النص المفهرس

صفحات 481-500

الحيض والاستحاضة
٤٨١
قال أبو عمر:
اختلف عن الزهري في هذا الحديث اختلافا كثيرا، فمرة يرويه عن
عمرة، عن عائشة؛ ومرة عن عروة، عن عائشة، ومرة عن عروة وعمرة،
عن عائشة؛ ومرة عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش.
وقد ذكرنا کثیرا من ذلك في باب هشام بن عروة، وقال فیه سهيل بن أبي
صالح: عن الزهري، عن عروة، حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش، أنها أمرت
أسماء أن تسأل رسول الله وَ له، وأسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة بنت أبي
حبيش تسأل رسول الله وَ له عن الحيض، فأمرها أن تقعد أيامها التي كانت
تقعد، ثم تغتسل(١).
وأكثر أصحاب ابن شهاب يقولون فيه: عن عروة وعمرة عن عائشة، أن
أم حبيبة بنت جحش - ختنة رسول الله ويلي، وهي تحت عبد الرحمن بن
عوف - استحيضت. هكذا يقولون عن ابن شهاب في هذا الحديث: أم
حبيبة، لا يذكرون فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث ابن شهاب في هذا
الباب مضطرب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا عبيد الله بن
يحيى، حدثني أبي، حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
عائشة، أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله وَالر قالت: إني
أستحاض، فقال: إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل عند كل
صلاة (٢).
(١) د(١/ ٢٨١/١٩٢) البيهقي (٣٣١/١) وقال: ((ورواية سهيل فيها نظر، وفي إسناد حديثه)).
(٢) م (٣٣٤/٢٦٣/١)، د (٢٩٠/٢٠٣/١)، ت (١٢٩/٢٢٩/١)، ن (١٢٨/١ /٢٠٦)،
وأخرجه: خ (١ / ٣٢٧/٥٦١) بسنده إلى ابن شهاب عن عروة وعن عمرة عن عائشة.

فتح البر
=٤٨٢
ورواه عراك بن مالك، عن عروة بخلاف رواية هشام والزهري: حدثنا
عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا مطلب بن شعیب، حدثنا عبد الله بن
صالح، حدثنا الليث، عن یزید بن أبي حبیب، عن جعفر بن ربيعة، عن
عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة سألت رسول الله وعليه
عن الدم، قالت عائشة: لقد رأيت مركنها ملآن دما، فقال لها رسول الله
وَيِّ: امكثي قدر ما تحبسك حيضتك ثم اغتسلي (١).
وبإسناده عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن الأشج، عن
المنذر بن المغيرة، عن عروة بن الزبير، أن فاطمة بنت أبي حبیش حدثته أنها
أتت النبي ◌َّيفشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله و تلقيه: إنما ذلك عرق
فانظري، فإذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر القرء فتطهري ثم صلي بين
القرء إلى القرء(٢).
قال أبو عمر:
لهذا الاختلاف ومثله عن عروة - والله أعلم- ضعف أهل العلم
بالحديث ما عدا حديث هشام بن عروة، وسليمان بن يسار - من أحاديث
الحيض والاستحاضة. فهذه الأحاديث المرفوعة في هذا الباب؛ وأما أقاويل
الصحابة والتابعين، وسائر فقهاء المسلمين، فسنورد منها ههنا ما فيه شفاء
واكتفاء - إن شاء الله.
قال أبو عمر: أما قوله في حديث مالك في هذا الباب، عن نافع، عن
سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد
رسول الله وَة؛ فمعناه عند جميع العلماء أنها كانت امرأة لا ينقطع دمها، ولا
تری منه طهرا ولا نقاء، وقد زادها ذلك على أيامها المعروفة لها وتمادی بها،
(١) و(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

الحيض والاستحاضة
٤٨٣ =
فسألت عن ذلك، لتعلم هل حکم ذلك الدم کحکم دم الحيض، أو هل هو
حيض أو غير حيض؟ فأجابها رسول الله وَله بجواب منعها به من الصلاة
في أيام حيضتها؛ فبان بذلك أن الحائض لا تصلي، وهذا إجماع، وأمرها وَلّ
أن تغتسل وتصلي إذا خلفت ذلك، واحتملت ألفاظ هذه الأحاديث من
التأويل ما أوجب اختلاف العلماء في هذا الباب -على ما نذكره عنهم - إن
شاء الله.
والذي أجمعوا عليه، أن المرأة لها ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم السائل من
فرجها، فمن ذلك دم الحيض المعروف، تترك له الصلاة إذا كان حيضا،
وللحيض - عندهم مقدار اختلفوا فيه، وكلهم يقول إذا جاوز الدم ذلك
المقدار، فليس بحيض؛ والحيض خلقة في النساء وطبع معتاد معروف
منهن، و حکمه ألا تصلي معه المرأة ولا تصوم، فإذا انقطع عنها، كان طهرها
منه الغسل.
ومن ذلك أيضا الوجه الثاني- وهو دم النفاس عند الولادة، له أيضا عند
العلماء حد محدود اختلفوا فيه على ما نذكره عنهم - إن شاء الله، وطهرها
عندهم انقطاعه، والغسل منه کالغسل من الحيض سواء؛ والوجه الثاني دم
ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، وإنما هو عرق انقطع، سائل دمه لا
انقطاع له إلا عند البرء منه، فهذا حكمه أن تكون المرأة فيه طاهرا لا يمنعها
من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء، واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان
معلوما أنه دم العرق لا دم الحيض.
وأما وطء الزوج أو السيد للمرأة التي هذه حالها، فمختلف فيه من أهل
العلم: جماعة قالوا: لا سبيل لزوجها الى وطئها - ما دامت تلك حالها،
قالوا: لأن كل دم أذى يجب غسله من الثوب والبدن، ولا فرق في المباشرة
بين دم الحيض - ودم الاستحاضة، لأنه كله رجس - وإن كان التعبد منه

