النص المفهرس
صفحات 521-540
: ٢٠- كتاب التيمم E التيمم ٥٢٣ : ما جاء في التيمم وسببه وأحكامه وصفاته ١- مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله آل﴾ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش؛ انقطع عقد لی، فأقام رسول الله ێ على التماسه، وأقام الناس معه- وليسوا على ماء، ولیس معهم ماء؛ فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله وَ لؤ وبالناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؛ قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول الله ګ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﴾﴾ والناس وليسوا على ماء ليس معهم ماء؟ فعاتني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله وَ له على فخذي، فنام رسول الله ◌َلل حتى أصبح على غير ماء؛ فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته(١). هذا أصح حديث روي في هذا الباب، وفيه من الفقه خروج النساء مع الرجال في الأسفار، وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح إذا كان العسكر كبيرا يؤمن عليه الغلبة. حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد السلام بن مطهر، قال حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن أنس، قال: كان رسول الله وَل ويغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار، يسقين الماء ويداوين الجرحى(٢). حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا شریح بن النعمان، قال حدثنا عبد الواحد بن زياد (١) خ (١ /٣٣٤/٥٦٨)، م (٢٧٩/١/ ٣٦٧)، ن (١٧٩/١ - ٣٠٩/١٨٠) كلهم من طريق مالك عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه به. (٢)م (٣/ ١٨١٠/١٤٤٣)، د(٢٥٣١/٣٩/٣)، ت (١١٨/٤ / ١٥٧٥) من حديث أنس. ١ = ٥٢٤ فتح البر عن خالد بن ذكوان قال: قلت الربيع بنت معوذ: هل كنتن تغزون مع رسول الله ؟ قالت: نعم، کنا نغزو مع رسول الله ێ نحمل الجرحى نسقيهم أو نداويهم (١). قال أبو عمر: وخروج الرجل مع أهله في السفر من العمل المباح، فإذا كان له نساء حرائر لم يجز له أن يسافر بواحدة منهن حتى يقرع بينهن، فإذا أقرع بينهن ووقعت القرعة على من وقعت منهن، خرجت معه واستأثرت به في سفرها؛ فإذا رجع من سفره استأنف القسمة بينهن، ولم يحاسب التي خرجت معه بأيام سفره معها، وكانت مشقتها في سفرها ونصبها فيه بإزاء نصيبها منه و کونها معه. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجار الفقیه ببغداد، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان النبي وَّ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها(٢). وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن سلمان، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا إسماعيل بن أبي أویس، قال حدثنا أبي، قال حدثني الحسن بن زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري، عن عمرة بنت (١) خ (٢٨٨٢/٩٩/٦) من طريق خالد بن ذكوان به. (٢) هذا الحديث طرف من حديث الإفك الطويل وهو عند: خ (٢٥٩٣/٢٧٢/٥)، م (٢١٢٩/٤-٢٧٧٠/٢١٣٠) مطولا. د (٢١٣٨/٦٠٣/٢)، جه (١٩٧٠/٦٣٤/١) مختصرا. التيمم ٥٢٥ = عبدالرحمن، عن عائشة مثله(١). والسفر المذكور في هذا الحديث يقال: إنه كان في غزاة بني المصطلق والله أعلم. وأما قوله في هذا الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، فهكذا في حديث عبد الرحمن بن القاسم. وروى هشام بن عروة هذا الحديث فاختلف عنه في اسم الموضع الذي انقطع فیه العقد: حدثني يونس بن عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا منجلب بن الحرث، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة لها وهي في سفر مع رسول الله وَ ﴿ فانسلت منها وكان ذلك المكان يقال له الصلصل، فذكرت ذلك للنبي وط ﴿ فطلبوها حتى وجدوها، وحضرت الصلاة؛ فلم يكن