النص المفهرس

صفحات 341-360

نواقض الوضوء
=
٣٤١ -
ههنا تناظرا فيها، والأسانيد عن الصحابة في اسقاط الوضوء منه اسانيد
صحاح من نقل الثقات.
قال أبو عمر: تحصیل مذهب مالك في ذلك ان لا وضوء فیه ، لأن
الوضوء عنده منه استحباب لا إيجاب ، بدليل انه لا يرى الاعادة على من
صلى بعد ان مس ذكره الا في الوقت ، وفي سماع أشهب وابن نافع عن
مالك انه سئل عن الذي يمس ذكره ويصلي ، أيعيد الصلاة ؟ فقال : لا
أوجبه أنا ، فروجع فقال : يعيد ما كان في الوقت ، وإلا فلا، وقال
الأوزاعي : إن مس ذكره بساعده، فعليه الوضوء، وهو قول عطاء ، وبه
قال أحمد بن حنبل ، وقال الليث : من مس ما بين إليتيه فعليه الوضوء،
قال الليث: من مس ذكر البهائم ، فعليه الوضوء ، قال مالك والليث : إن
مس ذكره بذراعه وقدمه، فلا وضوء عليه، وقال مالك، والشافعي،
والليث بن سعد: لا يجب الوضوء الا على من مس ذكره بباطن كفه،
وجملة قول مالك واصحابه إن مس ذكره بظاهر يده او بظاهر ذراعيه او
باطنهما او مس انثييه او شيئا من أرفاغه او غيرها، او شيئا من أعضائه
سوى الذكر، فلا وضوء عليه، ولا على المرأة عندهم وضوء في مسها
فرجها، وقد روي عن مالك : ان على المرأة الوضوء في مسها فرجها إذا
ألطفت او قبضت والتذت، و کان مکحول، وطاووس ، وسعيد بن جبير ،
وحميد الطويل، يقولون : إن مس ذكره غير متعمد ، فلا وضوء عليه ، وبه
قال داود، قال الاوزاعي ، والشافعي وأحمد ، وإسحاق : عمده وخطأه في
ذلك سواء، إذا أفضى بيده اليه ، وجملة قول الشافعي في هذا الباب : ما
ذكره في كتاب الطهارة المصري ، قال : واذا أفضى الرجل الى ذكره ليس
بينه وبينه ستر ، فقد وجب عليه الوضوء عامدا کان او ساهيا، والإفضاء
بالید إنما هو بباطنها كما نقول : أفضی بیده مبایعا ، وأفضی بیدیه الى

فتح البر
٣٤٢
الأرض ساجدا ، وسواء قليل ما مس من ذكره او كثيره ، إذا كان بباطن
الکف، وكذلك من مس دبره بباطن الكف ، او فرج امرأته ، او ذكر غيره
او دبره، وسواء مس ذلك من حي او ميت ، وحكم المرأة في ذلك كله
كالرجل منها ومن غيرها ، قال : ومن مس ذكره بباطن كفه على ثوب
عامدا او ساهیا ، او مسه بظهر کفه او ذراعه عامدا او ساهيا فلا شيء عليه،
لقول رسول الله وَ﴾ ((اذا افضى أحدكم .... )) وكذلك المرأة ، قال: وان
مس شيئا من هذا من بهيمة لم يجب عليه الوضوء من قبل ان للآدميين
حرمة وتعبدا ، قال : ولا شيء عليه في مس انثيیه ورفغیه وإلیتیه وفخذيه ،
قال : وانما قسنا الفرج بالفرج وسائر الاعضاء غیر باطن الكف قياسا على
الفخذ.
قال أبو عمر : أما قول الشافعي في مس الرجل فرج المرأة ومس المرأة
فرج الرجل، فقد وافقه على ذلك الاوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ووافقه
على قوله في مس ذكر الصبي والحي والميت : عطاء ، وأبو ثور ، ووافقه على
ايجاب الوضوء من مس الدبر : عطاء والزهري ، وكان عروة يقول : من
مس انثييه فعليه الوضوء .
قال أبو عمر : النظر - عندي - في هذا الباب : ان الوضوء لا يجب إلا
علی من مس ذكره او فرجه قاصدا مفضیا ، واما غير ذلك منه او من غيره،
فلا يوجب الظاهر، والاصل ان الوضوء المجتمع عليه، لا ينتقض إلا
باجماع او سنة ثابتة غير محتملة للتأويل، فلا عيب على القائل بقول
الكوفيين ، لان ايجابه عن الصحابة لهم فيه ما تقدم ذكره ، وبالله التوفيق.

