النص المفهرس

صفحات 361-380

فضائل الصحابة والرد على الروافض
٣٦١
ما جاء في مناقب عمر رضى الله عنه
[٥] مالك، عن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله وَ لا عن
الكلالة؟ فقال رسول الله وسلم: يكفيك من ذلك الآية التي نزلت في الصيف
في سورة النساء (١).
قال أبو عمر:
طعن قوم من الملحدين على عمر رضي الله عنه، في هذه القصة،
ونسبوه الى قلة الفهم، فأوضحوا جهلهم، وكشفوا قلة فهمهم،
وسرحوا عن بدعتهم، وقد عرف المسلمون موضع فطنة عمر وفهمه
وذكائه، حتى لقد كان يسبق التنزيل بفطنته، فينزل القرآن على ظنه
ومراده، وهذا محفوظ معلوم عنه في غير ما قصة، منها نزول آية
الحجاب(٢)، وآية فداء الاسرى(٣)، وآية (( اتخذوا من مقام ابراهيم
مصلى)) (٤) وآية تحريم الخمر(٥)، وغير ذلك مما يطول ذكره. ولا يجهل
فضائله وموضعه من العلم، الا من سفه نفسه، ولعمري ان في هذا
(١) هكذا رواه مالك مرسلا. وسيأتي تخريجه في كتاب ((الفرائض والوصية)) جزء البيوع.
(٢) حم (٢٣/١-٢٤-٣٦-٣٧). خ (١/ ٦٦٤ / ٤٠٢) (٨/ ٢١٣/ ٤٤٨٣) (٨ / ٦٧٦ / ٤٧٩٠)
وفيها ذكر قصة نزول آية الحجاب. ورواه:
ت (٢٩٥٩/١٩٠/٥- ٢٥٦٠). جه (١٠٠٩/٣٢٢/١). مختصرا دون ذكر قصة الحجاب.
(٣) رواه من حديث ابن مسعود: حم (٣٨٣/١-٣٨٤). ت (١٨٥/٤ - ١٧١٤/١٨٦) وأشار إلى
القصة الطويلة وقال: هذا حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه و (٣٠٨٤/٢٥٣/٥)
أطول منه. ك (٢١/٣-٢٢) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. البيهقي: في الدلائل
(١٣٨/٣) ورواه من حديث ابن عباس.
م (٣/ ١٣٨٣ - ١٣٨٥ / ١٧٦٣).
(٤) انظر تخريجه في التعليق رقم (٢).
(٥) حم (٣٧٨/٣١٧/١) [شاكر]. د(٧٩/٤ - ٣٦٧٠/٨٠). ت (٢٣٦/٥-٣٠٤٩/٢٣٧) =

فتح البر
٣٦٢
الخبر عنه في الكلالة، ما يزيد في فضله، ويوضح عن مهمه ومنزلته
عند رسول الله وَله، لأنه لو لم يكن عند رسول الله وَخلاله ممن يقوم
باستخراج التأويل، واستنباط المعاني من التنزيل، لما رد رسول الله وَالخالد
هذا ومثله الى نظره واستنباطه، والى بصره واستخراجه، ولما قال له:
يكفيك آية الصيف، ولو كان عنده ممن لا يدرك استخراج التأويل من
ظاهر التنزیل، لما کفته عنده الآية، ولبین له ما یحتاج من ذلك الیه،
وأوضح له ما أشكل عليه، اذ كان بيانه واجبا لازما له ◌َ﴾. وروى
يحيى بن آدم ، عن شريك، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد.
وعن شريك أيضا عن مجالد، عن عامر الشعبي، قالا: كان عمر بن
الخطاب يرى الرأي، فينزل به القرآن.
= ن (٨ / ٦٨١ - ٦٨٢ / ٥٥٥٥). ك (٢ / ٢٧٨) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
ووافقه الذهبي.
البيهقي (٢٨٥/٨). قال ابن كثير في التفسير (٨٨/٢): ((وصحح هذا الحديث على بن
المديني والترمذي)). [المائدة: ٩٢- ٩٣].