معهم ماء، فصلوا بغير وضوء؛ فأنزل الله آية التيمم، فقال لها أسيد بن الحضير: جزاك الله خيرا، فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك فيه وللمسلمين خيرا(٢). هكذا في الحديث: أن القلادة كانت لأسماء، وأن عائشة استعارتها منها، وقال: قلادة ولم يقل عقدا، وقال في المكان يقال له الصلصل. وروى ابن عيينة هذا الحديث عن هشام بن عروة، فقال فيه: سقطت قلادتها ليلة الأبواء فأضاف القلادة إليها، وقال في الموضع: الأبواء: حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان (١) حم (٢٦٩/٦)، وحسن سنده الشيخ ناصر في "غاية المرام" (ص١٤٨). (٢) خ (٣٣٦/٥٧٩/١)، م (٣٦٧/٢٧٩/١)، د (٣١٧/٢٢٣/١)، ن (١٨٧/١ -١٨٨ / ٣٢٢)، جه (٥٦٧/١٨٨/١) كلهم من طرق عن هشام عن أبيه به لكن دون ذكر اسم المكان ((الصلصل)). وأما رواية علي بن مسهر فقال الحافظ "الفتح" (١/ ٥٧٠): ((رواه جعفر الفريابي في كتاب الطهارة له.)) فتح البر =٢٦ قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء، فأرسل رسول الله وَ ﴿ رجلين من المسلمين في طلبها، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فلم يدريا كيف يصنعان؟ قال: فنزلت آية التيمم، قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا، فما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه خيرا(١). قال أبو عمر: الرجلان اللذان بعثهما رسول الله وَّلفيه في طلب القلادة، کان أحدهما أسید بن حضیر: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد الله بن محمد النفیلي، قال حدثنا أبو معاوية، قال أبو داود وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا عبدة جميعا عن هشام بن عروة المعنى واحد عن أبيه عن عائشة، قالت: بعث رسول الله وَليم أسيد بن حضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا رسول الله صلټ فذكروا ذلك، فنزلت آية التيمم. زاد ابن نفيل فقال لها أسيد: رحمك الله، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فیه فر جا(٢). قال أبو عمر: ليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع الذي سقط ذلك فيه لعائشة، ولا في قول القاسم عن عائشة عقد لي، وقول هشام إن القلادة استعارتها من أسماء عائشة ما يقدح في الحديث، ولا يوهن شيئا منه؛ لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود إليه هو نزول آية التيمم، ولم يختلفوا في ذلك. (١) الحميدي (١ /١٦٥/٨٨) من طريق سفيان به وسكت عنه الحافظ في "الفتح" (١ / ٥٧٠). (٢) سبق تخريجه في الباب نفسه. التيمم ٥٢٧ ! وفي هذا الحديث من رواية هشام بن عروة حكم كبير قد اختلف فيه العلماء وتنازعوه وهو الصلاة بغير طهور بماء ولا تيمم لمن عدم الماء ولم يقدر على التيمم لعلل منعته من ذلك، وسنذكر هذا الحكم وما للعلماء فيه في هذا الباب إن شاء الله: حدثنا يونس بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبدالرحمن، قال حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض، قال حدثنا إبراهيم ابن الحجاج السلمي، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة كانت في سفر مع رسول الله وَ طلو وكان في عنقها قلادة لأسماء بنت أبي بكر، فعرسوا فانسلت القلادة من عنقها؛ فلما ارتحلوا قالت: يا رسول الله انسلت قلادة أسماء من عنقي، فأرسل رسول الله رجلين إلى المعرس يلتمسان القلادة فوجداها، فحضرت الصلاة فصلوا بغير طهور، فأنزل الله آية التيمم: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: (٤٣)] فقال أسيد بن حضير: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا(١). قال أبو عمر: فهذا ما في حديث عائشة في بدو التيمم والسبب فيه وقد رواه عمار بن یاسر بأتم معنی. حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثني أبي، قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال حدثني