النص المفهرس

صفحات 501-520

الحيض والاستحاضة
٥٠١
=
=
فاغتسلي لكل صلاة، وإلا فاجمعي بين الصلاتين بغسل واحد. قال:
وكذلك روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس وعلي أنها تغتسل لكل
صلاة(١).
قال أبو عمر:
هذا الحديث رواه همام عن قتادة، عن أبي حسان، عن سعيد بن جبير، أن
امرأة اتت ابن عباس بكتاب بعدما ذهب بصره، فدفعه إلى ابنه فتبرأ منه،
فدفعه إلي فقرأته؛ فقال لابنه: ألا هذرمته كما هذرمه الغلام المصري، فإذا
فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من امرأة من المسلمين أنها استحيضت
فاستفتت عليا رضي الله عنه فأمرها أن تغتسل وتصلي.
فقال ابن عباس: الله! لا أعلم القول إلا ما قال علي ثلاث مرات(٢).
قال قتادة: وأخبرني عذرة، عن سعيد أنه قيل له إن الكوفة أرض باردة،
وانه يشق عليها الغسل لكل صلاة؛ فقال: لوشاء الله لا بتلاها بما هو أشد
منه(٣).
وقال يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير أن امرأة من
أهل الكوفة استحيضت، فكتبت إلى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن الزبير تناشدهم الله وتقول: إني امرأة مسلمة أصابني بلاء،
وإنها استحیضت منذ سنین، فما ترون في ذلك؟ فكان أول من وقع الكتاب
في يده ابن الزبير، فقال: ما أعلم لها إلا أن تدع قرءها وتغتسل عند كل
(١) د (١/ ٢٠٦).
(٢) الطحاوي (٦٢٦/٩٩/١)، عبد الرزاق (١١٧٣/٣٠٥/١)، ابن أبي شيبة (١١٩/١/ ١٣٦١)
من طرق عن سعيد به.
(٣) عبد الرزاق (١١٧٣/٣٠٦/١)، الطحاوي (١٠٠/١).

=٥٠٢
فتح البر
صلاة وتصلي، فتتابعوا على ذلك (١)، فهذا كله حجة من جعل على
المستحاضة الغسل لكل صلاة.
وقال آخرون: يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا تصلي
به الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها؛ وتغتسل للمغرب والعشاء
غسلا واحدا تقدم الأولى وتؤخر الآخرة وتغتسل للصبح غسلا.
واحتجوا بما رواه محمد بن اسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه، عن عائشة، قالت: إنما هي سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت،
وأن رسول الله ﴿ ﴿ كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة؛ فلما جهدها ذلك،
أمرها أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل
واحد، وتغتسل للصبح(٢).
ورواه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
استحيضت امرأة على عهد رسول الله و له فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر
الظهر، وتغتسل لهما غسلا واحدا؛ وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل
لهما غسلا واحدا؛ وتغتسل لصلاة الصبح غسلا؛ قال شعبة قلت لعبد
الرحمن: أعن النبي عليه السلام؟ قال: لا أحدثك عن النبي ◌ُّ بشيء(٣).
ورواه الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن زينب بنت
جحش، أن النبي عليه السلام أمرها بذلك(٤).
(١) الطحاوي (١٠٠/١).
(٢) د (١ / ٢٩٥/٢٠٧)، وقال الحافظ في "التلخيص" (١٨١/١): «وقد قيل: إن إسحاق وهم
فيه». الدارمي (٢٠٠/١)، الطحاوي (٩٨/١).
(٣) د (٢٩٤/٢٠٦/١)، ن (٣٥٨/٢٠٢/١).
(٤) الطحاوي (١/ ١٠٠) بهذا السند.

الحيض والاستحاضة
٥٠٣ -
ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه مرسلا(١). وروى
سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس، أن
النبي عليه السلام امر بمثل ذلك فاطمة بنت أبي حبيش(٢)؛ قالوا: فقد بان
في حديث ابن إسحاق وغيره عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث
الناسخ من المحکم في ذلك، جمع الصلاتین بغسل واحد صلاتي الليل
وصلاتي النهار، وتغتسل للصبح غسلا واحدا؛ فصار القول بهذا أولى من
القول بإيجاب الغسل لكل صلاة، لقوله: فلما جهدها، أمرها أن تجمع الظهر
والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للصبح.
قالوا: وقد روي عن علي، وابن عباس مثل ذلك خلاف الرواية الأولى
عنهما، فذكروا ما حدثنا به عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي، قال حدثنا أبو معمر، قال حدثنا
عبد الوارث، قال حدثنا محمد بن جحادة، عن إسماعيل بن رجاء، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءته امرأة مستحاضة تسأله فلم
يفتها وقال لها: سلي؛ قال: فأتت ابن عمر فسألته، فقال لها : لا تصلي ما
رأيت الدم. فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته، فقال رحمه الله: إن کاد
ليكفرك. قال: ثم سألت علي بن ابي طالب فقال: تلك ركزة من الشيطان،
أو قرحة في الرحم، اغتسلي عند كل صلاتين مرة وصلي. قال: فلقيت ابن
عباس بعد فسألته، فقال: ما أجد لك إلا ما قال علي(٣).
وروی حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: قيل لابن
عباس: إن أرضها باردة، قال: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما
(١) ذكره: د (٢٠٧/١). وأخرجه: ن (٣٥٩/٢٠٢/١)، هق (٣٥٣/١)، عبد الرزاق
(١١٧٦/٣٠٨/١).
(٢) د (١/ ٢٠٧-٢٩٦/٢٠٨)، ك (١٧٤/١) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٣) الطحاوي (١٠١/١).

