النص المفهرس
صفحات 221-240
الوضوء ٢٢١ = تخليل اللحية. وكان الأوزاعي يقول: ليس تحريك العارضين و تخليل اللحية بواجب. قال أبو عمر: روي عن النبي ◌َّجلال أنه خلل لحيته في وضوئه- من وجوه كلها ضعيفة(١)، وأما الصحابة والتابعون، فروي عن جماعة منهم تخليل اللحية، وأكثرهم لم يفرقوا بين الوضوء والجنابة، وروي عن جماعة منهم - الرخصة (١) قلت: كلا، بل بعضها صحيح وبعضها فيه مقال: - فمن حديث أنس: ((أن النبي ◌َ ◌ّه كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال:«هکذا أمرني ربي عزوجل.)) عند: د (١٤٥/١٠١/١) وفيه الوليد زوران وهو مجهول الحال. ك (١٤٩/١). البيهقي (١/ ٥٤). -ومن حديث عثمان: ((أن النبي ◌َ ﴿﴿ كان يخلل لحيته)): أخرجه ت (٣١/٤٦/١) وقال: هذا حديث حسن صحيح، جه (١ /٤٣٠/١٤٨). ابن خزيمة (٧٨/١-١٥١/٧٩-١٥٢). حب: الإحسان (٣٦٢/٣ -٣٦٣/ ١٠٨١). ك (١٤٩/١) وقال: «قد اتفق الشيخان على إخراج طرق لحديث عثمان في دبر وضوئه ولم یذکرا في رواياتهما تخليل اللحية ثلاثا. وهذا إسناد صحيح قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق ولا أعلم في عامر بن شقيق طعنا بوجه من الوجوه)) وتعقبه الذهبي بقوله: ((ضعفه ابن معین، وله شاهد صحیح.)) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (٦٩/٥): «صحح الترمذي حديثه في التخلیل، وقال في العلل الكبير: قال محمد( [يعني البخاري] أصح شيء في التخلیل عندي حديث عثمان. قلت: إنهم يتكلمون في هذا. فقال: ((هو حسن. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم.)) اهـ. - ومن حديث عائشة: ((كان إذا توضأ خلل لحيته بالماء)) عند: حم (٢٣٤/٦). ك (١ / ١٥٠). وقال الحافظ في التلخيص (٨٦/١): ((وإسناده حسن.)). - ومن حديث عمار بن ياسر: ((رأيت رسول الله وَسليل يخلل لحيته)) أخرجه: ت (٢٩/٤٤/١-٣٠). جه (٤٢٩/١٤٨/١). ك (١٤٩/١). وصححه الشيخ الألباني: صحيح الترمذي (٢٧). - ومن حديث ابن عمر: ((كان رسول الله ◌َّله إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحیته بأصابعه من تحتها .)) عند: جه (١٤٩/١/ ٤٣٢) قال البوصيري «في الزوائد: في إسناده عبد الواحد هو مختلف فيه)). الدار قطني (١٠٦/١-١٠٧). البيهقي (١/ ٥٥). = فتح البر =٢٢٢ في ترك تخليل اللحية وإيجاب غسل ما تحت اللحية- إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا اختلاف فيه، ومن احتاط وأخذ بالأوثق، فهو أولى به في خاصته، وأما الفتوى بإيجاب الإعادة، فما ينبغي أن يكون إلا عن يقين- وبالله التوفيق. وذكر ابن خواز بنداد أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء إلا شيء روي عن سعيد بن جبير. = - وأما من حديث أبي أيوب الأنصاري: ((رأيت رسول الله پڼ توضأ فخلل لحیته)) فعند: جه (١٤٩/١/ ٤٣٣). قال البوصيري في الزوائد: («هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي سورة وواصل الرقاشي)). - ومن حديث أبي أمامة: ((أن رسول الله وَ﴿ كان إذا توضأ خلل لحيته)) أخرجه ابن أبي شيبة (١١٢/٢٠/١). الطبراني (٣٣٣/٨-٨٠٧٠/٣٣٤). وذكره الهيثمي في المجمع (٢٣٥/١) وقال:((رواه الطبراني في الكبير وفيه الصلت بن دينار وهو متروك)). اهـ. وهذا وهم منه رحمه الله، إذ ليس فيه الصلت بن دينار. وإن كان إسناده ضعيفا كما قال الحافظ في التلخيص (٨٦/١). - ومن حديث ابن عباس: (( ... فغسل يديه، ومضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا،ومضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وخلل لحيته ... الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٩٨/١٤٥/٣). - و من حديث أبي الدرداء : ((رأيت رسول الله ﴾ توضأ فخلل لحيته مرتین .. )) عند: ابن عدي في الكامل (٨٤/١). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٤٠/١) وقال: ((رواه الطبراني في الكبير، وفيه تمام بن نجیح، قد ضعفه البخاري وجماعة، وو ثقه یحیی بن معین)). - أما من حديث عبد الله بن أبي أوفى: ((أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وخلل لحيته، وقال: رأيت رسول الله ﴿﴿ يفعل هذا.)) فأخرجه أبو عبيد في ((الطهور)) (٨٢/١٦٩/١) (٣١١/٣٤٤/١). - ومن حديث أم سلمة: ((أن النبي و ﴿ كان إذا توضأ خلل لحيته)): ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٤٠/١) وقال: ((رواه الطبراني في الكبير وفيه خالد بن إلياس ولم أر من ترجمه.)) قال الحافظ في ((التقريب)) (١٦٢٢/٢٥٥/١) ((متروك الحديث)). - ومن حديث جابر: «وضأت رسول الله وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنها أنياب مشط)) عند: ابن عدي في ((الكامل)) (٤٠٣/١). - ومن حديث أبي بكرة: ((أن النبي وَل﴿ توضأ وخلل لحيته)): ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٣٢/١-٢٣٣) وقال: ((رواه البزار وقال: لا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد، وبكار ليس به بأس وابنه عبد الرحمن صالح.» - ومن حديث كعب بن عمرو: ((رأيت رسول الله وَالل توضأ مسح باطن لحيته وقفاه)): عزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٥/١) إلى الطبراني. ٠ الوضوء ٢٢٣ قال أبو عمر: الذي روى عن سعيد بن جبير قوله: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسلها، وما بال الأمرد یغسل ذقنه- ولا يغسله ذو اللحية. وقال الطحاوي: التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات اللحية، ثم سقط بعدها عند جمیعهم، فكذلك الوضوء. وقال سحنون عن ابن القاسم: سمعت مالكا يسأل: هل سمعت بعض أهل العلم يقول: إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء؟ قال مالك: وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله، قیل لسحنون: أرأيت من غسل وجهه ولم يمر الماء على لحيته؟ قال هو بمنزلة من لم يمسح رأسه وعليه الإعادة. واختلف قول الشافعي فيما ينسدل من شعر اللحية، فقال مرة: أحب إلي أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه، فإن لم يفعل ، ففيها قولان، قال: يجزيه في أحدهما ولا يجزيه في الآخر. قال المزني: يجزيه أشبه بقوله، لأنه لا يجعل ما سقط- يعني ما انسدل عن منابت شعر الرأس - من الرأس، فكذلك يلزمه أن لا يجعل ما سقط عن منابت شعر الوجه من الوجه. قال أبو عمر: من جعل غسل اللحية كلها واجبا، جعلها وجها- والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا - ولم يخص صاحب لحية من أمرد، فكل ما وقع عليه اسم وجه، فواجب غسله، لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجها، فوجب غسلها بعموم الظاهر، لأنها بدل من البشرة، فتح البر =٢٢٤ ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية، ذهب إلى الأصل المأمور بغسله: البشرة، وإنما وجب غسل اللحية، لأنها ظهرت فوق البشرة وصارت البشرة باطنا، وصار الظاهر هو اللحية، فصار غسلها بدلا من البشرة، وما انسدل من اللحية لیس تحته ما يلزم غسله، فیکون غسل اللحية بدلا منه، كما أن جلد الرأس مأمور بمسحه، فلما نبت عليه الشعر، ناب مسح الشعر عن مسح الرأس، لأنه ظاهر بدل من الرأس الباطن تحته، وما انسدل من الرأس وسقط، فليس تحته بشرة يلزم مسحها، ومعلوم أن الرأس سمي رأسا لعلوه، ونبات الشعر فيه، وما سقط من شعره وانسدل فليس برأس، فكذلك ما انسدل من اللحية، فليس بوجه- والله أعلم. ولأ صاحب مالك أيضا في هذه المسألة قولان كأصحاب الشافعي سواء- والله المستعان. وأما غسل اليدين، فقد أجمعوا أن الأفضل أن يغسل اليمنى قبل اليسرى، وأجمعوا أن رسول الله وسل كذلك كان يتوضأ؛ وكان وَالله يحب التيامن في أمره كله: في وضوئه وانتعاله، وغير ذلك من أمره (١)، وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل يمناه، أنه لا إعادة عليه. وروينا عن علي، وابن مسعود، أنهما قالا: لا تبالي بأي يديك بدأت. وقال معن بن عيسى: سألت عبد العزيز بن أبي سلمة عن إجالة الخاتم عندالوضوء، فقال: إن كان ضيقا فأجله، وإن كان سلسا فأقره، وأما إدخال المرفقين في الغسل، فعلى ذلك أكثر العلماء، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وأصحابه- إلا زفر، فإنه اختلف عنه في ذلك: فروي عنه أنه يجب غسل المرافق مع الذراعين، وروي عنه أنه لا يجب ذلك، وبه قال الطبري وبعض أصحاب داود، وبعض المالكيين أيضا، (١) خ (٥٨٥٤/٣٨٠/١٠). م (٢٦٨/٢٢٦/١). د (٤ /٣٧٨ / ٤١٤٠). ت (٦٠٨/٥٠٦/٢). ن (١١٢/٨٣/١). جه (٤٠١/١٤١/١) كلهم من حديث عائشة. الوضوء ٢٢٥ ومن أصحاب داود من قال بوجوب غسل المرفقين مع الذراعين، فمن لم يوجب غسلهما، حمل قوله عز وجل: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] - على أن ((إلى)) ههنا