١٠ - كتاب الفتن
وأشراط الساعة

٣٦٥
رأس الكفر في الروافض وأذنابهم
[١] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. أن رسول الله وَلخر قال:
رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والابل الفدادين
أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم (١).
أما قوله رأس الكفر نحو المشرق، فهو أن أكثر الكفر وأكبره كان
هناك، لانهم كانوا قوما لا كتاب لهم- وهم فارس ومن وراءهم،
ومن لا كتاب له، فهو أشد كفرا من أهل الكتاب، لانهم لا يعبدون
شيئا، ولا يتبعون رسولا، فهذا - والله أعلم- معنى قوله رأس الكفر
نحو المشرق، وقد مضى بعض هذا المعنى في كتابنا هذا عند قوله وَالآتى :
من حيث يطلع قرن الشيطان، فلا وجه لاعادة ذلك ههنا، وأما أهل
الخيل والابل، فهم الاعراب أهل الصحراء، وفيهم التكبر والتجبر
والخيلاء- وهي الاعجاب والفخر والتبختر. وأما أهل الغنم فهم أهل
سكينة وقلة أذى وقلة فخر وخيلاء- على ما قال النبي وَ ل فهو
الصادق في خبره لقد .
وأما قوله الفدادين، فكان مالك يقول: الفدادون هم أهل الجفاء،
وهم أهل الخيل والوبر- يريد بالوبر: الابل، وهو كما قال مالك. قال
أبو عبيد : هم الفدادون- بالتشديد- وهم الرجال، والواحد فداد.
وقال الاصمعي: هم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم
وما يعالجون منها. قال أبو عبيد: وكذلك قال الاصمعي، قال:
ويقال منه فد الرجل يفد فديدا، إذ اشتد صوته، وأنشد:
(١) حم (٥٠٦/٢). خ (٣٣٠١/٤٣١/٦). م (٨٥/٧٢/١).

فتح البر
٣٦٦
انبئت أخوالي بني يزيد ظلما علينا لهم فديد
قال أبو عبيد: وكان أبو عبيدة يقول غير ذلك كله، قال: الفدادون
المكثرون من الابل الذي يملك أحدهم المائتين منها- إلى الالف، يقال
للرجال فداد اذا بلغ ذلك، وهم مع هذا جفاة أهل خيلاء. وقال
الاخفش في الفدادين قولان: أحدهما أنهم الاعراب، سموا بذلك
لارتفاع أصواتهم عند سقي إبلهم وحركاتهم مع رغاء إبلهم، والفديد
الاصوات والجلبة. وقيل: إنما سموا الفدادين من أجل الفدافد، وهي
الصحاري والبوادي الخالية، واحدها فدفد، والاول أجود.
قال أبو عمر: وروي من حديث قيس بن عاصم، أنه سمع رسول
الله وَلله يقول أهل الابل أهل الجفاء، قال أبو عمر: ليس اسناد هذا
اللفظ بالقائم، وقد صح عنه وَخلال أنه قال: من لزم البادية جفا.
وروى الثوري وابن عيينة، عن أبي موسى التمار، عن وهب ابن
منبه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَظله: من سكن البادية جفا
ومن اتبع الصيد غفل، ومن لزم السلطان افتتن(١).
قال أبو عبيد: ومن هذا الحديث الذي يروى أن الارض إذا دفن
فيها الانسان قالت له: ربما مشيت علي فدادا، والمعنى ذا مال كثير،
وذا خيلاء.
قال أبو عمر: الحديث حدثناه قاسم بن محمد ، قال حدثنا خالد
ابن سعد، قال حدثنا محمد بن فطيس، قال حدثنا بكر بن
(١) حم (١/ ٣٥٧). د (٢٨٥٩/٢٧٨/٣). ت (٢٢٥٦/٤٥٤/٤) وقال: هذا حديث حسن
صحیح غریب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري.

الفتح وأشراط الساعة
٣٦٧
سهل، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثنا معاوية بن
صالح، عن يحيى بن جابر الطائي، عن ابن عائذ الأزدي، عن
عضيف بن الحارث، قال: أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد
ابن عمير، قال: فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته
يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، فيقول: يا بن آدم، ما غرك
بي؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم
أني بيت الحق؟ يا ابن آدم، ما غرك بي، لقد كنت تمشي حولي فدادا.
قال ابن عائذ: قلت لغضيف: ما الفداد يا أبا أسماء؟ قال كبعض
مشيتك يا ابن أخي أحيانا. قال غضيف : فقال صاحبي - وكان أكبر
مني- لعبد الله بن عمرو: فإن كان مؤمنا فماذا له ؟ قال: يوسع له
في قبره، ويجعل منزله أخضر، ويعرج بنفسه إلى الله (تعالى).

