٢٦٧ / ٤٩٤)
(٣) خ: (٥٦٠/٥١/١)، م: (٦٤٦/٤٤٦/١)، د: (١/ ٢٨١/ ٣٩٧)،
ن: (٥٠٣/٢٧٣/١).
(٤) د: (١/ ٤٠٠/٢٨٢)، ن: (٥٠٢/٢٧٢/١)، ك: (٩٩٩/١) وقال: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

فتح البر
١٣٠١
قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: أخبرنا خالد بن دينار:
أبو خلدة، قال: سمعت أنس بن مالك قال: كان رسول الله وَ جّ اذا
كان الحر، أبرد بالصلاة، واذا كان البرد، عجل(١).
وأخبرنا عبد الله، حدثنا عبد الحميد، حدثنا الخضر، أخبرنا الاثرم
قال: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: أي الأوقات أعجب
اليك؟ قال: أول الاوقات أعجب إلي في الصلوات كلها، الا في
صلاتين: صلاة العشاء الآخرة، وصلاة الظهر في الحر يبرد بها، واما
في الشتاء فيعجل بها .
(١) خ: (٩٠٦/٤٩٤/٢)، ن: (٤٩٨/٢٦٩/١)

١٣١
المواقيت
باب منه
[٨] مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ظله قال:
إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم(١).
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه، كلهم يقول
فيه: اذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة- هكذا.
وقد حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو الحسن علي بن العباس بن
عبد الغفار البزار، قال حدثنا مقدام بن داود، وبكر بن سهل
الدمياطي، قالا حدثنا محمد بن مخلد الرعيني، حدثنا مالك عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله :
أبردوا بصلاة الظهر في اليوم الحار، فإن شدة الحر من فيح جهنم(٢).
قد مضى القول في معنى هذا الحديث وما للعلماء فيه في باب زيد
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار- من كتابنا هذا فلا وجه لاعادة ذلك
ههنا .
(١) خ: (٥٣٣/١٩/٢-٥٣٤)، م: (٦١٥/٤٣٠/١)، د: (١/ ٢٨٤/ ٤٠٢)،
ت: (٢٩٥/١-١٥٧/٢٩٦)، ن: (١/ ٤٩٩/٢٧٠)، جه: (١/ ٢٢٢ / ٦٧٧)
(٢) انظر تخريجه في الحديث قبله

فتح البر
١٣٢
باب منه
[٩] مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَلير قال: إذا كان الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من
فيح جهنم، وذكر أن النار اشتكت الى ربها، فأذن لها بنفسين: نفس في
الشتاء، ونفس في الصيف.
(١) خ: (٥٣٦/٢٣/٢-٥٣٧)، م: (١/ ٤٣١ /٦١٧)

المواقيت
١٣٣
وقت العصر
[١٠] مالك عن اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنه قال:
كنا نصلي العصر، ثم يخرج الانسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم
يصلون العصر(١).
هذا يدخل في المسند، وهو الأغلب من أمره، وكذلك رواه جماعة
الرواة للموطأ، عن مالك، وقد رواه عبد الله بن المبارك عن مالك،
عن اسحق، عن أنس، قال: كنا نصلي العصر مع رسول الله وَ له،
فذكره مسندا .
وكذلك رواه عتيق بن يعقوب الزبيري عن مالك كرواية ابن المبارك.
ومعنى هذا الحديث، السعة في وقت العصر، وأن الناس في ذلك
الوقت، وهم أصحاب رسول الله وَجالو، لم تكن صلاتهم في فور
واحد، لعلمهم بما أبيح لهم من سعة الوقت.
والآثار كلها، أو أكثرها، على أن وقت العصر ممدود، منذ يزيد
الظل على قامة، من الحد الذي زالت عليه الشمس، ما كانت الشمس
بيضاء نقية، ويروى ما دامت الشمس حية، وحياتها حرارتها، وما لم
تدخلها صفرة، فاذا اصفرت الشمس، ودنت للغروب، خرج الوقت
المحمود المستحب المختار، ولحق مؤخرها، من غير عذر، الى ذلك
الوقت الذم، لحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس، عن النبي
وَاللّه: ((تلك صلاة المنافقين، يمهل أحدهم، حتى إذا اصفرت الشمس،
(١) خ: (٥٤٨/٣٣/٢)، م: (١ / ٦٢١/٤٣٤ [١٩٤])