فتح البر
| -٥٤
غسلا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل
للفجر غسلا(١).
وروى إبراهيم النخعي عن ابن عباس مثله، وهو قول إبراهيم النخعي،
وعبد الله بن شداد، وفرقة.
وقال آخرون: تغتسل كل يوم مرة في أي وقت شاءت، رواه معقل
الخثعمي، عن علي، قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها اغتسلت كل يوم،
واتخدت صوفة فيها سمن أو زيت(٢).
وقال آخرون: تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة. رواه
مالك، عن سمي، عن سعيد بن المسيب، وهو قول سالم، وعطاء، والحسن؛
وروي مثل ذلك عن ابن عمر، وأنس بن مالك، وهي رواية عن عائشة (٣).
وقال آخرون: لا تغتسل إلا من ظهر إلى ظهر، روي ذلك عن طائفة من
أهل المدينة.
وقال آخرون : لا تتوضأ إلا عند الحدث، وهو قول عكرمة، ومالك بن
أنس، إلا أن مالك يستحب لها الوضوء عند كل صلاة.
وقال آخرون: تدع المستحاضة الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ
لكل صلاة وتصلي.
واحتجوا بحديث شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن
أبيه، عن جده، عن النبي ◌ُّله في المستحاضة تدع الصلاة أيام اقرائها، ثم
(١) سبق تخريجه.
(٢) د (١ / ٢١٢ / ٣٠٢).
(٣) د (١ / ٢١١ - ٢١٢ / ٣٠١).

الحيض والاستحاضة
٥٠٥ =
تغتسل وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي (١).
وبحديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت
أبي حبيش أتت رسول الله وَليه فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا
ينقطع عني، فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل
صلاة وتصلي وإن قطر الدم علي الحصير(٢).
وبما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا يحيى بن هاشم،
قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: جاءت فاطمة بنت
أبي حبيش إلى رسول الله صل﴿ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا
أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما هو عرق وليس بالحيضة؛ فإذا أقبلت
الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وتوضئي عند كل
صلاة وصلي(٣).
(١) ذكره: د(١/ ١٩٣) ضعفه. وأخرجه: ت (١٢٦/٢٢٠/١-١٢٧) وقال: ((سألت محمدا عن
هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمد
اسمه. وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: أن اسمه ((دينار)) فلم يعبأ به)) اهـ جه
(٦٢٥/٢٠٤/١). قال الحافظ في "التلخيص" (١٦٩/١): ((إسناده ضعيف))، وآفته " أبو
اليقظان" واسمه " عثمان بن عمير " بالتصغير، قال الحافظ في التقريب (٤٥٢٣/٦٦٣/١):
(ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع)). وجد عدي بن ثابت لم يعرف.
(٢) د (٢٩٨/٢٠٩/١) دون قوله: ((وإن قطر الدم على الحصير)). وأخرجه بتمامه: حم (٤٢/٦)،
جه (٢٠٤/١ / ٦٢٤)، قال الحافظ في "التلخيص" (١٦٨/١): ((لم ينسب أبو داود عروة،
ونسبه ابن ماجه في روايته فقال ابن الزبير وكذا الدار قطني، وقد قال علي بن المديني وغيره: ولم
يسمع حبيب من عروة بن الزبير، وإنما سمع من عروة المزني. وقال الترمذي في الحج عن
البخاري: لم يسمع حبيب من عروة بن الزبير شيئا، وقد أخرج البزار وإسحاق بن راهويه هذا
الحديث في ترجمة عروة بن الزبير عن عائشة، فإن کان عروة هو المزني فهو مجهول، وإن کان ابن
الزبير فالإسناد منقطع لان حبیب بن أبي ثابت مدلس.))
(٣) سبق تخريجه في الباب نفسه من طريق هشام عن أبيه عن عائشة دون زيادة «وتوضئي عند كل
صلاة)) وهي عند: خ (١/ ٢٢٨/٤٤٠) حيث روى الحديث من طريق أبي معاوية عن هشام به
وقال في آخره: ((وقال أبي: ثم توضيء لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)) . =

