النص المفهرس

صفحات 561-580

٢١ - كتاب اللباس

اللبلس
٥٦٣ -
لا يشتمل الرجل اشتمال الصماء
[١] مالك، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله وَ لالس نهى أن يأكل الرجل بشماله،
أو يمشي في نعل واحدة، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفا عن
فرجه.
قد مضى القول في الأكل بالشمال في باب ابن شهاب، عن أبي بكر بن
عبيد الله بن عمر، وليس في الأكل بالشمال ما يحتاج الى تفسير؛ لان كل
سامع له يستوون في فهمه، وكذلك النهي عن المشي في نعل واحدة، يستوي
أيضا لفظه ومعناه في الفهم، ومن فعل شيئا من ذلك عالما بالنهي، مستخفا
به، فهو الله عاص، وأمره اليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، فلا ينبغي
للمرء أن يمشي في نعل واحدة.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تنكر على أبي هريرة
حديثه بهذا. وليس في إنكار من أنكر حجة على من علم.
وقدروي عن النبي ◌ّټ أنها رأته يمشي في نعل واحدة، ولا يصح حديثها
ذلك؛ وقد روى هذا الحديث مع جابر أبو هريرة وغيره. وهو صحيح عن
النبيێ﴾.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال حدثنا زهير، قال حدثنا أبو الزبير، عن
جابر، قال: قال رسول الله ﴾: إذا انقطع شسع أحدكم، فلا یمش في نعل
واحدة حتی یصلح شسعه، ولا یمش في خف واحدة، ولا يأكل بشماله.
وروى مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله
وَ ل﴿ قال: لا يمشين أحدكم في النعل الواحدة.

-٥٦٤
فتح البر
وأما قوله في هذا الحديث: وأن يشتمل الصماء، فللعلماء وأهل اللغة في
ذلك أقوال، وقد جاء في الآثار المرفوعة ما هو أولى ما قيل به فيها إن شاء
الله.
قال ابن وهب: اشتمال الصماء: أن يرمي بطر في الثوب جميعا على شقه
الأيسر، وقد كان مالك بن أنس أجازها على ثوب ثم کرهها.
وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الصماء كيف هي؟ قال: يشتمل
الرجل ثم يلقي الثوب على منكبيه، ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب
وليس عليه ازار؛ قيل له: أرأيت إن لبس هكذا وليس عليه إزار؟ قال: لا
بأس بذلك قال ابن القاسم: ثم کرهه بعد ذلك وإن کان علیه إزار. قال ابن
القاسم: وتركه أحب الي للحديث، ولست أراه ضیقا إذا كان عليه إزار.
قال مالك: والاضطباع أن يرتدي الرجل فيخرج ثوبه من تحت يده
اليمنى. قال ابن القاسم: وأراه من ناحية الصماء.
وقال أبو عبيد: قال الأصمعي اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل
الرجل بشوبه فیجلل به جسده کله، ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه یده،
وربما اضطجع فيه على تلك الحال. قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لا
يدري لعله يصيبه شيء یرید الاحتراس منه؛ وأن یقیه بيده، فلا يقدر على
ذلك، لإدخاله إياها في ثيابه؛ فهذا كلام العرب. قال: وأما تفسير الفقهاء،
فإنهم يقولون: هو ان يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه
من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه فیبدو منه فرجه.
قال أبو عبيد: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصح معنى في
الكلام.
وقال الأخفش: الاشتمال أن یلتف الرجل بر دائه أو بکسائه من رأسه الى

اللباس
=
٥٦٥
قدمیه، يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر. هذا هو الاشتمال؛ فان
لم يرد طرفه الأيمن على منكبه الأيسر، وتركه مرسلا إلى الارض، فذلك
السدل الذي نهي عنه؛ قال: وقد روي في هذا الحدیث أن رسول الله څ مر
برجل وقد سدل ثوبه فعطفه عليه حتى صار مشتملا، قال: فان لم يكن على
الرجل إلا ثوب واحد، فاشتمل به ثم رفع الثوب عن يساره حتى ألقاه عن
منکبه فقد انکشف شقه الأيسر کله؛ وهذا هو اشتمال الصماء الذي نهي
عنه؛ فإن هو أخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فألقاه على
منكبه الأيمن، وألقى طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليسرى على منكبه
الأيسر، فهذا التوشح الذي جاء عن رسول الله ويظهر أنه صلى في ثوب واحد
متوشحابه.
قال: وأما الاضطباع، فإنه للمحرم وذلك أنه يكون مرتديا بالرداء أو
مشتملا، فيكشف منكبه الأيمن حتى يصير الثوب تحت إبطه؛ وهذا معنى
الحديث الذي جاء عن رسول الله وَ م أنه طاف وسعى مضطبعا ببرد
أخضر، ويروى عن عمر بن عبد العزيز مثله؛ قال: والارتداء أن تأخذ
بطرفي الثوب فتلقيهما على صدرك ومنكبيك وسائر الثوب خلفك.
قال أبو عمر: الذي جعله أبو داود تفسير اللبسة الصماء. حديث
الاعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله وَ له عن لبستين:
أن يحتبي الرجل مفضيا بفرجه إلى السماء. ويلبس ثوبا واحدا جانبه خارج،
ويلقي ثوبه على عاتقه؛ ذكره عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن
الاعمش.
وقد أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا المطلب بن شعيب، قال حدثني عبد الله بن صالح، قال حدثني
الليث، قال حدثني يونس، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عامر بن سعد،