فتح البر
١٣٤
قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا))(١)، يعيبهم بذلك
كيا الله
وَسَيَّة
ومع هذا، فإنا لا نبعد، أن يكون من أدرك منها ركعة، قبل غروب
الشمس، ان يكون مدركا لوقتها، لحديث أبي هريرة، عن النبي وقَال
بذلك، وحديث أبي هريرة أصح اسنادا، وأقوى عند أهل العلم
بالحديث من حديث العلاء، وحديث العلاء لا بأس به.
وقد ذكرنا أقاويل الفقهاء في آخر وقت العصر، في باب زيد بن
أسلم، عند قول رسول الله وَله ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس، فقد أدرك العصر))، وذكرنا مذاهب العلماء في تأويل
هذا الحديث هناك، والحمد لله، وذكرنا كثيرا من آثار هذا الباب، في
باب ابن شهاب عن أنس، وكلها تدل على السعة في الوقت، ما
دامت الشمس لم تصفر .
وأخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد، قال: أخبرنا خالد بن سعد،
قال: حدثنا محمد بن فطيس، قال: حدثنا ابراهيم بن مرزوق، قال:
حدثنا أبو عاصم، عن عبد الرحمن بن وردان، قال: دخلنا على أنس
ابن مالك في رهط من أهل المدينة، فقال: صليتم العصر؟ قلنا نعم!
قالوا يا أبا حمزة، متى كان رسول الله وَجالو، يصلي هذه الصلاة؟
قال: والشمس بيضاء نقية (٢).
(١) م: (٦٢٢/٤٣٤/١)، د: (٢٨٨/١-٤١٣/٢٨٩)، ت: (٣٠١/١ /١٦٠).
(٢) ن: (١/ ٥٠٧/٢٧٤)، الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٠-١٩١)، وابن أبي شيبة
(٣٢٩٨/٢٨٨/١) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣١٣/١) بلفظ (كنا نصلي مع
النبي وَالر ... ) وعزاه لأبي يعلى والبزار وقال ((ورجاله ثقات)).

١٣٥
المواقيت
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن ربعي بن حراش،
عن أبي الأبيض، عن أنس قال: كان رسول الله وَلّ، يصلي العصر،
والشمس بيضاء نقية محلقة، ثم آتى عشيرتي في جانب المدينة، لم
يصلوا، فأقول لهم ما يجلسكم؟ صلوا فقد صلى رسول الله وَليم (١).
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن یزید المعلم، قال: حدثنا یزید بن محمد، قال حدثنا
فضيل بن عياض، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي
الأبيض، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي وَله يصلي العصر،
والشمس مرتفعة بيضاء، محلقة، فآتي عشيرتي، فاجدهم جلوسا،
فأقول: قوموا فصلوا، فقد صلى رسول الله وَليه(٢).
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن يزيد بن
مردانبه، عن ثابت بن عبيد، قال سألت أنسا عن وقت العصر، فقال:
وقتها أن تسير ستة أميال إلى أن تغرب الشمس، قال: حدثنا ابن
علية، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي العصر
والشمس بيضاء نقية، يعجلها مرة، ويؤخرها أخرى. حدثنا عبد الله
ابن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا
أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري، قال: حدثنا
إبراهيم بن أبي الوزير، قال: حدثنا محمد بن يزيد اليماني، قال:
حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده،
(١) و(٢) تقدم تخريجه في الذي قبله.