الفتن وأشراط الساعة
٣٦٩٠
الفتنة حيث الروافض وأذنابهم
[٢] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: رأيت رسول
الله ◌َلا يشير إلى المشرق يقول: ها إن الفتنة ههنا، ان الفتنة ههنا من حيث
يطلع قرن الشيطان (١).
لم يختلف في إسناد هذا الحديث- والحمد لله - ولا في لفظه،
وقد حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد،
وعبد الله بن عمر بن اسحاق، قالا: حدثنا اسحاق بن ابراهيم بن
جابر، قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن
دينار، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله وَّجله يشير إلى المشرق
يقول: ها إن الفتنة ههنا، إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن
الشيطان (٢).
في هذا الحديث علم من أعلام نبوة رسول الله ◌َ﴾ لاخباره بالغيب
عما يكون بعده. و الفتنة ههنا بمعنى الفتن، لان الواحدة ههنا تقوم
مقام الجميع في الذكر، لان الألف واللام في الفتنة ليسا إشارة إلى
معهود، وإنما هما إشارة إلى الجنس، مثل قوله: ﴿الَّانِيَةُ وَالَّانِ﴾
[النور: (٢)]. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: (٣٨)]. فأخبره وَّ عن إقبال
الفتن من ناحية المشرق، وكذلك أكثر الفتن من المشرق انبعثت وبها
كانت، نحو الجمل، وصفين، وقتل الحسين، وغير ذلك مما يطول
ذكره مما كان بعد ذلك من الفتن بالعراق، وخراسان، إلى اليوم، وقد
كانت الفتن في كل ناحية من نواحي الاسلام، ولكنها بالمشرق أكثر
أبدا .
(١) و(٢) حم (٠٠٢٣/٢). خ (٣٢٧٩/٣٣٦/٦). والحديث ورد عن ابن عمر أيضا لكن من
طرق أخرى عند م (٢٩٠٥/٢٢٢٨/٤). ت (٢٢٦٨/٤٥٩/٤).

فتح البر
٣٧٠
ومثل هذا الحديث قوله وَجُل إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم
كمواقع القطر(١)، وقد يحتمل أن تكون الفتنة في هذا الحديث معناها
الكفر، وكانت المشرق يومئذ دار كفر، فأشار إليها، والفتنة لها وجوه
في اللغة، منها: العذاب، ومنها الاحراق، ومنها الحروب التي بين
الناس، ومنها الابتلاء والامتحان، وغير ذلك على حسبما قد ذكره
أهل اللغة، وأما قوله من حيث يطلع قرن الشيطان، فقد مضى القول
فيه في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي من كتابنا
هذا، فلا وجه لاعادة ذلك ههنا.
(١) حم (٢٠٠/٥). خ (٤/ ١٨٧٨/١١٧/٤). م (٤/ ٢٢١١ /٢٨٨٥).

الفتح وأشراط الساعة
٣٧١٠
تمني الموت عند حدوث الفتن
[٣] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلخير قال:
((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه))(١).
قال أبو عمر :
قد ظن بعض الناس أن هذا الحديث معارض لنهيه وَخل عن تمني
الموت بقوله وَخُلّ ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به))(٢) قال: وفي
هذا الحديث إباحة تمني الموت، وليس كما ظن وإنما هذا خبر أن ذلك
سيكون لشدة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين وضعفه وخوف
ذهابه لا لضر ينزل بالمؤمن في جسمه.
وأما قوله وَجّ ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول:
يا ليتني مكانه)) فإنما هو خبر عن تغير الزمان وما يحدث فيه من المحن
والبلاء والفتن، وقد أدركنا ذلك الزمان كما شاء الواحد المنان لا
شريك له، عصمنا الله ووفقنا وغفر لنا آمين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا ابن الاصبهاني، قال أخبرنا شريك
ابن عبد الله، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر،
(١) حم (٢٣٦/٢). خ (٧١١٥/٩٣/١٣). م (١٥٧/٢٢٣١/٤ (٥٣)). جـ
(٢/ ٤٠٣٧/١٣٤٠).
(٢) أخرجه من حديث أنس: حم (١٦٣/٣-١٩٥-٢٠٨-٢٤٧). خ (١٥٦/١٠/ ٥٦٧١).
م (٤ / ٢٠٦٤ / ٢٦٨٠). د (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١ / ٨ ٣١٠ - ٣١٠٩). ت (٣/ ٣٠٢ / ٩٧١).
ن (٤ / ٣٠٠ /١٨١٩). جه (٢/ ٤٢٦٥/١٤٢٥).