نواقض الوضوء
٣٤٣
ما جاء في الوضوء من مس المرأة
[٤] مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام بين يدي
رسول الله وَليل ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام
بسطتهما، قال: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح(١).
وأما قوله في حديثنا في هذا الباب: ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني
فقبضت رجلي، وفي حديث القاسم عن عائشة: غمز رجلي فضممتهما إلي:
ففيه دليل على أن الملامسة لا تنقض الطهارة- ما لم يكن معها اللذة، وهذا
مما نزع به واستدل جماعة من أصحابنا في باب الملامسة.
قرأت على أبي عمر أحمد بن عبد الله بن محمد - أن أباه أخبره قال:
أخبرنا محمد بن عمر بن لبابة، قال: حدثني قاسم بن محمد، قال حدثنا
أبي، قال : قال لي المزني: من أين قال مالك بن أنس إنه من لمس لشهوة
انتقض وضوؤه، ومن لمس لغير شهوة لم ينتقض عليه وضوؤه ؟ فقلت له:
قال الله عز وجل: ﴿أَوْ لَمَسْئُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ﴾ [النساء: (٤٣)] الآية.
فكان واجبا بظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف لامس، فدلت
السنة على أن الوضوء على بعض الملامس دون بعض؛ فقال : وأين السنة ؟
فقلت له: حديث عائشة: فقدمت رسول الله وَلّ فطلبته، فوضعت يدي
على قدميه- وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من
عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك(٢)،
(١) حم (١٤٨/٦-٢٢٥-٢٥٥). خ (١ / ٦٤٧- ٦٤٨ /٣٨٢). م (١ / ٣٦٧ / ٥١٢ [٢٧٢]).
د (١ / ٤٥٧ / ٧١٣). ن (١ / ١١٠ / ١٦٨). من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن
عائشة رضي الله عنها.
(٢) ن (٢/ ٥٧١- ١١٢٩/٥٧٢). ت (٤٨٩/٥-٣٤٩٣/٤٩٠). من طريق يحيى بن سعيد عن
محمد بن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها. قال الترمذي: ((هذا حديث حسن قد روي
من غير وجه عن عائشة)»

- ٣٤٤
فتح البر
قال قاسم: فلما وضعت يدها على قدمه- وهو ساجد وتمادی سجوده، کان
دليلا على أن الوضوء لا ينتقض الا على بعض الملامسين دون بعض. قال
المزني : فإني أقول إنه كان على قدمه حائل شيء كالثوب يسترها أو نحوه.
قال قاسم: فقلت له: القدم بلا حائل حتى يثبت الحائل.
قال أبو عمر: ما أدري كيف يجوز على مثل المزني - مع جلالته وفقهه
وسعة فهمه- مثل هذا الإدخال والاحتجاج، والأغلب أن النائم مشتمل
في ثوبه ملتحف به، واذا أمكن ذلك - وهو الأغلب- لم يجب أن يقطع
بملامسة فيها مباشرة إلا بيقين- ولا يقين في هذا الحدیث، لإمكان ستر
القدم واحتماله؛ واذا احتمل لم تكن فيه حجة؛ لأن الحجة ما لا تنازع فيه
ولا يحتمل تأويل الخصم. وحديث هذا الباب أولى من الحديث الذي احتج
به قاسم، لأن في حديثنا في هذا الباب: أن رسول الله ﴾ ﴿ كان يغمز رجل
عائشة أو رجليها، فهو الملامس في هذا الحديث- لو ثبت أنه باشرها أو
شيئا من جسدها بالملاسمة؛ لأنه قد يحتمل أن يغمزها على الثوب، أو
یضرب رجلها بکمه، ونحو هذا.
والحديث الذي احتج به قاسم یرویه مالك عن یحیی بن سعيد، عن
محمد بن إبراهيم التيمي، عن عائشة(١)- وهو منقطع من هذا الوجه؛
ولكنه يستند من طرق صحیحة سنذكرنا في باب یحیی بن سعيد من كتابنا
هذا - إن شاء الله .
وأما اختلاف العلماء في الملامسة التي تنقض الطهارة وتوجب الوضوء
على من أراد الصلاة، فاختلاف قدیم وجدناه على السلف والخلف، ونحن
نورد منه ومن وجوه أقاويلهم فيها ما فيه كفاية - إن شاء الله.
(١) سبق ذكره.

نواقض الوضوء
٣٤٥=
قال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأكثر أهل العراق،
وطائفة من أهل الحجاز: الملامسة التي ذكر الله - عزوجل - في كتابه في
قوله: ﴿أو لمستم النساء﴾ ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ على ما قرىء من ذلك كله، هي
الجماع نفسه الموجب للغسل، وأدنى ذلك مس الختان، وأما ما کان دون
ذلك من القبلة والجسة وغيرها، فليس من الملامسة ولا ينقض الوضوء،
وهو مذهب ابن عباس، ومسروق، وعطاء، والحسن، وطاوس.
وروي عن علي بن أبي طالب مثل ذلك.
وقال الثوري: من قبل امرأته وهو على وضوء لم أر عليه وضوءا.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد: من قبل امرأته أو باشرها أو
لامسها لشهوة أو لغير شهوة، فلا وضوء عليه إلا أن ينتشر؛ ومن قصد
مسها لشهوة لیس بينهما ثوب فمسها وانتشر، فإن کان هذا، انتقض
وضوؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا ينتقض وضوؤه إلا أن
يخرج منه مذي أو غيره.
وقد قال الأوزاعي في الذي يقبل امرأته: إن جاء يسألني قلت: يتوضأ،
وإن لم يتوضأ لم أعب عليه. وقال في الرجل يدخل رجليه في ثياب امرأته
فيمس فرجها أو بطنها: لا ينقض ذلك وضوءه.
قال أبو عمر: كلهم ذهب إلى أن الملمس باليد لا بالرجل، لقوله
عز وجل: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيِهِمْ﴾ [الأنعام: (٧)] والمباشرة عند مالك بالجسد
كاللمس باليد يراعون فيه اللذة على ما يأتي بعد واضحا - إن شاء الله.
وقال أبو ثور: لا وضوء على من قبل مرأته أو باشرها أو لمسها.
قال أبو عمر: فمما احتج به من ذهب هذا المذهب: أن قال: الملامسة
واللمس نظيرها في كتاب الله المسيس والمس والمماسة مثل الملامسة. قال الله