فتح البر
: ٤٨٤
مختلفا؛ كما أن ما خرج من السبيلين سواء في النجاسة - وإن اختلفت
عباداته في الطهارة؛ قالوا: وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة، کما يصلى
لسلس البول؛ وممن قال إن المستحاضة لا يصيبها زوجها: إبراهيم النخعي،
وسليمان بن يسار، والحكم، وعامر الشعبي، وابن سيرين، والزهري،
واختلف فيه عن الحسن؛ وروي عن عائشة في المستحاضة أنه لا يأتيها
زوجها، وبه قال ابن علية؛ وذكر عن شريك، عن منصور، عن ابراهيم،
قال: المستحاضة تصوم وتصلي، ولا يأتيها زوجها؛ وعن حماد بن زيد، عن
حفص بن سليمان، عن الحسن- مثله.
وعن عبد الواحد بن سالم، عن حريث، عن الشعبي مثله.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور، قال : لا تصوم ولا يأتيها
زوجها، ولا تمس المصحف(١)، وعن معمر، عن أيوب، قال مثل سلیمان بن
يسار: أيصيب المستحاضة زوجها؟ فقال: إنما سمعنا الصلاة (٢).
وذكر إسماعيل بن إسحاق، قال أخبرنا أبو مصعب: قال: سمعت المغيرة
ابن عبد الرحمن -وكان من أعلى أصحاب مالك- يقول: قولنا في
المستحاضة إذا استمر بها الدم بعد انقضاء أيام حيضتها: إنا لا ندري هل
ذلك انتقال دم حيضتها إلى دم أكثر منها، أم ذلك استحاضة؟ فنأمرها أن
تغتسل إذا مضت أيام حيضتها وتصلي وتصوم، ولا يغشاها زوجها-
احتياطا، ينظر إلى ما تصير إليه حالها بعد ذلك- إن كانت حيضة، انتقلت
من أيام إلى أكثر منها، عملت فيما تستقبل على الأيام التي انتقلت إليها، ولم
يضرها ما كانت احتاطت من الصلاة والصيام؛ وإن كان ذلك الدم الذي
استمر بها استحاضة، كانت قد احتاطت للصلاة والصيام.
(١) عبد الرزاق (١١٧٢/٣٠٥/١).
(٢) عبد الرزاق (١/ ١١٩١/٣١١).

الحيض والاستحاضة
٤٨٥ _
قال أبو مصعب: وهذا قولنا وبه نفتى. وقال جمهور العلماء: المستحاضة
تصوم، وتصلي، وتطوف، وتقرأ، ويأتيها زوجها؛ وممن روي عنه إجازة
وطء المستحاضة، عبد الله بن عباس، وابن المسيب، والحسن، وسعيد بن
جبير، وعطاء؛ وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم،
والثوري، والأوزاعي، و اسحاق، وأبي ثور؛ وكان أحمد بن حنبل يقول:
أحب إلي ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها.
ذكر ابن المبارك عن الأجلح، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في
المستحاضة: لا بأس أن يجامعها زوجها.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن إسماعيل بن شروس، قال: سمعت
عكرمة مولى بن عباس يسأل عن المستحاضة: أيصيبها زوجها؟ قال: نعم-
وإن سال الدم على عقبيها(١).
عن الثوري، عن سمي، عن ابن المسيب؛ وعن يونس، عن الحسن، قالا
في المستحاضة: تصوم، وتصلي، ويجامعها زوجها (٢). وعن الثوري عن سالم
الأفطس، عن سعيد بن جبير، أنه سأله عن المستحاضة: أتجامع؟ فقال:
الصلاة أعظم من الجماع(٣).
وذکر ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن یحیی بن سعيد، عن سعيد
ابن المسيب، أنه قال: المستحاضة تصوم وتصلي ويطؤها زوجها. قال ابن
وهب: وقال مالك أمر أهل الفقه والعلم على ذلك وإن کان دمها کثیرا.
وقال مالك: قال رسول الله وَّيه: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة. واذا لم
تكن حيضة، فما يمنعها أن تصيبها وهي تصلي وتصوم؟.
(١) عبد الرزاق (١١٨٨/٣١٠/١).
(٢) عبد الرزاق (١١٨٦/٣١٠/١).
(٣) عبد الرزاق (١١٨٧/٣١٠/١)، الدارمى في (١/ ٢٠٧).