غاية، وأن المرفقين غير داخلين في الغسل مع الذراعين، كما لا يجب دخول الليل في الصيام، لقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَيِّقُّوْ اَلْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: (١٨٧)]. ومن أوجب غسلهما، جعل ((إلى)) في هذه الآية بمعنی ((الواو)) أو بمعنى ((مع)) كأنه قال: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم والمرافق، أو مع المرافق، و((إلى)) بمعنى ((الواو)) وبمعنى (مع)) معروف في كلام العرب، كما قال عز وجل: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اَللَّهِ﴾ [آل عمران: (٥٢)] أي: مع الله، وكما قال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢] - أي: مع أموالكم، وأنكر بعض أهل اللغة أن تكون ((إلى)) ههنا بمعنی: الواو، وبمعنی مع؛ وقال: لو کان کذلك، لوجب غسل اليد كلها- واليد عند العرب من أطراف الأصابع إلى الكتف؛ وقال: ولا يجوز أن تخرج ((إلى)) عن بابها، ويذكر أنها بمعنى الغاية أبدا؛ قال: وجائز أن تكون ((إلى)) ههنا بمعنى الغاية، وتدخل المرافق مع ذلك في الغسل، لأن الثاني إذا كان من الأول، كان ما بعد ((إلى)) داخلا فيما قبله، نحو قول الله عزوجل: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: (٦)]، فالمرافق داخلة في الغسل، وإذا كان ما بعدها ليس من الأول، فليس بداخل فيه نحو: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ [البقرة: (١٨٧)]. قال أبو عمر : يقول إنه ليس اللیل من النهار، فلم يدخل الحد في المحدود، وإنما يدخل الحد في المحدود - إذا كان من جنسه- والمرافق من جنس الأيدي والأذرع، فوجب أن يدخل الحد منها في المحدود، لأن هذا أصل حكم الحدود والمحدودات عند أهل الفهم والنظر - والله أعلم. ومن غسل المرفقين مع الذراعين، فقد أدى فرض طهارته وصلاته بيقين - واليقين في فتح البر == ٢٦ ٢٢٦= أداء الفرائض واجب، وأما المسح بالرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله، فقد أحسن وفعل أكمل ما يلزمه، وكلهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة موعبة كاملة لا يزيد عليها، إلا الشافعي- فإنه قال: أكمل الوضوء: أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا، کلها سابغة، ویمسح برأسه ثلاثا. وروي مسح الرأس ثلاثا عن أنس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهم: وكان ابن سيرين يقول بمسح رأسه مرتين، وكان مالك يقول في مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه- على حديث عبد الله بن زيد هذا؛ وبحديث عبد الله بن زيد هذا يقول أيضا الشافعي، وأحمد، وكان الحسن بن حي يقول: يبدأ بمؤخر الرأس، وروي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه- ولا يصح. وفي حديث عبد الله بن زيد بدأ بمقدم رأسه، وهذا هو النص الذي ينبغي أن يمتثل ويحتمل عليه. وروى معاوية والمقدام بن معدي کرب عن النبي وَله في مسح الرأس مثل رواية عبد الله بن زيد- سواء. وأما قوله في حديث عبد الله بن زيد: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، فقد توهم بعض الناس أنه بدا بمؤخر رأسه، لقوله: فأقبل بهما وأدبر وتوهم غيره أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر، وهذه كلها ظنون لا تصح. وفي قوله: بدأ بمقدم رأسه ما يدفع الإشكال لمن فهم، وهو تفسير قوله: ((فأقبل بهما وأدبر)). وتفسيره: أنه كلام خرج على التقديم والتأخير، كأنه قال فأدبر بهما وأقبل، لأن الواو لا توجب الرتبة، وإذا احتمل الكلام التأويل، كان قوله: بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه - تفسير ما أشكل من ذلك. أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا محمود بن خالد، ويعقوب بن كعب الأنطاكي، قالا حدثنا الوليد بن مسلم، عن جرير بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن الوضوء ٢٢٧ - المقدام بن معدي كرب، قال: رأيت رسول الله وَ ل و توضأ، فلما بلغ مسح رأسه، وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه(١). وروى معاوية أنه رأى رسول الله وَ له يتوضأ مثل ذلك سواء. وأما قول الحسن بن حي يبدأ بمؤخر رأسه، فإنه قد روی في حديث الربيع بنت معوذ ابن عفراء- أنها وصفت وضوء رسول الله وَ لقول قالت: ومسح رأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه، وبأذنه ظهورهما وبطونهما (٢)- وهو حديث مختلف في ألفاظه، وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع، وهذا لفظ بشر بن المفضل، والحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن محمد بن عقيل ليس بالحافظ عندهم، وقد اختلف عنه في هذا، وروى طلحة بن مصرف عن أبيه، عن جده قال: رأيت النبي وَل يمسح رأسه مسحة واحدة حتى بلغ القذال - وهو أول القفا، بدأ من مقدمه إلى مؤخره- حتى أخرج يديه من تحت أذنيه. وأصح حديث في هذا: حدیث عبد الله بن زيد المذکور فیه. واختلف الفقهاء فيمن مسح بعض الرأس: فقال مالك: الفرض مسح جميع الرأس، وإن ترك شيئا منه، کان کمن ترك غسل شيء من وجهه، هذا هو المعروف من مذهب مالك وهو قول ابن علية، قال ابن علية: قد أمر الله بمسح الرأس في الوضوء، كما أمر بمسح الوجه في التيمم، وأمر بغسله في الوضوء. وقد اجمعوا أنه لا يجوز غسل بعض الوجه في الوضوء، ولا مسح بعضه في التيمم، فكذلك مسح الرأس، قال: وقد أجمعوا على أن الرأس يمسح (١) د (١٢٢/٨٨/١). جه (١/ ٤٤٢/١٥١) مختصرا كلاهما من حديث معدي كرب. (٢) د (١٢٦/٩٠/١). ت (٣٣/٤٨/١) وقال: هذا حديث حسن. جه (١ /٤٣٨/١٥٠). =٢٢٨ فتح البر كله، ولم يقل أحد إن مسح بعضه سنة وبعضه فريضة؛ فلما أجمعوا أن ليس بعضه سنة، دل على أنه كله فريضة مسحه- والله أعلم. واحتج إسماعيل وغيره من أصحابنا لوجوب العموم في مسح الرأس بقول الله عز وجل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: (٢٩)]. وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك مسح الرأس؛ وقوله عز وجل: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: (٦)] معناه عندهم: امسحوا رؤوسکم، ومن مسح بعض رأسه فلم یمسح رأسه. ومن الحجة أيضا لهم: أن الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، هذا هو المشهور من مذهب مالك، لكن أصحابه اختلفوا في ذلك: فقال أشهب: يجوز مسح بعض الرأس، وذكر أبو الفرج المالكي قال: اختلف متأخروا أصحابنا في ذلك: فقال بعضهم: لا بد أن يمسح كل الرأس أو أكثره حتى يكون الممسوح أكثر الرأس فيجزئ ترك سائره. قال أبو عمر: هذا قول محمد بن مسلمة، وزعم الأبهري أنه لم يقله غيره من المالكيين؛ قال أبو الفرج: وقال آخرون: إذا مسح الثلث فصاعدا، أجزأه- وإن كان المتروك هو أكثر؛ قال: وهذا أشبه القولين- عندي- وأولاهما من قبل أن الثلث فما فوقه قد جعله في حيز الكثير في غير موضع من كتبه ومذهبه؛ وزعم الأبهري أنه لم يقل أحد من أصحاب مالك ما ذكره أبو الفرج عنهم، وأن المعروف لمحمد بن مسلمة ومن قال بقوله: أن الممسوح من الرأس إذا كان الأكثر - والمتروك منه الأقل، جاز على أصل مالك في أن الثلث یسیر مستندر عنده في كثير من أصول مسائله ومذهبه. الوضوء ٢٢٩ قال أبو عمر: ما ذكره أبو الفرج خارج على أصل مالك في أن الثلث کثیر في مسائل كثيرة من مذهبه، وكذلك ما ذكره الأبهري أيضا، لأن الثلث عنده في أشياء کثیر، وفي أشياء قليل، وليس هذا موضع ذكرها. وأما الشافعي فقال: الفرض مسح بعض الرأس ولم يجد - وهو قول الطبري، وقد روي عنهما: إن مسح ثلث الرأس فصاعدا أجزأ، قال الشافعي: احتمل قول الله عز وجل: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ﴾ [المائدة: (٦)] مسح بعض الرأس ومسح جمیعه، فدلت السنة أن مسح بعضه یجزىء. وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عز وجل في التيمم: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: (٦)] أيجزىء بعض الوجه في التيمم؟ قيل له: مسح الوجه في التيمم بدل من عموم غسله، فلا بد من أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل فيه؛ ومسح الرأس أصل، فهذا فرق ما بينهما وعفا الله - عز وجل - في التيمم عن الرأس والرجلين، ولم يعف عن الوجه والیدین، فلا بد من الإِتیان بذلك علی کماله وأصله. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن مسح المتوضى ربع رأسه أجزأ، ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره؛ واختلف أصحاب داود: فقال بعضهم: مسح الرأس كله واجب فرضا كقول مالك؛ وقال بعضهم: المسح ليس شأنه في اللسان الاستيعاب، والبعض يجزئ. وقال الثوري والأوزاعي والليث: يجزئ مسح الرأس، ويمسح المقدم- وهو قول أحمد، وقد قدمنا عن جميعهم أن مسح جميع الرأس أحب إليهم، وكان ابن عمر وسلمة بن الأوكع يمسحان مقدم رؤوسهما، وعن جماعة من التابعين إجازة مسح بعض الرأس: فتح البر ٢٣٠ حدثنا عبد الوارث بن سفیان قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب عن محمد بن سيرين، عن عمرو بن وهب، قال: كنا عند المغيرة بن شعبة، فقال: مسح نبي الله ێ بناصيته. قال أبو عمر: بین ابن سیرین وبین عمرو بن وهب في هذا الحدیث رجل، كذلك قال حماد بن زيد عن أيوب. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى عن سليمان التيمي، قال أخبرنا بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، أن رسول الله وَ ل توضأ ومسح بناصيته، ثم ذكر: فوق العمامة(١). قال أبو عمر: الناصية مقدم الرأس، وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا محمد بن بکر، قال أخبرنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، عن أنس بن مالك؛ قال: رأيت رسول الله پ يچ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة(٢). وأجاز الثوري، والشافعي، مسح الرأس بأصبع واحدة، وقال أبو حنيفة: إن مسح رأسه أو بعضه بثلاثة أصابع فما زاد أجزأه، وإن مسح (١) م - مطولا (٢٧٤/٢٣١/١ [٨٣]). د (١٠٤/١-١٥٠/١٠٥). ت (١/ ١٠٠/١٧٠). ن (١/ ٨٠- ٨١/ ١٠٧) كلهم من حديث المغيرة بن شعبة. (٢) د (١٠٢ - ١٠٣ / ١٤٧). جه (١ / ١٨٦ - ١٨٧ / ٥٦٤). الوضوء ٢٣١ بأقل من ذلك لم يجزه. والمرأة عند جميع العلماء في مسح رأسها كالرجل سواء کل على أصله. وأما غسل الرجلين، ففي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: ثم غسل رجليه ولم يجد، وفي حديث عثمان وعلي إذ وصفا وضوء رسول الله وَل ﴾ في بعض الروايات عنهما: ثم غسل رجليه ثلاثا(١)، وفي بعضها: ثم غسل حتى أنقاهما(٢)، وفي بعضها: ثم غسل رجليه فقط(٣)، وكذلك في بعض الروايات عن عثمان: ثم مسح رأسه ثلاثا(٤)، وفي أكثرها: ثم مسح رأسه فقط(٥)، وفي بعضها: ثم مسح رأسه مرة واحدة، (٦) والوضوء كله ثلاثا. وأجمع العلماء أن غسلة واحدة سابغة في الرجلين وسائر الوضوء تجزئ. و کان مالك لا يحد في الوضوء واحدة ولا اثنتين ولا ثلاثا، وکان یقول إنما هو الغسل وما عم من ذلك أجزأ، والرجلان وسائر الأعضاء سواء. والقول عند العلماء على ما قدمنا في أصولهم في دخول المرفقين في الذراعين، كذلك القول عندهم في دخول الكعبين في غسل الرجلين، وجملة قول مالك وتحصيل مذهبه: أن المرفقين إن بقي شيء منهما مع القطع غسلا؛ قال: وأما الكعبان فهما باقيان مع القطع، ولا بد من غسلهما مع (١) خ (١/ ١٥٩/٣٤٤). م (١/ ٢٠٤-٢٢٦/٢٠٥[٤]). د (١٠٧/٧٩/١) واللفظ له. ن (١ / ٨٥/ ١١٦) كلهم من حديث عثمان. ومن حديث علي عند: د (١/ ١١٣/٨٣). ن (١ / ٧٣/ ٩٣). ابن خزيمة (١٤٧/٧٦/١). (٢) الطبراني في الأوسط (٢٢٩٨/١٤٥/٣). وذكره الهيثمي في المجمع (٢٣٧/١) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط و فیه نافع بن هرمز وهو ضعيف جدا.)) كلاهما من حديث ابن عباس. ومن حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني عند: م (١/ ٢٣٢٦/٢١١). (٣) د (١/ ١٠٨/٨٠). (٤) د (١ / ٧٩ / ١٠٧). (٥) خ (١/ ١٥٩/٣٤٤). م (٢٠٤/١-٢٢٦/٢٠٥). د (١٠٦/٧٨/١). ن (٨٥/٦٩/١). (٦) د (١ / ١٠٨/٨٠). جه (١ / ١٥٠/ ٤٣٥). ٢٣٢٠ - فتح البر الرجلين؛ هذا هو المختار من المذهب، والكعبان هما الناتئان في أصل الساق؛ وعلى هذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي في الكعبين؛ وأما العرقوب، فهو مجمع مفصل الساق والقدم. وقال أبو جعفر الطحاوي: كل مفصل عند العرب کعب، وقال: للناس في الكعبين ثلاثة أقوال: فالذي يذهب إليه محمد بن الحسن أن في القدم كعبا، وفي الساق كعبا، ففي كل رجل كعبان؛ قال: وغيره يقول في كل قدم كعب، وموضعه ظهر القدم مما يلي الساق؛ قال: وآخرون يقولون: الكعب هو الدائر بمغرز الساق، وهو مجتمع العروق من ظهر القدم إلى العراقيب؛ قال: والعرب تقول الكعبان هما العرقوبان. قال أبو عمر: قد ذكرنا في باب بلاغات مالك عند قوله ◌َّلية: ويل للأعقاب من النار(١) . - أحكام غسل الرجلین، وإبطال قول من قال بمسحهما، وذكرنا الحجة في ذلك من جهة الأثر والنظر، وذكرنا القول المختار عندنا في الکعبین هناك- والحمد لله. واتفق مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم: أن الرأس لا يجزئ مسحه إلا بماء جديد يأخذه المتوضئ له، كما يأخذه لسائر الأعضاء؛ ومن مسح رأسه بماء فضل من البلل في يديه عن غسل ذراعيه لم يجزه. وقال الأوزاعي وجماعة من التابعين: يجزى، وقد مضى القول في الوضوء بالماء المستعمل في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن (١) خ (١/ ١٦٥/٣٥٤). م (٢١٤/١-٢٤٢/٢١٥). ت (٤١/٥٨/١). جه (١/ ١٥٤/ ٤٥٣). كلهم من حديث أبي هريرة. وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن عمرو وجابر وعمر بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهم. الوضوء ٢٣٣ الصنابحي، وليس في حديث عبد الله بن زيد هذا ذكر مسح الأذنين. وقد ثبت عن النبي ټ من وجوه- أنه کان يمسح أذنيه في وضوئه، وقد مضى القول في مسح الأذنين وما في ذلك من الحكم والاختيار لفقهاء الأمصار في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي أيضا من كتابنا هذا، ومضى أيضا ذكر المضمضة والاستنثار- والحمد لله کثیرا لا شريك له. = ٢٣٤ فتح البر ما جاء في الاستنثار [١٠] مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وال﴾ قال: إذا توضأ أحدكم فيلجعل في أنفه ثم ليستنثر، ومن استجمر فليوتر(١). هكذا رواه يحيى: فليجعل في أنفه ثم ليستنثر؛ ولم يقل ماء، وهو مفهوم من الخطاب؛ وهكذا وجدناه عند جماعة شيوخنا، إلا فيما حدثناه أحمد بن محمد عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه فإنه قال فيه: فليجعل في أنفه ماء. وأما القعنبي فلم يقل ماء في رواية علي بن عبد العزيز عن القعنبي. ورواه أبو داود عن القعنبي فقال فيه: فليجعل في أنفه ماء(٢)، وكذلك رواية ابن بكير ومعن وجماعة عن مالك: فليجعل في أنفه ماء، وعند أکثر الرواة هو هكذا: فليجعل في أنفه ماء. وقال أبو خليفة الفضل بن حباب القاضي البصري، عن القعنبي في هذا الحديث: فليجعل في أنفه الماء، وهذا كله معنى واحد والمراد مفهوم؛ ورواية ورقاء لهذا الحديث عن أبي الزناد كما روى يحيى عن مالك- لم يقل ماء. قرأت على عبد الله بن محمد بن يوسف، أن عبيد الله بن محمد بن أبي غالب حدثھم: قال حدثنا محمد بن محمد بن بدر الباهلي، قال حدثنا رزق الله بن موسى، قال حدثنا شبابة، قال حدثنا ورقاء بن عمر اليشكري، عن (١) خ (١٦٢/٣٤٩/١). م (٢٣٧/٢١٢/١). د (١٤٠/٩٦/١). ن (١/ ٨٦/٧٠). من حديث أبي هريرة. (٢) د (١ / ٩٦ / ١٤٠) ومن طريق القعنبي أخرجه أيضا: حب: الإحسان (٤/ ١٤٣٩/٢٨٧) بلفظ : ... فليجعل الماء في أنفه)». الوضوء ٢٣٥ - أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَّم قال: إذا أحدكم توضأ فلیجعل في أنفه، ثم يستنثر. قال أبو عمر: في هذا الحديث الأمر بالاستنثار بالماء عند الوضوء، وذلك دفع الماء بريح الانف بعد الاستنشاق، والاستنشاق أخذ الماء بريح الانف من الكف، والاستئثار دفعه؛ ومحال ان يدفعه من لم ياخذه، ففي الامر بالاستنثار أمر بالاستنشاق فافهم؛ وعلى ما وصفت لك في الاستنشاق والاستنثار، جمهور العلماء؛ وأصل هذه اللفظة في اللغة: القذف، يقال، نثر واستنثر بمعنى واحد؛ وذلك إذا قذف من انفه ما استنشق مثل الامتخاط، ويقال الجراد نثرة حوت، أي قذف به من أنفه، وقد روى ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك قال: الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر، قيل لمالك: أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك وقال: إنما يفعل ذلك الحمار! وسئل مالك عن المضمضة والاستنثار مرة أم مرتين أم ثلاثا؟ فقال: ما أبالي أي ذلك فعلت، وكل ذلك جائز عند مالك وجميع أصحابه أن یتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة. قال أبو عمر: أما لفظ الاستنشاق، فلا يكاد يوجد الامر به إلا في رواية همام، عن أبي هريرة (١)؛ وفي حديث أبي رزين العقيلي، واسمه لقيط بن صبرة، ويوجد أن رسول الله وَ ل﴾ و تمضمض واستنشق من حديث عثمان(٢)، وعلي (٣)، وعائشة (٤)، وغيرهم من وجوه. (١) ولفظه ((إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخزيه من الماء ثم لينثره)). حم (٣١٥/٢). م (٢١٢/١/ ٢١). ذكره البخاري تعليقا (٢٠٠/٤). (٢) خ (١٥٩/٣٤٤/١). م١/ ٢٠٤-٢٢٦/٢٠٥ [٤]). د (١٠٧/٧٩/١) واللفظ له. ن (١/ ١١٦/٨٥) کلهم من حديث