فتح البر
١١١١ - ٣٤٦
عز وجل: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: (٢٣٧)]. وقد أجمعوا
على أن رجلا لو تزوج امرأة فمسها بيده، أو قبلها في فمها أو جسدها - ولم
يخل بها ولم يجامعها - أنه لا يجب عليه إلا نصف الصداق، كمن لم يصنع
شيئا من ذلك؛ وأن المس والمسيس عني به - ههنا الجماع، فكذلك اللمس
والملامسة؛ قالوا: وكذلك قال ابن عباس: إن الله عز وجل حي کریم یکني
عن الجماع بالمسيس، والمباشرة، وباللمس، وبالرفث، ونحوذلك.
وذكروا ما حدثناه إبراهيم بن شاكر، قال : حدثنا عبدالله بن محمد بن
عثمان، قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن عبدالله بن صالح،
قال حدثنا أبو صالح الفراء، قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي
إسحاق، الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: إن الله حي كريم، قال: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَّ يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فهذا
باب من الجماع - وقد كنى. وقال: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: (١٨٧)]، وقال: ﴿فَالْثَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ
لَكُمْ﴾ [البقرة: (١٨٧)] فهذا باب من الجماع وقد كنى. وقال تبارك وتعالى:
﴿ أَوْ لَكَمَسْهُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: (٤٣)]، فهذا باب من الجماع وقد كنى.
وحدثناه عبدالوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
عبيد الله بن عبدالواحد البزار، قال حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى
الفراء، قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري- فذكره- إلى آخره(١).
وحدثناه عبدالوارث أيضا، حدثنا قاسم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا
عبدالملك بن حبيب المصيصي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري - فذكره(٢).
(١) و (٢) ابن أبي شيبة (١٧٦١/١٥٣/١). البيهقي (١٢٥/١). من طريق سعيد بن جبير عن
ابن عباس رضي الله عنهما. وعبد الرزاق (١/ ١٣٤/ ٥٠٦) من طريق أخرى عن ابن عباس.

نواقض الوضوء
٣٤٧ -
واحتجوا من الأثر المرفوع بما رواه وكيع وغيره عن الأعمش، عن
حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، أن النبي وَّ، قبل امرأة من
نسائه ثم خرج إلى الصلاة- ولم يتوضأ؛ قال: قلت: من هي إلا أنت؟
فضحكت(١).
ووکیع عن سفيان، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن
النبي وَي قبلها فلم يتوضأ(٢). قالوا: ولا معنى لطعن من طعن على حديث
حبيب بن أبي ثابت، عن عروة - في هذا الباب؛ لأن حبيبا ثقة ولا يشك أنه
أدرك عروة وسمع ممن هو أقدم من عروة؛ فغير مستنكر أن يكون سمع
هذا الحديث من عروة، فإن لم يكن سمعه عنه، فإن أهل العلم لم يزالوا
يروون المرسل من الحديث والمنقطع، ويحتجون به اذا تقارب عصر المرسل
والمرسل عنه، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم؛ ألا
ترى أنهم قد أجمعوا على الاحتجاج بحديث ابن عباس عن النبي وَّه؛
وجله مراسيل، والقول في رواية إبراهيم التيمي عن عائشة مثل ذلك؛ لأنه
لم يلق عائشة، وهو ثقة فيما يرسل ويسند؛ قالوا: وقد روي هذا الخبر عن
عائشة من وجوه - وإن كان بعضها مرسلا - فإن الطرق اذا كثرت قوى
(١) حم (٢١٠/٦). د (١ / ١٢٤ - ١٧٩/١٢٥). ت (١/ ١٣٣ / ٨٦).
جه (١ /٥٠٢/١٦٨). من طريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن
عائشة رضي الله عنها. واختلف في إسناده انظر («نصب الراية)) (٧١/١-٧٢). ونقل الترمذي
تضعيف الحديث عن القطان والبخاري ثم قال: ((وليس يصح عن النبي وَلّ في هذا الباب
شيء)». قلت: والخلاف في سماع حبيب من ابن الزبير. قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات عن
حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا. والحديث صححه أيضا الشيخ شاكر
والشيخ الألباني.
(٢) حم (٦/ ٢١٠). د (١٧٨/١٢٣/١). ن (١ / ١١٢ / ١٧٠). من طريق سفيان الثوري عن أبي
روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها. قال فيه الترمذي بعد أن روى حديث
الأعمش المتقدم: ((وهذا لا يصح أيضا ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة)). وقال أبو
داود: ((وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة وقال: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ
أربعين سنة وكان يكنى أبا أسماء)).