=٥٦٦
فتح البر
٥٦٦
أن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ول عن لبستين: اشتمال الصماء،
والصماء أن يجعل طرفي ثوبه على أحد عاتقيه ويبدو أحد شقيه ليس عليه
ثوب؛ واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوب وهو جالس ليس على فرجه منه
شيء.
وحدثنا سعید بن نصر، قال أخبرنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن عيينة، عن الزهري،
عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد قال: نهى رسول الله ◌ّ ﴾ عن لبستين اشتمال
الصماء، وأن يحتبي الرجل بثوب واحد ليس على عورته منه شيء.
وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا کثیر بن هشام، قال حدثنا جعفر بن
برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ◌َّ الفول عن لبستين
الصماء، وهو: أن یلتحف بالثوب الواحد ثم يرفع جانبه علی منکبیه، لیس
عليه ثوب غيره؛ أو يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بین فرجه وبین
السماء شيء يعني سترا.
وعن مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: نهى رسول
الله إلي أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه. وبهذا فسر ابن
وهب الصماء والله أعلم، إلا أنه قال: على شقه الأيسر؛ وسيأتي من هذا
المعنى ذكر كاف في باب أبي الزناد، وقد مضى القول مستوعبا في ستر
العورة في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والحمد لله.
وأما كشف الفرج فحرام في هذه اللبسة وفي غيرها؛ لا يحل لأحد أن
يبدي عورته. ويكشف فرجه إلى آدمي ينظر إليه من رجل، أو امرأة، إلا من
كانت حليلته: امرأته، أو سريته؛ وهذا ما لا أعلم فيه خلافا بين المسلمين،

اللباس
٥٦٧ :
وحسبك قول الله عز وجل: ﴿﴿ يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
[الأعراف: (٣١)]، وأجمعوا أنه أراد بذلك ستر العورة، لأنهم كانوا يطوفون
عراة، فنزلت هذه الآية؛ وأجمعوا على أن ستر العورة فرض عن عيون
الآدميين واختلفوا أهي من فرائض الصلاة أم لا؟ وقد ذكرنا ذلك في غیر
هذا الموضع، وقد كانوا يستحبون أن لا يكشف أحد عورته في الخلاء، وقد
روينا أن في بعض ما أوحى الله عز وجل إلى ابراهيم عليه الصلاة والسلام:
ان استطعت أن لا ترى الارض عورتك فافعل فاتخذ السراويل، وهو أول
من اتخذها، وقال الله تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِبْرَاهِيمٌ﴾ [الحج: (٧٨)].

= ٥٦٨
-
فتح البر
باب منه
[٢] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ◌َلآ نهى عن
لبستين، وعن بيعتين: عن الملامسة والمنابذة، وعن أن يحتبي الرجل في ثوب واحد
ليس على فرجه منه شيء، وعن أن يشتمل الرجل الثوب على أحد شقيه(١).
وأما الملامسة والمنابذة، فقد مضى تفسير هما - في باب محمد بن يحيى بن
حبان من هذا الكتاب، وهذا الحديث أيضا بین مستغن عن التفسير، بل هو
مفسر للبسة الصماء المنهي عنها، وفيه دليل - كالنص- على النهي عن
كشف العورة- وهو أمر مجتمع علیه، لا خلاف فيه- والحمد لله.
حدثنا ابو محمد عبدالله بن محمد، حدثنا عبدالحمید، حدثنا اخضر حدثنا
ابو بكر - يعني الأثرم- قال: سمعت أبا عبدالله- يعني احمد بن حنبل-
يسأل عن الصماء في غير الصلاة، فقال: كرهت في الصلاة؛ ثم قال: أكرهها
اذا لم يكن على عاتقه قميص. قال ابو بكر: الصماء مفسرة في حديث مالك،
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله وح لول أن
يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه(٢)، حدثناه القعنبي عن
مالك.
قال ابو عمر: الصماء - كما جاء في حديث ابي الزناد- بأن يشتمل الثوب
على أحد شقيه- يعني ولا يرفعه عنه يتركه مطبقا، وإنما سميت الصماء،
لأنها لبسة لا انفتاح فيها، كأنه لفظ مأخوذ من الصمم الذي لا انفتاح فيه؛
ومنه الأصم الذي لا انفتاح في سمعه، ويقال للفريضة اذا لم تتفق سهامها
وانغلقت: صماء، لانه لا انفتاح فيها للاختصار.
(١) و(٢) أخرجه من طرق عن أبي هريرة: حم (٣١٩/٢-٥٢٩).
خ (٣٦٨/٦٢٩/١)، د(٤٠٨٠/٣٤١/٤). ت (١٧٥٨/٢٠٦/٤)،
ن (٣٤٠/٧- ٣٤١ / ٤٦٤٦). البغوي: شرح السنة (٢١١١/١٤٢/٨).