= ٤٨٦
فتح البر
قال أبو عمر: حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع من
الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحيض، أوجب أن لا يحكم له بشيء من
حکم الحیض إلا فيما أجمعوا علیه من غسله كسائر الدماء.
وأما اختلاف العلماء في أكثر الحيض وفي أقله وفي أقل الطهر فواجب
الوقوف عليه ههنا، لأن الأصل في الاستحاضة زيادة الدم على مقدار أمد
الحيض أو نقصان مدة الطهر عن أقله، فبهذا تعرف الاستحاضة.
فأما اختلافهم في أكثر الحيض وأقله، فإن فقهاء أهل المدينة يقولون إن
الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما، وجائز عندهم أن يكون خمسة
عشر يوما فما دون؛ وأما ما زاد على خمسة عشر يوما فلا يكون حيضا، وإنما
هو استحاضة؛ وهذا مذهب مالك وأصحابه- في الجملة، وقد روي عن
مالك أنه قال: لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره، والدفعة عنده من الدم-
وإن قلت تمنع من الصلاة؛ وأكثر الحيض - عنده خمسة عشر يوما، إلا أن
يوجد في النساء أكثرمن ذلك؛ فكأنه ترك قوله: خمسة عشر، ورده إلى عرف
النساء في الأكثر؛ وأما الأقل فقليل الدم عنده حيض بلا توقيت -يمنع من
الصلاة- وإن لم تكن المطلقة تعده قرءا؛ هذه جملة رواية ابن القاسم وأكثر
المصريين عنه، وروى الاندلسيون عن مالك: أقل الطهر عشر، وأقل
الحيض خمس؛ وقال ابن الماجشون عن مالك: أقل الطهر خمسة أيام، وأقل
الحيض خمسة أيام- وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
وقال الشافعي: أقل الحيض يوم وليلة، وروي عنه: يوم بلا ليلة، وأكثره
عنده خمسة عشر يوما.
وللشافعي قول آخر كقول مالك في عرف النساء. وقال محمد بن
مسلمة: أكثر الحيض خمسة، وأقله ثلاثة أيام.

٤٨٧
الحيض والاستحاضة
وقال الاوزاعي: أقل الحيض يوم، قال: وعندنا امرأة تحيض غدوة
وتطهر عشية، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: أقل الحيض ثلاثة أيام،
وأكثره عشرة أيام، فما نقص عند هؤلاء من ثلاثة أيام فهو استحاضة وما
زاد على عشرة أيام فهو استحاضة و کذلك ما كان أقل من يوم وليلة عند
الشافعي - فهو استحاضة وما زاد على خمسة عشر يوما فمثل ذلك،
وكذلك ما نقص عن أقل الطهر فهو استحاضة عند أكثرهم؛ وأما
اختلافهم في أقل الطهر، فإن مالکا وأصحابه اضطربوا في ذلك، فروي عن
ابن القاسم عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام، وهو قول سحنون.
وقال عبد المالك بن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام، ورواه عن مالك.
وقال محمد بن مسلمة: أقل الطهر خمسة عشرة يوما، وهو قول أبي
حنيفة، والثوري، والشافعي؛ قال الشافعي: إلا أن يعلم طهر امرأة أقل من
خمسة عشرة، فيكون القول قولها.
وحكى ابن أبي عمران عن يحيى بن أكثم، أن أقل الطهر تسعة عشر؛
واحتج بأن الله جعل عدل كل حيضة وطهر شهرا، والحيض في العادة أقل
من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر يوما، ووجب أن يكون
عشرة حيضا، وباقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر، لأن الشهر قد يكون
تسعا وعشرين.
وقول أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، والطبري في أقل
الحيض وأكثره كقول الشافعي؛ وأما أقل الطهر، فقال أحمد، وإسحاق: لا
تحديد في ذلك، وأنكرا على من وقت في ذلك خمسة عشر يوما، وقالا:
باطل.
وقال الثوري: أقل ما بين الحيضتين من الطهر خمسة عشر يوما، وذكر أبو
ثور أن ذلك لا يختلفون فيه، وحكاه عن الشافعي، وأبي حنيفة.

فتح البر
٤٨٨
وأما اختلاف الفقهاء في أقل النفاس وأكثره، فلا أعلمهم يختلفون
- أعني فقهاء الحجاز والعراق - أن النفساء إذا رأت الطهر ولو بعد ساعة
أنها تغتسل. واختلفوا في أكثر مدته: فقال مالك، وعبيد الله بن الحسن،
والشافعي: أکثره ستون يوما، ثم رجع مالك فقال: يسأل النساء عن ذلك
وأهل المعرفة. فذكر الليث أن من الناس من يقول: سبعين يوما، وقال
الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي: أكثره أربعون يوما.
قال أبو عمر:
ما زاد عندهم على أكثر مدة الحيض، وأكثر مدة النفاس، فهو استحاضة
لا يختلفون في ذلك؛ فقف على أصولهم في هذا الباب لتعرف الحكم في
المستحاضة، وتعرف من قلد أصله منهم ومن خالفه إن شاء الله؛ فأما
أقاويل الصحابة والتابعین في صلاة المستحاضة، فإن ابن سیرین روی عن
ابن عباس في المستحاضة قال: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي وإذا رأت
الطهر ولو ساعة فلتغتسل ولتصل.
وقال مكحول: إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ،
فإذا ذهب ذلك وصارت صفرة رقيقة، فإنها الاستحاضة، فلتغتسل
ولتصل.
وروى حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن
سعيد بن المسيب في المستحاضة إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا
أدبرت اغتسلت وصلت.
وقد روي عن سعيد بن المسيب في المستحاضة تجلس أيام أقرائها، ورواه
حماد بن سلمة عن یحیی بن سعید عنه.
وروى يونس عن الحسن قال: الحائض إذا مد بها الدم، تمسك بعد