عثمان. (٣) ومن حديث علي عند: د (١١٣/٨٣/١). ن (١/ ٩٣/٧٣). ابن خزيمة (١٤٧/٧٦/١). (٤) ن في الكبرى (١٠٤/٨٦/١). == ٢٣٦ فتح البر وأما لفظ الاستنثار، فمحفوظ الامر به من حديث ابن عباس(١)، ومن طريق أبي هريرة من رواية أبي إدريس الخولاني(٢)، والأعرج، وعيسى بن طلحة، وغيرهم، عن أبي هريرة؛ وقد ذكرنا خبر أبي إدريس الخولاني في باب ابن شهاب من كتابنا هذا، وذكرنا هناك الحكم في الاستجمار وما للعلماء في ذلك من الوجوه والاختيار، وذكرنا أقوالهم في الاستنثار في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي من كتابنا هذا، ونزيد القول ههنا بیانا في ذلك- ان شاء الله. حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل ابن كثير، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله ، أخبرني عن الوضوء؟ قال اسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائم)(٣). ورواه الثوري، عن أبي هاشم، عن عاصم- باسناده مثله. ورواه ابن جريج عن إسماعيل بن کثیر- باسناده مثله. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، قال حدثنا نعيم بن حماد، قال حدثنا ابن المبارك، قال أخبرنا ابن أبي ذئب، عن قارظ بن شيبة، عن أبي غطفان، قال: دخلت على ابن عباس فوجدته يتوضأ، فمضمض واستنثر، ثم قال: قال رسول الله (١) حم (٢٢٨/١). د (٩٦/١ - ٩٧ / ١٤١). جه (٤٠٨/١٤٣/١). ك (١٤٨/١). وقال الذهبي: ((هذا شاهد لخبر لقيط)). (٢) خ (١ / ١٦١/٣٤٧). م (٢١٢/١/ ٢٣٧ [٢٢]). ن (١ / ٨٨/٧١). جه (١/ ٤٠٩/١٤٣) من حديث أبي هريرة. (٣) هذا الحديث يروى عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه عند: د (٩٧/١ .. ١٠٠ /١٤٢). ت (٧٨٨/١٥٥/٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ن (١/ ٨٧/٧٠). جه (١/ ١٤٢/ ٤٠٧). الوضوء ٢٣٧ = دجلة: استنثروا اثنتين بالغتين، أو ثلاثا(١). وذكره أبو داود عن إبراهيم بن موسى، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن قارظ، عن أبي غطفان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: استنثروا مرتين بالغتين(٢). وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا الفضل بن دکین، قال حدثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس، قال: قال رسول الله التر: اذا استنشقت فانثر، واذا استجمرت فأوتر(٣). وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أبو إسماعيل، قال حدثنا نعيم، قال حدثنا ابن المبارك، قال أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي وَلو قال: إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء، ثم لينثره (٤). قال أبو عمر: هذا أبين حديث في الاستنشاق والاستنثار، وأصحها إسنادا؛ وأجمع المسلمون طرًّا أن الاستنشاق والاستئثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنین. واختلفوا فيمن ترك ذلك ناسيا أو عامدا، فكان أحمد بن حنبل يذهب إلى أن من ترك الاستئثار في الوضوء ناسيا أو عامدا، أعاد الوضوء والصلاة؛ وبه قال أبو ثور، وأبو عبيد في الاستنثار خاصة، وهو قول داود في الاستئثار خاصة أيضا؛ وكان أبو حنيفة والثوري وأصحابهما يذهبون إلى (١) و(٢) حم (٢٨٨/١). د (٩٦/١- ١٤١/٩٧). جه (١٤٣/١ /٤٠٨). ك (١٤٨/١). وقال الذهبي: «هذا شاهد لخبر لقيط)). (٣) ت (٢٧/٤٠/١). ن (١ / ٨٩/٧١). جه (١/ ٤٠٦/١٤٢). (٤) ولفظه ((إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخزيه من الماء ثم لينثره)). حم (٣١٥/٢). م (٢١/٢١٢/١). ذكره البخاري تعليقا (٤/ ٢٠٠). = ٢٣٨ فتح البر إيجاب المضمضة والاستنشاق في الجنابة دون الوضوء، وكانت طائفة توجبهما في الوضوء والجنابة، وقد تقدم ذکرهم في باب زید بن أسلم. وأما مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأكثر أهل العلم، فإنهم ذهبوا إلى أن لا فرض في الوضوء واجب إلا ما ذكره الله عزوجل في القرآن، وذلك غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين،، وقد مضى القول في أحكام المضمضة والاستنشاق، ومسح الأذنين مستوعبا ممهدا بعلله؛ وأوضحنا وجوه الأقاويل فيه عند ذكر حديث الصنابحي في باب زيد بن أسلم، وذكرنا أحكام الاستجمار والاستنجاء بالاحجار في باب ابن شهاب عن أبي إدريس من كتابنا هذا والحمد لله؛ والذي يتحصل من مذهب مالك أن