اللباس
٥٦٩ =
وقد جاء في تفسير الصماء حديث مرفوع حدثناه سعید بن نصر، حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة، حدثنا کثیر
ابن هشام قال: حدثني جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن ابيه،
قال: نهى رسول الله وَلهو عن لبستين: الصماء - وهو أن يلتحف الرجل
بالثوب الواحد، ويحتبي الرجل في الثوب الواحد لیس بین فرجه وبین
السماء ستر (١)، وحديث أبي الزناد أقوى من هذا الاسناد، وقد مضى القول
في الصماء في باب ابي الزبير من هذا الكتاب - والحمد لله.
(١) تقدم تخريجه في باب "ما جاء من النهي عن الملامسة والمنابذة" من كتاب البيوع.

٥٧٠
فتح البر
ما جاء في ستر العورة
[٣] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ان سائلا سأل
رسول الله وَليل عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله وَل: أو لكلكم
ثوبان؟(١).
لم يختلف الرواة عن مالك في اسناد هذا الحدیث ولا متنه. رواه معمر،
عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله سواء. وكذلك رواه ابن
جریج، ورواه یونس وعقیل، عن ابن شهاب عن سعيد وابي سلمة، عن
ابن هريرة، عن النبي ټمثله.
ورواه ابن سيرين عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّ﴾ مثله سواء. وهذا
الحديث حجة لاجازة الصلاة في ثوب واحد وكل ثوب ستر العورة
والفخذين من الرجل جازت الصلاة فيه على ظاهر الحديث، لانه يقع عليه
اسم ثوب. وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة، فلا إعادة عليه. وإن
كانت امرأة، فكل ثوب يغيب ظهور قدميها، ويستر جميع جسدها
وشعرها، فجائز لها الصلاة فيه، لانها كلها عورة الا الوجه والكفين- على
هذا أكثر أهل العلم. وقد اجمعوا على ان المرأة تكشف وجهها في الصلاة،
والاحرام. وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، وهو قول
الاوزاعي، وأبي ثور: على المرأة ان تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة، حتى
ظفرها: حدثناه احمد بن محمد، قال: حدثنا احمد بن الفضل، قال: حدثنا
محمد بن جرير، قال: حدثنا الفضل بن الصباح، قال : حدثنا عبد الله بن
(١) حم (٢/ ٢٣٨،٢٣٠ -٢٦٥،٢٣٩-٣٤٥،٢٨٥،٢٦٦، ٥٠١،٤٩٩،٤٩٨،٤٩٥).
خ (٣٥٨/٦٢٠/١). م (٣٦٧/١ -٥١٥/٣٦٨). د (١ / ٤١٤ /٦٢٥). ن (٢/ ٤٠٣/ ٧٦٢).
جه (١/ ٣٣٣/ ١٠٤٧).