فتح البر
ورواية أبي حنيفة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة لهذا الحديث،
کروایة یحیی بن هشام سواء؛ قال فیه: وتوضئي لکل صلاة. و کذلك روایة
حماد بن سلمة، عن هشام أيضا بإسناده مثله. وحماد بن سلمة في هشام بن
عروة ثبث ثقة.
وأما سائر الرواة له عن هشام بن عروة، فلم يذكروا فيه الوضوء لكل
صلاة لا مالك، ولا الليث، ولا ابن عيينة، ولا غيرهم، إلا من ذكرت لك
فيما علمت.
وروى شعبة قال حدثنا عبد الملك بن ميسرة، والمجالد بن سعید، وبيان؛
قالوا: سمعنا عامر الشعبي يحدث عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة، أنها
قالت في المستحاضة: تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل غسلا واحدا، ثم
تتوضأ عند كل صلاة(١).
= م(٢٦٢/١ - ٢٦٣ / ٣٣٣) وقال: «وفي حديث حماد بن زياد زیادة حرف تر کنا ذکرہ) اهـ. د
(٢٩٨/٢٠٩/١) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، وضعفه. ت
(٢١٧/١-١٢٥/٢١٨) إذ روى الحديث من طريق أبي معاوية عن هشام به، وقال: ((قال أبو
معاوية في حديثه، - توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)) ثم قال: ((حديث عائشة
جاءت فاطمة حديث حسن صحيح)). ن (١/ ٢٠٣/ ٣٦٢)، بلفظ: ((وتوضئي وصلي .. )) وهي
زيادة حماد التي تركها مسلم. وقد تابع أبا معاوية وحماد بن زيد، حماد بن سلمة عند: الدارمي
(١٩٩/١)، وأبو حمزة السكري عند: حب: الإحسان (١٣٥٤/١٨٨/٤). وأبو عوانة عند:
حب: الإحسان (١٣٥٥/١٨٩/٤).
(١) الطحاوي (١ /١٠٥) بهذا السند من طريق سفيان عن فراس وبيان عن الشعبي به. هق
(٣٤٦/١-٣٤٧) من طريق شعبة عن بيان عن الشعبي به، ومن طريق زائدة عن بيان عن
الشعبي به. د (١ / ٢٩٩/٢١٠) من طريق أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج عن أم كلثوم به.
عبد الرزاق (١/ ٣٠٤/ ١١٧٠) عن معمر عن عاصم بن سليمان عن قمير به. قال ابو داود
(٢١١/١) بعد أن ساق أحاديث في الباب: ((وهذه الأحاديث ضعيفة إلا حديث قمير وحديث
عمار مولى بني هاشم وحديث هشام بن عروة عن أبيه، والمعروف عن ابن عباس -الغسل-)) اهـ
. كلهم رووه موقوفا. ورواه مرفوعاً: د (١/ ٢١٠/ ٣٠٠) من طريق أيوب أبي العلاء عن ابن
بشرمة عن امرأة مسروق به، وضعفه: هق (٣٤٦/١) بمثل سند أبي داود: قط (٢١٠/١-٢١١)
من طريق عمار بن مطر عن أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي
عن قمیر به. وقال: «تفرد به عمار بن مطر وهو ضعيف عن أبي يوسف».

الحيض والاستحاضة
٥٠٧ =11
وروى الثوري عن فراس، وبيان، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة
مثله(١)؛ قالوا: فلما روي عن عائشة أنها أفتت بعد رسول الله رض خل في
المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة، فقد كان روي عنها مرفوعا ما تقدم
ذكره من حكم المستحاضة أنها تغتسل لكل صلاة، ومن حكمها انها تجمع
بين الصلاتين بغسل واحد؛ علمنا بفتواها وجوابها بعد وفاة النبي عليه
السلام أن الذي أفتت به هو الناسخ عندها، لأنه لا يجوز عليها أن تدع
الناسخ وتفتي بالمنسوخ؛ ولو فعلت لسقطت روايتها، فهذا وجه تهذيب
الآثار في هذا المعنى؛ قالوا وأما حديث أم حبيبة وقصتها فمختلف فيه،
وأكثرهم يقولون فيه: إنها كانت تغتسل من غير أن يأمرها بذلك رسول الله
وَله؛ وهذا قد يجوز أن تكون أرادت به العلاج، ويجوز أن تكون ممن لا
تعرف أقراءها ولا إدبار حيضتها، ويكون دمها سائلا؛ وإذا كان كذلك،
فليست صلاة إلا وهي تحتمل أن تكون عندها طاهرا من حيض، فليس لها
أن تصليها إلا بعد الاغتسال، فلذلك أمرت بالغسل؛ والمستحاضة قد
تکون استحاضتها على معان مختلفة، فمنها أن تكون مستحاضة قد استمر
بها الدم وأيام حيضتها معروفة، فسبيلها أن تدع الصلاة أيام حيضتها، ثم
تغتسل وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة؛ ومنها أن تكون مستحاضة قد استمر
بها دمها فلا ينقطع عنها وأيام حيضتها قد خفيت عليها، فسبيلها أن تغتسل
لكل صلاة؛ لأنه لا يأتي عليها وقت إلا احتمل أن تكون فيه حائضا، أو
طاهرا من حيض، أو مستحاضة، فيحتاط لها فتؤمر بالغسل؛ ومنها أن
تکون مستحاضة قد خفیت عليها أیام حیضتها، و دمها غیر مستمر بها،
ينقطع ساعة ويعود بعد ذلك، تكون هكذا في أيامها كلها؛ فتكون قد أحاط
علمها أنها في وقت انقطاع دمها طاهر من محيض طهرا يوجب عليها
(١) سبق تخريجه.