فتح البر
٣٤٨
=
بعضها بعضا؛ وذكروا ما روى شعبة وغيره عن ابي بشر، عن سعيد بن
جبير، قال: ذکروا اللمس فقال ناس من الموالي لیس الجماع، وقال ناس من
العرب: اللمس الجماع، فأتيت ابن عباس فقلت: إن ناسا من الموالي
والعرب اختلفوا في اللمس وأخبرته بقولهم، فقال: مع أي الفريقين كنت؟
قلت: مع الموالي؛ قال : غلب فريق الموالي إن اللمس والمباشرة الجماع؛
ولكن الله يكني بما شاء؛ قالوا: والكتاب والسنة والقياس والنظر، كل ذلك
يدل على أن الملامسة المقصود إلى ذكرها في آية الوضوء، هي الجماع؛ قالوا:
فأما الكتاب، فقول الله عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة -
يريد: وقد أحدثتم قبل ذلك- ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. فأوجب غسل
الأعضاء التي ذكرها بالماء، ثم قال: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ يريد:
الاغتسال بالماء، ثم قال: ﴿ وَإِن كُنتُم مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم
مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَكَمَسُْمُ النِّسَآءَ﴾ يريد الجماع الذي يوجب الجنابة ﴿فَلَمْ
تَجِدُ واْمَآءُ﴾ تتوضأون به من الغائط، أو تغتسلون به من الجنابة - كما
أمرتكم في أول الآية ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. قالوا: فإنما أوجب
في آخر الآية التيمم على من كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في
أولها؛ قالوا: وقول من خالفنا إن الله لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية،
ذكر الملامسة في آخر الآية موصولا بذكر الغائط؛ استدلوا بذلك على أنه
غير الجنابة، فليس كما قالوا؛ وإنما كان يكون ما قالوا دليلا - لو كان إنما
أوجب على الملامس في آخر الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في أولها،
فكان يكون دليلا على أن اللمس غير الجنابة؛ لأنه قد أوجب الطهارة من
الجنابة في أول الآية، فلم يكن لإعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى
يصح؛ ولكنه إنما أوجب عليه في أول الآية الاغتسال بالماء، وأوجب عليه
في آخرها التيمم بدلا من الماء - اذا كان مسافرا لا يجد الماء - أو مريضا؛
قالوا: فهذا المعنى أصح وأشبه بالتأويل مما ذهب إليه من خالفنا.

نواقض الوضوء
٣٤٩ -
قال أبو عمر: وقال أكثر أهل الحجاز وبعض أهل العراق: اللمس ما
دون الجماع مثل القبلة، والجسة، والمباشرة باليد، ونحو ذلك مما دون
الجماع، وهو مذهب مالك وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وأصحابه،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق؛ إلا أنهم اختلفوا في معنى اعتبار اللذة على ما
نذكره بعد في هذا الباب- إن شاء الله. وممن روي عنه أن اللمس ما دون
الجماع عمر وابن مسعود وابن عمر، وجماعة من التابعين بالمدينة، والكوفة،
والشام.
وروى مالك عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابيه، أنه كان يقول : قبلة
الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبلها أو جسها بيده، وجب
عليه الوضوء.
ورواه الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم،
عن أبيه، عن عمر، قال: القبلة من اللمم فتوضؤوا منها .- وهذا عندهم
خطأ، وإنما هو عن ابن عمر صحيح لا عن عمر.
وروى الأعمش عن إبراهيم، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، قال:
قال عبدالله بن مسعود: القبلة من اللمس، ومنها الوضوء، واللمس ما دون
الجماع.
وذكر عبدالرزاق عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة-
مثله، وعن سعيد بن المسيب مثله.
وحكى ابن وهب عن مالك، والليث، وعبدالعزيز بن أبي سلمة- في
قبلة الرجل امرأته الوضوء.
وحكى الزعفراني، والربيع، والمزني، عن الشافعي - أنه قال: من لمس
امرأته أو قبلها وجب عليه الوضوء. قال الزعفراني عنه: ولو ثبت حديث

فتح البر
- ٣٥٠
II
معبد بن نباتة في القبلة لم أر فيها شيئا ولا في اللمس، فإن معبد بن نباتة
يروي عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عائشة، عن النبي والر أنه كان يقبل
ولا يتوضأ، ولكن لا أدري كيف معبد بن نباتة هذا؟ فإن كان ثقة، فالحجة
فيما روي عن النبي ◌َّوَ(١).
قال أبو عمر: قد استدل أصحابنا على صحة ما ذهبوا إليه في أن الملامسة
ما دون الجماع بأدلة يطول ذكرها، منها أن قالوا: الملامسة لم يرد الله بذكرها
في آية الوضوء الجماع، لأنه أفردها من ذكر الجنابة - بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ
جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾، فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنف فقال: ﴿ وَإِن كُم
عَّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ
مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾. فجاء بالشرط وجوابه، فدل ذلك على أن الملامسة غير
قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا﴾، وانتفى بذلك أن تكون الملامسة الجماع،
ودخلت في باب الحدث الموجب الوضوء والتيمم، لأنه جمعها في الذكر
مع الغائط، وجاء بجواب واحد لذلك الشرط؛ كما جاء في قوله: ﴿ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنف ذكر الجماع
بحكم مفرد قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: (٦)] فجاء بالشرط
وجوابه تاماً؛ قالوا: وهذا هو المفهوم من كلام العرب، قالوا: ولهذا كان
ابن مسعود وعمر يذهبان إلى أن الجنب لا يتيمم، لأنه أفرد بحكم الغسل-
ولم يريا الجماع من الملامسة؛ وقد ذكرناوجه قولهما وما يرده من السنة في
باب عبد الرحمان بن القاسم من كتابنا هذا-والحمد لله.
(١) عبد الرزاق في المصنف (٥١٠/١٣٥/١). من طريق معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو عن
عروة بن الزبير عن عائشة بلفظ: قبلني رسول الله وَي ثم صلى ولم يحدث وضوء. وليس في
التمهيد ذکر لعروة بن الزبير في إسناده.