اللباس
٥٧١
رجاء، عن ابن عجلان، عن سمي مولی ابی بکر بن عبدالرحمن، عن أبي بكر
ابن عبد الرحمن قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها.
قال أبو عمر:
قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لاجماع العلماء على ان
للمرأة ان تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مکشوف ذلك کله منها، تباشر
الارض به. واجمعوا على انها لا تصلى متنقبة، ولا عليها ان تلبس قفازين في
الصلاة، وفي هذا أوضح الدلائل على ان ذلك منها غير عورة.
وجائز ان ينظر الى ذلك منها كل من نظر اليها بغير ريبة ولا مكروه. وأما
النظر للشهوة، فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة، فكيف بالنظر الى
وجهها مسفرة. وقد روي نحو قول أبي بكر بن عبد الرحمن عن احمد بن
حنبل، قال الأثرم: سئل احمد بن حنبل عن المرأة تصلى وبعض شعرها
مکشوف، وقدمها، قال لا يعجبني، إلا أن تغطی شعرها وقدميها. قال
وسمعته يسأل عن أم الولد كيف تصلي؟ فقال تغطي رأسها وقدميها، لانها
لا تباع وهي تصلي كما تصلي الحرة. قال: وسمعته يسأل عن الرجل يصلي
في قمیص واحد غیر مزرور؟ فقال ينبغي ان یزره، قیل فان كانت لحيته
تغطي ولم يكن القميص متسع الجيب أو نحو هذا، فقال: ان كان يسيرا
فجائز. قال: ولا احب لاحد ان يصلي في ثوب واحد غير مزرور فقال
ينبغي ان يزره، قال مالك: ان صلت المرأة الحرة وشعرها مكشوف، أو
قدماها، أو صدرها، أعادت ما دامت في الوقت. وقال الشافعي وأبو ثور
واحمد تعيد أبدا إن انكشف شيء من شعرها، أو صدرها، أو صدور
قدميها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: قدم المرأة ليست بعورة، فان صلت
وقدمها مكشوفة، فلا شيء عليها، وان صلت وجل شعرها مكشوف،
فصلاتها فاسدة، وان کان الاقل من شعرها مکشوفا فلا شيء عليها، وان

فتح البر
:٥٧٢
انكشف شيء منها غير ما ذكرنا فصلت بذلك، فصلاتها فاسدة، علمت أم
لم تعلم. وقال اسحاق: ان علمت فسدت صلاتها، وان لم تعلم فلا اعادة
عليها. والاصل في هذا الباب ان أم سلمة سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من
الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع، والخمار السابغ، الذي يغيب ظهور
قدمیھا. وعن عائشة ومیمونة، مثل ذلك: درع وخمار. وهذه الآثار عن أم
سلمة ، وعائشة وميمونة، في الموطأ. فحديث عائشة من بلاغات مالك،
وحديث ميمونة عن الثقة عنده، عن بكير بن الاشج، عن بسر بن سعيد،
عن عبيد الله الخولاني، عن ميمونة، انها كانت تصلی في درع وخمار، دون
ازار. وحديث أم سلمة رواه مالك، عن محمد بن زيد بن قنفذ، عن أمه،
سألت ام سلمة ماذا تصلى فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في درع
وخمار سابغ، اذا غیب ظهور قدميها. وقد روي حدیث ام سلمة مرفوعا،
والذين وقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ؛ منهم مالك، وابن اسحاق،
وابن أبي ذئب، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، واسماعيل بن جعفر،
كلهم رووه عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، موقوفا. قال أبو داود
ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم
سلمة انها سألت النبي ◌َ * فذكره(١). عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم، الا
انه قد خرج البخاري بعض حديثه، والاجماع في هذا الباب أقوى من الخبر
فیه. وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا جعفر بن محمد،
قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة ، عن ابن سیرین،
(١) د(١ / ٦٤٠/٤٢٠). ك (١ / ٢٥٠). من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد
عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها. تفرد عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار برفعه وأوقفه جماعة
كما قال أبو داود. وقد أخرجه أبو داود (٦٣٩) من طريق مالك موقوفا. وقع عند الحاكم: عن
أبيه وهو وهم. والحديث صححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي. قال الألباني في
الإرواء (١ / ٣٠٤): وهو من أوهامهما الفاحشة فإن أم محمد بن زيد لا تعرف كما قال الذهبي
نفسه في ((المیزان)).