الحيض والاستحاضة
٤٨٩
حيضتها يوما أويومين وهي مستحاضة. وقال التيمي عن قتادة إذا زادت
على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل، قال التيمي: فجعلت أنقص حتى إذا
بلغت يومين، قال: إذا كان يومين، فهو من حيضها. وسئل ابن سيرين
فقال: النساء أعلم بذلك(١).
قال أبوعمر:
فهذه أقاويل فقهاء التابعين في هذا الباب، وأما أقاويل من بعدهم من
أئمة الفتوى بالأمصار، فقال مالك في المرأة إذا ابتدأها حيضها فاستمر بها
الدم، أو كانت ممن قد حاضت فاستمر الدم بها؛ قال في المبتدأة: تقعد ما
تقعد نحوها من النساء من أسنانها وأترابها ولداتها - ثم هي مستحاضة بعد
ذلك، رواه علي بن زياد عن مالك. وقال ابن القاسم: ما رأت المرأة بعد
بلوغها من الدم فهو حیض تترك له الصلاة، فإن تمادی بها، قعدت عن
الصلاة خمسة عشر يوما ثم اغتسلت- وكانت مستحاضة تصلي وتصوم
وتوطأ، إلا أن ترى دما لا تشك أنه دم حيض ، فتدع له الصلاة فقال:
والنساء يعرفن ذلك بريحه ولونه. وقال: إذا عرفت المستحاضة إقبال
الحيض وإدبارها وميزت دمها اعتدت به من الطلاق. وقد روي عن مالك
في المستحاضة عدتها سنة- وإن رأت دما تنكره وقال مالك في المرأة ترى
الدم دفعة واحدة لا تری غیرها في ليل أونهار، إن ذلك حیض تکف له عن
الصلاة، فإن لم تكن غير تلك الدفعة، اغتسلت وصلت، ولا تعتد بتلك
الدفعة من طلاق، والصفرة والكدرة عند مالك في أيام الحيض - وفي غيرها
حيض.
وقال مالك: المستحاضة إذا ميزت بين الدمين، عملت على التمييز في
إقبال الحيضة وإدبارها. ولم يلتفت إلى عدد الليالي والأيام وكفت عن
(١) د (١ / ١٩٧ - ١٩٨).

فتح البر
١|= ٤٩٠
الصلاة عند إقبال حيضتها، واغتسلت عند إدبارها وقال مالك في المرأة
يزيد دمها على أيام عادتها: إنها تمسك عن الصلاة خمسة عشر يوما، فإن
انقطع، وإلا صنعت ما تصنع المستحاضة؛ ثم رجع فقال: تستظهر بثلاثة
أيام بعد أيام حيضتها المعتادة - ثم تصلي - وترك قوله خمسة عشر يوما؛
وأخذ بقوله الأول المدنيون من أصحابه، وأخذ بقوله الآخر المصريون من
أصحابه.
وقال الليث في هذه المسألة كلها مثل قول مالك الأخير، ولمالك وغيره
من العلماء في المرأة ينقطع دم حيضها فترى دما يوما أو يومين وطهرا يوما
أو يومين- مذاهب، سنذكرها في باب هشام بن عروة - إن شاء الله.
وذكر إسماعيل بن إسحاق قال: قال محمد بن مسلمة: أقصى ما تحیض
النساء عند علماء أهل المدينة: مالك وغيره خمسة عشرة يوما، فإذا رأت
المرأة الدم، أمسكت عن الصلاة خمسة عشرة يوما؛ فإن انقطع عنها عند
انقضاء الخمسة عشر وفیما دونها، علمنا أنه حیض واغتسلت عند انقطاعه
وصلت وليست مستحاضة؛ فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يوما،
اغتسلت عند انقضاء الخمسة عشر، وعلمنا أنها مستحاضة؛ فأمرناها
بالغسل لأنها طاهر، وتصلي من يومها ذلك، ولا تصلي ما كان قبل ذلك؛
لأنها تركت الصلاة باجتهاد في أمر يختلف فيه وقد ذهب وقت تلك
الصلاة، وقلنا: أقيمي طاهرة حتى تقبل الحيضة كما قال رسول الله ◌َێ،
وذلك أن تأتيها دفعة من دم تنكره بعد خمسة عشر يوما من يوم غسلها،
لأنه أقل الطهر عندنا؛ فإذا رأت الدفعة بعد خمس عشرة من الطهر، كفت
عن الصلاة - ما دامت ترى الدم إلى خمسة عشر، ثم اغتسلت وصلت فيما
تستقبل - كما ذكرنا؛ فإن لم يكن بين الدفعة وبين الطهر قدر خمسة عشر
يوما، فهي امرأة حاضت في الشهر أكثر مما تحیض النساء فلا تعتد به، ولا

الحيض والاستحاضة
٤٩١ =
تترك الصلاة لتلك الدفعة، ولا تزال تصلي حتى يأتيها ولو دفعة بعد خمسة
عشر أو أكثر من الطهر؛ قال محمد بن مسلمة: إنها أمر رسول الله وله
المستحاضة أن تترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة، فإذا ذهب قدرها، اغتسلت
وصلت؛ وقدرها عندنا على ما جاء في حديث أم سلمة: لتنظر عدد الليالي
والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك
الصلاة قدر ذلك من الشهر فإن جاوزت ذلك، فلتغتسل ولتستثفر بثوب
ولتصلي(١)؛ وإنما تترك الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن،
وحيضها مستقيم قلت أو كثرت لا تزيد عليها، ثم تغتسل وتصلي وهي
طاهر حتی تری دفعة، فتکف عدد الليالي والأيام؛ فإن زادت دفعة قبل
وقت حيضها، لم تكف عن الصلاة؛ لأنها لو كفت عن الصلاة بتلك الدفعة
قبل وقت حيضها، كانت قد خالفت قول رسول الله وَّ ل، فقعدت عن
الصلاة أكثر من أيام حيضها؛ والدفعة في غير أيام الحيض عرق لن تقبل
معه حيضة، وإنما أمرت أن تكف عن الصلاة عند إقبال الحيضة، فرأينا
إقبالها في غير موضعها مخالفا للحديث في عدد الليالي والأيام، فجعلنا ذلك
استحاضة. قال محمد بن مسلمة: وكان المغيرة يأخذ بالحديث الذي جاء فيه
عدد الليالي والأيام، وكان مالك يحتاط بعد ذلك بثلاث؛ قال: وقول المغيرة
في ذلك أحسن وأحب إلي.
وقال أحمد بن المعذل: أما قول مالك في المرأة التي لم تحض قط ثم
حاضت فاستمر بها الدم، فإنها تترك الصلاة إلى أن تتم خمسة عشر يوما؛
فإن انقطع عنها قبل ذلك، علمنا أنه حيض واغتسلت؛ وإن انقطع عنها
لخمس عشرة، فكذلك أيضا، وهي حيضة قائمة تصير قرءالها؛ وإن زاد
الدم على خمسة عشر، اغتسلت عند انقضاء الخمس عشرة، وتوضأت لکل
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.