فتح البر
٠١٣٦٤
-١٣٦
علي بن شيبان، قال: قدمنا على رسول الله وَ لاهل المدينة، فكان يؤخر
العصر، ما دامت الشمس بيضاء نقية (١).
قال أبو عمر: أهل العراق أشد تأخيرا للعصر من أهل الحجاز،
والآثار الواردة عندهم بذلك، تبين ما قلنا، وعلى ذلك فقهاؤهم،
حتى قال أبو قلابة، إنما سميت العصر لتعتصر.
أخبرنا يوسف بن محمد بن يوسف، ومحمد بن إبراهيم بن
سعيد، قالا: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا محمد بن يحيى
بن سليمان المروزي، قال حدثنا خلف بن هشام، البزار قال: حدثنا
أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، أنه كان يؤخر العصر.
قال أبو عمر:
هذا فقيه أهل الكوفة، ويزعمون أنه أعلم تابعيهم بالصلاة، قد ثبت
عنه ما ترى والله أعلم، وما أعلم أحدا من سلفهم، جاء عنه في
تعجيل العصر، أكثر مما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، عن جرير، عن
منصور، عن خيثمة، قال: تصلى العصر، والشمس بيضاء حية،
وحياتها، أن تجد حرها(٢).
قال أبو عمر:
هذا كمذهب أهل المدينة، والأصل في هذا الباب ما قدمنا، من
سعة الوقت، على حسب ما ذكرنا، وسنذكر المواقيت، ونستوعب
القول فيها بالآثار، واختلاف العلماء، عند ذكر حديث ابن شهاب عن
عروة(٣)، إن شاء الله .
(١) د: (١ / ٢٨٦ / ٤٠٨ ).
(٢) د: (٤٠٦/٢٨٦/١)، وابن أبي شيبة في المصنف: (٣٣٠١/٢٨٨/١).
(٣) هو الباب الأول من كتاب المواقيت.

١٣٧
المواقيت
باب منه
[١١] مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر ثم
يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (١).
هكذا هو في الموطأ، ليس فيه ذكر النبي وَُّلّ، ورواه عبد الله بن
نافع، وابن وهب، في رواية يونس بن عبد الأعلى عنه، وخالد بن
مخلد، وأبو عامر العقدي، كلهم عن مالك، عن الزهري، عن أنس
ابن مالك، أن رسول الله وَجُلّ كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب
إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة.
وكذلك رواه عبد الله بن المبارك، عن مالك، عن الزهري، واسحق
بن عبد الله بن أبي طلحة جميعا عن أنس، أن رسول الله وَ يُقال كان
يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، قال أحدهم فيأتيهم وهم
يصلون، وقال الآخر فيأتيهم والشمس مرتفعة.
فهؤلاء رووا هذا الحديث عن مالك على خلاف لفظ الموطأ،
وهو حديث مرفوع عند أهل العلم بالحديث، لأن معمرا وغيره
من الحفاظ قالوا فيه: عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله وَ له
كان يصلي العصر، ويذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس
مرتفعة(٢).
(١) خ: (٥٥١/٣٦/٢)، م: (٦٢١/٤٣٤/١ [١٩٣])، ن: (٥٠٥/٢٧٤٠/١)
م: (٢٢٣/٣)، خ: (٣٥/٢-٥٥٠/٣٦)، م: (١/ ٦٢١/٤٣٣) د:
(٢) حــ
(٤٠٤/٢٨٥/١)، ن: (١ / ٥٠٦/٢٧٤)، جه: (١/ ٢٢٣ /٦٨٢).

فتح البر
١٣٨
هكذا قال فيه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه: يذهب الذاهب إلى
العوالي - وهو الصواب عند أهل الحديث. وقول مالك -عندهم- إلى
قباء، وهم لا شك فيه. ولم يتابعه أحد عليه في حديث ابن شهاب
هذا، إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت، لان العوالي
مختلفة المسافة، وأقربها الى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها
ما يكون على ثمانية أميال وعشرة، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين
المدينة. وقباء موضع بني عمرو بن عوف، وقد نص على بني عمرو
ابن عوف في حديث أنس هذا (١)، اسحق بن أبي طلحة، وقد مضى
ذكر حديثه ذلك في بابه من هذا الكتاب والحمد لله.
حدثني أحمد بن محمد بن احمد، قال حدثنا محمد بن معاوية،
قال: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي يقول: لم يتابع مالكا احد على
قوله في حديث الزهري عن أنس إلى قباء، والمعروف فيه إلى
العوالي، وكذلك قال الدارقطني وغيره، وقد رواه خالد بن مخلد عن
مالك، فقال فيه: إلى العوالي، كما قال سائر أصحاب ابن شهاب:
حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، قال: حدثني أبي،
قال: حدثنا محمد بن قاسم، قال حدثنا مالك بن عیسی، قال حدثنا
خالد بن مخلد، قال حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري،
عن أنس قال: كنا نصلي العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس
مرتفعة .
(١) تقدم في الباب السابق.