٥٠٨
فتح البر
غسلا، فلها اذا اغتسلت أن تصلي في حالها تلك ما أرادت من الصلوات
بذلك الغسل إن أمكنها ذلك؛ قالوا: فلما وجدنا المرأة قد تكون مستحاضة
لكل وجه من هذه الوجوه التي معانيها وأحكامها مختلفة، واسم
الاستحاضة يجمعها، ولم يكن في حديث عائشة تبيان استحاضة تلك المرأة،
لم يجز لنا أن نحمل ذلك على وجه من تلك الوجوه دون غيرها إلا بدلیل،
ولا دليل إلا ما كانت عائشة تفتي به في المستحاضة أنها تدع الصلاة أيام
حیضتها ثم تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ عند كل صلاة؛ هذا کله من
حجة من ينفي إيجاب الغسل على كل مستحاضة لكل صلاة، وفي جملة
مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، ومالك، والليث، والشافعي،
والأوزاعي، وعامة فقهاء الأمصار؛ إلا أن مالكا يستحب للمستحاضة
الوضوء لكل صلاة ولا يوجبه عليها، وسائر من ذكرنا يوجب الوضوء
علیها لكل صلاة فرضا، کما یوجبه على سلس البول؛ لأن الله قد تعبد من
ليس على وضوء من عباده المؤمنين إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وسلس
البول والمستحاضة ليسا على وضوء؛ فلما أمرا جميعا بالصلاة، ولم يكن
حدثهما الدائم بهما يمنعهما من الصلاة وكان عليهما أن يصليا على حالهما،
فكذلك يتوضآن للصلاة لأن الحدث يقطع الصلاة بإجماع من العلماء، وعلى
صاحبه أن ينصرف من صلاته من أجله؛ والمستحاضة مأمورة بالصلاة،
و کذلك سلس البول، لا ینصرف واحد منهما عن صلاته، بل يصلي كل
واحد منهما على حاله؛ فكذلك يتوضأ وهو على حاله لا يضره دوام حدثه
لوضوئه، كما لا يضره لصلاته، لأنه أقصى مايقدر عليه؛ فكما لا تسقط عنه
الصلاة، فكذلك لا يسقط عنه الوضوء لها؛ هذا أقوى ما احتج به من
أوجب الوضوء على هؤلاء لكل صلاة؛ وأما مالك، فإنه لا يوجب على
المستحاضة ولا علی صاحب السلس وضوءا، لأنه لا يرفع به حدثا؛ وقد

الحيض والاستحاضة
٥٠٩
قال عكرمة، وأيوب، وغيرهما - سواء دم الاستحاضة، أو دم جرح؛
-لا يوجب شيء من ذلك وضوءا.
وروى مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال ليس على المستحاضة
إلا أن تغسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة؛ قال مالك:
والأمر عندنا على حديث هشام بن عروة، عن أبيه، وهو أحب ما سمعت
إلي. والوضوء عليها عنده استحباب على ما ذكرنا عنه، لانه لا يرفع الحدث
الدائم، فوجه الأمر به الاستحباب والله أعلم.
وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله وله
لفاطمة بنت أبي حبيش، فإذا ذهب قدر الحيضة فاغتسلي وصلي (١) ولم يذكر
وضوءا؛ ولو كان الوضوء واجبا عليها، لما سكت عن أن يأمرها به؛ وممن
قال بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب: ربيعة، وعكرمة، وأيوب،
وطائفة والله الموفق للصواب.
وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة، وفي الجمع بين
الصلاتين بغسل واحد، والوضوء لكل صلاة على المستحاضة، فكلها
مضطربة لا تجب بمثلها حجة.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه

٥١٠
فتح البر
باب منه
[٥] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي
حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله - الجلاء -: إنما
ذلك عرق وليس بالحيضة؛ فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة؛ فإذا ذهب
قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي(١).
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة رواة الموطأ فيما علمت، لم
يختلفوا في إسناده ولفظه، وكذلك لم يختلف الرواة عن هشام في إسناده،
واختلفوا عنه في بعض ألفاظه؛ وممن رواه عن هشام بهذا الإسناد حماد بن
زيد وأبو حنيفة، وأبو معاوية وابن عيينة، وحماد بن سلمة، ومحمد بن
كناسة؛ وبعضھم یذکر فیه ألفاظا لا یذکرها غیره منهم، وربما أوجبت تلك
الألفاظ أحكاما؛ فرواية حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
أن فاطمة بنت أبي حبيش استفتت النبي وس # فقالت: يارسول الله، إني
أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: إنما ذلك عرق وليست
بالحيضة؛ فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر
الدم وتوضئي؛ فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة(٢). فقيل لحماد: فالغسل،
فقال: ومن يشك في ذلك غسلا واحدا بعد الحيضة.
وأما رواية أبي حنيفة، فحدثنا خلف بن قاسم بن سهل الحافظ، قال
حدثنا محمد بن الحسين بن صالح السبيعي، قال حدثنا محمد بن الحسين بن
(١) خ (٣٠٦/٥٣٨/١)، د (٢٨٣/١٩٥/١)، ن (٢١٨/١٣٤/١) كلهم من طرق عن مالك عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(٢) أخرجه من طريق حماد بن زيد عن هشام به، دون ذكر الوضوء وما بعده: م (٣٣٣/٢٦٢/١)،
جه (١/ ٢٠٣/ ٦٢١). ومن طريقه بهذه الزيادة عند: ن (١/ ٢٠٣/ ٣٦٢) هق (١ / ٣٤٣)، وقد
سبق الكلام على هذه الزيادة في الباب قبله. (فلينظر هناك).