فتح البر
٣٧٢
عن عليم، قال: كنت مع عبس الغفاري على سطح له، فرأى قوما
يتحملون من الطاعون، فقال: يا طاعون، خذني إليك، ثلاثا يقولها،
فقال له عليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله وَ﴾ ((لا يتمنى
أحدكم الموت، فإنه عند انقطاع عمله، ولا يرد فيستعتب))؟ فقال
عبس: إني سمعت رسول الله وَظله يقول: بادروا بالموت ستا: إمرة
السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة
الرحم، ونشوا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنيهم
بالقرآن- وإن كان أقلهم فقها (١). وهذا حديث مشهور روي عن عبس
الغفاري من طرق، قد ذكرناها في كتاب البيان عن تلاوة القرآن-
والحمد لله.
وفي قول رسول الله وَله: اللهم إذا أردت بالناس فتنة فاقبضني
إليك غير مفتون (٢) ما يوضح لك معنى هذا الحديث. ومثل هذا قول
(١) حم (٤٩٤/٣). طب (٦١/٣٦/١٨). وفي سنده:
شريك بن عبد الله القاضي: صدوق، يخطئ كثيرا وتغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة.
أبو يقظان وهو عثمان بن عمير: ضعيف، واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٨/٥) وقال: ((رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط
والكبير بنحوه إلا أنه قال عن عابس الغفاري، فذكر الهيثمي حديثه ثم قال: ((وفي إسناد أحمد
عثمان بن عمير البجلي وهو ضعيف وأحد إسنادي الكبير رجاله رجال الصحيح)).
قلت: أخرجه: الطبراني في الكبير (٢٣٧/٣-٣١٦٢/٢٣٨). ك (٤٤٣/٣) وسكت عليه هو
والذهبي. والحديث ذكره الشيخ ناصر في الصحيحة (٢/ ٧١٠-٩٧٩/٧١١) بطرق أخرى
وحكى عن الحافظ تصحيحه له في الإصابة.
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: ت (٣٢٣٣/٣٤٢/٥) من طريق أيوب عن أبي قلابة عن ابن
عباس. وقال : وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا. وقد رواه
قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن الحلاج عن ابن عباس. ثم أسنده (٣٢٣٤) وقال: ((حديث
حسن غريب من هذا الوجه)). وأخرجه من حديث معاذ بن جبل: ت
(٣٤٣/٥-٣٢٣٥/٣٤٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح ، سألت محمد بن إسماعيل عن
هذا الحدیث، فقال: هذا حديث حسن صحيح.

الفتح وأشراط الساعة
٣٧٣
عمر: اللهم قد ضعفت قوتي وكبرت سنى، وانتشرت رعيتي،
فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. فما جاوز ذلك الشهر حتى
قبض -رحمة الله عليه- وقد ذكرنا هذين الخبرين في باب يحيى بن
سعيد، وقد روى شعبة عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا الزعراء
يحدث عن عبد الله، قال: ليأتين عليكم زمان يأتي الرجل القبر
فيقول: يا ليتني مكان هذا، ليس به حب الله، ولكن من شدة ما يرى
من البلاء.
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن صالح بن عمر المقرئ،
حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا العباس
ابن محمد الدوري، حدثنا عبد الرحمن بن يونس أبو يونس الجعدي،
حدثنا عمر بن أبان أخو عبد العزيز بن أبان، عن سفيان، عن رجل،
عن عمر بن عبد العزيز، أنه مر على أهل مجلس فقال: ادعو الله لي
بالموت، قال: فدعوا له: فما مكث إلا أياما حتى مات.
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا أحمد بن
جعفر بن عبيد الله، حدثنا العباس بن محمد الدوري املاء، حدثنا أبو
عبيد القاسم بن سلام، حدثنا أحمد بن كثير الطرسوسي، حدثنا حماد
ابن سلمة، قال: كان سفيان الثوري عندنا بالبصرة، فكان كثيرا ما
يقول: ليتني قد مت، ليتني قد استرحت، ليتني في قبري، فقال له
خالد بن سلمة: يا أبا عبد الله، ما كثرة تمنيك هذا الموت ؟ والله لقد
آتاك الله القرآن والعلم. فقال له سفيان: يا أبا سلمة، وما تدري لعلي
أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة،
أکون قد مت وسبقت هذا.
وقال يحيى بن يمان: سمعت سفيان يقول: قد كنت أشتهي أن من
حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه عند حدوث الفتن وكل ما لا ينفع