الوتر في الاستجمار ليس بواجب، ولكنه مندوب إليه سنة؛ وقد تابع مالكا على هذا جماعة قد ذكرناهم في باب ابن شهاب، عن أبي إدريس من هذا الكتاب؛ وذكرنا الحجة من جهة الأثر والنظر لهم ولمن خالفهم هناك، والحمد لله، وقد كان ابن عمر يستحب الوتر في تجمير ثيابه، وكان يستعمل العموم في قوله وقالت: ومن استجمر فليوتر، فكان يستجمر بالأحجار وترا، وكان يجمر ثيابه وترا تأسيا بالنبي وَ لا ومستعملا عموم الخطاب- والله الموفق للصواب. وقد جاء في الأثر المرفوع: أن الله وتر يحب الوتر (١). (١) ت (٣١٦/٢/ ٤٥٣). وقال: حديث علي حديث حسن. جه (١/ ١١٦٩/٣٧٠) كلاهما من حديث علي. ومن حديث أبي هريرة عند: م (٤/ ٢٠٦٢/ ٢٦٧٧) وفي الباب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. الوضوء ٩-٢٣ ويل للأعقاب من النار [١١] مالك أنه بلغه أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل على عائشة يوم مات سعد بن أبي وقاص، فدعا بوضوء، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله وَل يقول: ويل للأعقاب من النار. هذا الحديث يرويه سالم الدوسي، وهو سالم بن عبد الله مولی دوس، ويقال مولى النصريين، ويقال: مولى مالك بن أوس بن الحدثان النصري، وهو سالم سبلان، فاختلف عليه فيه، وقيل: بل الاختلاف علی یحیی بن أبي كثير في حديثه عن عائشة، وهو حديث مدني حسن؛ روي عن النبي ◌َّه من وجوه شتی. فأما حدیث عائشة، فحدثناه عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، قال حدثنا عاصم بن علي، قال حدثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم سبلان، قال: خرجنا مع عائشة - رحمها الله - إلى مكة، وكانت تخرج معها بأبي يحيى التیمي يصلي بها؛ قال: فأدركها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأساء عندها الوضوء، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ويل للأعقاب من النار(١). وروى هذا الحديث يحيى ابن أبي كثير، عن سالم الدوسي، فاختلف فيه على يحيى؛ فرواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، قال حدثني سالم مولى المهري، قال: سمعت عائشة تنادي عبد الرحمن: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله وسلم يقول: ويل للأعقاب من النار (٢). (١) حم (٦/ ١١٢-٢٥٨). البيهقي (٦٩/١) من طريق ابن أبي ذئب عن عمران بن بشير به. (٢) م (١/ ٢١٣ / ٢٥). البيهقي (٢٣٠/١). الطحاوي (٣٨/١). من طريق عكرمة بن عمار عن یحیی بن أبي کثیر به. فتح البر =٢٤٠ وذكره مسلم من رواية عكرمة أيضا، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن سالم مولى المهري قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبي بكر في جنازة سعد بن أبي وقاص، فمررنا على باب حجرة عائشة - فذكر الحديث. ورواه أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقب، قال: قال رسول الله وَتليفون: ويل للأعقاب من النار(١). وهذا خطأ- والله أعلم- والصواب في هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير ما رواه عنه الأوزاعي، وحرب بن شداد، وحسين المعلم، وشيبان؛ فإنهم اتفقوا فيه: فرووه عن يحيى، عن سالم، عن عائشة- لا ذکر فیه لأبي سلمة، ولیس حدیث عكرمة بن عمار مما يرفع، لأنه قد يجوز أن يكون يحيى ابن أبي كثير سمعه من أبي سلمة، من سالم، عن عائشة، ثم سمعه من سالم، فحدث به عنه عن عائشة؛ فإن قال قائل: إن المقبري رواه عن أبي سلمة، عن عائشة؛ قيل له: يحتمل أن يكون أبو سلمة أرسله عن عائشة، وهو قد سمعه من سالم عنها؛ فإن قيل إن ابن عجلان يقول فيه عن المقبري، عن أبي سلمة أنه سمع عائشة تقول: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله وَ ليل يقول: ويل للأعقاب من النار. قيل له: لم يقل ذلك عن ابن عجلان من یوثق بحفظه. حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن سعيد ابن أبي سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: توضأ عبد الرحمن بن أبي بكر عند عائشة فقالت له: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت (١) حم (٤٢٦/٣) و(٤٢٥/٥). الطبراني (٨٢٢/٣٥٠/٢٠). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٤٠/١): ((رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه أيوب بن عتبة والأكثر على تضعيف)).