الحيض والاستحاضة
سماعة، قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دکین، واسم دکین عمرو قال: حدثنا
أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي
حبيش قالت: يا رسول الله، إني أحيض في الشهر والشهرين، فقال النبي
وَال* هذا عرق من دمك؛ فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت
فاغتسلي لطهرك(١).
وأما رواية أبي معاوية، فحدثنا أحمد بن قاسم بن عیسی، قال حدثنا عمر
ابن إبراهيم، قال حدثني الحسن بن إسماعيل المحاملي، قال حدثنا يعقوب
ابن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة. قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي وَل
فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال:
لا ، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة؛ فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا
أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم اغتسلي(٢). قال هشام أي: ثم توضئي لكل
صلاة حتی يجيء ذلك الوقت.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن فاطمة ابنة أبي
حبيش الأسدية كانت تستحاض، فسألت رسول الله وَل﴿ فقال لها: إنما ذلك
عرق وليس بالحيضة؛ فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت
فاغتسلي وصلي، أو قال: اغسلي عنك الدم وصلي(٣)، قالت عائشة وهي
إحدی نسائنا.
(١) هق (١ / ٣٤٤) تعليقا. الطحاوي (١ / ١٠٢) من طريق أبي حنيفة عن هشام عن أبيه به.
(٢) خ (٢٢٨/٤٤٠/١)، م (٣٣٣/٢٦٢/١). ت (١/ ٢١٧-١٢٥/٢١٨)، ن (٢١٢/١٣١/١).
من طريق أبي معاوية عن هشام عن أبيه به.
(٣) خ (١ / ٣٢٠/٥٥٢) من طريق سفيان عن هشام عن أبيه به.

=٥١٢
فتح البر
وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
جعفر بن محمد الصائغ، قال حدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال
أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أن فاطمة قالت: يا رسول الله،
إني مستحاضة، أفأترك الصلاة؟ قال: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة؛ فإذا
أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب وقتها، فاغسلي عنك الدم ثم
تطهري وصلي(١). قال هشام: كان عروة يقول: الغسل الأول ثم الطهر
بعد.
وحدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، وأحمد بن سعيد الجمال، قالا
حدثنا محمد بن كناسة، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
قالت: أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبي ◌ّ فقالت: إني أستحاض فلا
أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: إنما ذلك ليس بحيض، ولكنه عرق؛ فإذا أقبلت
الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي(٢).
ورواه يحيى بن هاشم، عن هشام بن عروة بإسناده مثله وقال فيه إذا
أدبرت، فاغسلي عنك الدم وتوضئي عند كل صلاة وصلي.
ورواه الزهري عن عروة فاختلف فيه عليه اختلافا كثيرا، قال فيه
الأوزاعي عن الزهري عن عروة وعمرة أن عائشة قالت: استحيضت أم
حبيبة بنت جحش وهي تحت عبد الرحمن بن عوف سبع سنين، فأمرها
النبي وَير: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي
وصلي(٣).
(١) الدارمي (١٩٩/١) من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه به.
(٢) سبق تخريجه في الأحاديث قبله من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(٣) د (٢٨٥/١٩٦/١،) ن (٢٠٣/١٢٧/١،) جه (٦٢٦/٢٠٥/١،) ك (١/ ١٧٤) وقال:
صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. حب: الإحسان (١٨٦/٤/ ١٣٥٣).

الحيض والاستحاضة
I
٤ ٥١٣ =
قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير
الأوزاعي، رواه عن الزهري عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، والليث،
وابن أبي ذئب، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وسلیمان ابن کثیر، وابن
إسحاق وابن عيينة ولم يذكروا هذا الكلام، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة. قال أبو داود: وزاد ابن عيينة فيه: أمرها أن تدع
الصلاة أيام أقرائها وهو وهم من ابن عيينة، قال: وحديث محمد بن عمرو
عن الزهري فيه شيء يقرب من الذي روى الأوزاعي في حديثه(١).
حدثنا محمد بن المثنی، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، قال
حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها
كانت تستحاض، فقال لها النبي ودير: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود
يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي
وصلي، فإنما ذلك عرق(٢).
قال أبو داود: قال ابن المثنی: هکذا حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه، ثم
حدثنا بعد حفظا فقال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن
عائشة أن فاطمة كانت تستحاض فذكره(٣).
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن
الزبير، قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أو أسماء حدثتني أن فاطمة فلم
يقم الحديث (٤).
(١) د (١ / ٩٦ ١ .)
(٢) د (١ / ٢٨٦/١٩٧،) ن (١/ ٢١٥/١٣٣) من طريق محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة
بن الزبير به.
(٣) ذكره د (١ / ٩١٧).
(٤) د (١ / ٢٨١)، ك (١ / ٧١٤) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