فتح البر
٣٧٤
أمرض وأموت، فأما اليوم، فليتني مت فجأة، لأني أخاف أن أتحول
عما أنا عليه، من يأمن البلاء بعد خليل الرحمن - وهو يقول
﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَِّىَ أَنْ نَعْبُدَ اْلْأَصْنَامَ
[إبراهيم: (٣٥)].
وقال يحيى بن يمان عن سفيان، لما جاء البشير يعقوب قال له: على
أي دين تركت يوسف؟ قال: على الاسلام، قال: الآن تمت النعمة.
وفي هذا الحديث أيضا من العلم إباحة الخبر بما يأتي بعد وبما
يكون، وهذا غير جائز على القطع إلا لمن أظهره الله على غيبه ممن
ارتضى من رسله، وبالله العصمة والتوفيق.
أنشدنا غير واحد لمنصور الفقيه -رحمه الله -:
قد غلب الغي على الغي وأصبح الناس كلا شي
أحسن أحوالا من الحي
وأصبح الميت في قبره

الفتح وأشراط الساعة
٣٧٥
من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعينه عند حدوث الفتن وكل ما لا ينفع
[٤] مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، بن علي بن أبي طالب، أن
رسول الله وَ قال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه(١).
هكذا رواه جماعة الموطأ عن مالك فيما علمت، الا خالد بن
عبد الرحمن الخراساني، فانه رواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن
علي بن الحسين، عن أبيه، وكان يحيى بن سفيان يثني على خالد بن
عبد الرحمن الخراساني- خيرا، وقد تابعه موسى بن داود الضبي-
قاضي طرسوس، فقال فيه أيضا عن أبيه- وهما جميعا لا بأس بهما،
الا أنهما ليس بالحجة على جماعة رواة الموطأ الذين لم يقولوا فيه عن
أبيه .
فأما رواية خالد بن عبد الرحمن، فحدثنا أحمد بن عبد الله بن
محمد بن علي، قال: حدثني أبي، قال حدثنا محمد بن قاسم:
وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قالا: حدثنا
(١) ت (٤ / ٢٣١٨/٤٨٤) من طريق مالك بهذا الإسناد. حم (١/ ٢٠١) من حديث حسن بن
علي مرفوعا وقال الهيثمي في المجمع (٢١/٨) ((رواه أحمد والطبراني في الثلاثة ورجال
أحمد والكبير ثقات.)) ورواه ت (٤/ ٢٣١٧/٤٨٣).
جه (٣٩٧٦/١٣١٥/٢) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. حب: الإحسان
(٢٢٩/٤٦٦/١). وقال النووي في الأربعين: حديث حسن. وذكره الهيثمي في المجمع
(٢١/٨) من حديث زيد بن ثابت وقال: ((رواه الطبراني في الصغير وفيه محمد بن كثير بن
مروان وهو ضعيف. وعزاه السيوطي للحاكم في الكنى من حديث أبي بكر والشيرازي من
حديث أبي ذر والحاكم في تاريخه: عن علي بن أبي طالب. والطبراني في الأوسط عن زيد
ابن ثابت وابن عساكر عن الحارث بن هشام، ورمز للحديث بالصحة . انظر فيض القدير
(٨٢٤٣/١٢/٦).