أبي عن صالح بن کیسان، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله آل﴾ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء (١) سبق تخريجه في الباب نفسه. =٥٢٨! فتح البر الصبح وليس مع الناس ماء، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب؛ فقام المسلمون مع رسول الله و ﴿ فضربوا بأيديهم الارض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم الى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط(١). قال أبو عمر: ليس في الموطأ في ذكر التيمم حديث مرفوع إلى النبي ◌َّله غير حديث عبد الرحمن بن القاسم هذا، وهو أصل التيمم، إلا أنه ليس فيه رتبة التيمم ولا كيفيته؛ وقد نقلت آثار في التيمم عن النبي 18ّ مختلفة في کیفیته؛ وعلى قدر ذلك من اختلافها، اختلف فقهاء الأمصار في القول بها؛ ونحن نذكر أقاويلهم، والآثار التي منها نزعوا في هذا الباب إن شاء الله. وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر؛ وسواء كان جنبا أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء، ولا يستبيح بالتيمم صلاة، لقول الله عز وجل: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ج (٦)] ولقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: (٤٣)]. وذهبا ج إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: ﴿ وَإِن كُم مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَكَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: (٤٣)] وكانا يذهبان إلى أن الملامسة ما دون الجماع، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الملامسة في باب أبي النضر والحمد لله. (١) حم (٤/ ٢٦٣)، د (١ / ٢٢٥ - ٢٢٦ / ٣٢٠)، ن (١ / ١٨٢ - ١٨٣ / ٣١٣). قال الزيلعي في "نصب الراية" (١٥٥/١): ((وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صالح ابن كيسان، وعبد الرحمان بن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي وَّ في ((التيمم)) فقالا: هذا خطأ. رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن أبيه عن عمار، وهو الصحيح وهما أحفظ)) اهــ. أما رواية مالك فهي عند: ن (٣١٤/١٨٣/١). ورواية ابن عيينة عند: جه (١/ ١٨٧ /٥٦٦). التيمم ٥٢٩_ ولم يتعلق بقول عمر، وعبد الله في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار؛ وذلك والله أعلم لحديث عمار، ولحديث عمران بن حصين، ولحديث أبي ذر عن النبي ◌َّ في تيمم الجنب؛ أجمع العلماء على القول بذلك إلا ما ذكرنا عن عمر، وابن مسعود؛ وهذا يدلك على أن أخبار الآحاد العدول من علم الخاصة قد يخفى على الجليل من العلماء منها الشيء، وحسبك بما في الموطأ مما غاب عن عمر منها، وهذا من ذلك الباب؛ ولما لم يصل إليهما علم ذلك عن النبي ◌َّقه في تيمم الجنب أو لم يثبت ذلك عندهما، تأولا في الآية المحكمة في الوضوء أن الجنب منفرد بحكم التطهر بالماء والاغتسال به، وأنه لم يرد بالتيمم، وذلك جائز سائغ من التأويل في الآية لولا ما بينه رسول الله وقي في تيمم الجنب؛ والحديث في ذلك: ما حدثناه خلف بن القاسم، وعبد الله بن محمد بن أسد، قالا حدثنا سعید بن عثمان بن السكن، قال: حدثنا محمد بن یوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا آدم، قال حدثنا شعبة، قال حدثنا الحکم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل؛ وأما أنا، فتمعكت ثم صليت؛ فذكرت ذلك للنبي * فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي وَلل بكفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه(١). قال البخاري: وحدثني عمر بن حفص بن غياث، قال حدثنا أبي، قال حدثنا الاعمش قال: سمعت شقيق بن سلمة، قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال: أرأيت يا أبا عبد الرحمن، إذا أجنبت فلم تجد ماء، كيف تصنع؟ فقال عبدالله: حتى نجد الماء؛ فقال أبو موسى: كيف تصنع بقول عمار حين قال (١) خ (١/ ٣٣٨/٥٨٣)، م (١ / ٣٦٨/٢٨١)، د (٣٢٦/٢٣١/١)، ن (١/ ١٨٤- ٣١٧/١٨٥)، جه (١٨٨/١/ ٥٦٩). فتح البر =٥٣٠ له النبي ◌َّة: كان يكفيك. يعني الصعيد، قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك؟ قال أبو موسى: فدعنا من قول عمار: كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول؟ فقال: لو أنا رخصنا لهم في هذا، لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتمم؟ فقلت لشقيق: فإنها كرهه عبد الله لهذا؟ قال: نعم(١). قال أبو عمر: هذا معروف مشهور عند أهل العلم عن ابن مسعود وعمر، لا يجهله إلا من لا عناية له بالآثار وبأقاويل السلف؛ وقد غلط في هذا بعض أهل العلم، فزعم أن ابن مسعود كان لا يرى الغسل للجنب إذا تيمم ثم وجد الماء، وهذا جهل بهذا المعنى بين لا خفاء به والله المستعان. أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن كثير العبدي، أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزي، قال: كنت عند عمر فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين، قال عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء، قال عمار: يا أمير المؤمنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي ◌َّ# فذكرنا ذلك، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول- وضرب بیدیه هکذا، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع. قال عمر: يا عمار، اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت والله لم أذكره أبدا، قال: كلا، والله، ولكن نوليك من ذلك ما توليت(٢). (١) حم (٢٦٥/٤)، خ (٣٤٦/٥٩٩/١)، م (٣٦٨/٢٨٠/١)، د (٣٢١/٢٢٨/١)، ن (١ / ٣١٩/١٨٦) كلهم من طرق عن الأعمش عن سقیف به. (٢) أخرجه بهذا الإسناد: د(٢٢٨/١-٣٢٢/٢٢٩)، ن (١٨٣/١-٣١٥/١٨٤)، وقد سبق تخريجه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن شعبة عن الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به. التيمم ٣١ ٥= قال أبو عمر: روى ابن مهدي هذا الحديث عن الثوري، عن سلمة بن أبي مالك، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى- مثله. وروی حدیث عمار عنه من طرق كثيرة، فإن قال قائل: إن في بعض الأحاديث عن عمار في هذا الخبر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فالجواب أن عمر کان یذهب إلى أن الجنب لا يجزیه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار عن النبي ◌ّيقر بأن التيمم يكفيه، سكت عنه ولم ينهه؛ فلما لم ينهه، علمنا أنه قد وقع بقلبه تصديق عمار؛ لأن عمارا قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار، لنهاه لما كان الله قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات الله؛ ولا شيء أعظم من الصلاة؛ وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة - وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه، وأنصحهم لهم في دينهم في ذلك الوقت -رحمة الله عليه- وقد روي عن النبي ګ تیمم الجنب من حدیث عمران بن حصین، وأبي ذر، وعلى ذلك جماعة العلماء- والحمد لله. أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن، قال حدثنا محمد بن یوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا عبدان، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا عوف، عن أبي رجاء، قال حدثنا عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله وَ لافو رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة، ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك(١). قال أبو عمر: فلما بین رسول الله آل﴾ مراد ربه من معنى آية الوضوء بأن الجنب داخل فيمن قصد بالتيمم عند عدم الماء بقوله: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْمَاءٍ فَتَيَمَّمُوا﴾ - تعلق العلماء