=٥١٤
فتح البر
وقال فيه: إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن
أنها سمعت عائشة تقول: جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله وَ له
وكانت قد استحیضت سبع سنين، فاشتكت ذلك إليه واستفتته فقال لها:
إن هذا ليس بالحيضة، وإنما هو عرق فاغتسلي ثم صلي. قالت عائشة:
فكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة وتصلي(١).
وقال فيه عمرو بن الحارث عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن
عائشة أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله وَله وتحت عبد الرحمن بن
عوف أستحيضت سبع سنين، فقال لها رسول الله وَله: إن هذه ليست
بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي(٢)؛ وقد ذكرنا الآثار وما لعلماء
الأمصار من المذاهب في هذا الباب ممهدا في باب نافع من هذا الكتاب
والحمد لله.
وأما حديث مالك عن هشام، ففيه من الفقه أن الحيض يمنع المرأة
الحائض من الصلاة وأن من الدم الخارج من الرحم دما لا تمتنع معه المرأة
من الصلاة، وهو العرق الذي قال رسول الله ﴾﴾ ومعنى قوله: إنما ذلك
عرق يريد عرق انفجر أو انقطع وهي الاستحاضة؛ ولهذا سألته فاطمة إذ
أشكل عليها ذلك فأجابها بجواب يدل على أنها كانت تميز انفصال دم
حيضتها من دم استحاضتها، فلهذا قال لها: إذا أقبلت الحيضة، فاتركي
الصلاة؛ فإذا ذهب قدرها، فاغتسلي وصلي؛ وهذا نص صحيح في أن
(١) حم (٨١٧/٦)، م (١/ ٣٣٤/٢٦٤)، الدارمي (٢٠٠/١)، حب: الإحسان
(٨١٤/٤/ ٣١٥١) كلهم من طريق ابراهيم بن سعد عن ابن شهاب به. وأخرجه: م
(٣٣٤/٢٦٤/١)، ن (١٣٠/١-٢١٠/١٣١)، الطحاوي (٩٩/١) من طريق سفيان ابن عيينة
عن الزهري به. وأخرجه: حم (٢٨/٦)، ن (٣٥٤/٢٠١/١)، هق (٣٤٩/١) الطحاوي
(٩٨/١) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد عن أبي بكر عن عمرة به. وأخرجه: عبد الرزاق
(١١٦٤/٣٠٣/١).
(٢) م (١/ ٢٦٣ / ٣٣٤)، د (١ / ١٩٦ / ٢٨٥)، ن (٢٠٥/١٢٨/١).

الحيض والاستحاضة
٥١٥ =
الحائض تترك الصلاة، ليس عن النبي والقر في هذا الباب أثبت منه جهة نقل
الآحاد العدول، والأمة مجمعة على ذلك، وعلى أن الحائض بعد طهرها لا
تقضي صلاة أيام حيضتها؛ لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين، فلزمت
حجته وارتفع القول فيه.
وقد روى أبو قلابة وقتادة جميعا عن معاذة العدوية، عن عائشة أن امرأة
سألتها: أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت لها عائشة: أحرورية أنت؟ قد كنا
نحيض على عهد رسول الله وَ الله ثم نطهر، فلا نؤمر بقضاء الصلاة(١)؛ وزاد
بعضهم: ونؤمر بقضاء الصوم(٢). وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام
حيضتها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لا خلاف في شيء من ذلك
والحمد لله.
وما أجمع المسلمون عليه فهو الحق، والخبر القاطع للعذر؛ وقال الله عز
وجل ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾
[النساء: (١١٥)] والمؤمنون هنا الإجماع، لأن الخلاف لا يكون معه اتباع
غير سبيل المومنين، لأن بعض المؤمنين مؤمنون، وقد اتبع المتبع سبيلهم؛
وهذا واضح يغني عن القول فيه. وأما قوله: فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي
عنك الدم وصلي في رواية مالك، فقد فسره غيره ممن ذكرنا روايته ههنا
وهو أن تغتسل عند إدبار حیضتها، وإقبال دم استحاضتها؛ كما تغتسل
الحائض عند رؤية طهرها سواء، لأن المستحاضة طاهر، ودمها دم عرق
كدم جرح سواء، فيلزمها عند انقطاع دم حيضتها الاغتسال، كما يلزم
الطاهر التي تری دما.
(١) أخرجه من طريق قتادة عن معاذة به: حم (٩٧/٦)، خ (٣٢١/٥٥٤/١)، جه
(٦٣١/٢٠٧/١). ومن طريق أبي قلابة عن معاذة به عند: حم (٣٢/٦)، م (٣٣٥/٢٦٥/١)،
د (١ / ١٨٠ / ٢٦٢)، ت (١ / ٢٣٤ /١٣٠)، ن (١ /٢٠٩ / ٣٨٠).
(٢) أما زيادة ذكر الصيام في الحديث فعند: حم (٢٣١/٦)، م (٣٣٥/٢٦٥/١)، د
(١/ ١٨٠/ ٢٦٣) من طرق عن معاذة به.