نواقض الوضوء
٣٥١
وتقدير الآية في مذهب من أنكر أن تكون الملامسة الجماع ممن يرى
التیمم للجنب: أن یکون فيها تقدیم وتأخیر، کأنه قال عز وجل: يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط أو
لا مستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق، وامسحوا
برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين؛ وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم
مرضى أوعلى سفر - ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فاسمحوا
وجوهكم وأيديكم منه. لأن القائلين بهذا التقدير في الآية اختلفوا في تيمم
الحاضر الصحيح اذا فقد الماء وخشي فوات الوقت- على ما ذكرنا في غير
هذا الموضع؛ فدخل في التيمم الجنب وغيره على هذا الترتيب من التقديم
والتأخير.
قالوا: والتقديم والتأخير في كتاب الله كثير لا ينكره عالم.
قال أبو عمر: ثم اختلف القائلون بأن اللمس ما دون الجماع: فقال
بعضهم: إنما اللمس الذي يجب منه الوضوء أن يلمس الرجل المرأة لشهوة،
فإن لمسها لغير شهوة فلا وضوء عليه؛ هذا مذهب مالك وأصحابه، وبه
قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن النخعي،
والشعبي.
ورواه شعبة عن الحكم، وحماد، واحتج إسحاق فقال: أخبرنا محمد بن
بكر، قال أخبرنا ابن جريج، قال أخبرنا عبدالكريم أنه سمع الحسن يقول:
كان النبي وَّ جالسا في مسجد في الصلاة فقبض على قدم عائشة غير
متلذذ(١). و ضعف حديث حبيب بن ابي ثابت، عن عروة، عن عائشة،
(١) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٤٥/٨) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وفي
بعضهم ضعف لا یضر )) اهـ.

فتح البر
٣٥٢٠
عن النبي وَيقول أنه كان يقبلها ولا يتوضأ. وقال: ليس بصحيح ولا نظن أن
حبيبا لقي عروة، قال: وقد يمكن أن يقبل الرجل امرأته لغير شهوة برا بها
وإكراما لها ورحمة؛ ألا ترى إلى ما جاء عن النبي وَّر أنه قدم من سفر فقبل
فاطمة(١) .- وهذا حديث يرويه الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد،
عن يزيد النحوي، عن عكرمة، قال: فالقبلة تكون لشهوة ولغير شهوة.
وروى عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك- في المريض تغمز
امرأته رجليه أو رأسه، لا وضوء فيه إلا أن يلتذا؛ قال: ولا وضوء عليهما-
وإن تماسا الا أن يلتذا، قال: والجسة من فوق الثوب ومن تحته سواء- إن
كان للذة. وقال علي بن زياد عن مالك إن كان الثوب كثيفا فلا شيء عليه،
وإن كان خفيفا فعليه الوضوء؛ وجملة مذهب مالك: أن من التذمن
الملامسين، فعليه الوضوء - المرأة والرجل في ذلك سواء.
وقال عبدالملك بن الماجشون من تعمد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ
- التذ أو لم يلتذ.
وقال الشافعي بمصر: اذا أفضی الرجل بيده الی امرأته أو ببعض جسده
لا حائل بينها وبينه لشهوة ولغير شهوة، وجب عليه الوضوء؛ وكذلك إن
لمسته هي وجب عليها وعليه الوضوء، وسواء في ذلك أي بدنيهما أفضى
الى الآخر - اذا مست البشرة البشرة الا الشعر خاصة، فلا وضوء على من
مس شعر امرأته لشهوة كان أو لغير شهوة، والشعر مخالف للبشرة؛ ولو
احتاط فتوضأ إذا مس شعرها، كان حسنا؛ ولو مسها بيده أو مسته بيدها
من فوق الثوب فالتذا لذلك أم لم يلتذا، لم يكن عليهما شيء حتى يفضيا الى
(١) ذكره الهيمئي في ((المجمع)) (٤٥/٨). وقال: « رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وفي
بعضهم ضعف لا يضر.))