اللباس
٥٧٣ - ١١
عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، ان رسول الله وَالله قال: لا يقبل الله
صلاة حائض إلا بخمار(١).
قال أبو عمر:
اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فروي عن ابن عباس وابن عمر إلاّ ما ظهر منها:
الوجه والكفان. وروي عن ابن مسعود، ((ما ظهر منها)) الثياب، قال: لا
يبدين قرطا، ولا قلادة، ولا سوارا، ولا خلخالا، الا ما ظهر من الثياب.
وقد روي عن أبي هريرة في قوله تعالى: ((ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها))
قال القلب، والفتخة. رواه ابن وهب، عن جرير بن حازم، قال: حدثني
قيس بن سعد: ان أبا هريرة، كان يقول، فذكره. قال جرير بن حازم:
القلب: السوار، والفتخة والخاتم وقال جابر بن زيد: هي كحل في عين، أو
خاتم في خنصر. وقال سعيد بن جبير: الجلباب، والرداء. وعن عائشة مثل
قول أبي هريرة. وقد روي عن ابن مسعود- ولا يصح: البنان، والقرط،
والدملج، والخلخال، والقلادة- يريد موضع ذلك- والله أعلم. واختلف
التابعون فيها أيضا على هذين القولین. وعلی قول ابن عباس وابن عمر
الفقهاء في هذا الباب.
فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها. وأما
الرجل فان أهل العلم يستحبون ان يكون على عاتق الرجل ثوب، اذا لم
يكن متزرا، لئلا تقع عينه على عورة نفسه، ويستحبون للواحد المطيق على
الثياب، ان يتجمل في صلاته ما استطاع بثيابه، وطيبه، وسواكه. قال معمر،
(١) حم (٦/ ١٥٠-٢١٨-٢٥٩). د (١ / ٤٢١ / ٦٤١). ت (٢/ ٢١٥/ ٣٧٧).
جه (٢١٤/١-٦٥٥/٢١٥). من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية
بنت الحارث عن عائشة. وحسنه الترمذي وصححه الحاكم (١ / ٢٥١) على شرط مسلم ووافقه
الذهبي.

فتح البر
٥٧٤
=
عن أيوب، عن نافع: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، فقال: ألم أكسك
ثوبين؟ قلت: بلى! فقال: أرأيت لو أرسلتك الى فلان، كنت ذاهبا في هذا
الثوب؟ قلت: لا. قال: فالله احق من تزین له، أو من تزینت له. وقد جاء
عن النبي گۆ، مثل هذا. ومحمله عندنا على الافضل، ولا سيما ان كان اماما.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن عيسى بن السكن الواسطي، قال: حدثنا المثنى بن معاذ، عن أبيه،
عن شعبة. واخبرنا عبد الوارث قال: حدثنا قاسم، قال : حدثنا إبراهيم بن
اسحاق النيسابوري، قال: أنبأنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال:
حدثنا شعبة. واللفظ لحديث المثنى، عن أبيه، عن شعبة، عن توبة العنبري،
عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله پے : اذا أراد احدکم ان يصلي
فليتزر وليرتد(١). حدثنا عبدالوارث بن سفيان، ويعيش بن سعيد، قالا:
حدثنا قاسم بن اصبغ، حدثنا احمد بن محمد البرتي، حدثنا أبو معمر، حدثنا
عبدالوارث، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، قال: شغلني شيء فجاء ابن
عمر - وأنا أصلي في ثوب واحد، قال: فأمهلني حتى فرغت من الصلاة، ثم
قال: ألم تکس ثوبین؟ قلت : بلى، قال: فلو أرسلت خارجا من الدار، أكنت
تذهب في ثوب واحد؟ قلت: لا. قال: فالله أحق أن تزين له، أم الناس؟
قلت: بل الله، قال: ثم حدث بحديث أكثر ظنی انه ذكر النبي ◌ُّ﴾ قال: اذا
وجد احدكم ثوبين، فیلصل فيهما، وإن لم يجد إلا ثوبا واحدا، فليتزر به
اتزارا، ولا يشتمل اشتمال اليهود (٢). وفي قوله ◌َلي: أو لكلكم ثوبان؟ دليل
(١) حب: الإحسان (٤/ ١٧١٣/٦١٣). البيهقي في الكبرى (٢٣٥/٢). الطحاوي في شرح معاني
الآثار (١/ ٣٧٨). من طريق شعبة عن توبة العنبري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما وانظر
الحديث الآتي.
(٢) د (١ /٦٣٥/٤١٨). الطحاوي (١/ ٣٧٧). ك (١/ ٢٥٣). البيهقي (٢٣٦/٢). من طريق
أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين
ووافقه الذهبي والحديث في المسند (١٤٨/٢) وقد مضى.