فتح البر
وفي هذا الحديث دليل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل،
لأن رسول الله - وَ﴾- لم يأمرها بغيره. وفيه رد لقول من رأى عليها الغسل
لكل صلاة، ورد لقول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل
واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للصبح، لأن رسول الله
وليه لم يأمرها بشيء من ذلك في هذا الحديث؛ وهو أصح حديث روي في
هذا الباب، وهو رد لقول من قال بالاستظهار يومين أو ثلاثا أو أقل أو
أكثر، وقد استدل بعض من يرى الاستظهار من أصحابنا بقوله عليه
السلام في هذا الحديث: فإذا ذهب قدرها، قال: لأن قدر الحيض قد يزيد
مرة وينقص أخرى؛ فلهذا رأى مالك الاستظهار ثلاثة أيام ليستبين فيها
انقضاء دم الحيض من دم الاستحاضة، واقتصر على القضاء ثلاثة أيام
استدلالا بحديث المصراة، إذ حد فيه رسول الله وَلقي ثلاثة أيام في انفصال
اللبن.
وقال غيره ممن يخالفه في الاستظهار: معنى قوله: فإذا ذهب قدرها،
تقول: إذا ذهبت وأدبرت وخرج وقتها ولم يكن في تقديرك انه بقي شيء
منه، فاغتسلي حينئذ ولا تمکثي وأنت غیر حائض دون غسل ودون صلاة؛
قال: ومحال أن يأمرها رسول الله ويليهو وهي قد ذهبت حيضتها أن تترك
الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حیض یجیء أو لا يجيء.
ومعنى قوله: فإذا ذهب قدرها: لا يخلو من أن يكون أراد انقضاء أيام
حيضتها أو انفصال دم حيضتها من دم استحاضتها، وأي ذلك كان، فقد
أمرها أن تغتسل وتصلي؛ ولم يأمرها باستظهار، ولو كان واجبا عليها،
لأمرها به؛ قالوا: والسنة تنفي الاستظهار، لأن دم نجاسة جائز أن يكون
استحاضة، وجائز أن يكون حيضا؛ والصلاة فرض بيقين، فلا يجوز لا مرأة
أن تدع الصلاة حتى تستيقن أنها حائض.

الحيض والاستحاضة
٥١٧ ١
وذكروا أن مالكا وغيره من العلماء قد جاء عنهم أنهم قالوا: لأن تصلي
المستحاضة وليس عليها ذلك خير من أن تدع الصلاة وهي واجبة عليها.
وفي هذا الحديث أيضا رد على من أوجب الوضوء على المستحاضة لكل
صلاة، لأن رسول الله وَله قال لها: إذا ذهبت الحيضة فاغتسلي وصلي(١)،
ولم يقل توضئي لكل صلاة.
وقد ذكرنا القائلين بها في باب الوضوء عليها لكل صلاة، والقائلين
بإيجاب الغسل، ووجه قول كل واحد منهم مبسوطا ممهدا في باب نافع عن
سلیمان بن یسار والحمد لله.
قال أبو عمر: إذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا، لزمها له
الوضوء؛ وأما دم استحاضتها فلا يوجب وضوءا، لأنه كدم الجرح السائل،
وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع؛ ومن كانت هذه حاله من
سلس البول والمذي والاستحاضة، لا یرفع بوضوئه حدثا، لأنه لا یتمه إلا
وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب؛ وإلى هذا المذهب ذهب مالك
وأصحابه، وهو ظاهر حديث هشام بن عروة هذا في قصة فاطمة بنت أبي
حبيش، إلا أن عروة كان يفتي بأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وذلك
عند مالك على الاستحباب لا على الإيجاب؛ وقد ذكرنا ما في هذا الباب من
الآثار المرفوعة وغيرها، على اختلافها، وذكرنا من تعلق بها وذهب إليها من
علماء الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين؛ وذكرنا اختلافهم في ذلك،
وأصل كل واحد منهم في الحيض والطهر والاستحاضة ممهدا مبسوطا في
باب نافع عن سليمان من هذا الكتاب، فلا وجه لإعادة ذلك ههنا والحمد
لله.
(١) تقدم تحت حديث الباب.