بهذا المعنى ولم يعرجوا على قول عمر، وابن (١) خ (٣٤٨/٦٠٢/١)، م (١/ ٦٨٢/٤٧٦)، ن (١٨٦/١ /٣٢٠) من طرق عن عوف به. فتح البر =٥٣٢ مسعود، وليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ہلہے فیما یصح عنه. روى أبو معاوية وغيره، عن الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: لا یتیمم الجنب- وإن لم يجد الماء شهرا. وروى أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر سمع أبا ذر قال: كنت أعزب عن الماء، ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة، فسألت رسول الله وله فقال: إن الصعيد الطيب طهور- وإن لم تجد الماء- عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك أو بشرتك(١) .- هكذا رواه حماد بن زيد، وعبد الوارث، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر. (١) حم (١٤٦/٥)، د(٣٣٣/٢٣٧/١) مطولا. قط (١ / ١٨٧)، الطيالسي (ص٦٦) من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر به. وأخرجه: حم (١٤٦/٥-١٤٧)، عبد الرزاق (٩١٢/٢٣٦/١)، من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني قشير به. وأخرجه: ن (٣٢١/١٨٧/١)، قط (١٨٦/١)، البيهقي (١/ ٢١٢) كلهم من طرق عن مخلد بن يزيد عن سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان به. وأخرجه: حم (٥/ ١٨٠)، د (٣٣٢/٢٣٥/١)، ت (٢١١/١-١٢٤/٢١٢) وقال: وهذا حديث حسن صحيح. حب: الإحسان (١٣٥/٤ -١٣١١/١٣٦)، ك (١٧٦/١- ١٧٧) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، اذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويا غير أبي قلابة الجرمي وهذا مما شرطت فيه وثبت أنهما قد خرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين، وأقره الذهبي. قط (١٨٧/١) وصححه كما حكى ذلك الحافظ في "الفتح" (٥٨٨/١). من طرق عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان به. قال ابن القطان كما في "نصب الراية" (١٤٨/١-١٤٩): ((وهذا حديث ضعيف بلا شك» اذ لا بد فيه من عمرو بن بجدان، وعمرو بن بجدان لا یعرف له حال، وإنما روی عنه أبو قلابة واختلف عنه)) اهـ. وتعقبه الحافظ فقال في "التلخيص" (١٥٤/١): ((ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان وقد وثقه العجلي وغفل ابن القطان فقال إنه مجهول)). أما الاختلاف عن أبي قلابة فقد رده الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله في تعليقه على الترمذي (٢١٥/١) قال: ((وهذه القصة المطولة رواه أحمد أيضا بنحو ذلك عن محمد بن جعفر عن سعيد عن أبي عروبة عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني قشير عن أبي ذر. وهذا الرجل هو الأول نفسه - يعني عن رجل من بني عامر - لأن بني قشير من بني عامر، كما في الاشتقاق لابن دريد، وهو عمرو بن بجدان نفسه)" اهــ. وله شاهد في حديث أبي هريرة عزاه الحافظ في "التلخيص" (١٥٤/١) للبزار. وصححه الشيخ الألباني في "الإوراء" (١٨١/١). التيمم ٥٣٣ ورواه خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، بمعنی واحد. واختلف الفقهاء في الذي يدخل عليه وقت الصلاة ويخشى خروجه- وهو لا يجد الماء، ولا يستطيع الوصول إليه، ولا إلى صعيد يتيمم به؛ فقال ابن القاسم في المحبوس إذا لم يجد ماء ولم يقدر على الصعيد، صلى كما هو وأعاد إذا قدر على الماء، أو على الصعيد. وقال أشهب في المنهدم عليهم والمحبوسين والمربوط، ومن صلب في خشبة ولم يمت: لا صلاة عليهم حتى يقدروا على الماء، أو على الصعيد، وإذا قدروا صلوا. وقال ابن خواز بنداد: الصحيح من مذهب مالك أن كل من لم يقدر على الماء، ولا على الصعيد حتى خرج الوقت، أنه لا يصلي - ولا عليه شيء؛ قال: رواه المدنيون عن مالك، قال: وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر: ما أعرف كيف أقدم على أن جعل هذا هو الصحيح من المذهب مع خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين، وأظنه ذهب إلى ظاهر حدیث مالك هذا في قوله، ولیسوا علی ماء فنام رسول الله ێ حتی أصبح- وهم على غير ماء؛ فأنزل الله آية التيمم ولم يذكر أنهم صلوا؛ وهذا لا حجة فيه، لأنه لم يذكر أنهم لم يصلوا وقد ذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- في هذا الحديث- أنهم صلوا بغير وضوء، ولم يذكر إعادة؛ وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء، قال أبو ثور: وهو القیاس؛ وقال ابن القاسم: يصلون-إن قدروا۔ و کان عقلهم معهم، ثم یعیدون إذا قدروا على الطهارة بالماء أو بالتيمم. فتح البر ٤ ٥٣٤ وقد روى ابن دينار عن معن بن مالك، فيمن كتفه الوالي وحبسه فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها، أنه لا إعادة عليه؛ وإلى هذه الرواية -والله أعلم - ذهب ابن خواز بنداد، وكأنه قاسه على المغمى عليه، وليس هذا وجه القياس؛ لأن المغمى عليه مغلوب على عقله، وهذا معه عقله. وقال ابن القاسم وسائر العلماء: الصلاة عليه واجبة إذا كان عقله معه، فإن زال المانع له، توضأ أو تیمم وصلى. وذكر عبد الملك بن حبيب قال: سألت مطرفا، وابن الماجشون وأصبغ ابن الفرج - عن الخائف تحضره الصلاة- وهو على دابته على غير وضوء، ولا يجد إلى النزول للوضوء والتيمم سبيلا، فقال بعضهم: يصلي كما هو على دابته إيماء، فإذا أمن، توضأ إن وجد الماء أو تيمم، إن لم يجد الماء- وأعاد الصلاة في الوقت وغير الوقت. وقال لي أصبغ بن الفرج: لا يصلي وإن خرج الوقت حتى يجد السبيل- إلى الطهور بالوضوء أو التيمم. قال: ولا يجوز لأحد الصلاة بغير طهر. قال عبد الملك بن حبيب: وهذا أحب إلي؛ قال: وكذلك الأسير المغلول- لا يجد السبيل إلى الوضوء بالماء ولا التيمم، والمريض المثبت الذي لا يجد من يناوله الماء، ولا يستطيع التيمم - هما مثل الذي وصفنا من الخائف؛ وكذلك قال أصبغ بن الفرج في هؤلاء الثلاثة، قال: وهو أحسن ذلك -عندي - وأقواه؛ وعن الشافعي روايتان، إحداهما: لا يصلي حتى يجد طهارة، والأخرى يصلي كما هو ويعيد- وهو المشهور عنه. قال المزني -: إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف، صلى وأعاد إذا قدر. وقال أبو حنيفة في المحبوس في المصر: إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا لم يصل، وإذا وجد ذلك صلى. التيمم ٥٣٥ = ١١ وقال أبو يوسف، ومحمد، والثوري، والشافعي، والطبري: يصلي ويعيد. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي: إن وجد المحبوس في المصر ترابا نظيفا، صلى في قولهم وأعاد. وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي - وإن وجد ترابا نظيفا على أصله في أنه لا يتيمم في الحضر. وقال ابن القاسم: لو تيمم على التراب النظيف أو على وجه الأرض، لم تكن عليه إعادة إذا وجد الماء. قال أبو عمر: ههنا مسألة أخرى في تیمم الذي يخشى فوت الوقت وهو في الحضر، ولا يقدر على الماء، وهو قادر على الصعيد- سنذكرها ونذكر اختلاف العلماء فيما بعد هذا- إن شاء الله. وقد ذكر أبو ثور أن من أهل العلم من قال أنه يصلي كما هو ولا يعيد، ومذهب أبي ثور في ذلك کمذهب الشافعي ومن تابعه؛ وزعم أبو ثور أن القياس أن لا إعادة عليه، لأنه كمن لم يجد ثوبا صلى عريانا، ولا إعادة عليه؛ قال: وإنما الطهارة بالماء أو بالصعيد كالثوب، فمن لم يقدر عليها سقطت عنه، والصلاة له لازمة على حسب قدرته، وقد أداها في وقتها على قدر طاقته. وقد اختلفوا في وجوب إعادتها، ولا حجة لمن أوجب الإعادة عليه؛ وأما الذين قالوا: من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد- صلى كما هو، وأعاد إذا قدر على الطهارة؛ فإنهم احتاطوا للصلاة فذهبوا إلى حديث عائشة المذكور في هذا الباب من رواية هشام بن عروة، وفيه أن أصحاب النبي وَليه الذين بعثهم في طلب القلادة حضرتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، إذ لم يجدوا الماء؛ فلم يعنفهم رسول الله وَل﴿ ولا نهاهم - وكانت طهارتهم الماء، فلما عدموه صلوا كما كانوا في الوقت، ثم نزلت آية التيمم؛ فكذلك إذا لم فتح البر ١١١ = ٥٣٦ يقدر على الماء ولا على التيمم عند عدم الماء، صلى في الوقت كما هو، فإذا وجد الماء، أو قدر على التيمم عند عدم الماء، أعاد تلك الصلاة احتياطا، لأنها صلاة بغير طهور؛ وقالوا: لا يقبل الله صلاة بغير طهور لمن قدر على الطهور؛ فأما من لم يقدر على الطهور، فلیس کذلك؛ لأن الوقت فرض- وهو قادر علیه، فيصلي کما قدر في الوقت ثم یعید، فیکون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا؛ وذهب الذين قالوا: إنه لا يصلي حتى يجد الماء أو التيمم إلى ظاهر قول النبي وَّ لا يقبل الله صلاة بغير طهور(١). قالوا: ولما أوجبوا عليه الإعادة إذا قدر على الماء أو التيمم، لم يكن لأمرهم إياه بالصلاة معنى؛ وفي حديث مالك هذا- عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قولها فيه فنام رسول الله ويّلة حتى أصبح على غير ماء، دليل على أن من عدم الطهارة، لم يصل حتى تمكنه - وبالله التوفيق. أخبرنا محمد بن أبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعیب، قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَاليه: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول(٢). وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الملح، عن أبيه، عن النبي وّار قال: لا تقبل صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور(٣). حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا (١) سيأتي تخريجه في الباب نفسه. (٢) و(٣) حم (٧٤/٥)، د(٤٨/١-٥٩/٤٩)، ن (١٣٩/٩٥/١)، جه (٢٧١/١٠٠/١). حب: الإحسان (١٧٠٥/٦٠٥/١٤). التيمم = ٥٣٧ بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، أن ابن عمر قال لابن عامر: سمعت رسول الله ◌َي يقول: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول(١). وروی سعید بن سنان، عن أبيه عن النبي ◌ُّټ مثله. حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ(٢). وفي قوله في حديث مالك: وليسوا على ماء وليس معهم ماء- دليل على أن الوضوء قد كان لازما لهم قبل نزول آية الوضوء، وأنهم لم يكونوا يصلون إلا بوضوء قبل نزول الآية؛ لأن قوله: فأنزل الله آية التيمم - وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء، ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين- وهما مدنيتان، والآية ليست بالكلمة ولا الكلمتين، وإنما هي الكلام المجتمع الدال على الإعجاز الجامع لمعنى مستفاد قائم بنفسه. ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن النبي ولو منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا (١) حم (١٩/٢-٢٠)، م (٢٢٤/٢٠٤/١)، ت (٥/١-١/٦)، جه (٢٧٢/١٠٠/١)، وقال الترمذي: ((هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن)). قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الترمذي (٦/١): ((وفي الباب عن أبي هريرة، وهو ما أخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعا: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وهو أصح من حديث ابن عمر هذا، فوصف الترمذي له بأنه أصح شيء في الباب فيه نظر)) اهـ. (٣٠٨/١)، خ (١/ ١٣٥/٣١٢)، م (١/ ٢٢٥/٢٠٤)، د (٤٩/١ / ٦٠)، (٢) ح ت (١/ ١١٠/ ٧٦). = ٥٣٨ فتح البر بوضوء- مثل وضوئنا اليوم؛ وهذا ما لا يجهله عالم، ولا يدفعه إلا معاند؛ وفيما ذكرنا دليل على أن آية الوضوء، إنما نزلت ليكون فرضها المتقدم متلوا في التنزيل، ولها نظائر كثيرة ليس هذا موضع ذكرها؛ وفي قوله في حديث مالك، فنزلت آية التيمم ولم يقل آية الوضوء ما يتبين به أن الذي طرأ إليهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء - والله أعلم. ومن فضل الله ونعمته أن نص