اللباس
٥٧٥=
علی ان من کان معه ثوبان یتزر بالواحد ویلبس الآخر، انه حسن في
الصلاة، وانما قلنا حسن، ولم نقل واجب لان رسول الله پ﴾ و أصحابه، قد
صلوا في ثوب واحد ومعهم ثياب، وحسبك بأبي هريرة- وهو راوي هذا
الحديث. ذكر مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب انه قال: سئل أبو
هريرة هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ قال نعم، فقيل له هل تفعل انت
ذلك؟ قال نعم، اني لا صلى في ثوب واحد، وان ثيابي لعلى المشجب، وقد
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو سعيد بن الاعرابي، قال: حدثنا
الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن
الاعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وقال : لا يصل احدكم في الثوب الواحد
لیس علی منکبیه منه شيء(١). وأخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن الجهم السمری، قال: حدثنا جعفر
ابن عون، قال: أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة قال:
رأيت رسول الله وعليه في بيت أم سلمة، يصلى في ثوب واحد، واضعا طرفيه
على عاتقيه(٢). وروى عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله تليفون : اذا
صلی احدکم في ثوب فليخالف بطرفیه على عاتقیه (٣) من حدیث یحیی بن
أبي کثیر عن عكرمة.
(١) حم (٢/ ٢٤٣). خ (٣٥٩/١١٩/١). م (٥١٦/٣٦٨/١). د (١ / ٦٢٦/٤١٤).
ن (٢ / ٤٠٥ /٧٦٨). من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) حم (٢٦/٤). خ (٣٥٤/٦١٨/١ -٣٥٥ -٣٥٦). م (١/ ٣٦٨/ ٥١٧).
ت (٣٣٩/١٦٦/٢). ن (٧٦٣/٤٠٣/٢). جه (١٠٤٩/٣٣٣/١). من طريق هشام بن عروة
عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه.
حم (٤ / ٢٧). م (١/ ٣٦٩ /٥١٧[٢٨٠]). د (١ /٦٢٨/٤١٥). من طريق أخرى عن عمر بن
أبي سلمة رضي الله عنه.
(٣) حم (٢٥٥/٢-٢٦٦-٤٢٧ -٥٢٠). خ (١/ ٦٢١ / ٣٦٠).
د (١ / ٤١٤ - ٤١٥ / ٦٢٧). من طريق ابن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فتح البر
=٥٧٦
قال أبو عمر:
فهذه سنة الصلاة في الثوب الواحد اذا كان واسعا، وان كان ضيقا،
فحديث جابر، وحديث ابن عمر، أما حديث جابر فرواه أبو حزرة:
يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد، قال: أنبأني جابر ان رسول الله وَله
قال له: ان کان واسعا، فخالف بین طرفیه، وان كان ضيقا فاشدده
علیك(١). وبعضهم يقول فيه فاشدده على حقوك. وعند مالك حديث جابر
هذا بلاغا عن جابر، عن النبي وقال﴾. وقال في آخره: وان كان قصيرا فليتزر
به. وقد ذكرنا هذا الخبر في بلاغات مالك- والحمد لله. وأما حديث ابن
عمر، فرواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله صل ى: أو قال عمر: اذا كان لا حدکم ثوبان فليصل فيهما، وان لم
یکن له إلا ثوب فلیتزر به، ولا یشتمل اشتمال الیھود(٢). وروی أبو المنیب
عبيد الله العتكى عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: نهى رسول الله آلټ ان
يصلى في سراويل، ليس عليها رداء(٣). وهذا خبر لا يحتج به لضعفه، ولو
صح کان معناه الندب لمن قدر، وقد جاء ما یعارضه: روی أبو حصین، عن
أبي صالح، عن عائشة أن رسول الله وَ لو صلى في ثوب، بعضه عليها (٤).
وهذا لا محالة دون السراويل. ویرده أيضا حدیث جابر، وحديث ابن عمر:
(١) م (٤ / ٢٣٠٥ - ٢٣٠٦ / ٣٠١٠). د (١ / ١٧ ٤ - ١٨ ٤ / ٦٣٤). ك (١ / ٥٤ ٢) من طريق حاتم بن
إسماعيل عن أبي حزرة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما. وهو عند البخاري (٣٦١) من طريق أخرى عن جابر رضي الله عنه.
(٢) تقدم في الباب نفسه.
(٣) د (٤١٨/١-٦٣٦/٤١٩). ك (١ / ٢٥٠) من طريق سعيد بن محمد عن أبي تميلة عن أبي المنيب
عبيد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه. وهو عند الطحاوي (١/ ٣٨٢) من
طريق أبي المنيب بهذا الإسناد وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٤) د (١ / ٤١٦/ ٦٣١). من طريق أبي حصين عن أبي صالح عن عائشة رضي الله عنها. ومن طريق
أخرى عنها رضي الله عنها. م (١/ ٥١٤/٣٦٧). د(٣٧٠/٢٥٩/١). ن (٢ / ٤٠٥/ ٧٦٧). جه
(٢١٤/١/ ٦٥٢).

اللبلس
٥٧٧=
قوله وان كان ضيقا، فیلتزر به. وقد روى سلمة بن الأكوع ان رسول الله
◌َل ۋ، قال له: صل في قميص، وبعضهم يقول في حديث سلمة هذا: انه قال:
قلت يا رسول الله اني أتصيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم، وزره
ولو بشوكة (١).
وروى ابن عباس عن علي ان رسول الله ما قال: اذا كان ازراك واسعا،
فتوشح به، وان كان ضيقا، فاتزر به(٢). وهذه الآثار كلها تبين لك ما قلناه
وفسرناه- وبالله التوفيق.
وروي عن جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وسلمة بن الاکوع،
وأبي أمامة، وأبي هريرة، وطاوس، ومجاهد، وابراهيم، وجماعة من التابعين:
أنهم أجازوا الصلاة في القميص الواحد، اذا كان لا يصف. وهو قول عامة
فقهاء الأمصار في جميع الاقطار. ومن العلماء من استحب الصلاة في ثوبين،
واستحبوا ان يكون المصلي محمر العاتقین، وکرهوا ان يصلي الرجل في ثوب
واحد مؤتزرا به، ليس على عاتقه منه شيء اذا قدر على غيره. واجمع جميعهم
ان صلاة من صلى بثوب يستر عورته جائزة. وكان الشافعي يقول: اذا كان
الثوب ضیقا یزره، أو يخلله بشيء: لئلا يتجافى القميص، فیری من الجيب
العورة، وان لم يفعل ، ورأى عورته، أعاد الصلاة، وهو قول احمد. وقد
رخص مالك في الصلاة في القميص محلول الازار، ليس عليه سراويل، ولا
ازار. وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وكان سالم يصلي محلول الازار. وقال
داود الطائي: اذا كان عظيم اللحية فلا باس به. واجمعوا على ان ستر العورة
فرض واجب بالجملة على الآدميين. واختلفوا هل هي من فروض الصلاة
أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم، وجمهور فقهاء الامصار: انها من فروض
(١) حم (٤٩/٤ -٥٤). د (١ / ٤١٦ / ٦٣٢). ن (٢ / ٤٠٤ /٧٦٤). ك (١ / ٢٥٠) وصححه ووافقه
الذهبي.
(٢) ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الصلاة باب في الصلاة في الثوب الواحد (٣١٦٤/٢٧٦/١).

فتح البر
:٥٧٨
الصلاة، وإلى هذا ذهب أبو الفرج: عمرو بن محمد المالكي، واستدل بأن الله
عز وجل قرن اخذ الزينة بذكر المساجد- يعني الصلاة. والزينة المأمور بها
في قول الله عز وجل: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: (٣١)] هي
الثياب الساترة للعورة؛ لأن الآية نزلت من أجل الذين كانوا يطوفون
بالبيت عراة، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء. وأخبرنا عبد الله بن محمد،
قال: حدثنا حمزة بن محمد، قال: أنبأنا احمد بن شعيب، قال: أنبأنا محمد بن
بشار، قال: حدثنا غندر عن شعبة، عن سلمة، قال سمعت مسلما البطين،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي
عريانة وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فنزلت: ﴿﴿ يَبَنِىّ ءَدَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: (٣١)] (١).
قال أبو عمر:
لا يختلف العلماء بتأويل القرآن، أن قوله عز وجل: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: (٣١)] نزلت في القوم الذين كانوا يطوفون بالبيت
عراة. روينا عن مجاهد، وطاوس، وأبي صالح، ومحمد بن كعب القرظي،
ومحمد بن شهاب الزهري، في ذلك معنی ما نورده بدخول كلام بعضهم في
بعض، وأكثره على لفظ ابن شهاب، قال: كانت العرب تطوف بالبيت
عراة، الا الحمس : قريش وأحلافهم، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه،
فطاف في ثوبي احمسي، يستعير هما منه، فان لم يجد من يعيره، استأجر من
ثيابهم، فان لم يجد من يستأجر منه ثوبه من الحمس، ولا من يعيره ذلك،
(١) م (٤ / ٣٠٢٨/٢٣٢٠). ن (٢٩٥٦/٢٥٨/٥) أخبرنا محمد بن بشار قال حدثنا عندر (واسمه
محمد بن جعفر) عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن عبد الله
بن عباس رضي الله عنهما.