٤٩٢!
فتح البر
صلاة وصلت؛ وكان ما بعد خمسة عشر من دمها استحاضة، يغشاها فيه
زوجها، وتصلي فيه وتصوم؛ ولا تزال بمنزلة الطاهر حتی تری دما قد أقبل
غير الدم الذي كان بها- وهي تصلي؛ فإن رأته بعد خمس ليال من يوم
اغتسلت، فهو حيض مقبل، تترك له الصلاة خمس عشرة ليلة؛ لأنها ليست
ممن كان لها حيض معروف ترجع اليه وتترك الصلاة قدر أيامها، إنما وقتها
أكثر الحيض وهي خمس عشرة؛ وإذا رأت الدم المقبل بعدما اغتسلت بأقل
من خمس ليال لم تترك له الصلاة - وكانت استحاضة، لأنها لم تتم من الطهر
أيامها، فيكون الذي يقبل حيضا مستأنفا؛ فهذا حكم التي ابتدئت في أول
ما حاضت بالاستحاضة قال: وأما التي لها حيض معروف مستقيم،
وزادها الدم على أيامها، فإنها تنتظر إلى تمام خمس عشرة، فإن انقطع عنها
الدم قبل ذلك اغتسلت وصلت، وكان حيضها مستقيما، وإن انقطع الدم
مع تمام خمسة عشر، فكذلك أيضا، وإنما هي امرأة انتقل حيضها الى أكثر مما
كان، وكل ذلك حيض؛ لأن حيض المرأة مختلف أحيانا فيقل ويكثر؛ وإن
زادها الدم على خمسة عشر، اغتسلت عند تمامها فصلت، وكانت
مستحاضة؛ و تصلي وتصوم ويأتيها زوجها حتی تری دما قد أقبل سوی
الذي تصلي فیه؛ فإن رأته قبل خمس ليال من حين اغتسلت، مضت على
حال الطهارة، فانها مستحاضة؛ وإن رأته بعد خمس ليال فأكثر، فهو دم
حيض مستأنف، تترك له الصلاة أيامها التي كانت تحيضها قبل أن يختلط
عليها أمرها، وتزيد ثلاثة أيام على ما كانت تعرف من أيامها؛ إلا أن تكون
أيامها والثلاثة التي تحتاط بها أكثر من خمس عشرة؛ فإن كان كذلك، لم
تجاوز خمس عشرة واغتسلت عند تمامها وصلت، فهذا فرق بين المبتدأة
بالاستحاضة، وبين التي كان لها وقت معلوم.
وقال أحمد بن المعذل: الذي كان عليه الجلة من العلماء في القديم، أن

الحيض والاستحاضة
٤٩٣=
الحيض يكون خمس عشرة ليلة لا تجاوز ذلك، وما جاوزه فهو استحاضة؛
قال: وعلى هذا كان قول أهل المدينة القديم، وأهل الكوفة حتى رجع عنه
أبو حنيفة لحديث بلغه عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس
ابن مالك، أنه قال في المستحاضة تنتظر عشرا لا تجاوز(١). فقال أبو حنيفة: لم
أزل أرى أن يكون أقل الطهر أكثر من أكثر الحيض، وكنت أكره خلافهم
يعني فقهاء الكوفة، حتى سمعت هذا الحديث عن أنس، فأنا آخذ به.
قال أحمد بن المعذل: واختلف قول أصحابه في عدد الحيض وانقطاعه
وعودته اختلافا يدلك على أنهم لم يأخذوه عن أثر قوي ولا إجماع، قال:
واختلف أيضا قول مالك وأصحابه في عدد الحيض رجع فيها من قول إلى
قول، وثبت هو وأهل بلده على أصل قولهم في الحيض: أنه خمس عشرة؛
قال: وإنما ذكرت لك اختلاف أمر الحيض واختلاطه على العلماء، لتعلم أنه
أمر أخذ أكثره بالاجتهاد، فلا يكون عندك سنة قول أحد من المختلفين،
فيضيق على الناس خلافهم.
قال أبو عمر: قد احتج الطحاوي لمذهب الكوفيين في تحديد الثلاث
والعشر في أقل الحيض وأكثره بحديث أم سلمة إذا سألت رسول الله وليه
عن المرأة التي كانت تهراق الدماء، فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي
کانت تحیضهن من الشهر، فلتترك قدر ذلك من الشهر، ثم تغتسل وتصلي؛
قال: فأجابها بذكر عدد الأيام والليالي من غير مسألة لها على مقدار حيضها
قبل ذلك؛ قال: وأكثر ما يتناوله أيام عشرة، وأقله ثلاثة.
قال أبو عمر: ليس هذا عندي حجة تمنع من أن يكون الحيض أقل من
(١) قط (٢٠٩/١)، عبد الرزاق (١١٥٠/٢٩٩/١)، هق (٣٢٢/١)، من طرق عن الجلد بن أيوب
عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك موقوفا، والجلد بن أيوب ضعفه ابن راهويه وأحمد بن
حنبل. وقال الدار قطني: متروك "الميزان" (١/ ١٥٤٧/٤٢٠).