على حكم الوضوء وهيئته بالماء، ثم أخبر بحكم التيمم عند عدم الماء، وقد تقدم القول في فرض الصلاة والوضوء في باب ابن شهاب عن عروة- والحمد لله. وفي قوله أيضا: ليسوا على ماء وليس معهم ماء، وإقامة رسول الله وله مع تلك الحال على التماس العقد- دليل على أنه ليس للمرء أن ينصرف عن سفر لا يجد فيه ماء، ولا يترك سلوك طريق لذلك، وحسبه سلوك ما أباح الله له. وأما التيمم، فمعناه في اللغة: القصد؛ ومعناه في الشريعة: القصد إلى الصعيد- خاصة للطهارة عند عدم الماء، فيضرب عليه من كفيه ثم يمسح بهما وجهه ويديه. قال أبو بكر بن الانباري: قولهم قد تيمم الرجل، معناه: قد مسح التراب على يديه ووجهه؛ قال: وأصل تيمم: قصد، فمعنى تيمم قصد التراب فتمسح به؛ قال الله - عز وجل -: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: (٢٦٧)]، - معناه: لا تعمدوا الخبيث فتنفقوا منه. قال الممزق أو المثقب: وما أدري إذا یممت وجها أالخير الذي أنا أبتغيه أريد الخير أيهما يليني أم الشر الذي هو يبتغيني یرید : قصدت واعتمدت وجها. التيمم ٥٣٩ وقالآخر: وفي الأظعان آنسة لعوب تيمم أهلها بلدا فساروا يعني قصد أهلها بلدا. وقال حمید بن ثور: وما يلبث العصران: يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما وقال امرؤ القيس: تيممتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال وقال خفاف بن ندية: فإن تك خیلي قد أصیب صميمها فعمدا على عيني تیممت مالكا معناه: تعمدت مالكا. وقالآخر: إني كذلك إذا ما ساءني بلد يممت صدر بعيري غيره بلدا يعني قصدت. ومثل هذا كثير، فمعنى قول الله - عز وجل - ((فتيمموا صعيدا)) - أي: اقصدوا صعيدا طيبا، والصعيد وجه الارض، وقيل: فتح البر == ٥٤٠ التراب الطيب الطاهر. قال ◌َله: جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا(١). وطهور بمعنى طاهر مطهر على ما ذكرنا في غير موضع من كتابنا هذا، كما قال الله - عز وجل -: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: (٤٨)] - يعني: طاهراً مطهراً. واختلف العلماء في كيفية التيمم: فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن أبي سلمة والليث: ضربتان: ضربة للوجه يمسح بها وجهه، وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين، يمسح اليمنى باليسرى؛ إلا أن بلوغ المرفقين عند مالك ليس بفرض، وإنما الفرض عنده إلى الكوعين، والاختيار - عنده- إلى المرفقين؛ وسائر من ذكرنا معه من الفقهاء- یرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا. وممن روي عنه التيمم إلى المرفقين: ابن عمر، والشعبي، والحسن، وسالم. وقال الأوزاعي: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين .- وهما الرسغان. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وقد روي عن الأوزاعي - وهو أشهر عنه- أن التیمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعین، وهو قول عطاء، والشعبي، في روایة، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهویه، وداود بن علي، والطبري؛ وهو أثبت ما روي في ذلك من حديث عمار، رواه شقيق بن سلمة أبو وائل، عن أبي موسى، عن عمار، فقال فيه: ضربة واحدة لو جهه و کفيه(٢)، ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا وسائر (١) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين منهم: حديث جابر أخرجه: حم (٣٠٤/٣)، خ (١ / ٣٣٥/٥٧٤)، ن (٤٣٠/٢٢٩/١)، حب: الإحسان (٦٣٩٨/٣٠٨/١٤). حديث أبي هريرة أخرجه: حم (٤١١/٢-٤١٢)، م (٥٢٣/٣٧١/١)، ت (١٥٥٣/١٠٤/٤)، جه (١ / ١٨٧/ ٥٦٧) حديث خذيفة أخرجه: حم (٣٨٣/٥)، م (٥٢٢/٣٧١/١)، ابن خزيمة (٢٦٤/١٣٣/١)، حب: الإحسان (١٦٩٧/٥٩٥/٤). حديث أبي ذر أخرجه: حم (١٤٨/٥)، د (٤٨٩/٣٢٨/١) وجود الخطابي إسناده في معالم السنن (١٢٦/١)، ك (٤٢٤/٢) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.