اللباس
٥٧٩=
كان بين أحد أمرين: إما أن يلقي عنه ثيابه ويطوف عريانا، واما ان يطوف
في ثيابه، فان طاف في ثيابه، ألقاها عن نفسه اذا قضی طوافه، وحرمها علیه،
فلا يقربها، ولا يقربها غيره. فكان ذلك الثوب يسمى اللقى. وفي ذلك
يقول بعضهم:
کفی حزنا کری علیه كأنه لقی بین أیدی الطائفین حریم
والمرأة في ذلك والرجل سواء، الا ان النساء كن يطفن بالليل، والرجال
بالنهار، فقدمت امرأة لها هيئة وجمال ، فطافت عريانة، وقال بعضهم بل
کان عليها من ثيابها ما ینکشف عنها، فجعلت تقول:
فما بدا منه فلا أحله
اليوم يبدو بعضه أو كله
﴿﴿ يَبَنِىّ ءَآدَمَ
فکانوا علی ذلك، حتى بعث الله نبیه ی﴾ وأنزل عليه:
خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وأمر رسول الله وَّه منادياً فنادى: أن
لا يطوف بالبيت عريان. وقال مجاهد: كانت قريش تطوف عراة، ولا
يلبس أحدهم ثوباً طاف فيه. وقال غيره: ما ذكرناه.
قال أبو عمر:
استدل من جعل ستر العورة من فرائض الصلاة، بالاجماع على افساد من
ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلى عریانا. وقال آخرون ستر
العورة فرض عن أعين المخلوقين، لا من اجل الصلاة، وستر العورة سنة
مؤكدة من سنن الصلاة، ومن ترك الاستتار وهو قادر على ذلك، وصلى
عريانا، فسدت صلاته، كما تفسد صلاة من ترك الجلسة الوسطى عامدا
وان كانت مسنونة، ولكلا الفريقين اعتلال يطول ذكره، والقول الاول
اصح في النظر، وأصح أيضا من جهة الاثر، وعليه الجمهور. واختلفوا في
العورة من الرجل ما هي فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي

: ٥٨٠
فتح البر
وأبو ثور: ما دون السرة الى الركبة عورة. وقال أبو حنيفة الركبة عورة.
وقال الشافعي ليست السرة ولا الركبتان من العورة. وحكى أبو حامد
الترمذي للشافعي في السرة قولين. واختلف المتأخرون من اصحابه في
ذلك أيضا على ذينك القولين، فطائفة قالت السرة من العورة، وطائفة
قالت ليست السرة عورة. وقال عطاء الركبة عورة وقال مالك السرة ليست
بعورة واکره للرجل ان یکشف فخذه بحضرة زوجته. وقال ابن أبي ذئب
العورة من الرجل الفرج نفسه: القبل والدبر دون غيرهما ، وهو قول داود
وأهل الظاهر، وقول ابن علية والطبري. فمن حجة من قال ان الفخذ
ليست بعورة حديث عائشة ان النبي ®ټ كان جالسا في بيته كاشفا عن
فخذه فاستأذن أبو بكر ثم عمر فأذن لهما- وهو على تلك الحال، ثم استأذن
عثمان فسوى عليه ثيابه ثم أذن له، فسئل عن ذلك، فقال: الا استحيي ممن
تستحيي منه الملائكة(١). وهذا حديث في الفاظه اضطراب.
واحتج البخاري في ذلك بحديث أنس بن مالك قال: حسر النبي وَل
على فخذه حتى اني لارى بياض فخذ نبي الله وَلي(٢). ومن حجة من قال ما
بين السرة والركبة عورة، قوله ﴿ ﴿ الفخذ عورة رواه علي بن أبي طالب
رضي الله عنه(٣)، وابن عباس(٤)، ومحمد بن جحش(٥)، وجرهد
(١) حم (٦٢/٦). م (٤ / ٢٤٠١/١٨٦٦). البيهقي (٢٣١/٢). حب: الإحسان
(٦٩٠٧/٣٣٦/١٥).
ـم (١٠١/٣ - ١٠٢). خ (١/ ٦٣٢ / ٣٧١). م (٢/ ١٠٤٣ - ١٠٤٤ / ١٣٦٥)،
(٢) حـ
(١٤٢٦/٣-١٣٦٥/١٤٢٧). ن (٤٤٢/٦-٣٣٨٠/٤٤٤). من طريق إسماعيل بن علية عن
عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه. وأخرجه أبو داود أيضا (٣٠٠٩) لكن دون
موضع الشاهد.
(٣) د (٥٠١/٣-٣١٤٠/٥٠٢)، (٤٠١٥/٣٠٣/٤). جه (١٤٦٠/٤٦٩/١).
ك (٤ / ١٨٠ - ١٨١). الدار قطني (٢٢٥/١). الطحاوي (١ / ٤٧٤). من طريق ابن جريج عن
حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه. قال أبو داود : هذا الحديث فيه
نكارة وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي في التلخيص.
(٤) حم (١/ ٢٧٥). ت (٢٧٩٦/١٠٣/٥). ك (١٨١/٤). الطحاوي (١ / ٤٧٤). من طريق =