فتح البر
,٣٧٦
اسحاق بن ابراهيم بن يونس، قال: حدثنا بحر بن نصر، قال: حدثنا
خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: حدثنا مالك، عن الزهري،
عن علي بن حسين، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: من حسن
إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه(١).
وحدثنا خلف بن القاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد
القاضي، حدثنا أحمد بن عمرو بن جابر، وأبو جمعة، قالا: حدثنا
محمد بن إبراهيم بن كثير، أخبرنا محمد، حدثنا علي بن عمر،
حدثنا أبو هريرة محمد بن علي بن حمزة الانطاكي، حدثنا محمد بن
إبراهيم بن كثير، قال حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني، حدثنا
مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن أبيه، قال: قال رسول
الله وَظله: من حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه(٢).
أخبرنا محمد، حدثنا علي بن عمر، حدثنا أبو بكر عبد الله بن
محمد بن زياد النسابوري، حدثنا بحر بن نصر بن سابق، وسعد بن
عبد الله بن عبد الحكم بن أعین- مولی عثمان بن عفان، قال: حدثنا
خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: حدثنا مالك بن أنس، زاد
سعد وعبد الله بن عمر العمري: عن الزهري، عن علي بن حسین،
عن أبيه، عن النبي وَّ قال: من حسن اسلام المرء، تركه ما لا
یعنیه(٣).
وأما رواية موسى بن داود، فأخبرنا محمد، حدثنا علي بن عمر،
قال حدثنا محمد بن مخلد بن حفص، حدثنا ابراهيم بن محمد بن
مروان بن كنانة، قال حدثنا موسى بن داود، قال حدثنا مالك بن
أنس، وعبد الله بن عمر العمري، عن ابن شهاب، عن علي بن
(١) و(٢) و(٣) تقدم تخريجه في حديث الباب.

الفتن وأشراط الساعة
٣٧٧
حسين، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: من حسن اسلام المرء،
تركه ما لا يعنيه(١).
قال أبو عمر:
انما أوتي فيه خالد بن عبد الرحمن، وموسى بن داود -والله أعلم -.
لانهما حملا حدیث مالك في ذلك علی حدیث العمرى، عن الزهري
فيه. ورواه زياد بن سعد، عن الزهري، واختلف في حديثه على ابن
المقري: حدثني عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن سعيد،
قال: حدثنا عبد الجبار بن أحمد السمرقندي، قال: حدثنا محمد بن
عبد الله بن يزيد المقري، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن
سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَجليه: من حسن اسلام المرء، تركه ما لا يعنيه (٢).
حدثني محمد بن خليفة، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد
المفضل ابن محمد الجندي، قال: حدثنا ابن المقري، قال: حدثنا ابن
عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن علي بن حسين، قال:
قال رسول الله وَجليا: من حسن اسلام المرء، تركه ما لا يعنيه.
وكذلك رواه ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن
الزهري، عن علي بن حسین- مرسلا.
وأما عبد الجبار، فقد أخطأ فيه واعضل، ولا مدخل لسعيد بن
المسيب في هذا الحديث، ولا يصح فيه عن الزهري الا اسنادان:
أحدهما ما رواه مالك ومن تابعه،- وهم أكثر اصحاب الزهري، عن
علي بن حسين - مرسلا، والآخر ما رواه الأوزاعي، عن قرة بن
(١) و(٢) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
٣٧٨
ـسيـ
حيوئيل عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة- مسندا،
والمرسل عن علي بن حسين أشهر وأكثر، وما عدا هذين الاسنادين،
فخطأ لا يعرج علیه.
وأما حديث قرة بن حيوئيل، فحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا
سعيد بن عثمان بن السكن، قال: حدثنا أحمد بن الحسين- أبو الجهم
الدمشقي، قال: حدثنا أحمد بن أبي الجواري قال: حدثنا أبو مسهر،
قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الله بن سماعة، قال: حدثنا الاوزاعي،
عن قرة بن حيوئيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَجلول: من حسن اسلام المرء، تركه ما لا يعنيه(١).
وحدثنا محمد بن خليفة قال: حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا
جعفر بن محمد الفريابي، وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن
خالد، قال: حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ البغدادي، قال: حدثنا
الاوزاعي، عن قرة بن حيوئيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: من حسن اسلام المرء، تركه ما
لا يعنيه (٢).
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل،
قال: حدثنا النحاس، قال: حدثنا الحسن بن علي الرافقي، قال:
حدثنا العباس بن الوليد بن يزيد، قال: حدثني أبي: قال: حدثني
الاوزاعي، قال: حدثني قرة بن عبد الرحمن بن حیوئیل، قال: حدثني
الزهري، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة: قال: قال
رسول الله 843* من حسن اسلام المرء، تركه ما لا يعنيه(٣).
قال أبو عمر:
(١)و(٢) و(٣) تقدم تخريجه في حديث الباب.