فتح البر
روى مالك في موطئه عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: ليس على
المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة.
قال مالك: الأمر عندنا علی حدیث هشام بن عروة، عن أبيه وهو أحب ما
سمعت إلي. ومن معاني هذا الحديث وجه آخر أخرنا القول فيه في ذلك
الباب إلى هذا الموضع، وهو قول العلماء في المرأة التي لم تحض قط،
فحاضت یوما وطهرت يوما، أو حاضت یومین، وطهرت يوما أو يومين،
ونحو هذا.
فأما مالك وأصحابه، فقالوا: تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض وتطرح
أيام التطهر، وتغتسل عند كل يوم ترى فيه الطهر أول ما تراه وتصلي ما
دامت طاهرا؛ وتكف عن الصلاة في أيام الدم اليوم واليومين، وتحصي
ذلك؛ فإذا كان ما اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يوما، اغتسلت
وصلت؛ وإن زاد على خمسة عشر يوما، فهي مستحاضة؛ وإن كانت خمسة
عشر يوما أو أقل، فهي حيضة تقطعت؛ هذه رواية المدنيين عن مالك.
وروى ابن القاسم وغيره عنه أنها تضم أيام الدم بعضها إلى بعض، فإن
دام بها ذلك أيام عادتها، استظهرت ثلاثة أيام على أيام حيضتها؛ فإن رأت
في خلال أيام الاستظهار أيضا طهرا، ألغته حتى تجعل ثلاثة أيام للاستظهار
وأيام الطهر، وتصلي وتصوم، ويأتيها زوجها؛ ويكون ما جمعت من أيام
الدم بعضه إلى بعض حيضة واحدة، ولا تعد أيام الطهر في عدة من طلاق؛
فإذا استظهرت بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها، توضأت لكل صلاة وتغتسل
كل يوم من أيام الطهر عند انقطاع الدم؛ وإنما أمرت بالغسل، لأنها لا
تدري لعل الدم لا یرجع إليها.
ورواية الربيع عن الشافعي مثل رواية المدنيين عن مالك في هذه المسألة،
اعتبارا بخمسة عشر يوما بلا استظهار، وكذلك قال محمد بن مسلمة، ولم

الحيض والاستحاضة
٥١٩ _
يختلف مالك والشافعي إذا كان تقطع حیضتها يوما كاملا، أو يوما وليلة
أنها في يوم الحيض حائض لا مستحاضة، وفي يوم الطهر طاهر، أو هي
حيضة متقطعة. وقال محمد بن مسلمة: إذا کان طهرها يوما وحيضها يوما
فطهرها أقل الطهر، وحيضها أكثر الحيض، فكأنها قد حاضت خمسة عشر
يوما متوالية، وطهرت خمسة عشر، فحال حيضتها لا يضرها، واجتماع
الأيام وافتراقها سواء، ولا يكون مستحاضة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فمذهبهم في هذه المسألة اعتبار أقل الطهر
وأقل الحيض، فأما أبو يوسف فاعتبر أقل الطهر خمسة عشر يوما، وجعله
كدم متصل، وأما محمد بن الحسن فاعتبر مقدار الدم والطهر فإذا كان بين
الدمين من الطهر أقل من ثلاثة أيام فإن ذلك كله کدم متصل، سواء كان
الحيض أكثر أو الطهر أكثر، نحو أن ترى يوما حيض أو يومين طهرا وساعة
دما، فيكون جميع ذلك حيضا. وقال أبو جعفر الطحاوي: قد اتفقوا أنه لو
انقطع ساعة أو نحوها أنه کدم متصل فكذلك اليوم واليومين لأنه لا يعتد
به من طلاق، وقد قال أبو الفرج: ليس بنكير أن تحيض يوما وتطهر يوما
فتنقطع الحيضة عليها، كما لا ينكر أن يتأخر حيضها عن وقته، لأن تأخير
بعضه عن اتصاله كتأخيره كله، فمن أجل ذلك كانت بالقليل أيضا، ثم لم
يكن القليل حيضة لأن الحيضة لا تكون إلا بأن يقضي لها وقت تام وطهر
تام، أقله فيما روى عبد الملك خمسة أيام، قال: ولو أن قلة الدم يخرجه من أن
يكون حيضا لأخرجته من أن تكون استحاضة، لأن دم العرق هو الكثير
الزائد على ما يعرف.
قال أبو عمر:
راعى عبد الملك وأحمد بن المعذل في هذه المسألة ما أصلاه في أقل الطهر
خمسة أيام، وراعى محمد بن مسلمة خمسة عشر طهرا، وجعل كلما يأتي من

فتح البر
٥٢٠
الدم قبل تمام الطهر عرقا لا تترك فيه الصلاة، وكذلك يلزم كل من أصل في
أقل الطهر أصلا بعدة معلومة أن يعتبرها في هذه المسألة، وقد ناقض
الكوفيون لأنهم قالوا في هذه المسألة بمراعاة ثلاثة أيام طهرا، وقولهم في
أقل الطهر إنه خمسة عشر يوما، وقد ذكرنا في باب نافع من أصول العلماء
وأكثرها واختلاف العلماء في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
قال أبو عمر:
إنما أجرينا هذه المسألة ههنا وإن كانت قد مرت في باب نافع لأنها داخلة
في معنى قول رسول الله وَ له: إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب
قدرها وأدبرت فاغتسلي وصلي(١). وقد ذكرنا حكم أقل الحيض والطهر
وأكثرهما واختلاف العلماء في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
(١) سبق تخريجه تحت الباب.