= ٤٩٤ =
فتح البر
ثلاث، لأنه كلام خرج في امرأة قد علم أن حيضها أيام، فخرج جوابها على
ذلك؛ وجائز أن يكون الحيض أقل من ثلاث، لأن ذلك موجود في النساء
غير مدفوع؛ وأما الجلد بن أيوب، فإن الحميدي ذکر عن ابن عيينة أنه كان
يضعفه ويقول: من جلد؟ ومن كان جلد؟ وقال ابن المبارك: الجلد بن
أيوب يضعفه أهل البصرة ويقولون: ليس بصاحب حديث يعني روايته في
قصة الحیض عن أنس.
قال أبو عمر: للجلد بن أيوب أيضا حديث آخر عن معاوية بن قرة، عن
عائد بن عمر، وأنه قال لامرأته: إذا نفست لا تغريني عن ديني حتى تمضي
أربعون ليلة.
وروى عن الجلد بن أيوب هشام بن حسان، وعمر بن المغيرة،
وعبدالعزيز بن عبد الصمد، وغيرهم؛ وله سماع من الحسن ونظرائه،
ولكنهم يضعفونه في حديثه في الحيض وأما الاستظهار، فقد قال مالك
باستظهار ثلاثة أيام.
وقال غيره: تستظهر یومین.
وحكى عبد الرزاق، عن معمر قال: تستظهر يوما واحدا على حيضتها
ثم هي مستحاضة. وذكر عن ابن جريج، عن عطاء، وعمرو بن دينار:
تستظهر بيوم واحد.
قال أبو عمر: احتج بعض أصحابنا في الاستظهار بحديث رواه حرام بن
عثمان عن أبي جابر، عن جابر، عن النبي ◌ُّڑ وهو حديث لا يصح، وحرام
ابن عثمان ضعيف متروك الحديث؛ واحتجوا فيه من جهة النظر بالقياس
على المصراة في اختلاط اللبنين، فجعلوا كذلك اختلاط الدمين: دم
الاستحاضة ودم الحيض؛ وفي السنة من حديث ابن سیرین وغيره عن أبي

الحيض والاستحاضة
٤٩٥ =
هريرة، أن المصراة تستبرأ ثلاثة أيام ليعلم بذلك مقدار لبن التصرية من لبن
العادة؛ فجعلوا كذلك الذي يزيد دمها على عادتها، ليعلم بذلك أحیض هو
أم استحاضة استبراء واستظهارا؛ وفي هذا المعنى نظر، لأن الاحتياط إنما
يجب أن يكون في عمل الصلاة لا في تركها، وسيأتي هذا المعنى بأوضح من
هذا في باب هشام بن عروة إن شاء الله.
وأما الشافعي، فإنه قال: الحيض أقل ما يكون يوم وليلة، وأكثره خمسة
عشر يوما؛ فإن تمادى بالمبتدأة الدم أكثر من خمسة عشر يوما، اغتسلت
وقضت الصلاة أربعة عشر يوما؛ لأنها مستحاضة بيقين إذا زادت على
خمسة عشر يوما؛ فإن حيضها أقل الحيض احتياطا للصلاة؛ وإن انقطع دمها
لخمسة عشر يوما أودونها، فهو کله حیض.
وقال الشافعي: إذا زادت المرأة على أيام حيضها نظرت، فإن كان الدم
محتدما ثخينا، فتلك الحيضة تدع لها الصلاة؛ فإذا جاءها الدم الأحمر، فذلك
الاستحاضة تغتسل وتصلي؛ ولا تستظهر في أيام الدم ... وفي أيام أقرائها
تغتسل وتصلي. تعمل عنده على التمييز، فإن لم تميز، فعلى الأيام؛ فإن لم
تعرف، رجعت إلى العرف والعادة واليقين؛ و قول أبي ثور في هذا کله مثل
قول الشافعي سواء.
قال أبو عمر: الدم المحتدم هو الذي ليس برقيق ولا بمشرق وهو إلى
الكدرة، والدم الاحمر المشرق تقول له العرب: دم عبيط، والعبيط هو
الطري غير المتغير؛ تقول العرب: اعتبط ناقته وبعیره إذا نحرها من غير
علة. ومن هذا قولهم: من لم يمت عبطة، يمت هرما. أي من لم يمت في
شبابه وصحته، مات هرما، يقولون: اعتبط الرجل: إذا مات شابا صحيحا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري في التي يزيد دمها على أيام عادتها:

فتح البر
٤٩٦٠
1
إنها ترد إلى أيامها المعروفة، فإن زادت، فإلى أقصى مدة الحيض، وذلك
عندهم عشرة أيام تترك الصلاة فيها؛ فإن انقطع، وإلا فهي مستحاضة؛
والعمل عندهم على الأيام لا على التمييز، تجلس عندهم أيام اقرائها إلى
آخر مدة الحيض.
وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة في المبتدأة ترى الدم
ويستمر بها، أن حيضها عشر، وطهرها عشرون؛ وأكثر الحيض عنده عشرة
أيام، وأقله ثلاثة.
وقال أبو يوسف: تأخذ في الصلاة بالثلاثة: أقل الحيض، وفي الأزواج
بالعشر، ولا تقضي صوما عليها إلا بعد العشرة، وتصوم العشرين من
رمضان و تقضي سبعا.
وقال الأوزاعي وسئل فيمن تستظهر بيوم أو يومين بعد أيام حيضها إذا
تطاول بها الدم فقال: يجوز، ولم يوقت للاستظهار وقتا.
وقال أحمد بن حنبل: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما؛
فلو طبق بها الدم و کانت ممن تمیز وعلمت إقباله بأنه أسود ثخين، أو أحمر
يضرب الى السواد، وفي إدباره يصير إلى الرقة والصفرة؛ تركت الصلاة في
إقباله، فإذا أدبر، اغتسلت وصلت وتوضأت لكل صلاة؛ فان لم يكن دمها
منفصلا، وكانت لها أيام من الشهر تعرفها، أمسكت عن الصلاة فيها
واغتسلت إذا جاوزتها؛ وإن كانت لا تعرف أيامها بأن تكون أنسيتها وكان
دمها مشكلا لا ينفصل، قعدت ستة أيام أو سبعة في كل شهر على حديث
حمنة بنت جحش.
وأما المبتدأة بالدم ، فإنها تحتاط فتجلس يوما وليلة، وتغتسل وتتوضأ
لكل صلاة وتصلي؛ فإن انقطع عنها الدم في خمسة عشر، اغتسلت عند

الحيض والاستحاضة
٤٩٧ -
انقطاعه، وتفعل مثل ذلك ثانية وثالثة؛ فان کان بمعنی واحد، عملت علیه
وأعادت الصوم إن كانت صامت؛ وإن استمر بها الدم ولم تميز، قعدت في
كل شهر ستا أو سبعا؛ لأن الغالب من النساء أنهن هكذا يحضن. وقول
إسحاق بن راهويه، وأبي عبيد في هذا الباب نحو قول أحمد بن حنبل في
استعمال الثلاثة أحاديث: حديث فاطمة بنت أبي حبيش في تمييز إقبال
حيضتها وإدبارها، وحديث أم سلمة في عدد الليالي والأيام المعروفة لها إذا
کانت لا تميز انفصال دمها؛ وحدیث حمنة بنت جحش فيمن لا تعرف
أيامها ولا تميز دمها.
وقال الطبري: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما؛ فان
تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يوما، قضت صلاة أربعة عشر يوما،
وخمس عشرة ليلة؛ إلا أن يكون لها عادة، فتقضي ما زاد على عادتها؛
واختلفوا في الحامل ترى الدم هل ذلك استحاضة لا يمنعها من الصلاة، أم
هو حيض تكف معه عن الصلاة؟ فقال مالك، والشافعي، والليث بن
سعد، والطبري: هو حيض، وتدع الصلاة؛ هذا هو المشهور من مذهب
الشافعي، وقد روي عنه أنه ليس بحیض.
والمشهور من مذهب مالك أيضا، أنه حيض يمنعها من الصلاة، إلا ابن
خواز بنداد، قال: إن هذا في مذهب مالك إذا رأت الدم في أيام عادتها،
فحينئذیکون حیضا.
واختلف قول مالك وأصحابه في حكم الحامل إذا رأت الدم: فروي عنه
الفرق بين أول الحمل وآخره، وروي عنه وعن أصحابه في ذلك روايات لم
أر لذكرها وجها، وأصح ما في ذلك على مذهب رواته: أشهب عنه أن
الحامل في رؤيتها الدم كغير الحامل سواء.

فتح البر
١١ = ٤٩٨
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حي، وعبيد الله بن
الحسن، والأوزاعي: ليس بحيض، وإنما هو استحاضة؛ لا تكف به عن
الصلاة. وهو قول ابن علية، وداود؛ وحجة هؤلاء ومن قال بقولهم: أن
الامة مجمعة على أن الحامل تطلق للسنة إذا استبان حملها من أوله إلى آخره،
وأن الحمل كله كالطهر الذي لم يجامع فيه؛ ومن حجتهم أيضا: قوله وَ له: لا
توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض (١). قالوا: فهذا دليل على أن
الحمل ينفي الحيض.
ومن حجة مالك ومن ذهب مذهبه في أن الحامل تحيض، ما يحيط به
العلم بأن الحائض قد تحمل، فكذلك جائز أن تحيض كما جائز أن تحمل؛
والأصل في الدم الظاهر من الارحام أن يكون حيضا حتى تتجاوز المقدار
الذي لا يكون مثله حيضا، فيكون حينئذ استحاضة؛ لأن النبي ◌َّ إنما
حكم بالاستحاضة في دم زائد على مقدار الحيض، وليس في قوله عليه
(١) روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، من طرق بعضها صحيح، وبعضها حسن، وأخرى
ضعيفة من حديث أبي سعيد: حم (٦٢/٣)، د(٢١٥٧/١٦٤/٢)، ك (١٩٥/٢) بلفظ: ((لا
توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة)) وقال: هذا حديث صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الحافظ في "التلخيص" (١٧٢/١): ((وإسناده حسن)). ومن
حديث العرباض بن سارية عند: ت (١١٢/٤/ ١٥٦٤) بلفظ: ((نهى أن توطأ السبايا حتى
يضعن ما في بطونهن)) وقال: حديث غريب. ك (١٣٥/٢) بلفظ: ((نهى عن الخلسة والمجثمة
وأن توطأ السبايا حتى يضعن ما في بطونهن)) وصححه ووافقه الذهبي. وفيه أم حبيبة بنت
العرباض بن سارية، قال الحافظ في "التقريب" (٨٧٥٧/٦٦٥/٢): ((مقبولة)). ومن حديث
جابر عند: الطيالسي (١٦٧٩) بلفظ: ((نهى أن توطأ النساء الحبالى من السبي)) قال الشيخ الألباني
في "الإرواء' (٢٠١/١): ((وسندصحیح». ومن حديث ابن عباس عند: قط (٢٥٧/٣) من
حديث عكرمة عن ابن عباس. وحسن الشيخ الألباني سنده في "الإرواء" (١/ ٢٠٠)، ك
(١٣٧/٢) من حديث مجاهد عن ابن عباس. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة
ووافقه الذهبي. ومن حديث رويفع بن ثابت عند: حم (١٠٨/٤)، د
(٢١٥/٢-٢١٥٨/٢١٦)، قال الشيخ الألباني في الإرواء (٢٠١/١): ((وسنده حسن)). ومن
حديث علي عند: ابن أبي شيبة (٢٨/٤/ ١٧٤٦٢)، قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٧٢):
«لكن في إسناده ضعف وانقطاع)».