الفتن وأشراط الساعة
٣٧٩
كلامه هذا ◌َّ من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في
الالفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحد قبله - والله أعلم، الا أنه قد
روي عنه وَيُّ، أنه قال في صحف إبراهيم من عد كلامه من عمله،
قل كلامه الا فيما يعنيه: حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد
بن الحسين الفريابي، حدثني إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني،
قال: حدثني أبي عن جدي، عن أبي ادريس الخولاني، عن ابي ذر،
قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف ابراهيم عليه السلام؟
قال: كانت أمثالا كلها- فذكر الحديث. قال: وكان فيها: وعلى
العاقل ان يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن
حسب كلامه من عمله، قل كلامه الا فيما يعنيه(١).
وحدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال:
حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال حدثنا محمود بن خالد، قال: حدثنا
عمر بن عبد الواحد، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: وقف
رجل على لقمان الحكيم وهو في حلقة عظيمة، فقال: الست عبد بني
الحسحاس؟ فقال: بلى، قال: فأنى بلغت ما أرى، قال: قدر الله،
وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني.
وذكر مالك في موطئه، أنه بلغه انه قيل للقمان: ما بلغ بك ما
نرى؟ يريدون الفضل، فقال لقمان: صدق الحديث، وأدء الامانة،
وترك ما لا يعنيني.
وروى أبو عبيدة، عن الحسن قال: من علامة اعراض الله عزوجل
عن العبد ان يجعل شغله فيما لا يعنيه. وقال سابق:
(١) حب: الإحسان (٣٦١/٧٦/٢). أبو نعيم في الحلية (١٦٦/١-١٦٧). الطبراني في الكبير
(١٦٥١/١٥٧/٢). وفيه إبراهيم بن هشام. قال أبو حاتم أظنه لم يطلب العلم. وهو
كذاب. وقال ابن الجوزي: قال أبو زرعة: كذاب. (ميزان الاعتدال [٢٤٤]).

فتح البر
٣٨٠
والنفس إن طلبت ما ليس يعنيها جهلا وسخفا تقع فيما يعنيها
وقال الحسن بن حميد:
وقلت من مقالته الفضول
إذا عقل الفتى استحيا واتقى
قال أبو عمر:
روينا عن أبي داود السجستاني رحمه الله أنه قال: أصول السنن في
كل فن أربعة أحاديث، أحدها حديث عمر بن الخطاب عن النبي وَال
انه قال: إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى(١)، والثاني:
حديث النعمان بن بشير، عن النبي وَجُلّ أنه قال: الحلال بين والحرام
بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه
وعرضه(٢)، الحديث. والثالث: حديث أبي هريرة عن النبي وَلّ: من
حسن اسلام المرء، تركه ما لا يعنيه(٣). والرابع حديث سهل بن
سعد، عن النبي وَ لّ انه قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما
في أيدي الناس، يحبك الناس(٤).
حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا علي بن علي بن محمد بن
مسرور، قال حدثنا أحمد بن أبي سليمان، قال: حدثنا سحنون،
(١) خ (١/١١/١). م (١٩٠٧/١٥١٥/٣). ت (٤/ ١٥٤/ ١٦٤٧). ن (١ / ٦٢ / ٧٥).
د (٢ / ٦٥١ / ٢٢٠١).
(٢) حم (٢٦٧/٤). خ (٥٢/١٦٨/١). م (١٥٩٩/١٢١٩/٣). د (٣٣٢٩/٦٢٣/٣).
ت (١٢٠٥/٥١١/٣). ن (٤٤٦٥/٢٧٩/٧). جه (٣٩٨٤/١٣١٨/٢).
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٤) جه (٤١٠٢/١٣٧٣/٢). ك (٣١٣/٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه. ورده الذهبي بقوله: ((خالد بن عمرو القرشي: وضاع)) =