نواقض الوضوء
٣٥٣ -
البشرة؛ قال: ولا معنى للذة من فوق الثوب ولا من تحته، ولا معنى
للشهوة في القبلة، وإنما المعنى للفعل.
قال أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي: فهذا مذهب الشافعي فيمن
وافقه من أصحابه- وهو قول مكحول، والأوزاعي، وسعيد بن
عبدالعزيز، وجماعة- هكذا حکی المروزي عنهم.
وأما الطبري، فذكر عن الأوزاعي ما تقدم ذكرنا له؛ وكذلك ذكر
الطحاوي أيضا عن الأوزاعي، كما حكى الطبري ان لمس المرأة لا وضوء
فیه علی حال.
وقال المروزي: قول الشافعي هذا هو أشبه بظاهر الكتاب، لأن الله -
عز وجل: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [المائدة: (٦)] - ولم يقل شهوة ولا من
شهوة؛ قال: وكذلك الذين أوجبوا في ذلك الوضوء من أصحاب النبي وَثال
لم يشترطوا الشهوة، قال: وكذلك عامة التابعين؛ قال: وقد احتج بعض من
ذهب هذا المذهب بأن قال: قد اجتمعت الأمة أن رجلا لو استكره امرأته
فمس ختانه ختانها- وهي لا تلتذ بذلك، أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم
تشته - أن الغسل واجب عليهما. قالوا: فكذلك من مس امرأته لشهوة أو
لغیر شهوة، أو قبلها لشهوة أو لغیر شهوة، انتقضت طهارته، ووجب عليه
الوضوء؛ لأن المعنى في الجسة واللمس والقبلة للفعل لا للذة.
قال أبو عمر: القول الصحيح في هذا الباب: ما ذهب اليه مالك
والقائلون بقوله- والله أعلم، لأن الصحابة رضي الله عنهم - لم يأت عنهم
في معنى الملامسة إلا قولان، أحدهما: الجماع، والآخر ما دون الجماع؛
والقائلون منهم بأنه ما دون الجماع، إنما أرادوا ما يلتذ به مما ليس بجماع؛ ولم
يريدوا من اللمس اللطم، واللمس بغير لذة؛ لأن ذلك ليس من الجماع ولا

فتح البر
=٣٥٤ -
يشبهه، ولا يؤول إليه؛ ولما لم يجز أن يقال إن اللمس أريد به اللطم وغيره،
لتباين ذلك من الجماع؛ لم يبق إلا أن يقال إنه ما وقع به الالتذاذ، لإجماعهم
على أن من لطم امرأته، أو داوى جرحها؛ أو المرأة ترضع ولدها، لا وضوء
على هؤلاء - والله أعلم.
قال أبو عبد الله بن نصر: فأما ما ذهب اليه مالك من مراعاة الشهوة
واللذة لمن لمس امرأته من فوق الثوب وتلذذ بمسها - أنه قد وجب عليه
الوضوء، فقد وافقه على ذلك: الليث بن سعد قال المروزي: ولا نعلم أحدا
قال ذلك غيرهما، قال: ولا يصح ذلك في النظر؛ لأن من فعل ذلك فهو
غير لامس لامرأته، وغير مماس لها في الحقيقة، إنما هو لامس لثوبها.
وقد أجمعوا أنه لو تلذذ واشتهى دون أن يلمس لم يجب عليه وضوء،
فكذلك من لمس فوق الثوب، لأنه غير لامس للمرأة؛ هذا جملة ما احتج به
المروزي لمذهب الشافعي الذي اختاره في ذلك، وفي المسألة نظر؛ ومن تدبر
ما أوردناه، اكتفى بما وصفنا- والله الموفق للصواب، والهادي اليه لا شريك
له.
وفي هذا الحديث ما كانوا عليه من ضيق العيش، والصبر على الإقلال؛
ألا تری أنهم کانت يومئذ بيوتهم دون مصابيح، وفي قول عائشة- رحمها
الله - : والبیوت یومئذ لیس فیھا مصابیح، دلیل علی أنها اذ حدثت بهذا
الحديث، كانت بيوتهم فيها المصابيح؛ وذلك أن الله فتح عليهم بعد النبي
403* من الدنيا، فوسعوا على أنفسهم - اذ وسع الله عليهم؛ وقولها يومئذ-
يريد: حينئذ لأنا لو جعلنا اليوم النهار على المعهود، استحال أن تكون
المصابيح نهارا في بيوتهم؛ فعلمنا أنها أرادت بقولها يومئذ أي حينئذ، وهذا
مشهور في لسان العرب أنها كانت تعبر باليوم عن الحین والوقت، کما تعبر
به عن النهار؛ واليوم وهو النهار كما قال الشاعر:

نواقض الوضوء
٣٥٥ -
وأي نهار لا یکون له غد
أجدك هذا اللیل لا يتردد
يقول : اذا طال عليه الليل أجدى أن يكون ليل لا يتردد، أو أن يكون
يوم لا يكون له غد، أو ليل لا يكون له غد؛ وهذا أشهر عندهم من أن
يحتاج فيه الى الاستشهاد.