١٣٩
المواقيت
هكذا رواه خالد بن مخلد عن مالك، وسائر رواة الموطأ قالوا:
قباء. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا موسى بن اسماعيل، قال حدثنا
حماد بن سلمة، قال أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه، أن المغيرة بن
شعبة كان يؤخر الصلاة، فقال له رجل من الأنصار: أما سمعت
رسول الله وَله يقول: قال جبريل: صل صلاة كذا في ساعة كذا،
حتى عد الصلوات؟ قال: بلى، قال: وأشهد أنا كنا نصلي العصر مع
النبي وَّ والشمس بيضاء نقية، ثم نأتي بني عمرو بن عوف وانها
المرتفعة، وهي على رأس ثلثي فرسخ من المدينة(١).
وفي هذا الحديث من الفقه تعجيل العصر، وعلى هذا كان الأمر
الأول، ألا ترى إلى حديث مالك عن العلاء، قال: صلينا الظهر، ثم
دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، وذلك أنهم كانوا
صلوا الظهر مع بعض بني أمية بالبصرة، ثم دخلوا على أنس فوجدوه
يصلي العصر.
وسنذكر هذا الخبر في باب العلاء- إن شاء الله تعالى.
وفيه ما يدل على أن مراعاة القامة في الظهر والقامتين في العصر
استحباب، وأن وقت العصر ممدود- ما كانت الشمس بيضاء نقية.
وكذلك حد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقت العصر مثل هذا
الحد، وكتب به إلى عماله(٢). وقد روي نحو هذا عن جماعة من
(١) تقدم تخريجه في أول كتاب المواقيت.
-
(٢) رواه مالك في الموطأ - (٦/٦/١) وإسناده منقطع لأن نافعا لم يلق عمر رضي الله
عنه .

١٤٠
فتح البر
ســ
الصحابة، منهم: عائشة في قولها: كان رسول الله وَيُله يصلي العصر
والشمس في حجرتها قبل أن تظهر(١).
وروى الأوزاعي قال: حدثني أبو النجاشي، قال: حدثني رافع بن
خديج، قال: كنا نصلي مع رسول الله وَل صلاة العصر، ثم ننحر
جزورا فنقسمه عشر قسم، ثم نطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغيب
الشمس(٢) .
وفي حديث أبي أروى الدوسى: كنت أصلي مع رسول الله وَ له،
ثم أمشي إلى ذي الحليفة فآتيهم قبل أن تغيب الشمس(٣). وأبو أروى
اسمه: ربيعة. وحدثني خلف بن قاسم، قال حدثنا الحسين بن جعفر
ابن ابراهيم أبو أحمد الزيات بمصر، قال حدثنا يوسف بن يزيد
القراطيسي أبو يزيد، قال حدثنا النضر بن عبد الجبار، قال حدثنا
الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: كنا نصلي العصر
والشمس مرتفعة، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة (٤).
وكذلك رواه أسد بن موسى، قال حدثنا الليث بن سعد، قال:
حدثني ابن شهاب، قال: حدثني أنس بن مالك - فذكره. وكذلك
ذكره ابن أبي ذئب في موطئه عن ابن شهاب.
(١) خ: (٥٤٥/٣١/٢-٥٤٦)، م: (٦١١/٤٢٦/١)، د: (٤٠٧/٢٨٦/١)،
ت: (١٥٩/٢٩٨/١)، ن: (٥٠٤/٢٧٣/١)، جه: (٢٢٣/١ /٦٨٣).
(٢) خ: (٢٤٨٥/١٦٢/٥)، م: (١٩٨/٤٣٥/١)
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: (٣٣٠٦/٢٨٨/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار
(١٩١/١)، وذكره الهيثمي في المجمع (٣١٢/١)، وقال: ((رواه البزار وأحمد باختصار
والطبراني في الكبير وفيه صالح بن محمد أبو واقد وثقه أحمد وضعفه يحيى بن معين
والدار قطني وجماعة)).
(٤) تقدم تخريجه في الباب السابق.