٤٩٩
الحيض والاستحاضة
السلام: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض ما ينفي أن يكون
حيض على حمل، لأن الحديث إنما ورد في سبي أوطاس حين أرادوا
وطأهن، فأخبروا أن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة
لرحمها بغير الحيض، لا أن الحامل لا تحيض والله أعلم.
وممن قال: إن الحامل إذا رأت الدم كفت عن الصلاة كالحائض سواء،
ابن شهاب الزهري، وقتادة، واللیث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وابن
مهدي، وجماعة؛ واختلف فيه عن عائشة: فروي عنها مثل قول مالك،
والزهري؛ وروي عنها أنها لا تدع الصلاة على حال، رواه سلیمان بن
موسى، عن عطاء، عن عائشة؛ وهو قول جمهور التابعين بالحجاز والعراق؛
وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأبو عبيد؛ وأما غسل المستحاضة
ووضوؤها، فأجمعوا أن عليها إذا كانت ممن تميز دم حيضها من دم
استحاضتها ان تغتسل عند إدبار حيضتها، وكذلك إذا لم تعرف ذلك
وقعدت ما أمرت به من عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر،
اغتسلت عند انقضاء ذلك على حسبما جاء منصوصا في حديث أم سلمة
وغيره على مذاهب العلماء في ذلك مما قد ذكرناه في هذا الباب والحمد لله؛
ثم اختلفوا فيما عليها بعد ذلك من غسل أو وضوء؛ فذهبت طائفة من أهل
العلم إلى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة بحديث ابن شهاب، عن عروة
وعمرة جميعا عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش، وبعض أصحاب ابن
شهاب یقول عنه فیه: حمنة بنت جحش، ولا یصح عنه؛ وقال معمر، وابن
عيينة، وإبراهيم بن سعد، ویونس بن یزید، وغيرهم: أم حبيبة بنت جحش
وهو الصواب استحيضت فاستفتت رسول الله ﴿ ﴿ ﴿ فقال لها: إنما ذلك
عرق، فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل لكل صلاة(١). قالوا: فهي أعلم بما
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

=
= ٥٠٠
=
فتح البر
أمرت به، وقد فهمت ما جووبت عنه؛ قالوا: وقد قال محمد بن إسحاق في
هذا الحديث عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة بنت
جحش استحيضت في عهد رسول الله وَله فأمرها رسول الله وآله بالغسل
لكل صلاة وساق الحديث(١).
واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا مسلم، قال حدثنا أبان،
وهشام الدستوائي، قالا حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال أبان
عن أم حبيبة، وقال هشام: إن أم حبيبة سألت رسول الله وَ لاه قالت: إني
أهراق الدماء، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي(٢).
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود؛
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد
ابن محمد البرتي، قالا جميعا: حدثنا أبو معمر، قال أبو داود: عبد الله بن
عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، قال حدثنا عبد الوارث، عن حسين المعلم،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني زينب بنت أم سلمة، أن
امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله وَلفي، وكانت تحت عبد الرحمن
ابن عوف، أن رسول الله وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة (٣). قال أبو
داود: وفي حديث ابن عقيل في قصة حمنة الأمران جميعا. قال: إن قويت
(١) حم(٦/ ٤٣٤)، د(٢٩٢/٢٠٤/١)، وفيه محمد بن اسحاق وهو مدلس قد عنعن، وله شاهد
عند: د (١ / ٢٠٥/ ٢٩٣) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة أن
امرأة كانت تهرق الدم وكانت تحت عبد الرحمان بن عوف أن رسول الله وَ لهو: «أمرها أن تغتسل
عند كل صلاة وتصلي)) لكنه يعارض حديث فاطمة بنت أبي حبيش، واذ فيه الأمر بالوضوء
لكل صلاة. قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٦٣): ((والجمع بين الحديثين بحمل الأمر في حديث أم
حبيبة على الندب أولى والله أعلم)).
(٢) هق (١/ ٣٥١) وقال: ((ورواه الأوزاعي عن يحيى فجعل المستحاضة زينب بنت أم سلمة)).
(٣) د(٢٩٣/٢٠٥/١)، هق (٣٥١/١) من طريق الحسين عن يحيى بن أبي كثير به.