-٣٥٦
فتح البر
عدم الوضوء مما مست النار
[٥] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله
وَلي أكل كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ(١).
عند عطاء بن يسار في هذا الباب أيضا حديث عن أم سلمة، عن النبي
وَلّ، ذكره عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريح، قال: حدثني محمد بن
يوسف، أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة زوح النبي و لو أخبرته أنها
قربت لرسول الله واليوم جنبا مشويا، فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة، ولم
يتوضأ(٢)، وليس هذا باختلاف على عطاء بن يسار في الإسناد، وهما
حدیثان صحیحان.
قال أبو عمر:
روي عن النبي وَّر أنه قال: ((توضأوا مما غيرت النار))(٣)، ((توضأوا مما
مست النار)) (٤)، وذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي وَّ إلى أن
قوله عليه السلام ((توضأوا مما مست النار)) أنه عنى به غسل اليد لأن
الوضوء مأخوذ من الوضاءة، وهي النظافة، فكأنه قال: فنظفوا أيديكم من
غمر ما مست النار، ومن دسم ما مست النار. وهذا لا معنى له عند أهل
العلم، ولو كان كما ظن هذا القائل لكان دسم ما تمسه النار، وودك ما لم
(١) خ (١ / ٢٠٧/٤١٠). م (١/ ٢٧٣ / ٣٥٤). د (١٨٧/١٣٠/١) كلهم من طريق مالك به.
(٢) حم (٣٠٧/٦). ت (١٨٢٩/٢٤٠/٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا
الوجه. ن (١١٦/١ / ١٨٣).
(٣) حم (١٨٤/٥-١٨٨-١٩٠). م (١ / ٢٧٢/ ٣٥١). ن (١٧٩/١١٥/١) من حديث زيد بن
ثابت.
(٤) م (١ / ٢٧٢ - ٢٧٣ / ٣٥٢). د (١ / ١٣٤ / ١٩٤) بلفظ: (الوضوء مما أنضجت النار).
ت (١/ ٧٩/١١٤). ن (١٧١/١١٣/١-١٧٢). جه (٤٨٥/١٦٣/١) كلهم من حديث أبي
هريرة.

نواقض الوضوء
٣٥٧
تمسه النار لا یتنظف منه، ولا تغسل منه الید، وهذا لا یصح عند ذي لب.
وتأويل هذا يدل على ضعف نظره، وقلة علمه بما جاء عن السلف في
هذه المسألة اهـ. والله أعلم.
وقوله وَّليه: ((توضأوا مما مست النار))، أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة
لمن أكل طعاما مسته النار، وذلك عند أكثر العلماء وعند جماعة أئمة الفقهاء
منسوخ بأكله پڼ طعاما مسته النار، وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث
وضوءا. فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما مست النار
منسوخ. وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة، والبصرة،
ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، أو لم يعرفوا منه غير الوجه
الواحد فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار، ويتوضأون من ذلك، وممن
روي عنه ذلك زيد بن ثابت، وابن عمرو، وأبو موسى، وأبو هريرة،
وعائشة، وأم حبيبة، أُمّا المؤمنين، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري،
وعن ابن عمر، وأنس بن مالك، وبه قال خارجة بن زيد بن ثابت، وأبو
بكر بن عبد الرحمان، وابنه عبد الملك، ومحمد بن المنكدر، وعمر بن
عبدالعزيز، وابن شهاب الزهري، فهؤلاء كلهم مدنيون.
وقال به من أهل العراق أبو قلابة، وأبو مخلد، والحسن البصري، ويحيى
ابن يعمر، وهؤلاء كلهم بصريون.
و کان ابن شهاب رحمه الله قد عرف الوجهین جميعا في ذلك، وروی
الحديثين المتعارضين في هذا الباب، وكان يذهب إلى أن قوله وَلفيه: (( توضأوا
مما غیرت النار)» ناسخ لفعله المذکور في حديث ابن عباس هذا ومثله، وهذا
مما غلط فيه الزهري مع سعة علمه، وقد ناظره أصحابه في ذلك، فقالوا:
كيف يذهب الناسخ على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهم الخلفاء

فتح البر
٣٥٨
ـسـ
الراشدون، فأجابهم بأن قال: أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول
الله ێ من منسوخه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن
زهير، قال: حدثنا هارون بن معروف، قال حدثنا ضمرة، عن رجاء بن أبي
سلمة عن أبي رزين، قال: سمعت الزهري يقول: أعيى الفقهاء، وأعجزهم
أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله وآل من منسوخه.
وروى أبو عاصم النبيل وهو الضحاك بن مخلد، عن ابن أبي ذئب، عن
ابن شهاب، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة بن زيد بن ثابت عن
أبيه زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله وَليه: توضأوا مما غيرت النار(١).
وجاء عن أبي هريرة في هذا الباب نحو مذهب ابن شهاب لأن أبا هريرة
ممن روى عن النبي ولو أنه قال: توضأوا مما مست النار(٢). وروى عنه
أيضا أنه أكل كتف شاة فمضمض، وغسل يديه، وصلى ، فكان أبو هريرة
يتوضأ مما مست النار، فدل ذلك على أن مذهبه مذهب ابن شهاب في ذلك
سواء، وأنه اعتقد أن الناسخ قوله وَله: توضأوا مما مست النار.
فأما حديثه في الر خصة في ذلك فرواه سهیل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة: أن رسول الله وَلي («أكل كتف شاة فمضمض، وغسل يديه،
وصلى))(٣). ذكره الاثرم، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا وهيب، قال:
حدثنا سهيل وذكر عبد الرزاق عن ابن جريح، عن محمد بن يوسف، عن
سليمان بن يسار، عن أبي هريرة: انه كان يتوضأ مما مست النار.
(١) حم (١٨٤/٥-١٨٨-١٩٠). م (١ / ٢٧٢/ ٣٥١). ن (١٧٩/١١٥/١).
(٢) م (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ / ٣٥٢). د (١ / ١٣٤ / ١٩٤) بلفظ: ( الوضوء مما أنضجت النار).
ت (٧٩/١١٤/١). ن (١/ ١٧١/١١٣-١٧٢). جه (٤٨٥/١٦٣/١) من حديث أبي هريرة.

نواقض الوضوء
٣٥٩
وأخبرنا أحمد بن عبد الله، وأحمد بن سعيد، قالا: حدثنا مسلم بن
القاسم، قال: حدثنا أبو الحسن العباس بن محمد الجوهري ببغداد، قال:
حدثنا عمي القاسم بن محمد، قال حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا
فليح بن سليمان، قال: سألنا الزهري عن الوضوء مما غيرت النار، فذكر فيه
عن أبي هريرة وخارجة بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن أبي
بكر بن عبد الرحمان، وغيرهم: أنهم كانوا يتوضئون مما غيرت النار، فقلت
له: إن هاهنا شيخا من قريش يقال له عبد الله بن محمد بن عقيل يحدث عن
جابر بن عبد الله يقول: خرجنا مع رسول الله ويله إلى أهل سعد بن الربيع،
فأتينا بخبز، ولحم فأكل، وأكلنا، فصلى رسول الله وَيه ولم يتوضأ، وأنه
رجع مع أبي بكر في خلافته بعد المغرب فأتى أهله فابتغى عشاء فقيل ما
عندنا عشاء، إلا أن هذه الشاة ولدت فاحتلب لنا من لبنها، ثم طبخ فأكل،
وأكلنا، فقال لي ما قال لك يعني النبي ◌ُّم قال، قال لي: إذا جاءنا مال
أعطيناك هكذا، وهكذا، وهكذا فحفن لي ثلاث حفنات، ثم قمنا الى
الصلاة، فصلينا، ولم يمس أحد منا ماء. وكان عمر بن الخطاب ربما صنع
لنا في ولايته الخبز، واللحم، فأكل وما يتوضأ أحد منا، فقال الزهري: أهذا
تریدون؟ حدثني علي بن عبد الله بن عباس ان أباه أخبره أنه رأى رسول
الله ◌َ لي أكل عضوا، وصلى، ولم يتوضأ(١). قال: وحدثني جعفر بن عمرو
ابن أمية الضمري، عن أبيه: ((انه رأى رسول الله وَ لو أكل عضوا، وصلى، لم
يتوضأ))(٢)، فقلت للزهري: فما بعد هذا؟ قال انه يكون الامر، ثم يكون
بعده الأمر.
.. (١) جه (٤٩٣/١٦٥/١). ابن عدي (٥٦/٣). ابن خزيمة (٢٧/١/ ٤٢). من حديث سهل
عن أبيه عن أبي هريرة.
(٢) م (١ / ٢٧٣ / ٩١). وذكره جه (١ / ١٦٥/ ٤٩٠) معلقا. من حديث علي بن عبد الله بن عباس
عن أبيه به.
٠٠

فتح البر
٠٣٦٠
قال أبو عمر:
فهذا يدلك على أن ابن شهاب كان يذهب إلى أن الناسخ في هذا الباب
أمره ◌َّله بالوضوء مما مست النار، وأظنه كان يقول: إن أمهات المؤمنين لا
يخفى عليهن الآخر من فعله بَ ي﴿ فبهذا استدل- والله أعلم- على أنه
الناسخ، وقد كان عنده في ذلك ما ذكره عبد الرزاق، عن معمر، وابن
جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي سفيان بن
المغيرة بن الأخنس أنه دخل على أم حبيبة فسقته سويقا، ثم قام يصلى،
فقالت توضأ يا بن أخي، فإني سمعت رسول الله و لو يقول: توضأوا مما
مست النار(١). قال معمر قال الزهري وبلغني أن زيد بن ثابت، وعائشة،
كانا يتوضئان مما مست النار.
قال أبو عمر:
وجاء عن عائشة رضي الله عنها مثل مذهب ابن شهاب في أن الناسخ
أمره بالوضوء مما مست النار.
قرأت على خلف بن القاسم أن عبد الله بن جعفر بن الورد حدثهم،
قال: حدثنا عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا
عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن عبد العزيز بن
عمران، عن ابن لعبد الرحمان بن عوف، عن عائشة، قالت: ((كان آخر
الأمرين من رسول الله وَ ﴿ الوضوء مما مست النار)) (٢)، فهذا كله يعضد
مذهب ابن شهاب في هذا الباب.
(١) خ (٦٧٥/٢٠٦/٢). م (١/ ٣٥٥/٢٧٣). جه (٤٩٠/١٦٥/١).
(٢) حم (٣٢٦/٦-٣٢٧-٣٢٨). د (١/ ١٣٤ -١٣٥ /١٩٥). ن (١٨٠/١١٥/١). عبد الرزاق
(٦٦٥/١٧٢/١-٦٦٦).